Articles Comments

» مختارات, نقد » ادوارد سعيد والمنفى

ادوارد سعيد والمنفى

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



صبحي حديدي

 

كان إدوارد سعيد (1935 – 2003) استعارة حيّة من لحم ودمّ لفكرة المنفى: في المحطات الأساسية من سيرته الذاتية، وفي النقلات الكبرى لتطوّرات تفكيره النظري، وفي مجموعة المواقف التي اتخذها بصدد مسائل آيديولوجية وفلسفية وجمالية وأخلاقية وسياسية

وفي مقالته اللامعة “ذهنية الشتاء: تأملات حول الحياة في المنفي”، والتي نشرها في عام 1984، حدّد سعيد بعض خصائص المنفى على النحو التالي:”المنفى هوّة قسرية لا تنجسر بين الكائن البشري وموطنه الأصلي، وبين النفس ووطنها الحقيقي، ولا يمكن التغلّب على الحزن الناجم عن هذا الإنقطاع. وأياً كانت إنجازات المنفيّ، فإنها خاضعة على الدوام لإحساس الفقد”.
إذا صحّ ذلك، فكيف تحوّل ذلك الإحساس بالفقد إلى دافع غنيّ للثقافة الحديثة؟ يجيب سعيد: “ربما لأن الحقبة الحديثة ذاتها مُتيتّمة ومغتربة روحياً، ويُفترَض أن هذا هو عصر القلق الشامل والحشود العزلاء”. وهكذا فإن المنجز الأساسي في الثقافة الغربية الحديثة صنعه المنفيون، والمهاجرون، واللاجئون. ويضرب سعيد أينشتاين وصمويل بيكيت وفلاديمير نابوكوف وإزرا باوند أمثلة على ذلك.
أنْ نفكّر بفوائد المنفى كباعث على الموقف الإنساني والإبداع أمر لا يعني التقليل من عذاباته الكبرى. وأنْ نرى شاعراً في المنفى أمر آخر غير أن نقرأ شعره عن المنفى. والمبدعون المنفيون يسبغون الكرامة على شرط كان القصد منه في الأساس حرمانهم من الكرامة. وبهذا المعني، لكي نفهم المنفى كعقاب سياسي معاصر، من الضروري أن نذهب أبعد مما يرسمه الأدب من ملامح. باريس، على سبيل المثال، اشتهرت باجتذاب عشرات المنفيين الكوزموبوليتيين، ولكنها كانت أيضاً المدينة التي شهدت عذابات الآلاف من النساء والرجال المنفيين المجهولين الذين لا نعرف أسماءهم وحكاياتهم.
القوميات تدور حول الجماعات، بينما يدور المنفى حول غياب الجماعة الوضعية المتموضعة في موطن أصلي. فكيف للمرء أن يتغلّب على عزلة المنفى دون أن يقع فريسة لغة الفخار القومي والعواطف الجَمْعية ومشاعر الجماعة؟ من هنا فإن المنفى “حالة حَسَد”. ولأن المنفيّ لا يملك سوي القليل فإنه يتشبث بما يملكه ويدافع عنه بشراسة. ما ينجزه المنفيّ هو ذاك الذي لا يريد لأحد أن يشاركه فيه، وهكذا تتنامى مشاعر الانطواء والاستئثار، والتضامن داخل الجماعة الصغيرة، والعداء للآخر. ومن هنا أيضاً تولد تلك الحالة القصوى من مناخات المنفى: أي معاناة النفي على يد فئة منفية أصلاً…
العالم الجديد للمنفيّ هو منطقياً عالم لاطبيعي، ولاواقعيته تشبه الخيال. وفي كتابه “الرواية التاريخية” أثار جورج لوكاش مناقشة عميقة حول أن الرواية (وهي شكل أدبي نبع من لاواقعية الطموح والفانتازيا)، هي شكل من التشرّد التصعيدي Transcendental Homelene. ورأى لوكاش أن الملاحم الكلاسيكية تنبثق من ثقافات مستقرة حيث القيم واضحة والهويات ثابتة، والحياة لا تتبدّل. الرواية الأوروبية تنهض من تجربة معاكسة، حول مجتمع متبدّل حيث يسعى البطل (المنتمي إلى الطبقة الوسطى) إلى بناء عالم جديد يشبه بعض الشيء العالم القديم الذي جرى التخلّي عنه. عوليس يعود إلى إيثاكا بعد سنوات من التجوال، وآخيل سوف يموت لأنه لا يستطيع الفرار من قدره. ولكن الرواية توجد لأنه قد توجد عوالم أخرى هي بدائل يحتاجها البرجوازي والجوّال والمنفيّ.
المنفى تجربة يتوّجب عيشها بحيث تسمح بإحياء الهوية، وإحياء الحياة نفسها، وترتقي بها إلى وضعية أكثر اكتمالاً ومعنى. هذه النظرة الخَلاصية إلى المنفى دينية أساساً، رغم أنها كانت أطروحة للعديد من الثقافات، والإيديولوجيات السياسية، والأساطير، والتراثات. المنفى يصبح شرطاً سابقاً ضرورياً من أجل حالة أفضل، وهذا ما نعرفه عن نفي الأمم قبل أن تحرز كياناتها، ونعرفه أيضاً عن نفي أنبياء مثل موسي والمسيح ومحمد قبل عودتهم الظافرة.
المنفى ليس موقع امتياز يتيح للفرد ممارسة التأمل الذاتي، بل هو بديل عن مختلف المؤسسات الجبارة التي تهيمن على معظم الحياة المعاصرة. وإذا اختار المنفيّ أن لا يمارس النقد العميق، وأن يكتفي بلعق جراحه على الخطوط الجانبية للحياة، فإن من واجبه أن يطوّر حسّاً معمقاً بالذات، من النوع الذي فعله الفيلسوف الألماني اليهودي تيودور أدورنو في عمله الهامّ Minima Moralia، والذي كتبه في المنفى واختار له عنواناً فرعياً هو “تأملات من داخل حياة مبتورة”. ولقد رأى أدورنو أن الحياة تنضغط في أوطان جاهزة مسبقة الصنع، والموضوعات تنقلب إلى سلعة، والواجب الأخلاقي يقتضي أن لا يشعر المرء بالاستقرار في أي مقام. هذه هي المهمة الفكرية التي يتولاها المنفيّ.
والمنفي، كما تحدّث عنه الناقد الأدبي الألماني الكبير إريك أورباخ Erich Auerbach أثناء نفيه في تركيا خلال الحرب العالمية الثانية، هو تصعيد للحدود الوطنية أو الأقاليمية. إنه يتعلّق بوجود الموطن الأصلي وحبّه والإرتباط به، ولكن ما هو حقيقي في كل حالة نفي ليس فقدان الوطن وحبّ الوطن، بل أن الفقد موروث في الوجود ذاته للوطن ولحبّ الوطن.
وينتهي سعيد إلى القول: “المنفى لا يمكن أبداً أن يكون حالة رضى عن النفس، واطمئنان، واستقرار. المنفى، بكلمات [الشاعر الأمريكي] والاس ستيفنز هو ذهنية الشتاء حيث تكون عواطف الصيف والخريف، مثل العواطف الكامنة للربيع، قريبة ولكنها ليست في المنال. المنفى هو الحياة خارج النظام المألوف. المنفي بَدَوي، غير متمركز، طباقي Contrapuntal، ولكن المرء ما يكاد يتعوّد عليه حتي تندلع من جديد قوّته غير المستقرّة”

عن القدس العربي

 

Filed under: مختارات, نقد

اترك تعليقاً

*