Articles Comments

» نقد » بلقيس الملحم وكائناتها الشعرية الحزينة / أحمد فاضل

بلقيس الملحم وكائناتها الشعرية الحزينة / أحمد فاضل

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



أيُها أوجعُ من الآخر ؟

للشعراء كائنات حية أيضا يمكن لنا أن نحس بها ونلمسها وقد تستقر في أذهاننا زمنا طويلا دون أن نملها ، تختلف هذه الكائنات حسب مكان وزمان الشاعر وبحسب تقلباته النفسية ، سواء أكان فرحا أم مهموما ، ولوأردنا ان نستعرض كنه هذا المعنى لما وسعتنا هذه المقالة ، لكننا يمكن أن نوجز مبحثنا هذا بكلمات قليلة معتبرين أننا قد نمر عليه مستقبلا بكلام طويل .

عندما نضع بعض منجز الشاعرة العربية السعودية ” بلقيس الملحم ” وليس جميعه أمام ناظرينا فإننا نفتح كوة نطل منها على كائناتها الشعرية الحزينة التي بلغتنا مع العديد من قصائدها إنها محاولة لاستحضارها وتذوقها لأنها مشحونة بعذاب وحرقة المرأة حيث نلمس من خلالها حرارة الإدانة ونزيف الكلمة عندها كما نتعرف على عنف إيقاعاتها وصخب مشاعرها
.

هي ولدت في ” الإحساء ” هذه المدينة لازالت تتعلق بأحرف قصائدها حتى وإن لم تظهر بين أبياتها فثمة حبل مشيمة يربطها بها مع أنها غادرتها بعد زواجها الى مدينة أخرى ، وعندما تتذكرها تهيج بها ذكريات المكان فتشتاق اليها والى ذويها ، هنا تتوقف الشاعرة لتكتب الى والدها كلاما هو أقصوصة قصيرة جدا تفيض رقة وعذوبة قبل أن تلج القصيدة :

” هناك أسكب العبرات ، حين يميل بنا النخيل ، وعلى مفرق زقاق بيتنا يقذفنا بهدأته ، يبدأ أطفالي بالقفز ، مرددين خلف صوت المزمار وهو يصيح طربا : وصلنا الحسا .

أعصر وجه أبي الغافي تحت رمل بللته سماوات الله ، أدخله في جيبي بعد أن أخفي دمعتي تحت نقاب الانتظار .. وأمي خلف الباب تترصدنا بالقبلات الدافئة والصلوات الخاشعة على سلامتنا ، تنظر من شقوقه التي كان أبي – رحمه الله – يشقها بنوره ، يوم أن كان يحمل إليها دلو الحليب ، وصرة الزعفران من ناصية النور ، وأنا أرفع من شمعة النار تحت إبريق ، أصفر ، كبير ، فتصبه أمي بيدها المكتنزة بأساور الذهب ، في أكواب مزخرفة من خزف الجنة ، ليسقيه أبي لمن كان في حضرته في ليلة المولد الشريف .

ولأني كنت دائما أتلصص على أناشيد الحضرة ، فتأخذني رقصة الروح الى صدر البيت حيث الصحن المكشوف ، ومن ذلك الزمن وأنا مغشية عليّ ، ومصابة به لذا اقترحت على نفسي أن أروضها بالبكاء ، وحتى ذلكم الشفاء الأبدي من لوعة اليتم ، والحرمان ، بعث الله لي أبي من تحت الرمال ، مكتسيا بجبة السماء الواسعة ، دالفا الى روحي البعيدة بوهج محموم ، موقظا فيّ عوالج الآخرة بقنطرة القصيدة ، فإليك .. والدي أهدي قصيدتي المبتدأة طَهورها ببسملتك ” ، لقد استعانت الشاعرة بمقدرتها القصصية ككاتبة لها وقدمت قصيدتها بها ، وهي تحية وسلام منها لأبيها ، ذكرتني بشقيقتي الكبرى حينما تزوجت وخرجت من بيتنا ، حينما تعودنا للزيارة أول ما يتلقف حضنها أبي ، وأول من تسأل عنه حينما لاتجده في البيت ، وأرى أن هذا إنعكاسا طبيعيا لصيرورتها في تبجيل كل ما هو كبير في العائلة أو العشير ، و ” الأب ” هنا هو عمود الخيمة كما قرأنا ولمسنا ، مع أن عاطفتها تكون مشدودة الى ” الأم ” أكثر في أغلب الأحيان :

لايزال الله يبعث بالأنبياء / دون أن يُعلن عنهم / أبي كان واحدا منهم / كل ليلة يكثر فيها صخب الأزقة / يصعد الى خلوته / هناك / يغشاه نور الفانوس الذي ما نضب زيته / ينسج من دموعه ظل الله / الظل الذي لون بمسراته مرايا النوافذ / تلك وحشة يقتنصها / كمن يطارد صيدا سمينا / وحده يرقص / وحده يدور / وحده يسقط في نور الله / وعلى عتبة الشفاعة يبسط فراشه / يعد حبات المسبحة / مئة / مئتان / ثلاث مئة / ثم يغفو / ينعس كنعاس الوحي في الضحى / ، الشاعرة هنا في مبتدأ أبيات قصيدتها تعطينا فرصة التعرف على أبيها وهو نوع من المحاكاة تفتقدها القصيدة الحديثة الآن أو كأنها تقول لنا ببساطة : هذا هو أبي ، هل تعرفتم عليه ؟ إنه وهج النور الذي يشع علينا ، فرح جميعه ، ناسك متعبد ، يغفو كطفل يحلم بالخير كله :

لايزال الله يبعث بالأنبياء / دون أن يعلن عنهم / أبي كان واحدا منهم أتحاشى السقوط في خلاخلها / أدنو منه / فيبتسم بلون القمح / أعبر حاشية الدفوف المستريحة من غنائها الصوفي / أضع يدي على فخذيه / يجيبني كجبريل السائل ذات يوم أغبر / بلقيس / سيكون لك شأن عظيم يا بنيتي / أسأله أكثر / فيأخذه مرة أخرى دوي النحل / وصلصلة الأجراس / مرة أخرى يبتسم / وقد تفصد جبينه باللؤلؤ / هناك / لاقلب ينام / لاريح تصفع / ولا طين يصدأ / هناك تسفح الأماني / ويدر الضرع المبتور / ، هنا تتجلى النظرة الصوفية للشاعرة فتبيح لنفسها قولا يتماثل مع كل ما يحمله الأنبياء من صفات وإن لم يك أبيها شبيها بهم ، هو يستشرف مستقبلها ، بصرّه الله بها ، أو ليس المؤمنون ذوو بصيرة كما بُشرنا ؟ :

لايزال الله يبعث بالأنبياء / دون أن يعلن عنهم / أبي كان واحدا منهم / وأنا من فرط فرحتي / أقطع صرة التأويل / لأنبت مرة أخرى / كما أنبأني في المرة الأخيرة / بقلة على جرف دجلة ! / لايزال الله يبعث بالأنبياء / دون أن يعلن عنهم / أبي كان واحدا منهم / ، هذه القصيدة تقف الشاعرة لتردد فيها مرارا أن الله لايزال يبعث بالأنبياء مع علمنا أن النبوة انقطعت بوفاة خاتمها الرسول محمد ( ص ) ، لكنه الإلهام الروحي الذي يحمل معتقدا أن الرجال الصالحين كالأنبياء وإن لم يُعلن عنهم الله وهو أعلى درجات التقرب منه ، هنا بان المعنى لكائناتها الشعرية التي استحمت بأحرف النور الذي توجته الشاعرة بلفظ الجلالة والنبوة والأبوة وهو مزج صوفي متأتي من فيض رباني وإلهام قلبي وسمو روحي ، هذا السمو هو الذي جعلها تتأذى للإنسانية في كل مكان فكيف إذا كان الأذى يضرب أحبابها في العراق الذي عشقته فغنت له وبكت في واحدة من مراثيها الشعرية التي افاضت كائناتها على الورق شهقات وهي ترى المجازر تحصد المئات من أهالي بغداد في حادثة كنيسة سيدة النجاة ومناطق أخرى قالت في ” جفن الفجيعة ” :

لم أفض الى نفسي / إلا بساقين رخوتين / أدليهما من قاع القلب / مغلقة على نفسي رجاء النوافذ / متحسسة وزن أصابعي / حجم أنفي / رطوبة لساني / والهواء الذي يمر ساخنا / دون أن ألعقه / أو أقرر الوقوف أمامه / ، الخبر وقع عليها كالصاعقة فراحت كائناتها الشعرية تتجمع ملتحفة بالسواد تجلجل القصيدة بصراخ تسمعه وتحسه حتى إذا ما أرادت أن تعود لصوابها أحست أنها لن تستطيع الوقوف لأن زلزالا قد عصف بساقيها عند سماعها لهذا الخبر :

لم أفض إلى نفسي / والموقد الأخضر صار جليدا / دما خاثرا / أو قل حكاية براغيث / صاروا يجتمعون كل قمامة في يوم قديم / يدعى ثلاثاء الأحزان / أو قل ثلاثاء العظام / بغداد مجنون موت بلادي / فكل الموتى يموتون من الأعلى / إلا نحن / يموت الفرع / والطحلب / والبنفسج / والحماقات / والأقدام الخشبية / والأصوات شاحبة في عنفوانها / وسيدة النجاة / نحيلة ممتدة / تعدد التراب / وأرواحا تعارفت بقبلة وداع / ، هذا الكم من الفواجع عرفته بغداد التي أحبتها الشاعرة بعميق روحها وأحاسيسها تتفرد بها دون باقي الدنا ، وعندما يمتد الموت فيها ليطال مقدساتها لايجيئ من السماء بل يحمله بشر مثلنا هيئة ، لكنهم متعطشون لشرب دمائنا ، إنهم مغموسون بالشر ولذلك هم لايشبهوننا بتاتا ، تضج كائنات الشاعرة بالحزن حتى إذا ما بلغت نهايتها قالت :

– يالخسارة الوطن – يولول أحدهم / لا أحد يسمعه / لا أحد يعود / جميعهم ينتشرون / يبيعون الدموع / وتحية الصباح على حد سواء / وكركرة الروح التي ما خبئّوا عنها قلق الرياح / يضربون بسياط جوعهم عجلات السماء / خاوية هي الأخرى سيقانها / نافقة فوق غيمة يابسة / وبنفس الساقين الخاويتين / ، ” جفن الفجيعة ” لافتة سوداء علقتها الشاعرة في سماء الحزن ، تتكأ على عظام المسحوقين التي تناثرت اشلائهم وسط ناقوس الكنيسة الذي تهاوى هو الآخر معلنا ان الصلاة ستكون في مكان آخر ، في السماء حيث لاوجود للدم المستباح والوجع الآدمي ، الملحم تعود لتنشر كائناتها الشعرية مرة ثانية على بغداد لكنها هذه المرة تعقد مقارنة بينها وبين ” غزالة تاتليس ” المطرب التركي الذي بكى غزالة تاهت بين الجبال ، والعشرات يتيهون وسط برك من الدماء لا أحد يبكيهم :

إنتهى الموت / وغادر قريتنا / منتعلا جلود الخراف / ” لقد ولى بعيدا ” / – همس راع يرعى عشبا محترقا وأجراسا صامتة – / أبرزت هوية دمعي للوادي / بعد أن همت بين نخيل عاقر / وجهي لم يكن مكتمل القرص ! / عيناي يسكنهما قطن دميتي / فمي مفغور بنحيب أمي / وجنتاي سفوح مخططة بالرماد / وقلبي ؟ / لم أجده في صدري / أذكر بأني تركته في الهوية الأخرى / يا سيدي الوادي / دلني على غزالة عمياء / اختفت بين الصخور / أسند ظهره إلى الجبل / أرخى عينيه لرقيم عذابي / أطرق للأرض رأسه / وبكأس صغيرة / أخذنا نبكي بنفس الطعم / نشتكي لصفحة الماء / أوتاد السماء التي سقطت / وظلالا ملغومة بالقتل / يضنيني السؤال .. ياسيدي الوادي / ، تبرز هنا كائنات الشاعرة لتصرخ بقوة فالموت ، والقرية ، والراعي ، والأجراس ، والوادي ، الوجه ، والعين ، والفم ، ونحيب الأم ، والقلب ، والصدر ، والجبل ، الأرض ، والسماء ، والماء كلها لسؤال واحد : هل حقيقة إنتهى الموت .. يا سيدي الوادي ؟ وجوابه قد يكون صدى ، فالوديان لاتعرف غير لغة الصدى لتجيب من يصرخ فيها ، وبالتالي تتلاشى تلك الأصوات هكذا هو حالها حينما تسأل :

أي قبر يمكنه أن يضم الغزالة ؟ / والجثث التي غرقت / وجدت في الأسماك لها قبرا / حتى الأعشاب طفحت / الريش حملته الريح / الطين اختمر / وما بين أحلام صغيرة / ينبت نواح في البراري وعشبة الموت / يا سيدي الوادي / هل يعيد خصب الحقول ؟ / وربيع بغداد تاه بين الشفرتين / يا سيدي الربيع / اين ذهبت الغزالة ؟ / ببرعم الحليب الطري ؟ / وببقايا مدينتي المتعففة بالسواد ؟ / يا سيدي الوادي / أوصيك خيرا بغزالتي / فقد اصطاد قلبي حزن الأمطار / وضيّعه كما تضيّع الدروب ابناءها .. ؟ / ، ترى أيكون حال بغداد كحال غزالة تاتليس ؟ ليتها كانت حتى تأخذ حقها من الدموع أو كما قالتها كائنات الشاعرة وهي توصي بها خيرا …

ولنا وقفات أخرى مع كائنات الشاعرة المتألقة بلقيس الملحم ، لكنها هذه المرة غير الحزينة .. فانتظرونا ..

أحمد فاضل
كاتب وناقد عراقي

Filed under: نقد

اترك تعليقاً

*