Articles Comments

» أدب, مختارات » في الناصرة… / راجي بطحيش

في الناصرة… / راجي بطحيش

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



في الناصرة…عندما يهبط الخريف على أهله

1

في الناصرة…يهبط الخريف على أهلها دون مراجع شعرية..نصية جاهزة…تذكر ..حيث لا يتكئ الخريف في هذه الحالة على بكائيات لاجئين أو كلمات شاعر ترشح عذوبة سريعة الامتصاص بالأرض…في الناصرة التي لا يحبها الشعراء كثيرا ،يهبط الخريف رويدا رويدا يكنس أغبرة القيظ الدنسة ..يطرد الأرواح التي تحيك مكائد صغيرة ..يطرد الخريف أيضا العمات والخالات اللواتي صففن شعورهن لتوهن من عند حلاقة الحي الهرمة ..دون سبب… تطرد ريح الخريف المحتدة فجأة آنسات الحي ومعذباته وهن يجلسن على شرفات حجرية متآكلة ينتظرن المسيح وهو عائد من عمله مترجلا عبر “نزلة الكلاريس” …لقد صففتن شعوركن عبثا ودون سبب فها أنا قد جئت لأبعثره -أقصد الشعر- وليس ذكريات الحب المتخيّل كما يعتقد الجميع …تقول ريح الخريف…

2
في الناصرة…يهبط الخريف على أهلها..دون أسرار لغوية شعرية خاصة أو رموز غامضة كتبت خلف صورة عائلة قديمة رحل جميع أفرادها جسديا وميتافيزيقبا تاركين ورائهم حكايات مفتعلة لوطن كامل لم يسعفه الغدر كي ..يكن… …في الناصرة التي لا يحبها الشعراء كثيرا ،يهبط الخريف على أهلها بعنف نسبي …أو اختياري..فعندما تهم ركوب سيارتك نحو الخلة وبفعل تزاوج الفولاذ والطبيعة …يجتاحك الياسمين من كل جهة ..ذلك الياسمين الذي أصبح على استعداد كامل للتساقط على كل شيء والذبول والموت…تتماوج هضاب الياسمين يمينا ويسارا ، ثم تأتي ريح شمالية فجائية وتحول مسار قوافل الياسمين وتنعفها على الوجوه لتزركش فيها قميص يوسف…لقد استحملت غباء الغبار كل هذا الصيف وها قد جاء وقتي كي أنتحر عبر التجسد… وأن أخرج من اللوحة الساذجة والقصيدة المكررة…تقول ياسمينة لم يبق لديها ما تخسره…
3
في الناصرة…يهبط الخريف على أهلها..دون أهازيج شعبية متوقعة سلفا، فلم يبذل جموع المهزومين ذاك الجهد الكبير لصياغة قواميس تستخدم تلقائيا لوصف خريفها الضائع المسروق…في الناصرة التي لا يستسيغها الشعراء والرجال الناعمون كثيرا ، يهبط الخريف على أهلها وهم خجلون…ففي فناء كل بيت في الميدان وديانا وتلة الرجفة زيتونة واحدة فقط وأحيانا زيتونتين …تتساقط معظم ثمارها قبل اكتشاف \تذكر وجودها …تنزل العائلة بضع درجات لتقطف ما تبقى من زيتون والتقاط بعض الصور قرب الشجرة وتحويش بعض الثمار غير الناضجة من الأرض تكفي كي تخلل في زجاجتي “كولا” ونصف …لا يتذوق منها أحد شيئا …إن كنتم لا تفقهون شيئا عن آداب الزيتون وروحه…وإن كنتم تشترون مخزونكم من الزيت أصلا من الريف المحيط أو أبعد …فلماذا تزرعونني وسط هذا الإسمنت وتبقونني وحيدة أنتظر…تقول شجرة زيتون جريحة اصيبت بالصم (جراء أصوات الصراخ والعويل التي لا تتوقف والقادمة من المحيط)
4
في الناصرة…يهبط الخريف على أهلها..دون حاجة لقراءة حكاية غياب ملتزمة بالخسارة…مرة أخرى…واستخراج مصطلحات وعبارات جاهزة منها ونثرها طولا وعرضا على عتبة بيت فقد سكانه ذاكرتهم إثر ثروة هبطت عليهم فجأة..سرا…في الناصرة التي لا يفضلها فنانو المسرح كثيرا..يهبط الخريف على الأمهات رويدا رويدا (لا زلن يصففن شعورهن كل سبت عند حلاقة الحي ويصطحبن معهن حكايات غريبة جنسية مثلا تحدث في البلد) …نذهب أنا وأمي لشراء ملح…نجهز أنفسنا بعناية شديدة ونتأنق بشغف غير مفهوم ، نحتار إن كنا سنختار “نزلة الكلاريس” أم نزلة “دار آمنة” …نذهب لشراء كيس ملح مخترقين الشارع الرئيسي مرورا بي وبظلي وانا عائد سيرا على الأقدام من المدرسة المعمدانية إلى تدريب ” الرقص الشعبي والحديث” في المركز الثقافي البلدي…نقول نفس الجملة دائما عندما نمر قرب المحمص الذي كان يفضله أبي ثم نتجاوز بيت الصداقة…أنظر سيدي أبو الياس يجلس وراء النافذة يراقب الشارع…تقول أمي…

5
في الناصرة…يهبط الخريف على أهلها…ويبقيهم جالسين من وراء نوافذهم الصغيرة يترقبون زائرين تائهين عبروا خطأ ذات مساء أحد قصير، فإبريق الشاي المعطر جاهز وكذلك كعكة البرتقال وجوز الهند المربعة الشكل الهندسي والتي هي ليست لذيذة حتما بقدر ما هي خريفية ربما… في الناصرة…التي لا يحبها باحثو الموروث الشعبي المرجو…أذهب لزيارة جدتي “ماري” حيث تتوارى عمتي المسكونة بالجان وأصوات الراحلين، خلف النافذة..أصعد ذلك الدرج العريض الممتد من سور “الكلاريس” إلى سور “المستشفى الفرنسي” أنا وكل ما جمعته وتراكم عند حافة جفوني من…من…معرفة مفرطة..لنقل.أو صخب تراكمي..ربما ..أجلس في الشرفة المعلقة فوق هدير ريح الزمن الخريفية التي تكنس شعري الأبيض نحو فناء “درج دار منصور”…أشاهد على الحائط أمامي التجاعيد المتشكلة على وجوه أولئك الذين غادروا هذا البيت الكبير وظنوا أنهم تركوني أحرسه هو وغرفة الشحبار(الأنبوب) والقطط وصور الموتى ورائحة ملابس جدتي..لم يبق لك مكان تفر إليه، فأنك مجبول بهذا التراب الشحيح..وستموت في مكان ما وسيتمدد جسدك الخاطئ الدنس هنا بين هذين السورين وعلى جانبك صفائح زنبق أبيض…تقول يمامة تأتي إلى هنا أو هناك كل مساء أحد..

 

Filed under: أدب, مختارات

أضف تعليقاً

*