على قارعة الطريق / روان أبوعرقوب

على قارعة الطريق ..

   هناك على قارعة الطريق الواصل بين المجهول والمؤدي إلى حيث لا نَدري ،تجلس بائِعة وَرد أضناه البَردُ فَماعَاد يُشبهُ الوَرد..!! فالوَرد في مَدينتي ياسَيدي القارئ لا يُولَدُ ليَعيش .. يُولَد ليَموت .. كَكل الأشياء الجَميلة ،كَجَمال تشرين الذي يَقتله كانون،كَربيع العُمر الذي تقتلهُ تَقلُباتُ الدَهر …كَكُل شيء.

   عَلى قارِعَة الطَريق .. حَديث الشارِع مَسموعُ لمَن أراد أن يَسمع ,مُبهَم لمَن يسابق أحلام السَماء لا هوَ يَصلها ولا هِيً لَه ..

    عَلى قارِعَة الطَريق .. حَديث عَجوزيًن عَن هُموم الماضي ،يتَعَجبان مِن صُور الحاضر ،يلَملِمان التناقُض ،يحَاوران رَبَ السَماء ،ولا يَعلمَان أن قضاء باقي العُمر في مُقارَنَة غَير مُجدٍ فالفَوارق بَينَ الأمسِ واليَوم لا تُعَد ولا تُحصى .

    عَلى قارِعَةِ الطَريق ..ثَرثرة لِنساءٍ يَبحَثنَ أخبارَ موسكو وهُنَ يَقطُنَ هَنا ،لا لِشيء ولَكِن مَضَت سَاعة مِنَ الوَقت وإنتَههى الحديث عَن الجارةَ  والجار الَسابع وحَديث المَدينة و إنتهت أخبار القطر الَعَربي فبماذا يَتناقَشنَ في الوَقت المتَبقي لوصول الحَافلة ..؟!!

   عَلى قارعة الطَريق ..أنثى تَعتني بجَمَالها الغير مَلحوظ ، تتكَلم مَع  خَيالٍ يُهَيَأ لَها أنَهُ آدم يَعشقها وهيَ لا تَدري أنَ هُناكَ عِشقاً يَنتظرُها حَيث لا تَدري .

    عَلى قارِعَةِ الطريق ..يَمر خَمسيني مُحَمَلاً بمَلابِسَ رَثَة للبَيع ، خَمسيني ثَري يُقَابِلهُ الوُقوف عَلى ذات الطَريق ،يَبتَسمُ سُخريَة ،لا يَدري َأن الله كَريم عَظيم ! ، طِفلُ في الخامسة  يَتَمَعَن ..تُرَى ماذا فَهمَ وَهل دّوَنَ الموقفَ في ذاكِرَتَه الصَغيرة!

   عَلى قارعة الطريق أطَفالٌ يتَقمصون لَوحَةً  إجتمَاعية لَيسَت لَهم ،فلَم أجد في أي من الكُتب التي قَرَأت ولا اللوحَات العَالمية التي شاهَدت بأنَ الطِفلَ خُلقَ للعَمل ،للكَدح، للتسَول،للإنحرَاف ..!

    عَلى قَارعة الطَريق ،حَديث الوَطنية يُباعُ بدون مُقابل ، ثَرثَرةُ النَاس توَزَعُ دونَما سؤال ، َضجيج المَدينة يَسطو على هَدوء نَشتريه ، عُمر قَصيدة المَدحِ يَنتهي قَبلَ َأن تُقال ، وِلادَةُ الأَمَلِ في العَيون تُجهضُ قَبلَ المَخاض .

 

  عَلى قَارعةِ الطَريق الذي يَجزء مَدينتي المُجزَأة ،كُل شَيء عَارٍ مِنَ الفَرَح ،عيون الأطفَال عَارية مِنَ البراءة ، سَماء الطريق عَاريَة من طقس معتَدل ،رَسام يجلس في نِهاية الطريق العارية من النِهاية يَرسمنا ،وعِندَما إنتهَى وَجدتُ لَوحَتهُ عَاريَة مِن كُل ما رأيت، فقد كَانَت مليئةَ بالأشجَار الخضراء ،وهناك مَن يَلعَب وهنَاكَ مَن يضحَك ، و كَلامٌ غير مَفهوم ولكن َيبدو أنهُ مفرح يخرج من أفواه الناس في تلك اللوحَة ..أسأله بتعجب: أي مَشهد تَرسم ؟! لا أرَى مَاتَرى .. قَال :”أرَى الغَد .. فأرسُم “…قلت لَه “وأنا أرَى اليومَ.. فأتكَلَم “.

 

   حَياتُنا عبء عَلى ليل المؤرِخ وعَلى الرَسام ..هّكذا قال لي دَرويش ،وأٌقسِمُ بَانَهُ صَدَق ..قَال لي حَياتنا هي أن نَكونَ كَما نريد ونريدُ أن نَحيا قَليلاً ،لا لِشيء بَل لنَحترمَ القيامةَ بعدَ هذا المَوت.

فلنَحيا كَما نُريد .. كَما نتمَنَى .. كَما نَحلُم .

 

 

Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail