Articles Comments

» مختارات » أشنقوا سعدي يوسف!

أشنقوا سعدي يوسف!

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



نشر الشاعر سعدي يوسف نصا في جريدة القدس العربي بعنوان “أي ربيع عربي” . لقي النص نقدا لاذعا  من العديد من المثقفين والكتاب بينهم على سبيل المثال لا الحصر فاروق وادي، عبد المنعم رمضان، وجابر عصفور. سعدي يوسف حسب المعارضين لقصيدته تلك  “يقلل من شأن الثورات العربية، زاعما وجود يد أمريكية خفية وراءها”. لست هنا بصدد الدفاع عن نص سعدي يوسف أو سعدي يوسف ذاته  بل للإشارة الى ظاهرة مريبة هي النقد التشهيري. وهي ظاهرة أحسبها قديمة لكنها تصاعدت مؤخرا بفعل الثورات العربية التي لا تزال  تدفع بكثير من الكتاب الى سباقات سريعة  لتمييز “الحق” من “الباطل” و”البطل” من “الخائن”.

تصور مقالة فاروق وادي المنشورة في جريدة الأيام الفلسطينية بعنوان “للشِّعر أنتَ تعود مرتبكاً!” مثالا متميزا لهذا النوع من النقد. بشكل ميلودرامي يلبي حاجة الكثيرين الى البكاء يقول وادي:

“نستطيع أن نقول، إن قصيدته جاءت مخيِّبة لآمال الشِّعر، وأحلام الثورة، وسياق الرؤية السياسيّة المتوقعة من شيوعيّ أخير، يغذّ خطاه نحو الجنّة!”

يخلط الكاتب في المقتبس السابق بين متطلبات نص أدبي هدفه تحقيق شيء أسماه الكاتب “آمال الشعر” وبين بالون بلاغي أسماه “أحلام الثورة” ثم ينتهي الى الحديث عن منهج سياسي ووعد بالجنة!. أكاد أرى صورة سعدي يوسف في ذهن القارئ خائبا بائسا “باع دينه بعرض من الدنيا” … يذكرنا كلام وادي بنصوص دينية وربما بنصوص أدبية ذات مرجعيات دينية كرسالة الغفران للمعري، حيث الكاتب مستنسخا ابن القارح وسعدي يوسف مجسدا شخصية من شخصيات الجحيم.

ثم يتبع وادي ذلك بقوله:

“غير أن ذلك الرفيق، شاء أن يذهب، في العصر الأميركي الذي هيمن على العراق، إلى أقصى حدود التجريب السياسي مع قوى العدوان الأميركي، ليرتمي في أحضانها دون تردُّد”

كلام خطير لا تتبعه أمثلة ولا أدلة. كلام فيه بعض السخرية وإيحاءات بالذلة والوضاعة. وهل هنالك أقسى على المرء من تهمة الارتماء في حضن أمريكا في العالم العربي اليوم؟. لعلني أستحضر كلام سعدي يوسف في شأن العراق -ذلك الكلام الذي كان بمقدور وادي الإشارة اليه لتوضيح سياق التهمة على أقل تقدير- حين قال ما معناه أنه فقد الشعور بالعراق، كوطن وشكى تحوله إلى مستعمرة أميركية تدار بنظام إسلامي. ذلك الكلام الذي لقي في حينه موجة عاتية من الانتقادات بين المثقفين العراقيين. أستذكر أيضا في هذا المقام ما قاله فاروق يوسف في جريدة القدس العربي “كان الشاعر(سعدي يوسف) وفيا لعراقيته أكثر منا جميعا. حتى حين قرر علانية أن العراق لا يصلح أن يكون وطنا فقد كان مخلصا لإنسانيته، التي يجرحها أن تكون حظيرة المنطقة الخضراء بديلا عن العراق التاريخي”. الا يحق للكاتب أن يبدي امتعاضه من وطن، أو قبيلة؟ سؤال من أسئلة الألفية الثالثة بعد ميلاد أحد الممتعضين.

ويذهب كاتب آخر هو الكاتب سعيد الكفراوي الى أنه

“لايجوز أن تقوده (سعدي يوسف) أشعاره إلى أراء سياسية قد تضر بعلاقته مع أصدقائه من الشعراء والنقاد المصريين

الكلام هنا يعني امكانية اخراج يوسف من منظومة العلاقات مع المثقفين المصريين، من “السرب” أو “القبيلة”. يتجرأ يوسف على مقدسات القبيلة، أذا فلنخرجه من نعيمها وليذهب الى جحيم فاروق وادي!

من المفارقات المحزنة في هذا السجال أن الثورات العربية التي خلقت للناس السنة للتعبير عن أفكارهم وأحلامهم، مقدر لها تحت سلطة إكليروس ثقافي أن تخرس الآخر، وأن تقمع المختلف بدلا من مساءلته بمنطق تحليلي عقلاني لا تسطيحي منغلق. المفارقة الأهم هنا أن شريحة هامة من النخبة العربية المثقفة-التي ينبغي لها أن تكون في الصفوف الأمامية في الدفاع عن قيم التسامح واحترام الرأي الآخر- تنتقد الرأي المختلف كما لو أنه خطاب عدو وشرير. لسوء حظ سعدي يوسف أن جمهورية الثقافة العربية الفاضلة تضع الكهنة والنبلاء في مواقع القيادة حيث لا مكان للهامشي والمختلف. النبلاء يوزعون الأوسمة والكهنة يصدرون صكوك الغفران ….

Filed under: مختارات