Articles Comments

» فكر, مختارات » فلسفة الممارسة – ملاحظات / أنطونيو غرامشي

فلسفة الممارسة – ملاحظات / أنطونيو غرامشي

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



رؤية المرء للعالم هي انعكاس لمشاكل معينة يطرحها الواقع، وهي مشاكل غاية في الخصوصية و”التفرد”، من حيث دلالتها المباشرة. كيف يمكن التفكير في الحاضر، وهو حاضر متميز بطريقة في التفكير أنشئت لماض بعيد تم تجاوزه؟ من يفكر بهذه الطريقة أنسان عتيق متحجر، لا ينتمي الى العصر الحديث

 

الملاحظة الأولى : ينتمي المرء دائما الى جماعة معينة بحكم رؤيته للعالم، هي رؤية كل العناصر التي تشاركه ذات الطريقة في التفكير والسلوك. فكلنا اتباعيون بصورة أو بأخرى، أننا دائما ذلك الإنسان الجماهيري أو الإنسان الجماعي. والسؤال هو : الى أي نمط تاريخي للاتباعية، أو الإنسانية ينتمي؟. عندما تكون رؤية المرء غير نقدية وغير متسقة، بل ومفككة، فهو ينتمي في آن واحد الى أكثر من جماعة بشرية جماهيرية، وتكون الشخصية غريبة التركيب : فهي تحتوي عناصر من العصر الحجري، مبادئ علم أكثر تقدما، وتحيزات تنتمي الى كل أطوار التاريخ السابقة على المستوى المحلي، وحدوث فلسفة مقبلة، صوف تكون فلسفة جنس بشري على نطاق العالم كله.
ان نقد المرء الفلسفة الخاصة للعالم، يعني أذن، أنه يجعلها موحدة متسقة، ويرتقي بها الى المستوى الذي بلغه الفكر الأكثر تقدما في العالم. ويعني أيضا كل الفلسفة السابقة، وذلك بقدر ما خلفته من رواسب متراكمة في الفلسفة الشعبية. ونقطة البداية في هذا العمل النقدي هي ان يعي المرء حقيقته و “ان يعرف نفسه” باعتبارها نتاجا لعملية تاريخية رسبت فيه آثارا لا حصر لها.

الملاحظة الثانية : لا يمكن فصل الفلسفة عن تاريخ الفلسفة، ولا فصل الثقافة عن تاريخ الثقافة. فلا يمكن للمرء ان يكون فيلسوفا بالمعنى الذي نقصده هنا، أي ان تكون له رؤية نقدية متسقة للعالم، دون الوعي بتاريخيتها، وبمرحلة التطور التي تمثلها، بتناقضها مع الرؤى الاخرى أو مع بعض عناصرها.
ورؤية المرء للعالم هي انعكاس لمشاكل معينة يطرحها الواقع، وهي مشاكل غاية في الخصوصية و”التفرد”، من حيث دلالتها المباشرة. كيف يمكن التفكير في الحاضر، وهو حاضر متميز بطريقة في التفكير أنشئت لماض بعيد تم تجاوزه؟ من يفكر بهذه الطريقة أنسان عتيق متحجر، لا ينتمي الى العصر الحديث، وأقل ما يوصف به أنه خليط غريب. هذا هو في الحقيقة، حال الجماعات الاجتماعية التي تجسد الحداثة في أرقى صورها من ناحية والتخلف من ناحية أخرى، بصرف النظر عن موقعها الاجتماعي. ولهذا فهي عاجزة عن تحقيق استقلاليتها التاريخية الكاملة.

الملاحظة الثالثة : أذا صح اللغة تتضمن عناصر رؤية للعالم، وعناصر ثقافة، لأمكن تقدير درجة تعقد رؤية أي شخص للعالم من واقع لغته. فمن لا يتحدث الا باللهجة المحلية، أو لا يفهم اللغة الفصحى فهما كاملا، يكون حدسه للعالم قاصرا بالضرورة، ومحليا ومتحجرا وعتيقا، بالنسبة لتيارات الفكر السائدة في التاريخ العالمي. صوف تكون مصالحه ضيقة وطائفية الى حد ما أو اقتصاديوية وليست مصالح عامة.
واذا لم يكن في أمكان المرء ان يتعلم عددا من اللغات الأجنبية، ليكون على صلة بالثقافات الاخرى، فلا بد ان يعرف على الأقل لغته القومية معرفة صحيحة. والثقافة العظيمة يمكن ان ترجم الى لغة ثقافة أخرى عظيمة، أي الى لغة قومية عظيمة بكل تراثها التاريخي وتعقدها يمكنها ان ترجم أية ثقافة أخرى عظيمة، وإن تصبح أداة عالمية للتعبير. وهو ما لا يمكن لغة المحلية ان تفعله.

الملاحظة الرابعة : ان خلق ثقافة جديدة لا يعني فقط ان يكون لدينا اكتشافاتنا الخاصة “الأصيلة”، وإنما يعني أيضا وبالتحديد نشر الحقائق التي تم اكتشافها في صورة نقدية، أي ان نجعلها “ملكا لمجتمع كله”، بل أساسا للفعل الحيوي، ان تصبح عنصر تنسيق، ونظاما ثقافيا وأخلاقيا. ان ارشاد كتلة كبيرة من البشر الى التفكير بصورة متسقة في العالم الحقيقي الراهن، هو حدث “فلسفي” أهم كثيرا وأكثر “أصالة” من اكتشاف فيلسوف “عبقري” لحقيقة تبقى ملكا لمجموعات صغيرة من المثقفين.

 

عن كراسات السجن / أنطونيو غرامشي

Filed under: فكر, مختارات

أضف تعليقاً

*