Articles Comments

» أدب » رام الله تحت رام الله / زياد خداش

رام الله تحت رام الله / زياد خداش

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit




مدينة أخرى تحت رام الله؟ قبل عدة سنين كانت تسيطر عليّ فكرة وجود مدينة تحت مدينتنا، الآن تسيطر عليّ فكرة الهبوط إلى تلك المدينة، بعد أن حسمت حقيقة وجودها من عدمه. نعم، توجد مدينة تحت أرض رام الله، حفريات شارع ركب أعانتني على الاكتشاف، لا أريد أن أفصح كيف، سأموت وسيموت السر معي، المدينة التحتية بحجم رام الله تقريباً، مدينة ببشر مختلفين عنّا شكلاً وسلالةً وأسلوب حياة. وضاح زقطان سألني بدهشة عن سر دموعي الخفيفة وأنا أتأمل الجرافة وهي تفقأ عيني الشارع وتزيل ركامات الأتربة من أمام المقهى، لم أجبه لكنني سمعته يهمس من وراء ظهري للنادل ولاء: زياد محيّر هذه الأيام، إنه يحلم بمدن تنهض من نومها، وبيوت تتساقط فوق الرؤوس، وتهشم الأفكار وتدمي الأحلام، وغبار يجلس في المقاهي مع الناس ويأكل الحمص في المطعم القريب ويشرب القهوة، ومخلوقات عجيبة الشكل نصفها العلوي بشري والسفلي جذوع شجر.

نعم، أقول للذين شاهدوني، ليلة أمس، وأنا أهبط في حفرة بالقرب من مقهى رام الله، مدخلاًً يدي في أحد شقوقها إنني أحاول باستمرار البحث عن ثقب صغير، في شارع من الشوارع لأفحص إمكانية أن الثقب يسلم إلى طرف ما من أطراف المدينة الأخرى، أمن أجل ذلك أعشق المدن المدمرة، وأبحث في الإنترنت عن مشاهد دمار مدن لندن وباريس وبرلين في الحرب العالمية الثانية، وأخط باستمرار على حيطان بيتي وأسوار مدينتي جملة غسان كنفاني الشهيرة في قصته البديعة (شيء لا يذهب(: “آه يا حبيبتي، لو نستطيع تدمير هذا العالم وبناءه من جديد حسب أهوائنا”. وأعلق لوحة بيكاسو الشهيرة (جورنيكا) على سور حديقتي، وهي القرية الإسبانية التي أباد الألمان معظم سكانها ودمروها عن بكرة جدها وليس أبيها.
وأنا أجلس صباحاً قبل يومين في الزاوية القصية من المقهى سمعت رجلاً يقول لأبي إلياس: أستغرب من نفسي يا أبو الياس لماذا أحب أن يبقى هذا الشارع مدمراً؟ لا أريد أن يردموا الحفر ويعيدوا تعبيد الشارع، أستمتع بمشهد الغبار والدمار والحفر، وأستغرب من ذاتي. نظر الرجل إلى وجهي وطلب مساعدتي في التفسير. لم أعرف بالضبط بماذا أجيبه، ولكنني شعرت بأنه يحثني بطريقة ما لا واعية على مزيد من البحث عن أسرار المدينة التحتية.
يقول الشاعر الفرنسي لوتريامون (1870 ــ 1864) في كتابه الشهير ــ التدميري للغة والرؤيا ــ (أناشيد مالدورور) “إنّه لا يعرف ما هو الحبّ وما هي الصداقة، وهو لم يجدهما قطّ بين الجنس البشري ويتكلم على لسان بطله مالدورور بأنه سوف يكون سعيداً عندما يشاهد على الشاطئ باخرة ركّاب تغرق على مقربة منه في المياه. وهو منذ بداية الأناشيد يعلن أنه سوف يسخّر عبقريته في تجسيد ملذات القساوة، ولا يمجد الشرّ بل يصرّح بكلّ وضوح بأنّ أفكار بطله مالدورور العدوانية والمتعجرفة والهدّامة مزروعة في نفوس كل البشر”.
مدمر العالم الافتراضي، شاتم نفسه ولاعن حظه، والمتمني الغرق لكل سفن العالم والجفاف لبحاره، الظلامي الروح، المنفصل حتى عن ذاكرته، مكتشف بقع الظلام في نفوس البشر والسبّاق إلى النبش في طبيعة الإنسان التمزيقية، هذا هو الرجل الغامض الذي كان يمر في الأزقة الباردة والمعتمة مختبأً داخل معطف وقبعة بعيداً عن شوارع الناس النهارية الآمنة، والذي لطالما أعجبني بخوف ممتع في تدميراته وعزلته ومرضه ورفضه لكل متفق عليه بين البشر، وعدم إيمانه بالبشرية وتشكيكه بقدرتها على البقاء، الرجل لم يطبق أيّاً من آثامه التي مارسها أبطال نصوصه حلماً ورؤيا، كان مخلوقاً غريب الأطوار محيّر التكوين محدودباً هزيلاً، أشعث الشعر، خشن الصوت بارز الصدغين. ثمة مدن مدمرة في نصوص لوتريامون، عمال مناجم لغويون، غبار مضيء، مثل حشرات ليل حالك الشهوة شديدة الاعتزاز بذاتها، كم أحب اللغة الغبارية الهائجة، ذات الرياح المتلاطمة الأهواء، لغة لوتريامون ملأتني بالحماسة لأبحث عن دماري الحبيب هناك تحت الأرض.
“أؤكد لك أنه لا يوجد نار في عيني، مع أني أشعر فيهما بالانطباع نفسه الذي كنت سأحس به فيما لو كانت جمجمتي مغموسة في خوذة من الجمر المتأجّج. كيف تريد للحوم براءتي أن تغلي في الدن، ما دمت لا أسمع سوى صرخات ضعيفة جدّاً ومبهمة، ليست بالنسبة إليّ سوى تأوّهات الريح، التي تمرّ فوق رؤوسنا. إنّه لمن المستحيل أن يكون ثمّة عقرب قد ركّز مقرّه ومشابكه الحادّة في جوف محجري المقطع؛ أعتقد بالأحرى أنها كمَّاشات قوية تجرش الأعصاب البصرية. إلا أنني متّفق معك، على أنّ الدم، الذي يملأ الدن، قد تمّ استخراجه من أوردتي من قبل جلاد لا منظور، أثناء رقاد الليلة الأخيرة .” (النشيد الثالث- المقطع الأول – أناشيد مالدورور).
لوتريامون المجنون الملعون المعذب، كان من سكان المدن التحتية، قاده فضوله إلى فتحة مغلقة بإحكام بقرص فولاذي، في سقف سمائه، وحين قدر على فتح القرص بعيداً عن أعين حراس مدينته، خرج إلى مدن الأرض، وجال في أنحائها مدهوشاً، ولما عرف أنه تورط في الشر والتفاهة والكذب حاول أن يعود إلى مدينته، لكن حراس مدينته كانوا قد أحكموا إغلاق الفتحة بطرق حديثة لم يستطع هو معرفتها، حفر في كل مكان وهبط في الحفر ونادى بأعلى صوته ولم يسمعه أحد، هل يعاقبونه على خيانته؟ أم تراهم ظنوه ميتاً؟.
ثمة عامل منجم داخلي يعيش برفش وقبعة فولاذية وملابس سميكة، أطل برأسه من رأسي قبل أيام بينما كنت أحاور سائق الجرافة حول حجم العمق الذي سيحفرونه، في الشارع، هرب السائق وترك جرافته وراح يحدث الناس عن مخلوق عجيب برأسين، يتجول بالقرب من مقهى رام الله.
سأزور بعد قليل المدينة التحتية تلك، وسيغلق شرطي غاضب الفتحة التي سأحفرها بفأسي في منتصف ليلة قادمة أمام المقهى، سأروي لحراس المدينة التحتية قصة ابنهم الغريب لوتريامون الذي مات مقهوراً بسبب إغلاق القرص، كان يريد فقط زيارة مكان آخر، كان شاعراً من حقه أن يغترب قليلاً ويختبر العالم، ثم يعود إلى أرضه، تماماً مثلي أنا، فقد أغلق العمال والشرطة فتحة الشارع، وشتموا جرذان الأرض البشرية (الأدباء والفنانين المجانين) الذين يتوهمون وجود مدن أخرى تنتظرهم.
الآن أكتب لكم من هناك، من تحت الأرض، عتمة عتمة عتمة… لكني ويا للروعة، أرى كل شيء، سأشتاق (أعرف) بعد قليل إلى صباحات الجمعة والسبت مع وضاح وقهوة ولاء، والزاوية القصية في المقهى، سأصيح بأعلى صوتي، افتحوا لي الباب يا أهل مدينتي، لن يسمعوا، أعرف، أو سيزعمون أنهم لا يسمعون، هكذا نحن: صاعدون وهابطون وما رحلة الكتابة سوى نبيذ وموسيقى هذا الصعود وهذا الهبوط، رغم أنف الأقراص الفولاذية وغضب الشرطة، سنظل نصعد ونهبط، تلك هي حكمة وقانون الكتابة وعبثيتها ولعنتها في آن.

 

Filed under: أدب

أضف تعليقاً

*