Articles Comments

» أدب, مختارات » دروز بلغراد.. حكاية حنا يعقوب / ربيع جابر

دروز بلغراد.. حكاية حنا يعقوب / ربيع جابر

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



مقطع من الرواية الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” في دورتها الخامسة لعام 2012 “دروز بلغراد.. حكاية حنا يعقوب” للروائي اللبناني ربيع جابر

 

هذه حكاية حنا يعقوب وزوجته هيلانة قسطنطين يعقوب وابنتها بربارة، وفيها ما وقع للعائلة البيروتية الصغيرة من مصائب بسبب ألحظ العاثر ووجود الرجل المتوسط القامة الحنطي الوجه الأسود الشعر والعينين بائع البيض في المكان الخطأ في الساعة الخطأ.
كانت هيلانة تخشى عليه من خروجه اليومي المبكر في تلك الفترة بسبب كثرة العساكر والغرباء في البلد. وقعت حرب أهلية في الجبل الذي يظلل بيروت وبعض معارك ومذابح دامت ثلاثة أسابيع كسر الدروز المسيحيين واستولوا على جبل لبنان. عدوى القتل انتقلت على الألسنة وفي الهواء الى مدينة دمشق : أغار المسلمون بالبارود على حي النصارى وأحرقوه، جرت الدماء في أفنية الدواب وسط الدروب. الناجون بجلودهم نزحوا الى بيروت. انحدروا بين الصخور والأشواك كقطعان ماشية أفلتت من ذئاب وأحاطوا بأسوار المدينة القديمة ثم تدفقوا الى قلبها. كانوا أكثر من سكان البلد وهيلانة خافت حين رأت أولادا لم تر شبها لهم من قبل، طوالا كالقصب، شبه عراة بعظام ناتئة من الجلد، يقفزون على الحائط وراء البيت ويدنون من قن الدجاج. أطلت برأسها فهربوا. قالت لزوجها عند رجوعه في المساء وهو سألها من أين بالضبط قفزوا. خرج في الصباح بلا سلة البيض وجلب حجارة ورفع الحائط أعلى. ساعدته في التعمير بينما بربارة تدب عند العتبة وتلعب مع الفراشات الملونة. كانت روائح الربيع تهب من البساتين مع النسائم لكنها في هذه السنة لم تكن طيبة. خرجت هيلانة الى السوق كي تشتري ملحا فوجدت الأزقة الضيقة المسقوفة بين كنيسة سيدة النورية وحارة اليهود مسدودة بعائلات منكوبة نائمة على الطريق. خافت وهي تحاول أن تجد موضعا لقدمها. داست على كيس من القش فخرجت يد من الأرض وقبضت على كاحلها. لم تزعق لأن وجها أبيض شديد الجمال بان بعد اليد، والقبضة ارتخت. بنت لا تجاوز السادسة نهضت وهي تفرك النوم من عينيها بأصابع بيضاء قصيرة. قالت “صباح الخير” ومن نبرة الصوت عرفت هيلانة كم هي جائعة.
رجع حنا في المساء مبلولا بالعرق وبينما يغتسل وهي تسكب له ماء أخبرها أن البوارج تسد المرفأ، وصلت من اسطنبول وباريس ولا أحد يعرف ماذا ستفعل. أخبرته عن نساء دمشقيات اللهجة راتهن يتدافعن على قفة الخبز أمام الجامع العمري. قال “الرب يرحم”. استحى أن يخبرها كم سلة بيض باع في ذلك اليوم. من قبل كان يخبرها كم بيضة باع. لكن منذ عجت البلد بالناس صار يخرج الى مزارع المصيطبة والرأس والاشرفية كي يشتري من هناك بيضا. الدجاجات في القن وراء البيت لم تعد كافية. كانت سلة واحدة تكفي للنهار ومرات يرجع وهي نصف ملآنة.
لم يقبل من هيلانة وهو يقوم عنها وهي تتعلق برقبته وتطلب منه البقاء في الفراش في ذلك الفجر الأخير الأسود. قالت له رأيت في المنام أن السلة وقعت والبيضات تكسرت. ضحك كما يفعل كل مرة تقول فيها “البيضات” بدلا من “البيض” وقال لها لا تقلقي والبيض سلقته واذا انكسر صار تقشيره أسهل. على عكسها كان منشرحا ضاحك الوجه في ذلك الصباح الأخير وعندما رفع بظفر خنصره الطويل خصلة شعر عن وجهها سرى التيار الطيب منه اليها وطمر وسواسها. هكذا غادر البيت مع سلتي بيض وهو لا يعرف أنه لن يرجع.

Filed under: أدب, مختارات

أضف تعليقاً

*