Articles Comments

» ترجمات, مختارات » كــافافـي وهامْلِت

كــافافـي وهامْلِت

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



سعدي يوسف

مَرَّ نحوٌ من ثلاثين عامـاً على نقلي إلى اللغة العربيةِ مُعْظَـمَ أشعارِ اليونانيّ العظيم كونستانتين كافــافي
( 1863- 1933 ) .
لقد صدرتْ طبعاتٌ عدّةٌ للترجمة المذكورةِ ، ووجدت أشعارُ كافافي سبيلاً لها في المتنِ الشعريّ العربيّ الأحدث ممّا ظلَّ يُشعِرُني بأن اختياري كافافي ، في بغداد المكفهرّة ، آنذاك ، كان لجوءاً إلى حِـمى الشِعرِ وحمايتِــه ، ومحاولةً لقهرِ النوائبِ عن طريق الفنّ ، ومفتتَـحــاً لمنبعٍ شعريّ يغتذيهِ الناسُ ، من محبّي الشِعرِ وممارسيـهِ .
في هذه الأعوامِ الثلاثين لم تنقطعْ علاقتي بالرجل ، وهو الـمَـعْــلَـمُ والـمُـعَـلِـمُ . كنتُ ألتجيءُ إلـيه ، وأتعلَّـمُ منه ، وأرتاحُ لعِـشـرتِـهِ ، بل فكّرتُ أكثرَ من مرّةٍ في إعادةِ نقلِهِ إلى لغةِ قومــي ، مستزيداً ، ومدقِّــقــاً .
كم تبدو الحياةُ باهتةً ، وكم يبدو التاريخُ غبيّــاً ، بدون كافافي

قبل أيامٍ ، وفي دكّانةٍ ٍ بإحدى القرى الإنجليزية ، في منطقتي غربيَّ لندن ، دكّانةٍ للثيابِ و الكتب المستعمَـلةِ ، عثرتُ على ترجمةٍ مدقّقةٍ موثّقةٍ ، مع هوامشَ ، لأشعارِ كافافي . عدد القصائد التي يضمُّها الكتابُ كان مائةً و أربعاً وسبعين قصيدةً ، أي أن الكتاب هو الأشملُ في ما اقتنَيتُ من كتبٍ لأشعارِ كافافي .
وقد فوجِئتُ بقصائدَ رائعةٍ لم أكن اطّلعتُ عليها من قبلُ .
من بين هذه القصائدِ ، واحدةٌ عن هاملِت ، هاملِت أمير الدانيمارك ، شخصية شكسبير الإشكالية دائماً .
والأغربُ في الأمرِ أن هذه القصيدة هي الطولَـى ، في كل ما كتبَ كافافي ، وتضمُّ اثنَينِ وتسعين بيتاً .
والمعروفُ عن كافافي أنه يفضِّلُ القصيدةَ القصيرةَ .
عنوانُ القصيدةِ ” الملك كلوديوس ” وتتكوّنُ من مقاطعَ يبلغُ عدد أبياتِ المقطعِ الواحدِ منها أحد عشــرَ ، وهي غيرُ مقفّاةٍ ، على غير عادةِ كافافي الغالبة في التقفية .
أمّا الملك كلوديوس ، فـهو عمُّ هاملِتْ ، الذي تزوَّجَ أمَّ الأميرِ الشابّ ، بعد موتِ الأبِ.
في ما يأتي ، ترجمتي للقصيدةِ ، وهي ترجمةٌ حرّةٌ ، أي أنها لا تتمتّعُ بجهدٍ عروضيّ ، عربيّ ، يقرِّبُـــها من العروضِ الإغريقيّ الذي كتبَ به ، كافافي ، قصيدتَه هذه .
وقد لا أكون الوحيدَ في هذه الـمَـثْـلَــبــةِ الفنّـيّـةِ .
فأرجو المعذرة !

الملكُ كْـلودْيـوس
شِعر : كونستانتين كافافي

فِكري يطوفُ الآنَ في أماكنَ نائيةٍ .
أنا أمشـي في شــوارعِ ألسينور،
خلالَ ساحاتِها ، وأستذكرُ
الحكايةَ الحزينةَ ذاتَها –
ذلكَ الملِكَ ذا الحظِّ العاثرِ
الذي قتلَـهُ ابنُ أخيــهِ
بسببٍ من وسواسٍ و شكوكٍ .

في كل بيوتِ الفقراءِ
كانوا يبكونَ ، في الســِـرَّ ، حزناً عليهِ
( كانوا يخافونَ فورتنبراس ).
إنه امرؤٌ هادئ ، مهذّبٌ
أحَبَّ الســلامَ
( عانتْ بلادُهُ ، الكثيرَ ، من حروبِ سَـلَــفِـهِ )
وكان كريماً في تعامُلِـهِ مع الجميع ،
الرفيع بينهم والوضيع .
ما كان مستبدَّ الرأي ، أبداً
كان يَنشدُ المشورةَ
في شؤونِ المملكةِ
من أناسٍ ذوي حِنكةٍ وتجاريبَ.

أمّا لماذا قتلَـهُ ابنُ أخيــهِ …
فأمرٌ لم تتَسَـنَّ معرفتُهُ ، البتّــةَ .
شـكَّ الأميرُ في أنه ارتكبَ القتلَ
أمّا أساسُ الشكِّ فهو هذا :
بينما كان يمشــي ، ليلاً ، على شرفةِ حِصْنٍ
ظنَّ أنه رأى شبحاً
وأنه تكلَّمَ مع هذا الشبحِ ؛
ويُفترَضُ أنه سمِعَ من الشبحِ
اتّهاماتٍ معيّــنــةً ضد الملِك.

يجب أن تكونَ نوبةَ تهاويلَ ،
أو توَهُّماً بَصَــرِيّــاً
( كان الأميرُ بالغَ العصبيةِ ؛
حين كان يدرسُ في وِتـِنْــبَـرغ ،
كثيرٌ من زملائهِ ، الطلبةِ ، ظـنّــوه مجنوناً ).

بعد بضعةِ أيّامٍ ، ذهبَ
إلى غرفةِ أُمِّــهِ ، ليتحدّثَ معها
عن شــؤونٍ عائليةٍ ما . وبغتةً ،
بينما كان يتكلّمُ ، فقدَ السيطرةَ على نفسِــهِ ،
وشــرعَ يصيحُ ويصرخُ
بأنّ الشبحَ كان أمامَه ، هناك.
لكنّ أُمَّــه لم ترَ شيئاً البتّةَ .

وفي ذلك اليومِ نفسِـهِ ،
وبلا أدنى سببٍ
قتلَ سيِّداً شيخاً من البلاطِ.
ولأنّ الأميرَ كان ينبغي أن يبحرَ إلى إنجلترة
في يومٍ أو اثنَينِ ،
أرادَ الملِكُ أن يُسَــرِّعَ في مغادرتِهِ
بُغْــيـةَ إنقاذِهِ.
لكنّ الشعبَ كان مستشيطَ الغضبِ
على فِعْـلةِ القتلِ البشعةِ،
حَدَّ أن المتمردينَ نهضوا
وحاولوا اقتحامَ بوّاباتِ القصرِ
يقودُهم ابنُ القتيلِ ،
السيدُ النبيلُ ليرتِس
( وهو شابٌّ شجاعٌ ، طموحٌ أيضاً ؛
وقد هتفَ ، في الفوضى الضاربةِ ، أصدقاءُ لهُ :

يعيشُ الملِكُ ليرتِس ! ).

في ما بَعْدُ ، حينَ هدأت المملكةُ
وسُجِيَ الملكُ في قبرِهِ-
قتلَهُ ابنُ أخيهِ ، الأميرُ ،
الذي لم يذهبْ إلى إنجلترة ، البتّةَ
بل هربَ من السفينةِ التي كانت تأخذه إلى هناك-
شخصٌ يُدْعَى هوراشيو ، تقدَّمَ
وحاولَ أن يبريءَ ساحةَ الأميرِ
بحكاياتٍ من اختلاقِهِ ، هو.
قال إن الرِّحلةَ إلى إنجلترةَ
كانت مؤامَرةً ســرِّيّــةً ، وإن أوامرَ
قد صدرتْ لقتلِ الأميرِ هناك
( لكن ذلك لم يتّضِحْ أبداً )
كما تحدَّثَ أيضاً عن خمرٍ مسمومةٍ-
خمرٍ سـمَّـمَـها الملِكُ .
صحيحٌ أن ليرتِسْ تحدَّثَ عن هذا أيضاً.
لكنْ ، أليسَ ممكناً أنه كان يكْذِبُ ؟
أليسَ ممكناً أنه كان مخطئاً ؟
ومتى قال ذلك؟
قالها ، وهو يُحتضَرُ من جراحِهِ ، وقد اضطربَ عقلُهُ
وصارَ كلامُهُ هذياناً .
أمّا عن الأسلحةِ المسمومةِ
فقد تبَيَّنَ في ما بَعدُ أن التسميمَ
لم يكنْ فِعلةَ الملكِ ، بتاتاً :
لِيرتس هو مَن فعلَ ذلك.
لكن هوراشيو ، كلّما ضُيِّقَ عليه الخِناقُ
قَدَّمَ حتى الشبحَ ، شاهداً :
الشبحُ قالَ هذا وذاكَ،
الشبحُ فعَلَ هذا وذاكَ !

وبسببٍ من هذا كلِّــهِ ، ومع السماحِ لهوراشيو بأن يقولَ ما يقول
فإن الناسَ ، في غالبِهم ، وفي أعماقِ قلوبِهم
كانوا يترحَّمونَ على الملكِ المسكينِ ،
الذي
مع كل تلك الأشباحِ والحكاياتِ الخرافيةِ
قُتِلَ ظُــلْــماً
وتَـمَّ التخلُّـصُ منه.

لكنّ فورتنبراس
الذي اعتلى العرشَ بكلِّ يُسْــرٍ
انتبَهَ
مُقَدِّراً
كلَّ كلمةٍ قالَها هوراشــيو .

ــــــــ
– ألسينور ، هي قلعةٌ على البحر في كوبنهاجن ، العاصمة الدانيماركية ، جرتْ فيها الأحداثُ المؤلمةُ لقصة هاملِت.
وقد زرتُ القلعةَ ، صحبةَ دُنى غالي وزوجها ، وكان من نتيج هذه الزيارة كتابتي ثلاث قصائد عن ” شُرفة هاملِت”.
ملحوظة : كتبَ كافافي القصيدةَ في شهر تموز من العام 1899.

علاقةُ كافافي باللغة الإنجليزية وأدبِها ليستْ طارئةً . وعلاقتُه بشكسبير ليستْ طارئة أيضاً . كتابتُه باللغة الإنجليزية محدودةٌ جداً ، بل نادرةٌ ، ويؤثَرُ عنه أنه كتب مقالةً يطالب فيها باسترداد الآثار اليونانية الموجودة في المتحف البريطانيّ. أمّا شكسبير فقد قرأه كافافي جيداً ، كما يبدو ، وحاولَ أن يترجمَ مسرحية ” جعجعة بلا طَحْنٍ ”
Much Ado About Nothing
إلى اللغة اليونانية ، لكنه لم يتقدّم كثيراً في المشــروع .
إلاّ أننا الآنَ أمامَ عملٍ كاملٍ ، أمامَ أطولِ قصيدةٍ كتبَها كافافي ، وهي لصيقةٌ بشكســبير ، بل بواحدةٍ من أهمّ مســرحيّاته بإطلاقٍ .

كيف أطلَّ اليونانيّ ( الهِـلِّـينيُّ ) على النصّ الشكسبيريّ ؟

من قراءتي الثانية لقصيدة ” الملك كلوديوس ” ، حظِيتُ بتلخيصٍ عجيبٍ ، ماهرٍ ، للمســرحية ، المعقّدة من زوايا عدّةٍ ، تلخيصٍ لن يقدرَ عليه إلاّ قاريءٌ ماهرٌ ، قاريءٌ براغماتيٌّ إن شِئتَ .
لقد قدّمَ كافافي المسرحيةَ الشكسبيريةَ جاهزةً على طبقٍ ، كأننا في مطعمٍ يونانيّ جيدِ الخدمةِ !

بدءاً من العنوان ” الملك كلوديوس ” ، نهجِسُ أن كافافي يريد توجيه دفّةِ السفينةِ نحو بحارٍ أليفةٍ ، نحو مياهٍ يونانيةٍ جنوبيةٍ ، لا أوروبيةٍ شماليةٍ . كلوديوس ، اسمٌ كأنه آتٍ من سلوقيا أو البطالسة . حتى في النصّ الشكسبيريّ لا يُستدعى الرجل إلاّ بصفة ” الملك ” ، أي أن لفظ كلوديوس لم يأتِ لدى شكسبير إلاّ في قائمة الشخصيات.
بإمكاننا الإشارةُ ، ونحن نتحدّث عن تاريخية القصيدة الكافافية ، إلى أن هذه القصيدة معْنيّــةٌ عنايةً واضحــةً
بالصراع على الـمُلْكِ أو الـحُـكمِ في الفترة الهلّينيةِ بخاصّةٍ ، ولدينا من الشواهدِ مايكفي . كما بإمكاننا الإشارةُ إلى أن تلك القصائد المعنيّة بالتاريخ الهلّـينيّ ، تلتقطُ الشخصياتِ الأكثر تأثيراً في الحدث ( الســياسيّ عادةً ) ، وتُغْفِلُ الأشخاصَ الأقلَّ تأثيراً ، حتى لو أدّى الأمرُ إلى إخلالٍ ما بالواقعة التاريخيةِ . قصيدة ” الإله يخذل أنطونيو ” مثلاً ، لم يأتِ كافافي على ذِكْــرِ كليوباترا ، فيها ، مكتفياً بهيأةِ أنطونيو وهو يودِّعُ الإسكندرية من شـرفةِ القصرِ .
في ” الملك كلوديوس ” لم يأتِ كافافي على ذِكْــرِ أوفيليا ، البتّـةَ !
هكذا بقرارٍ عجيبٍ ، غابت أوفيليا ، مع أغانيها المؤلمة ، ونهايتِها الأكثر إيلاماً !
حتى الملكةُ الأمّ ( أُمّ هاملِتْ ) لم يأتِ ذِكْرُها إلاّ عابراً ، ملقّـبةً ، لا مسمّاةً .
لكنه في قصائده الهلّينيةِ يذكرُ ، بتمجيدٍ في أحيانٍ كثيرةٍ ، أسماءَ ملكاتٍ إغريقيّاتٍ ؛ غير أن علينا ملاحظة أن هؤلاء الملكاتِ كان لهنّ دورٌ في لُـعبةِ الـمُلْكِ ، وفي إعلاء شأنِ الهلّـينيــةِ في ما كان يُسَـمّى اليونان الكبرى.
وربما كانت قصيدته ” في إسبارطة ” صالحةً للتمثُّلِ في هذا السياق :
لم يعرف الملكُ كليومَنيس ، ولم يجرؤْ
لم يعرفْ كيف يُخبرُ أمَّــه
بأمرٍ كهذا : طلب بطليموس ، لضمان المعاهدةِ بينهما
أن تذهبَ أمُّــهُ أيضاً إلى مصرَ
وتُحتجَزَ هناكَ رهينةً –
إنه لأمرٌ مُهينٌ ، وغيرُ لائقٍ .
وكان يوشك أن يقوله لكنه يتردد
وكان يبدأ لكنه يتوقّف.

لكنّ السيدةَ الجليلةَ فهمتْـهُ
( كانت سمعتْ شائعاتٍ حول ذلك )
وشجّعتْـه أن يفصحَ عمّا في نفسِهِ
وضحكتْ ، قائلةً إنها ذاهبةٌ طبعاً ،
سعيدةٌ بأنها حتى وهي في تلك السنّ
ما زالت نافعةً لإسبارطة.
أمّا المَهانةُ فلن تَلحَقَ بها ، إطلاقاً.
صحيحٌ أن طارئاً مثل” لاجِــد”
قد لا يفهم الروحَ الإسبارطيةَ ؛
ولذلك ، فإن طلبه لن يُلحِقَ الإهانةَ
بسيّدةٍ من الأســرةِ الـمالكةِ مثلِها ،
أُمٍّ لِـمَـلِـكٍ إسبارطيّ

بعدَ الاستبعاد الواضحِ ( من جانب كافافي ) للعنصرَينِ النسائيّينِ ، في النصّ الشكسبيريّ ، يمكنُنا الحديثُ عن الطريقةِ التي تناولَ كافافي ، بها ، شخصيةَ الأميرِ الشابّ ، هاملِت .
معروفٌ تواتُراً ، أن كافافي يرى في عشرينيّاتِ الفِتيانِ ، الـعُمْرَ الجميلَ . وليس عسيراً علينا الرجوعُ إلى نصوصِه التي ( تنصُّ ) على ذلك العمرِ الجميل.
من قصيدة ” في المرفأ ” : إيميس ، فتيٌّ ، في الثامنة والعشرين .
من قصيدة ” الطاولة المقابلة ” : يجب أن يكون بالكادِ في الثانية والعشرين .
من قصيدة ” جاء هناك ليقرأ ” : لكنه في الثالثة والعشرين ، وجميلٌ جداً .
وهناك قصائدُ أخرى تحتفي بالعمْرِ الجميلِ هذا .
هاملِتْ ، أيضاً ، محظوظٌ بأنه في ذلك العمْرِ .
لكنْ ، لِمَ لم يكن محظوظاً ، مع كافافي ؟
الفِتيانُ ، أو الشبّانُ ، الذين يتمتّعون بالمرْتبةِ الأثيرةِ لدى كافافي ، هم مندرِجون في سياقٍ معيّنٍ ، كان ، كما بــدا لنا ، جانباً من الحياةِ في المستوطناتِ الإغريقية ، وفي الحضارة الهلّـينيّــةِ .
هم بِضعةٌ من واقعٍ قائمٍ فعلاً .
لكنّ هاملِتْ ، كما قدّمه شكسبير ، وكما عالجَه كافافي ، لم يكنْ يعيش في الواقعِ المتاحِ .
هاملِتْ كان يعيش مع الوهمِ .
شاهدتُ مؤخراً ، الممثل البريطانيّ الشابّ ، ديفيد تينَتْ ، في دور هاملِت ، لكنْ ضمنَ إطارٍ معاصرٍ ، في ما يتعلّق بالديكور والملابس .. إلخ .
لقد بذل ديفيد تينت جهداً خارقاً ، في النصّ ، والأداءِ ، لكنّ هاملِت ، بالرغم من تلك الجهودِ كلِّـها ، ظلَّ بعيداً.
والسببُ في هذا ، واضحٌ ، كما أعتقدُ ؛ بل بسيطٌ : هاملِتْ يحيا في الوهمِ ، لا في الواقعِ .
أين نجدُ هاملِت ، في جوِّهِ المفضَّـلِ ؟
أعني ، أين نجده ، مستريحاً في استجابتِه ؟
لا بدَّ لنا هنا ، من مراجعةِ العملِ الشكسبيريّ أوّلاً .
ولنستبعِدْ شاعرَنا الإسكندريّ قليلاً !
يبدو لنا هاملِتْ ، في المسرحية الشكسبيرية ، مستريحاً ، كالسمكة في الماء ، كما يقال ، حين يكون بمنأىً ما عن الواقع .
زملاؤه الطلبة ، كما يُروى ، يعتبرونه مختلّ العقل .
في القصرِ ، يخضع لمراقبةٍ خفيّةٍ ، ذهبَ أبولونيوس ضحيةً بائسةً لها .
لكنه مستريحٌ تماماً في موضعَينِ :
حين يكون مع هوراشــيو ، الذي ظلَّ يعزف على وترِ الشبحِ ( الوهمِ ).
وحين يكون مع الكوميديّـينَ ، الذين يحكون عن الواقع ويحاكونه من موقعهم غير الواقعيّ ( الوهم ) .
حتى مقتل أبولونيوس ، حدثَ في عالَمٍ من الوهمِ . لقد قُتِلَ الرجلُ من خلف ستارةٍ (إشارة إلى الوهم ) .
*
إذاً ، لم يكن الأمير الدانيماركيّ ، مؤثِّراً في الأحداثِ . كان متأثراً بها ، وضحيةً لها .
هوراشيو اختلقَ ما اختلَقَ ، وخلطَ الحابلَ بالنابلِ ، ضمنَ خطّةٍ معقّدةٍ وقاسيةٍ ودمويّةٍ ، لكي ” يعتلي فورتنبراس العرشَ بكل يُسْــرٍ ” حسب تعبير كونستانتين كافافي.
*
لقد لخّصَ كافافي ، حكايةَ أميرِ الدانيمارك ، بطريقتِه ، معتبِراً الأمرَ كلَّــه ، مؤامرةً في قصرٍ ملَكيّ ، شبيهةً بتلك المؤامراتِ التي اشتهرَ بها البطالسةُ ( في مصر ) ، والسلوقيّــون ( في ســوريا وما جاورَها ) ، وهي ذاتُ موقعٍ أثيرٍ في اهتمامات كافافي ، التاريخية ، والشِعرية .
لكأنّ قصيدة كافافي عن أمير الدانيمارك تقول:
ماتَ الملِك.
عاشَ الملِك!

وفي لُـعْــبــةِ الـمُلْـكِ القــاسيــة ، بل بالغةِ القســوةِ ، سقطَ ضحايا عديدون ، لم يكن هاملِت أفضلَـهم بأيّ حالٍ .
فنِّـيّــاً ، أعتقدُ أن كافافي قدَّمَ نصّــاً أكثرَ تماسُكاً ، وأقلَّ ترَهُّلاً من مســرحية شكسبير :
هاملِت ، أمير الدانيمارك .
لقد كان شكسبير واحداً من الضحايا !

لندن 08.02.2010

مُــلــحَـقٌ

قلعةُ ألْـسِــينور ( قلعةُ هاملِت )
سـعدي يوســف

الخندقُ ذو الماءِ الأخضرِ تعْبرُهُ أغصانٌ وعصافيرُ
وتعْبرُهُ أحذيةُ الســوّاحِ
وأشباحُ البحّارةِ في سُفُنٍ غرِقـتْ …
أنا أعْبرُهُ أيضاً .
لكني أتحسّـسُ ألواحَ الجِســرِ
أُحِسُّ بها ، لَـيِّــنـةً
ومُباغِتــةً
ماءٌ في لونِ الخشبِ …
القلعةُ تسْكنُ في القلعةِ
كالدمِ في الدمِ ،
أنتَ ، اللحظةَ ، لن تتقرّى ألواحاً أو حَجــراً
لن تدخلَ من بابِ التاريخِ
ولن تأْنسَ باللوحاتِ المعروضةِ في البهوِ
ولن تسمعَ وشوشــةَ البحرِ
الآنَ ستدخلُ في نفسِكَ
كالحلَزونِ اللائذِ بالقوقعةِ …
………………….
………………….
………………….
الآنَ ستهجِسُ وقْعَ خُطىً في ليلٍ ناءٍ
وستُنصِتُ للأصواتِ المكتومةِ
تُنصِتُ للدرَجِ الصاعدِ نحوِ الأسئلةِ …

انـتـبِـهِ الآن !

لندن

09.07.2002

 

عن موقع الشاعر سعدي يوسف

Filed under: ترجمات, مختارات

اترك تعليقاً

*