Articles Comments

» فكر » شفيقة ومتولّي – عندما طردت الثورة النساء (2/ 1) / تامر مصالحة

شفيقة ومتولّي – عندما طردت الثورة النساء (2/ 1) / تامر مصالحة

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit




“يا جرجاوي يا جرجاوي يا متولي

جاي تايه أدور على ميت ولي
وشعوري للعيل متولي
وأديني هتكلم على متولي”

هي إحدى أجمل الأغاني الشعبية وأقبحها في التراث الشعبي المصري، بل أكاد أقول إنّها من أجمل الأغاني الشعبية الحديثة في التراث العربي ككلّ وأقبحها على الإطلاق! أنا أقصد بهذا أغنية “شفيقة ومتولي” للمطرب الشعبي الفذ حفني أحمد حسن الذي ألّف سيرةً أو قصةً شعبيه تحاكي السير الملحمية الشعبية الدارجة في الغناء الشعبي المصري والعربي، كسيرة بني هلال والزير سالم وعنترة بن شداد، وغيرها من الملاحم التي برع الفنّ الشعبي في التغنّي بها وأدائها. لكنّ سيرة شفيقة ومتولي ليست بالسيرة الملحمية بمفهومها الكلاسيكي أو البطولي كما قد نظنّ ونتوقّع! بل هي أقرب إلى مذبحة أو قل جريمة قتل بشعة تمّ تبنيها وتعظيمها على يد ثورة يونيو التي حاولت بواسطة تلك القصيدة التي تختصر -بسطورها القليلة محكمة القول والرمزية- ذاك التزاوج الثمين بين أهدافها وشرعيتها كسلطة، وبين التقاليد الذكورية المتخيلة والواقعية المنوطة بالمجتمع العربي المصري عامةً والصعيدي خاصةً، والتي أرادت الثورة التقرب منه وإخضاعه لسيطرتها ولشرعيتها كما فعلت مع باقي فئات المجتمع المصري. وقد كان المطرب حفني احمد حسن خير المطربين الشعبين لتأدية هذه الملحمة الغريبة، فهو بحد ذاته مطربٌ شعبيّ خارجٌ عن القاعدة، كونه مطرباً شعبياً مسيساً كان قد تغنّى بكثير من مفاهيم الثورة وتجلياتها كما تغنى بجمال عبد الناصر ـ “بطل العروبة يا جمال” … ، وبقرية بني مر (قرية الزعيم جمال عبد الناصر)، وبقضية فلسطين والوحدة العربية، فلم يقتصر غناؤه من حيث المضمون على المواضيع المطروحة في السِيَر التقليدية التي اقتصرت بتغنيها بأمور تتعلق بالبطولات والحبّ والأخلاقيات العامة كما درج عند أقرانه من المغنين الشعبيين، بل تعدّاه إلى الفنّ السياسي الهادف إلى إحداث تغير سياسي اجتماعي، ثقافي، قيمي لم يجاره في هذا سوى المطرب الشعبي الفذّ محمد طه الذي غنّى الموّال الشعبيّ ارتجالاً وتغنّى هو الآخر بالثورة، والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والوحدة العربية كما احتفى بالعمال ومصر جمال وبالوحدة العربية، وغنى في المناسبات الرسمية للدولة كعيد العمال…; ، إلا إننا قد نعتبر محمد طه مغنياً (هذا من باب مزاوجة الفنّ بالسياسة) أقلّ شأناً من حفني أحمد حسن، رغم نبوغ محمد طه وامتيازه في الارتجال الذي كان رائداً فيه وسباقاً ولم يجاره أحد من أقرانه في هذا الضرب من الغناء الشعبي، إلا أنه كان فناناً مباشراً من حيث طريقة إيصاله للمضمون، فقد ركّز في فنه على مقدرته الربانية في الارتجال والتي كان قد طغى عليها أسلوب المفاخرة والمديح والحديث السياسي المباشر.

“ودي حادثة في العهد الماضي”

شفيقة ومتولي هي قصة حقيقية لشابّ من جرجا الواقعة في محافظة سوهاج، تمّ تجنيده في الجيش في مطلع القرن العشرين ليكتشف بعد سنتين من تغيّبه عن قريته أنّ أخته شفيقة قد هربت من البيت وأصبحت مومساً ذات شهره واسعة، هنا يقرّر متولي أخذ أجازة من الجيش والبحث عن أخته التي يعثر عليها في مدينة أسيوط، فيقوم بذبحها مستعيناً بثلاثة من أصدقائه يساعدونه على التخلص من عارها. بعد عملية القتل يتمّ القبض على متولي وتقديمه لمحاكمه سريعة وصوريه تحكم عليه بالسجن ستة أشهر على ذبح أخته كما “يليق” بقضايا الشرف! أضف إلى ذلك، انه يقضي فترة محكوميته لا في السجن كما هو الحال مع المحكومين أصحاب الجنح الجنائية لاسيما القتلة منهم، إنما في ثكنته العسكرية كما يليق برجالات الجيش.

الغريب في الأمر أن هذه القصة لم تلق شهرةً واسعة إلا في بداية الخمسينات، أي بعد انجلاء الاستعمار وقيام ثورة الضباط الأحرار، وحين تمّت معالجتها على يد المطرب الشعبي حفني احمد حسن وبثها بشكل شبه يومي عبر أثير الإذاعة المصرية، لتتغلغل في مفاهيم الناس عبر بعدها الفني والجمالي الذي لا إنكار فيه.

من الجدير ذكره أن هذه الأغنية لم تلق في البداية استحساناً من قبل الفئات التقليدية التي أرادة الثورة مخاطبتها ـ فمن حيث الموضوع كان هنالك بعدٌ فاضحٌ وجارحٌ في عملية التغني والإشهار بعار فتاةٍ ميتة، وبعائلةٍ أصابها ما أصابها من جراء ما حصل، فالتقاليد في هذه الحالة تقتضي “السترة” بعد “غسل العار”، فحتى لو كان القتل مشروعاً بمفاهيم هذه الفئة (وللأسف هو مشروع عند العديد من الفئات في مجتمعنا العربي حتى يومنا هذا!) إلا أنّ الإشهار لحادثة حقيقية ولأشخاص حقيقيين كان فيه من خدش المشاعر ما جعل الكثير من المستمعين غير مرتاحين للترويج لهذه القصة كأغنية ترفيهية يتم بثها بشكل مكثف عبر إذاعة الدولة الرسمية. لكن وكما هو الحال مع إعلام الدولة الموجه، كثرة التكرار تُغلِظُ القُلوب وَتُخَدر الأحاسيس والعُقول، وتضعف قُدرة المرء على التفكير الفردي والناقد لما يجتره من قيم ثقافية وأخلاقية موجّهة.

“متولي يقول مبيديش
والوحدة عالية متعديش
جالو الطلب وخدوه الجيش

متولي
يا جرجاوي يا جرجاوي يا متولي”

السؤال إذا ما هي القيم التي كانت الثورة أو “الحكومة” معنيّة بزرعها في أذهان المستمعين وأفئدتهم؟ هل كانت معنيّة بالدرجة الأولى بالدفاع عن مفهوم “الشرف الشرقي” بوجه الغرب الليبرالي ومفهوم “الحرية الغربية”؟ هل كانت معنية بالحفاظ على العادات والتقاليد الشرقية كما تراها؟ الجواب طبعاً لا! فالثورة لم تهتمّ بقضية الشرف المتمثّل بجرجاوي الفرد، ولا بضحية الشرف المغيّبة المتمثّلة في أخته شفيقة، إنما كانت معنيّة باستغلال الشرف مدخلاً لشرعنة النظام السياسي المتمخّض عن الثورة! والأهمّ منه هو شرعنة الجيش أو المؤسسة العسكرية التي هي العماد الأساس للمجتمع ومصدر الشرعية ومحرك التغيير السياسي والاجتماعي الأساسي في المجتمع! القصة إذاً تبدأ بتجنيد متولي للجيش، ومن الجدير ملاحظته أننا نتحدث عن فتره كانت فيها المؤسسة العسكرية المصرية خاضعة لإمرة سلطات الاستعمار البريطاني، أي أن الجيش لم يكن يمثل مؤسسة عسكريه وطنيه صرفة، ومع ذلك وبسبب ثورة الضباط، فإنّ الجيش يصوّر ماضيه أو يصوّر نفسه على أنّه جسم أو مؤسسة ذات استمرارية سياسية وعقائدية واحدة! أي أنه كان دائماً يحمل ذات القيم الوطنية، الإنسانية والأخلاقية التي حملتها المؤسسة العسكرية بعد ثورة الضباط الأحرار.

فيستفيض المغنّي في وصف تقدم متولي من مجند أُعجب منه “الكومندان ـ الكوماندير” وأخذه معه على “البولوك ـ ثكنة التجنيد”. فليس مهماً في نظر الثورة المتمثلة بالجيش إن كان متولي فلاحاً أو ملاكاً، من مدينة أو من الصعيد، الجيش هو مكان يتساوى داخله الجميع، والفرصة متاحة أمام جميع المواطنين لكي يتسلقوا السلم الاجتماعي بذات الأسلوب الذي تسلقه قائد الثورة ذو الأصول الصعيدية الشبيهة بجذور متولي الجرجاوي. ويشدّد المغني على أهمّية العلم الذي يكفله أيضاً الجيش بقوله: ” متولي عجب عسكري/ وآخر النهار خدوه عل البولك/ يا ما على البولك قابلوا وأتوا عالم/ شوف الفرد لما يآتي عَلَم/ وخد ست تشهور يِتعَلَم”. وتستمر الأغنية في وصف تقدم متولي بالجيش، فمتولي يجيد ضرب النار، وقلد شريطا ثم شريطين بعد أن كان مجرد فلاح لا يقوى إلا على أن يشتري طينا في واقعه السابق، أما الآن فقد ترقّى وأصبح ضابطا برتبة ” باش جاويش” (هي رتبه توازي رتبة الرقيب في الجيش المصري الحديث SERGEANT وتعني بالتركية رأس الجاويشية ويكون تحت إمرته جاويشان وهو الضابط المسؤول عن 200 مجنّد، في موقع آخر من الأغنية يقول حفني أحمد على لسان متولي أن متولي ريس ” كلَ متين” وهذا رمز آخر للمصداقية التي يريد المغني إعطاءها لمتولي العسكري عبر خبرته بالرتب ومفهومها واستعماله لشخصيته العسكرية حتى وهو خارج الجيش).

الوصف المطول للسيرة العسكرية لمتولي جاء ليقنع المستمع أن متولي ترقى السلّم الاجتماعي رغم جذوره المتواضعة، فالثورة تصور العدالة الاجتماعية بواسطة صورتين: الأولى، التجنيد والتعلم والارتقاء لرتبة “باش جاويش” قوله في هذا أن رتب الجيش الرفيعة هي بمتناول كل شخص أراد إليها سبيلاً، وهي بالذات بمتناول يد الفئات الفقيرة، المغيبة والمهمشة اجتماعياً واقتصادياً كأهل الصعيد؛ الصورة الثانية، التي يعطيها حفني احمد حسن هي لسعي الثورة في تحقيق العدالة الاجتماعية المتمثلة بمشهد ضرب ابن الذوات الذي تحت إمرة متولي لعدم انضباطه للتعليمات: “فى القرطه عسكري ماشي بكيفو/ بالمال اهلو بيكفوه/ متولي ضربو بكفو” هنالك بعد آخر لهذه الصورة الأخيرة، كونها لا تحتوي فقط على تصوير لما هي العدالة الاجتماعية وما يعنيه تمكين الفئات المهمشة والضعيفة في المجتمع! بل هي تحتوي أيضاً على ترغيب ووعيد لمن يريد أن يختار ولاءه! فالتماثل مع المؤسسة العسكرية، التي هي بمثابة السلطة الشرعية الحقيقية، يعطي القوة في صفع أيّ من المأمورين من الجنود، حتى ولو كانوا أعلى منه مرتبةً اجتماعيا واقتصاديا. هذا معناه أيضا أنّ ذات “الحق” في الصفع يكون أقوى وأشد تجاه المواطنين الذين هم كمدنيين دون مرتبة العسكريين مهما كانت رتبة هؤلاء، كما تعلن هنا السلطة باستخدامها التلميح المبطن أو القوة الناعمة (soft power) بأنها قادرة، ولها الحق في “صفع” أي شخص “ماشي بكيفو” وليس خاضعاً لسلطانها وإرادتها.

هنالك أمر مهمّ آخر في هذه الصورة أو في هذا التلازم بين ثنائية “ماشي بكيفو/بالمال أهلو بيكافو”، لأنها تصبغ الحرية الشخصية بصبغة سلبية تستحقّ الذم والمعاقبة، فالحرية مقرونة هنا بالغبن الاجتماعي وبواقع ما قبل الثورة والتحرر من ظلم اجتماعي واستغلال. وعليه فإنّ الذي “يمشي بكيفو” هو حتماً تابع لطبقة مترفة مستغلة كانت وما زالت عدوة للثورة وللعدالة الاجتماعية، أي أن هنالك محاولة عبر هذه الصورة لتثبيت التناقض والشقاق بين العدالة الاجتماعية والحرية الفردية او الفردوية بشكل عام، التي يلمح حفني أحمد حسن إلى أنها قرينة الإقطاع والطبقية والامبريالية.

“قالو: إزاي بتضربنى يا جبان!
روح ادفن نفسك جوه جبانة
أدي صورت أختك جوه جيبي أنا”

لو انتهت الأغنية قبل هذا البيت، لقلنا إنّ الثورة تخاطب الصعيد خطاباً عقلانياً حول فوائد الثورة كمدخل لشرعيتها، دليلنا على ذلك أنها تسعى في إقناع الجمهور المخاطب بأهمية تحقيق العدل الاجتماعي، وضمان الحراك والتطور عبر العلم والجيش والفرص المتساوية لجميع المواطنين تماهياً مع رؤية نظام ثورة يوليو لنفسه كنظام وطني اشتراكي تقدمي قام على أنقاض الاستعمار والطبقية والرجعية التي كانت متجذرة في مصر عبر الاحتلال والإقطاعية التي استعبدت وهمشت فئات واسعة من الطبقات المستضعفة للمجتمع المصري. وللمقارنة فقط، فإن هنالك معالجة سينمائية لقصة شفيقة ومتولي قام بها الكاتب صلاح جاهين والمخرج علي بدرخان في نهاية السبعينات حاولت أن تتخطى خطاب الشرف الذكوري واللعب العاطفي على وتر الكرامة والعار من أجل تسويق أهداف الثورة المتمثلة بالتحرر السياسي والعدل الاجتماعي عبر هذه القصة الدموية، ومن أجل أن يحقق فيلم علي بدرخان هدفه بنشر أهداف الثورة ومشروعيتها دون أن يمجد مفهوم العار والكرامة، كان على هذه المعالجة أن تجد مبرراً منطقياً لِوِزر النهاية التراجيدية والدموية التي اشتهرت في أغنية حفني أحمد حسن والتي تمجد فيها شخص متولي العسكري، هذا المبرر أو هذا المخرج تم إيجاده عبر تصوير كل من شفيقة ومتولي كضحيتين لفترة الاستعمار والإقطاع، فالقاتل والمقتول هما ضحيتا هذا الواقع الذي كانت الثورة سبباً في تغيره. وعلى عكس ما كان عند حفني احمد، ففي هذه المعالجة السينمائية نستطيع أن نرى أن الجيش هو ذراع لسلطة الاستعمار، إذ تم التخلي عن صورة الجيش المثالي التي قدمها حفني أحمد! فجيش فيلم علي بدرخان هو جيشٌ جاثم تحت الطبقية والسخرة والاستعمار، هو ليس بالجيش الوطني الصرف مع انه سيتحول في نهاية المطاف إلى جيش وطني بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلا أن هذا سيحدث فقط بعد قيام ثورة الضباط الأحرار، أما جيش حفني أحمد فهو فوق التاريخ وغير تابع لنظام تشوبه شوائب الاستعمار والإقطاعية، إذ انه لا يُمَثِل ولم يُمَثِل أبداً إلا تلك القيم الوطنية والاجتماعية التي غلبت في النهاية على النظام السياسي الذي أنشأه الاستعمار والإقطاع. أما عند علي بدرخان فإن جيش نهاية السبعينات لا يتمتع بذات الاستمرارية العقائدية التي أعطاها إياه حفني احمد! هدفه في تغليب هذا الصورة الواقعية هو التغلب على النظرة البطولية التي قدمها حفني احمد للقتل على خلفية شرف العائلة، ذلك أنه لم يعد ملزماً على تصوير الجيش عبر شخص متولي بالبطولة، وهو بهذا يتيح لمتولي أن يكون ضحيةً أخرى من ضحايا الوضع السياسي الاجتماعي لفترة ما قبل الثورة، ومن جهة أخرى أراد كل من علي بدرخان وصلاح جاهين على ما يبدو إعطاء مصداقية للمؤسسة العسكرية التي لم يعد بالإمكان النظر إليها بشكل طوباوي. وعليه فإن إعطاء المصداقية لا يتم إلا عبر تحليل تاريخي صادق لما كان عليه الجيش في زمن الاستعمار، وتحليل أخلاقي اجتماعي “كاذب” لجريمة القتل، إذ أنه سوّق للمشاهد العربي ما نستطيع تسميه بـ”الجريمة الفاقدة للضحية”، لأنّ الحل الذي طرحه كل من علي بدرخان وصلاح جاهين هو حلّ يهدف إلى المساواة من الناحية الأخلاقية بين القاتل والمقتول! إذ أنّه يصوّر كليهما كضحيتين. هذا الوصف أو السرد الذي يؤدي بنا إلى أن ننسى من هي الضحية الحقيقية كما أننا ننسى أن ننصفها بواسطة ذمّ الفاعل وتجريمه، وهذا بالتالي يغيّب الضحية من حقوقها وآدميتها التي عادةً ما يستردّها لها المجتمع عبر تجريم الفاعل وذمّه. فدور البطولة في فيلم علي بدرخان يُقَسم لثلاثية الأبطال التراجيدية شفيقة، متولي، والشعب المصري ضحية المجرم الهلامي أو الاعتباري المتمثل بالاستعمار والإقطاع، مع ما يحملانه من قيم اجتماعية تتجلى من خلال المحيط البشري والاجتماعي لأبطال الفيلم. ما أعنيه هنا، أنه حتى في المعالجة المتأخرة لجريمة قتل شفيقة عند علي بدرخان لم يكن هنالك إنصافٌ حقيقيٌّ للضحية، إنصاف يجرم فيه الفعل والفاعل والمنطلق الفكري لفعلته. بل هي محاولة للالتفاف على وصف الجريمة كجريمة وتناول منطلقاتها وتبعاتها، لكي يُخاطب الجمهور خطاباً عقلانياً بما يختص بأسباب الثورة وشرعية النظام السياسي الذي تمخض عنه. ذلك النظام الذي سيمنع الاستغلال ويمنع شفيقة ومتولي من الوصول إلى ذلك المفترق الذي أوصلتهما إليه الحالة الاجتماعية والسياسية، لكنه يتفهم بالمقابل شخص متولي، فعلته وتبريراته حال وصوله لهذا المفترق الذي “يحتم” عليه قتل أخته. فرغم إقباله على مثل هذه الجريمة إلا انه غير حَمال من الناحية الأخلاقية لأي مسؤولية أو لوم أخلاقي أو قضائي يحاسب فيها على فعلته.

في المقابل، فإن النظام عند حفني أحمد يغير من تكتيك خطابه العقلاني عبر محاولته شرعنة سلطته باستخدام ما يراه كقيمه لها أثر عاطفي وغيبوي في المجتمع، فهو يتخلى ههنا عن، أو قل يضيف إلى، الخطاب العقلاني، خطاباً عاطفياً يستخدم العار والشرف ويلعب على وتر خدش مشاعر لحياء وتهديد القيم الذكورية والعائلية! فالثورة المتمثلة بالحكومة المتمثلة بالجيش، متعاطفة، ومتماهية، وحامية للقيم المتمثلة في شخص متولي العسكري الذي واجه انتكاسة الشرف كما يقول المغني: متولي لما شاف الصورة/ بقى ذليل ونفسو مكسورة / وقام سريع راح للكومندان”.

العجيب هنا أنه حتى في خِضمّ التصوير والوصف العاطفي لثورة الغضب الذكوري، لصعيدي قد طُعِنَ بشرفه، فإنّ هذا البطل النمطي لما نتصوره وتتصوره السلطة لا يتصرف كالـ”صعيدي” الذي “كنا نتوقع منه أن يكون”! فمتولي لا يضرب المجنّد ثانية، أو يحاول قتله أو يهرب من الجيش ليقتل أخته في حمّى ثورة غضبه “وشرفه الملطخ بالعار”، بل يذهب للـ”كومندان” لاستئذانه بأخذ إجازة! وهي مفارقة مضحكة وحزينة بعض الشيء! لا لأنّ تصرّفا كهذا هو غير ممكن، إنما لأننا نتأكد ها هنا أنّ ما يهم السلطة إيصاله، هو ليس اهتمامها بمتولي الفرد، معتقداته ونفسيته، ولا بالمأساة الآخذة بالتطور نحو نهايتها الدموية، ولا “باحترامها” لمفهوم “الشرف والكرامة”؛ بل هي مهتمة بالدرجة الأولى بشرعية المؤسسة العسكرية التي ستتفهم القتل على خلفية “شرف العائلة” مقابل الانصياع للأوامر ولوائح الانضباط. فجريمة القتل أهون من الخروج دون إذن من الخدمة العسكرية!.

هنا يستفيض حفني أحمد في وصف مساعي متولي بأخذ إجازة من الجيش، هذه المساعي التي أخذت أسبوعاً كاملاً من الاستجداء ضاربةً بعرض الحائط المصداقية السيكولوجية لشخص مقبل على جريمة قتل قد تودي بحياته! فالشرف، كالفرد على عواطفه ونفسيته وحتى المنطق بحد ذاته، موجود تحت طائلة السلطة ومطالب بواجب الطاعة للمؤسسة العسكرية ولوائح انضباطها! فمن دون هذا الانضباط المثالي يفقد متولي آدميته وبطولته المتمثلة بشخصه كجندي مطيع للأوامر ومتناغم مع الثورة. ولهذا نرى متولي مستعدّا للاستجداء المهين بعض الشيء، واضعاً الشرف جانباً حتى لا يُفقد هذا التناغم ولا تتزعزع هذه القيمة العليا التي تفرض واجب طاعة السلطة والاعتراف بشرعيتها: أنا مش باخد العذر والجازة؟/ انا لو عملت غلط أتجازى؟ / أمانه يا بيه إديني أجازة! / الدنيا دي غرورة لما تولى/ لو كان على قطب وميت ولي / قالو مالك بيها يا متولي؟ / قالو يا بيه أبويا في خطر / متولي كان وجيه والصورة حلوة/ اللي عليه بيوصى راحلو / بأسبوع مضالو وسرحلو!

وبعد أن أخذ متولي العسكري الإجازة من ذات الكومندان الذي أعجب بمتولي في بداية الأمر وكان سبباً لترقيه وصعوده في السلم الاجتماعي والمؤسساتي للثورة، تبدأ الآن قصة تناغم الثورة مع الصعيد أو مع ما تتخيّله السلطة قيما للصعيد، فلقد حان الوقت للثورة لتتبنى أفكار الصعيد بعد أن اعترف هو بشرعية الثورة المتمثلة بالانضباط المطلق للجيش، فمتولي العسكري الذي بدأ كجرجاوي “شاري الطين” ثم جاويشا بشريطين وباش جاويش بثلاثة أشرطة، يصبح الآن ممثلاً للصعيد ككل! الصعيد أو جرجاوي العسكري هو الجيش والثورة! والثورة هي الصعيد على ما تتصور وتسلم به على أنها ثوابت شعبية يجب التعامل معها على هذا الأساس.

“طلع تايه يقول جرحي صعيدي
ومليانه أفكاري السعادي
ركب في القطر الصعيدي”

وها هي السلطة الوطنية تعترف بالجرح الصعيدي وبثقل وزر أفكار متولي، وحتى القطار الذي كان من المفروض أن يكون مصرياً أو وطنياً أو حتى عربياً يوصف بأنه “القطر الصعيدي”.

متولي يصل قريته متعباً ويدق على باب بيته ذي “الأصول الكريمة” : له عائلة كريمة /يقدمو علبتهم /ومربطلهم عل بيتهم /رَوَح وخَبَط على بيتهم/ويقول دا أنا جسمي استوى واتبرى /كمان اتهموني وغيري اتبرى/أبوه يقول: مين أتى بره؟ /قالو: افتح يابا دا أنا متولي! /فتحلو الباب يقولو سَلامات /عظامي على بعض سَلَمَت /ليه تركني وتنسى اللَمات يا متولي؟ بواسطة هذه الأبيات الجميلة والرقيقة بحميميتها العائلية يريد حفني احمد حسن أن يشدد على أمرين: أولاً، أن هذه الحادثة حصلت لعائلة “كريمة اجتماعياً” وفيها من الرقة والمحبة ما نتوقع أن يكون في أي عائلة شرقية، وبالتالي فإن هذا المصاب الذي أصابهم قد يحصل لأي عائلة أخرى، الأمر الذي يهدف إلى زيادة التعاطف مع متولي وعائلته؛ ثانياً، انه ورغم الشح المادي والاجتماعي الذي نستطيع أن نشتمّه من وصف البيت والأب العجوز، إلا أن حفني أحمد حسن يشدد أن عائلة متولي هي عائلة كريمة عندها ما يسدّ رمقها ويحافظ على مكانتها الاجتماعية، وكأن حفني أحمد لا يودّ خدش هذه العائلة بوصف حالتها الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية، لكنه بوصف هذا الكرم والرقة العائلية “عظامي على بعضها سلمت”هو يمنع عملياً أي محاولة لتفهم أسباب هروب شفيقة وتلطيخ سمعة وشرف عائلتها، فالسبب الوحيد المتاح للمستمع حتى ولو لم يقل ذلك بشكل مباشر، هو كون شفيقة امرأة لم تجد رجلاً يضبطها ويحكمها تماما كما تحكم السلطة الشعب ويضرب الباش جاويش بكفه العسكري الذي يمشي “بكيفه”، كذلك يجب أن تلقى المرأة ذات المعاملة لأنها بطبيعتها الأنثوية الماكرة ميالة إلى ذلك الانحلال، فهي تساق لا بعقلها وأخلاقياتها بل بأهوائها الشخصية ورغباتها المتأصلة بالنظرة المتخيلة إليها كجسد معدّ للشهوة والجنس، وعيه فهي لا تكون أبداً أهلاً للثقة وللحرية المطلقة. وهي بشهوتها ورغبتها وطبعها عدوة للسلطة، عدوة للثورة على ما تحمله من عقلانية وانضباط وروح جماعية وهي عدوّة للقيم لذكورية التي يؤسس عليها المجتمع والنظام الرمزي القيمي والسياسي:

“قالو: يابا مش عايز سَلامات عايز اعرف
فين أختي شفيقة؟
قالو: بعدك من تاني ليليه يا بني
أختك صبحت عليلة وماتت والدوام لله

قال: يابا بنتك لو انته ربتها
مترفتش وتاخدت طربتها
طيب قوم ورينى تربتها
قال: يا ابني أختك من يومك مشت
وسابتني ولا إختشت
وأبوك عجز وعقلو شت”

شفيقة إذاً رمز لكل النساء! فلا توجد أي محاولة للوقوف وراء دوافعها الفردية، هذا الوقوف معناه بنظر الشاعر التبرير المرفوض لعمل قبيح، فبحسب حفني أحمد حسن لا سبب لشفيقة لهجر والدها وعائلتها الكريمة، غير كونها دون حياء كأيّ امرأة يعجز الذكر المسئول عن ضبطها بالقوة، وكما يقول والد متولي ليبرر ويقص لمتولي ما حصل مع شفيقة: “يا ابني اختك من يومك مشت/ وسابتني ولا اختشت/ وأبوك عجز وعقلو شت” شفيقة إذاً هي كل امرأة! وأيّ امرأة! وفعل شفيقة هو ذنب كل النساء اللواتي لن يحافظن على شرفهن إذا لم يكن موجوداً ذلك التهديد العلني والملموس بالعنف تجاههن من قبل المجتمع الذكوري ومن قبل السلطة التي تتماهى مع هذا المجتمع.

“طلع تايه من المنزل، ويقول العقل مني زل
قطع ورقة لأسيوط ونزل ”

بعد أن تأكد متولي من صحة الاتهام الذي وجهه له المجند، وبعد أن اعترف له والده بقلة حياء أخته شفيقة وبعد تثبيت وتعميم هذه النظرة بشكل مبطن على جميع النساء، وبالتالي تبنيها كحقيقة عامة من قبل الثورة أو قل كحقيقة بديهية تتعلق بطبع النساء وبلزوم تفعيل العنف للحفاظ على القيم المشتركة للصعيد وللثورة، كالكرامة والشرف والتكافل الأسري. يقطع متولي ورقة لأسيوط، طبعاً هذه المرة هذا القطار ليس أسيوطياً، لأن حفني احمد يريد أن يبقي على الاغتراب بين ابن جرجا ومدينة أسيوط برمزيتها المتعلق برمزية المدينة، التي تتيح لشخص مثل شفيقة على خلع قيمها التقليدية وممارسة الرذيلة في المدينة التي كانت دائماً مكاناً يستوعب مثل هذه الرذائل ويجتذبها إليه. نكاد نقول ها هنا أن حفني احمد حسن يقدم لنا نظرة نمطية لصراع القرية المدينة التي درجت في الشعر والأدب العربي الحديث عامة والأدب والشعر المصري الاجتماعي خاصة. لكن حفني أحمد لا يستمر في تطوير هذا الشعور بالاغتراب لمتولي، فهو سرعان ما يلقى ثلاثة من أصدقائه يحبونه ويهمهم أمره، يطلب منهم أخذه إلى مقام سيدي جلال السيوطي، وهو ركيزة أخرى يستند عليها متولي وحفني أحمد حسن لكي يخفف من حدة الاغتراب وصراع القرية المدينة، هذا لأنه في نهاية المطاف تبقى ركيزة الثورة الحقيقي هي المدينة، كونها مركز جماهيرها وسلطانها الذي تريد منه أن تبسط سلطاتها على الصعيد وأطراف مصر المترامية والنائية. فهي من ناحية، تريد أن تلمح للصعيد أنها صعيدية بروحها وتستغل التوتر بين الريف والمدينة؛ ومن ناحية ثانية، هي مدركة بأنها لا تستطيع توتير العلاقة بين هذين الطرفين أكثر من اللزوم، فهي في نهاية المطاف تريد إخضاع الريف والأطراف للمدينة وللمركز، وهي تفعل ذلك بواسطة هذا التناقض بين تصوير الثورة والسلطة كتابعة للصعيد وللريف والإعلاء من شانهما، لا لسبب إلا كي تحكم سيطرتها عليهما.

هنالك أهمية أخرى نستطيع رصدها لذكر النزول عند مزار سيدي جلال، إذ أننا نرى تصميم متولي على زيارة سيدي جلال قبل أن يفاتح أصدقائه بمصابه:

” أسأل لي لما يروق بالي أديكم
هتبكو والدمع يبل أيدكم
وأزور سيدي جلال في بلاديكم
زَوَروه سيدى جلال
ونَزَل على الحِته بيهم، يقول دا عمي ودا خالي”

وأهمية سيدي جلال إذاً، تكمن في تجنيد آخر، وتزاوج آخر يريد حفني أحمد حسن أن يعقده بين الثورة، والعادات، وهو تزاوج أو ثلاثية السلطة الدين والعادات والتقاليد. الأمر الذي من الجدير التنبه له هو أن متولي لا يذهب إلى المسجد سيدي جلال أو إلى الصلاة “كصلاة”، إنما يذهب لسيدي جلال المزار أو المقام الذي يطوف حوله ويتعبده بصفته هذه، أي أن الثورة تتبنى الدين بمفهومه الشعبي، الغيبي البسيط، المتعلق بزيارة القبور وأولياء الله الصالحين والتشفع ببركتهم. فهي تتبنى بذلك المفهوم الديني الشعبي الدارج في الصعيد المصري وعند الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة، تاركةً الدين بتجليه السياسي الذي تطور في المدن وعند الطبقة البرجوازية الوسطى من الشعب المصري. فدين السلطة، او الدين المجند لصالح الثورة هو دين المزارات والغيبيات، لا دين الإسلام السياسي ذو المطالب السياسية والاجتماعية الذي يصارع السلطة على الحيز العام. دين الثورة هو دين العادات والتقاليد، العائلة والشرف، دين الصعيد الذي تطالب الثورة باحتكاره كجزء من قيمها ومن شرعيتها الرمزية والعاطفية. ثُم إن نزول المزار وإعلان متولي العلني وفي حضرة سيدي جلال أن أصدقائه أصبحوا أعمامه وأخواله هو بمثابة عقد “عهد ذكوري مقدس” يسهل لمتولي، ويسانده على، تفعيل العنف ضد شفيقة. هذا العهد يوسع أيضاً مفهوم العائلة، وبالتالي يوسع دائرة “المستحقين” بتفعيل العنف ضد شفيقة المرأة، حتى ولو لم يكونوا جزءاً من عائلتها ولم تربطهم بها أي صلة دم. بل أكاد أقول بأن متولي أجبر أصدقائه والمستمعين لهذا الإعلان على أن يتوقعوا أن هنالك “واجبا” يحتم عليهم مساعدته على “غسل العار”. فالحق باستخدام العنف، يولد الواجب بمساعدة ودعم طالب تطبيق الحق إن كان محقاً في طلبه هذا، أو على الأقل إن صاغ مسعاه بتفعيل العنف بمنطلقات الشرف والعار.

إذاً، وبشكل رمزيّ، يؤسس حفني احمد حسن لواجب مساندة أيّ رجل يريد تفعيل العنف ضدّ نساء عائلته بدعوى شرف العائلة. ومع إشهار هذا التعاهد وقبوله وإظهاره كقيمه مقبولة في عين السلطة التي تبثّ هذه الأغنية عبر أثير إذاعتها الرسمية، يتحول عنده هذا التهديد وإمكانية استخدام العنف، واقعاً شبه حتميّ وقانونا عامّا، له تجلّ قانونيّ وقيميّ وجماليّ عامّ وظاهر.

“يقول دا عم ودا خَل
دا جانا اللي نسى الود خال، على قهوة العطيني ودخل”

بعد زيارة سيدي جلال يدخل متولي بأصدقائه إلى قهوة العطيني (وهي فعلاً قهوة كانت موجودة ولعبت دوراً حقيقيا في الحادثة الواقعية لشفيقة ومتولي) ويحاول متولي تقصى آثر شفيقة دون أن يعرف احد بأن شفيقة التي يبحث عنها هي أخته خوفاً منه بأن لا يساعدوه على ذلك، فصاحب القهوة مثلاً يرتاب فيه ويريد أن يتأكد قبل أن يدله على مكانها، انه ليس بقريبٍ لها، فهو يحاول حمايتها رغم أنه ليس راضياً على ما تفعله وأنه رافض لقيمة شفيقة المتمثلة بكونها بائعة هوى. فصاحب القهوة هو الرجل الوحيد في كل هذه القصة الذي حاول حماية شفيقة، وبهذا يمكننا أن نلاحظ كيف يتسلل عبر شخصه صورة أخرى للقيمة التي يعطيها المجتمع لجرائم الشرف، فصاحب القهوة يمثل ذلك الصوت والذي حتى وإن همّش سريعاً فانه يظل الصوت الذي لا يريد أن يكون جزءاً من العنف الذكوري رغم كونه “معلم” (أي انه من ذات الفئة الشعبية التي ينتمي إليها متولي وتحاول الثورة مخاطبتها، وهو صاحب شهامة لأنه أراد مساعدة متولي عندما رآه واجماً، وهو على ما يبدو شخص مؤمن بدليل سؤاله الاعتراضي لمتولي هل هو رجل مؤمن عندما طلب رؤية شفيقة).

نستطيع أن نرى إذاً من خلال شخص المعلم أو “صاحب المطرح” كما يسميه الشاعر، أن القيمة الاجتماعية التي أعلنها حفني احمد حسن أو ما اعتقدت السلطة أنه قيمة شعبية مطلقة ليست كذلك، فلكل قيمة ثقافية اجتماعية أخلاقية، تكون هنالك قيم أو قيمة مضادة أو مناهضة، تتواجد داخل المجتمع الواحد والثقافة الواحدة! السؤال المهم ههنا هو ليس ذلك المتعلق بوجود القيمة من عدمه، بل ذلك الذي يسأل بصوت صريح وواضح، أي من هذه القيم علينا أن نختار ونُغَلِب، أي من هذه الصور الاجتماعية الموجودة نريد أن نصور ونُسَوِقَ على أنها الصورة النمطية لماهية الصعيد! تماماً كما فعلت السلطة بأغنية حفني أحمد حسن اعتقاداً أنها بذلك تصف الصورة النمطية التي قد تدغدغ بواسطتها مشاعر العامة؟ الصعوبة هي طبعاً تكمن بالحل الذي يطالبنا بالتنصل من هذه القيمة حتى ولو كانت رائجة! فهذا الحل الأصعب وان كان الحل الصحيح، لكن السلطة اختارت هنا الطريقة الأسهل، مقابل معلم القهوة الذي اختار الإمكانية الثانية! لكنه كما الحال مع شفيقة غُيِبَ سريعاً وأسدل الستار عنه سريعاً لكي لا يزعزع تلك الصورة التي تريد الثورة تسويقها: سمعو المعلم ورحلو /المعلم راح لمتولي /قالو: يا أخينا داير بكى مالك؟ ما كنت قاعد بكمالك/ياك خدو من البك(المحفظة) مالك؟/قالو يا ريت راح مالي! /قالو يا ريت راح مالى، انا الموت بقى سترى ورحمالي /وزماني عكسني وراح مالي /علشان وحدة اسمها شفيقة /قالو: أنت مؤمن تقي رب ليك؟/لو في الجواب ده تقرا قبليك/”اهو ده كلام صاحب المطرح”/قالو: مؤمن تقي رب لك؟/لو فى الجواب دة تقرا بلاك/انتا زبُنها ولا تقربلك؟/قالو: أنا راجل ريس كلَ مأتين /والحب بهدل كل متين /عايز أقابلها فِ كلمتين/أو في العزاب قلبي بربيه/علشان يآمن بربيه./خدو من ايدو وطلع بره بيه /قالو شفيقة على البلكونه دِي.

وهكذا خدع متولي المعلم الذي رق لحاله رغم انه كان رافضا لفكرة تعلقه بشفيقة التي تعمل مومساً، فشخصية المعلم كما سبق وذكرنا هي الشخصية الوحيدة في هذه لقصة التي تتمتع برأفة حقيقية ومحاولة إصلاح ترى الفرد أولاً وتحاول تفهمه وقبوله وتغيره إن استطاعت، لكنها لا تضرب الماشين على كيفهم بالكف كما فعل متولي باسم السلطة وفعلت السلطة باسم الشرعية والثورة.

“شاف اختو والعقل منو زل

حياتي العليه العيل م نزل
وبعت صحابو طلعو المنزل”

لما رأى متولي أخته على “البلكونات” جن جنونه أو هذا ما يريد حفني أحمد حسن أن يصوره لنا، وهدفه في هذا ليس الوصف الموضوعي أو البلاغي أو وصف عاطفي لحالته النفسية التي من المؤكد أنها كانت مستعرة. لكن حفني احمد حسن يستخدم مصطلح “العقل زل” كمصطلح “تبريري” شبه قانوني ليدافع بواسطته عن مرتكب جريمة القتل التي ستحصل لاحقاً. فمع أنها كما نرى متعمدة وفيها برودة أعصاب وتدبير وهي جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد من الناحية القانونية؛ فان حفني أحمد حسن يصور فعل متولي كعمل قسري لشخص يكاد يصاب بالجنون لا مسؤولية قانونية على فعلته. القتل أو مبرر القتل الذي يُسَوَق له ها هنا على انه عمل قسري لا إمكانية أو طاقة لأي إنسان على أن يمتنع عنه إذا وجد نفسه في ذات الوضعية وهو بمثابة خط دفاع قانوني، علاوةً عن كونه دفاعاً أخلاقياً وقصصياً لعمل متولي وشخصه. فلقد كان حفني أحمد حسن يريد بمثل هذا الوصف المكرر لحالة متولي النفسية، أن يبني لمتولي خط الدفاع القانوني الذي سيمثل به أمام المحكمة وهو الجنون المؤقت. لكننا وكما سنرى لوصف عملية القتل فلقد كانت هذه عملية طويلة أظهر فيها متولي انضباطاً تاماً في كل مراحل القصة لا تتلاءم مع القتل دون سبق الإصرار والترصد أو نوبات الجنون التي تفقد المرء قدرته على تقيم أفعاله:

“وبعت صحابو طلعو المنزل…
شفيقة افتكرتهم زباين
“تجعل أصحاب أخوها زباين!”
وقابلتهم على السلمات
وقالت: يا زباين سلامات
“عايزه تعمل للمسا لمات!”

متولي لم يجري بثورة غضب وجنون نحو أخته ليقتلها، بل بعث بأصحابه وانتظر هو اللحظة الملائمة، كما نلاحظ أن حفني أحمد حسن ينقل لنا الحوار الذي حصل بين شفيقة وأصدقاء أخيها، ولكنه يزيد على ذلك بمحاولته التعليق على انحطاط شفيقة الأخلاقي، فلقد فهمنا بحكم المشهد أن شفيقة اعتقدت أن أصدقاء أخيها زبائن، لكن حفني أحمد حسن أراد التشديد على أنها تريد أن: “تجعل من أصحاب أخوها زبائن” وكأن حفني أحمد يقول إنها لا تتمتع بأي وازع خلقي فهي ليست آدمية ولا تحترم صلات الدم وتقف عندها، لكن الحقيقة أن هذا الاستنتاج ليس صحيحاً، لأن شفيقة لم تدرك بأن هؤلاء أصدقاء أخيها كما جاء على لسان حفني أحمد حسن، ومع ذلك فلقد أراد ذمها وإضافة عمل غير أخلاقي آخر لتبرير دموية الجريمة التي ستقع بعد قليل. فشفيقة متهمة الآن ليس فقط بأنها مومس بل بأنها مستعدة أن تبيع جسدها حتى لأصحاب أخيها دون إقامة أي اعتبار آدمي لعائلتها، وهذا مدى الانحطاط الذي أراد الشاعر أن يصور به شفيقة. ذات المحاولة نراها في البيت “عايزه تعمل للمسالمات” وكأننا نحتاج للتذكير بعمل شفيقة وبما تعنيه حين تقول “يا زباين سلامات”. فحفني احمد حسن يريد أن يذكرنا طوال الوقت وبعدة أساليب بذنب شفيقة التي استحقت أن تقتل من أجله.

بعد أن بدأت شفيقة بالتحدث إلى أصدقاء أخيها أراد أحدهم أن يتأكد من شخص شفيقة، ومن أجل هذا أخذ يغازلها طالباً منها أن تقول من أي بلد هي: “واحد من صحاب أخوها سألها وقاللها/ قال أنت جميل وشغلت البال، لأديك/ لو تطلب ورق بال اديك/ بس قوليلنا منين بالَديك؟/ قالت: أنا مسكينة ودمعي بليني/وسنتين سكنه الفيلا دي/ وفى الأصل جرجا بلدي”. الشيء الذي يجب أن يستوقفنا هو أمران: أولاً؛ أن صديق الأخ يظهر لنا مدى النفاق المجتمعي بواسطة “موهبته” فهو ذكر يعرف مغازلة أمثال شفيقة من النساء بسهولة وتمرس، وهذا ليس بعجيب على مجتمعنا ذي القيم المزدوجة بالنسبة للرجال والنساء في كل ما يختص بالجنس والشرف والحرية الشخصية. الأمر الآخر؛ هو أننا نسمع للمرة الأولى قصة شفيقة أو بدايتها حين تقول أنها مسكينة وأنها ساكنه منذ سنتين في هذه الفيلا وأن أصلها من جرجا. لكن حفني أحمد غير مهتم هنا بقصة شفيقة أو حتى بمحاولتها إثارة تعاطف الزبائن والمستمعين بقولها: “أنا مسكينة ودمعي بليني” فهو سرعان ما يقطع حديث شفيقة ليصف حالة صديق الأخ بقوله أن: “صاحب أخوها عرفها وطار / بقى يبكى ويقول: يا ستار!” فتصوير شفيقة لنفسها على أنها مسكينة وعلى أنها ضحية، يُجهَض بوصف حالة صديق الأخ الذي لم يتمالك نفسه من الهلع لهذا المشهد القبيح والمأساوي المتمثل بشفيقة وأخذ يبكي ويستغيث بالله الستار للمصائب والبلاء، وهو وصف مقنع للمستمع أكثر من ما تقوله شفيقة على لسانها، الهدف في هذا هو تكذيب شفيقة وتصوير “تمسكنها” هنا كمحاولة وضيعة أخرى لاجتذاب الزبائن، فهي لا توصف بمصداقية صديق الأخ المهلوع من هذا المشهد المأساوي. وبعد الدعاء لله الستار تأتي “الوسكي والأوتار” ووصف دقيق لكيف تم التآمر على شفيقة وتخديرها بالكحول لتلاقي متولي وموتها الدموي المحتوم:

“وجاب على الوسكي أوتار
البت كان غايب وليفها
دي ناس دايره الدنيا ولفاها”
صب أول كاس ولافاها
شربتو وطلبت مزة، جابولها مزة
كان فى الشارع بياع تين
بيدور ومشي للي تانى دور
صب وناولها تاني دور
والكاس التالت صبلها
مرضيتش تشرب سب لها
ترفع العيون وتسبلها
صحابو سكروها ونزلولو
قالولو: قوم أقف على قدمك
الحظ اتعدل قدامك
والسكة فضية قدامك”

دخل الأصدقاء إلى منزل شفيقة كزبائن جلبوا الموسيقى وبدؤوا بسقي شفيقة “وسكي” وقد شربت الكأس الأول، لكنها طلبت أن تأكل “مزّة” فذهب أحدهم وجلب لشفيقة مزّة، ويقص حفني أحمد حسن القصة هنا كأنه كان شاهداً عليها! فهو يذكر بائع التين المتجول الذي انتقل من الدور الأول للثاني عندما صبوا لشفيقة الكأس الثاني وشربته، ورفضها لشرب الكأس الثالث، فهي لم تكن راغبةً بأن تسكر بل كانت تريد مجاملة الزبائن، وهو الأمر المنطقي إن فكرنا في الأمر جلياً، فهي لم تشأ أن تقع ضحية اعتداء أو سرقة وهي بمفردها بالبيت مع من تظنهم زبائن، مما يترتب على مثل هذه “الصنعة” من مخاطر متعلقة بهذا النوع من العمل والعنف الذي تواجه أولئك النساء في مثل هذا الواقع. وبالفعل سريعاً ستعرف شفيقة حين ترفض الكأس الثالث أن المغازل أو الزبون سيتحول لشخص عنيف يَسُبُها لكي تشرب الكأس الثالث، فما كان منها إلا أن تسبل بعيونها وتشرب حتى أصبحت غير قادرة على فتح عيونها من أثر الخمرة. وتسبيل العيون هو علامة للنعاس وعلامة لضعف شفيقة التي أصبحت بلا قوة كما هي علامة أنوثة شفيقة التي حاولت من خلالها استرضاء وامتصاص غضب صديق الأخ الذي شتمها. وسكرت شفيقة ونزل الأصدقاء سريعاً لجلب متولي الذي ابتسم له القدر.

عن الأوان

Filed under: فكر

اترك تعليقاً

*