Articles Comments

» أدب, مختارات » الأبيض / جمال القواسمي

الأبيض / جمال القواسمي

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



بعد أكثر من عشرين عاماً يعود، طبيباً ومعه تصريح ليوم واحد، إلى القدس وهي على بعد حوالي ثلاثين كيلو من قريته. ترك زوجته وإبنته تذهبان إلى الأقصى، وأخذ يتفقد خطواته الطفولية المزروعة في المكان، يبحث عن أنفاسه الأولى وآثار عرقه. أمعن النظر بكل النساء اللاتي يرتدين الأبيض. التصريح في جيبه. يوم واحد. باب العمود، السور، دكاكين، فلاحات واطفال يبسِّطون ببضاعتهم.
قبل عشرين عاماً كان الكبار فقط نساءً ورجالاً يبسطون. ربما كان هو الطفل الفلاح الوحيد قبل أكثر من عشرين عاماً الذي كان يبيع فاكهته وبضاعته. كان مرض أبيه هو سبب عمله. لكن الأباء اليوم لا ينالون تصاريح لدخول القدس لا للصلاة ولا لبيع منتوجاتهم ولا حتى لزيارة قبور موتاهم؛ لذلك يرسلون أطفالهم الى القدس ليبيعوا منتوجاتهم وبضاعتهم. قعمز أمام طفل وبيده سكينة يبيع صبراً في سلة مشابهة لسلة كانت له وهو صغير؛ قال له الفلاح الصغير: “أكشر لك؟” فأومئ له بنعم. فقشر له ثلاث صبرات، دفع ثمنها ومضى.
قبل الانتفاضة الأولى اعتاد في الصيف والمواسم ان يأتي القدس ليبيع بضاعته ويساعد في البيت. وهنا في القدس لكي تبسِّط في مكان ما عليك أن تحب المكان وتجعله يحبك ويتغلغل فيك؛ وكثير من الأمكنة بسَّط فيها وهو صغير، لكنه أحب موقعاً واحداً بادله الحب بدوره. كان المكان يحميه ويدافع عنه ويخبأه من ‘محاوية’ البلدية. ومع الوقت صار له زبائنه لبعض البيوت والأشخاص، يرزم لهم بضاعتهم، ويوصلها الى البيت في الصباح.
ماذا حلَّ بابناء الحارة الذين عادوه والذين صادقوه!؟ ماذا – ستراه – سيقول لزوجته حينما تعود من الصلاة في الأقصى!؟ أتركهم في القدس ليزور مكاناً عاقره وعاقر شمسه وعزلته وأطفاله المقدسيين المشاكسين قبل بلوغه السادسة عشر من عمره!؟ بقي ست سنوات يبيع في القدس قرب التمثال، ولا يرى من يتعشم برؤيتها. وصل الى مهبط قلبه. هناك، تماماً، باع التين لأول مرة وباع عنباً وبضائع أخرى كثيرة فيما بعد. هناك في مهبط قلبه، رآها لأول مرة. هكذا كان يجلس. وهذا هو التمثال. تمثال لسيدنا عيسى، وقعته الأولى، وتذكرها ترتدي فستاناً أبيضاً قصيراً. وقع وتلقفته بيديها وبياض فستانها وطراوة جسدها؛ هكذا قمبزت، هكذا أمامه، هكذا زرعت المكان كله في روحه، وهي أيضاً زرعت نفسها في قلبه، فوقع وهبط وولد من جديد…

كان هو وسلته القش المليئة بالتين والشمس وشارع الواد الضاج بالصيف والسياح، يجلس على صحارة فارغة، كان منقوعاً ببحر الشمس، وكان على بُعد بيع سلة تين واحدة من البيت، سلة يحوي ثلثها حوال كيلوغرامين من التين المستوي، ثم لمحهما من بعيد تتشابك ايديهما لتنفصلا، وتنفصل لتتشابكا. شقراء ترتدي فستاناً أبيض يحسر عن ركبتين بيضاوتين شهيتين تنتعل صندلاً تمشي فيه كأنها حافية، وهو شاب وسيم أنيق بسرواله البيچ وبلوزته البيضاء اللاكوست. كان رجال الحارة قد لاحظوا تصرفات العاشقين، الذين يقفان فجأة ويتبادلان قبلةً محمومة، ثم يمشيان، يتعانقان، يحسس احدهما على جسد الآخر، تتشابك اصابعهما، تنفصلان، تتشابك ايديهما.
وكان وسلته القش في حرب ضروس مع الشمس والتعب والانتظار، ولا احد يشتري تيناً معرقَّاً طبخته الشمس، ولكنه قطر يذوب في فمه يرطب به احيانا كسرة خبز طابون من بيته. يلوك تينة بين الفينة والأخرى ولا يرغب بابتلاعها. وتلك الشقراء الجميلة لا ترى في الحارة إلا تينه، وراءه المرحلة الثالثة ودير الأرمن فلا تراهما، والشارع هو طريق الآلام فلا تراه..
هو لم يفهم ماذا يجري، وكيف تسمح امرأة لأحد أن يقبلها وتسمح لنفسها ان تقبل احداً امام الناس، وترتدي ملابس فاضحة تكشف جسدها؛ لم يفهم سرَّ تعلق عينيه بها وتشرُّبه لبياضها، لم يفهم كيف يتركها أبوها مع رجل غريب، وإذا كان زوجها فكيف يتركها الأخير تعانقه وتقبله في الشارع!؟ كانت المرة الأولى الذي يشاهد فيها هذا المنظر، ولم ينسه أبداً، وبقيت القدس فيه موطناً لمشاعره الغامضة والأسئلة المحيرة. وهي لم تفهم كيف بوسع عائلة ان تترك ابن عشر سنوات يبيع تيناً في سلته وهو تحت الشمس، بشفتيه الناشفتين وعينية الذابلتين وملابسه الملونة. أهو يتيم؟ أليس له أقارب يصرفون عليه؟ أهو يفعل ذلك طمعاً بقليل من المال كمصروف جيب. وكل ما في البلدة القديمة حجارة وصخور، فأين شجر التين الذي يلقط منه!؟
رأته وحده مقعمزاً أمامه سلة قش صغيرة، انحنت لترى ما فيها، ابتسمت وداعبت شعره بحركة سريعة وقعمزت أمامه تماماً وهي تدير ظهرها للرجال الجالسين في مطعم البيتزا. “القعمزة” (١) ليست قرفصة ولا انحناءة ولا سجوداً ولا ركوعاً، بل هي أبجدية رغباته الدفينة. امرأة مقعمزة امرأة لا واقفة ولا قاعدة، هي بين بين، فقط قدماها يلمسان الأرض وتقعي وقد أثنت رجليها وفخذيها وأصبحت حمامة صغيرة بوسع المرء أن يحملها عندئذ في كفه.
كان طفلاً ابن اثنتي عشر سنة وكان عليه ان “ينفق” بضاعته وكانت المرة الأولى التي يبسِّط فيها بتينه في ذلك المكان الذي يشبه رأس المخروط، لكنه المكان الذي يمر فيه السياح. إنكليزيته الهشة تعلمها من الشارع وبائعين آخرين من قريته في الجنوب يسري معهم صباحا الى القدس، وتينه معرقّ، وفستانها الأبيض الخفيف يشفُّ عن فخذين، يسبحان في فستانها الشفيف كسمكتين؛ هي معجبة بالتين وصديقها الوسيم معجب بالسلة، صديقها يقول: not good

والصبي يقول: good good very good
ويضحكان، والطفل يتأمل الأبيض الذي يشع أمامه جلداً وفستاناً. ويقول: vigs, vigs good، ويضع رؤوس أصابعه على فاهه ويطلق قبلة استحسان للتين الشهي، ويضحك عليه الأجنبيان، وخلفهما يضحك رجال الحارة ورجال المطعم.
يقول الشاب الأشقر الوسيم: not sweet
فيرد فوراً: والله sweet، قطر، honey, honey
ويجذب الموقف بعض الرجال الفضولين، فترتبك الشقراء بجلستها المقعمزة، فيلمح فخذيها، ويلهج صدره باحساس غريب جميل. ويضحك الأجنبيان على انكليزيته المنطوقة الغريبة وسرعة بديهته، فقد فتح تينة لنصفين ومدها باتجاه الوسيم، فتردد بأخذها وحين تناولها شرع بتقشيرها، فقال له الصبي: no, no.. all، كلها كلها!! كانت تينة موازية، والتين الموازي أحلى انواع التين، فقال شيئاً بمعنى انها لذيذة، فقالت اللذيذة: one more، وفتحت راحتها وكأنها تشحذ، وهي مقعمزة، وأخفضت ركبتها اليسرى أرضاً، الأمر الذي كشف فخذها اليمين الأبيض وكلوتها الابيض، أحسَّ عينيه فنجانين من الشاي الساخن، وتكسَّر الكون أمامه بغيمة ضباب. المسكينة شحذت منه تينة، فاختار اكبر تينة موازية وفتحها، تلك النعومة وذلك الأبيض وذلك القطر والعسل تتفتح بين أصابعه، وقلبه يضخ وجيباً راقصاً لا يفقه ايقاعه ولا مناسبته ولكنه فهم انه رقص ممنوع. ووضع تينته في راحتيها لامساً اصبعها المعروق، وتغمض عينيها وهي تتذوق تينته، ويتوه في شفتيها وهي تلوك وتتلمظ وتنشق أنفاسه. ويضحك الأجنبيان، ينظر احدهما للآخر ويقعمز الوسيم بجانبها، يقولان اشياءً ويضحكان. والطفل لم يعد يريد أن يبيع بل يريد أن يديم هذا الشعور اللذيذ وعيناه تتزوَّدان من بياض تلك المرأة التينة وفخذيها اللامعين. وماذا يقولان؟ يتبرع احدهما بالترجمة: التين حلو جداً.
فتح تينة شحيمية، وقال: no very sweet
يجذبها منظر التينة، فهو اصغر واحمر اللون كاللحم، بل ان ملمسه وكثافته مثل اللحم تماماً.. قال لهما:
meat, good, very good, no very sweet
فتح تينة اخرى للشاب الوسيم، ويعجبه التين ويأكل بنفسه ويبدي اعجابه ورضاه، ويضحك رجال الحارة والمقهى: والله ما يشتروا منك ويضحكوا عليك!!
نشب جدال بين العاشقين، وقفا وضحكا، ولم يفهم الصبي شيئاً. ود ان يقول لهما ان الشحامي هو ملك التين كما قال له أبوه ذات يوم فقال لهما: vig this شحيمي، king vigs
ضحكا.. لم يفهما.. قرقرا وأشارت البيضاء باصبعها نحو تينة سمارية، ويخرج الرجل الأنيق محفظته من جيب سرواله الخلفي، والصبي مفجوع بخشيته من رحيل البياض عن عينيه. رآها تقبل الوسيم بفيها. ثم دغدغته بابتسامة رائقة جميلة، فتح لها تينة سمارية، وقال لها: not sweet، حلو ع مزّ، فكيف يصف طعمه؟ تتذوقه فيعجبها، يتذوقه الوسيم ولا يعجبه، ويهز رأسه ويفتح سحاب محفظته، ويتجادلان ويقعمزان ثانية فتطير اسراب الحمام طليقة حرة من تحت فستانها القصير وتطيح به أرضاً على مؤخرته وكوعيه، فتلتقطه بيديها الرقيقتين، وهو على بعد بضعة امتار عن المرحلة الثالثة حيث وقع المسيح وقعته الأول. تتفقد كوعه، تمسح كوعه براحتها، وتداعب شعره وخصله باصابعها وابتسامتها الدافئة. وينقده ورقة خضراء بصفرين وواحد. ويقع الصبي قلبه. كان الجميع مدهوشاً يحدق بالورقة المائة الخضراء والصبي ينظر للوسيمين وكأنه يجهز نفسه ليغادر معهما، وشعر بالثكل وهما يبتعدان عنه بلا وداع ولا عناق، بلا قبل ولا تحسيسات، بلا مصافحات ولا كلمة سلام. لقد تسللت تلك البيضاء في داخله وأبقت في نفسه أعشاش رائحتها وبياضها وأبجدية ما زال يتعلمها عن نفسه.. وقد لاحظا فجيعته برحيلهما وفكرا بأنه غاضب لأنهما أعطياه مائة دولار دون ان يأخذا تيناً، وقد سمعها تعاتب حبيبها على سذاجتهما، فعادت لتراضيه وداعبت شعره وقالت شيئاً لم يفهمه وهي باسمة ودافئة وسعيدة، أخذت سلة التين، فضَّلته تينة وكأنه ضيفٌ في بيتها وفضلت من كان حولهم من رجال ومارة فضولين وأمسكت يده بيد والسلة بيد اخرى ومشيا، فضلت الوسيم ورجال المطعم، وضحك الصبي، وضحكت اللذيذة، وضحك رجال الحارة ورواد مطعم البيتزا.. هو مع امرأة شهية لم يفهم سبب انجذابه لبياضها وفستانها الابيض وفخذيها الابيضين، تشده الى خاصرتها بيدها اليمنى، وتثير موجة متصاعدة من المرح والوئام في الحارة ورجال الحارة وتعبث بشعره، ويعبث الوسيم بشعره ويمسح دموعه براحتيه، وهي تتأكد من تخبئة المال في جيبه، تدس أصبعيها بالورقة الخضراء في جيب بنطاله وناول الوسيم سلته القش الفارغة، أهداه إياها.. ولها.. بلا تين، صحيح، لكنها كانت تنضح برغباته العذراء ومشاعره الغامضة وعلى اليد المقوسة للسلة آثار من عرق يديه وتعبه. لكن الوسيم رفض الهدية، قال شيئاً لم يفهمه الصبي، وشيعهما وهي غزالة تتقافز في عينيه المغرورقتين بالدموع والحنين للبياض، والفستان الشهي، والسمكتين السابحتين…

(١) مرادفاتها قمبزة او قمبرة

آب2011

Filed under: أدب, مختارات

أضف تعليقاً

*