Articles Comments

» مختارات, نقد » عودة إلى طه حسين

عودة إلى طه حسين

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



عباس بيضون

وحيث انه مما تقدّم يتضح ان غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن على الدين، بل إن العبارات الماسّة بالدين التي أوردها في بعض المواقع من كتابه إنما أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه من ذلك يكون القصد غير متوفر فلذلك تحفظ الأوراق إدارياً.
القاهرة في 30 مارس سنة 1927
محمد نور رئيس نيابة مصر

أما المؤلف فهو طه حسين وأما الكتاب موضع المحاكمة فهو «في الشعر الجاهلي». تلك معركة شهيرة ما تزال أصداؤها تتردد حتى يومنا هذا. العام هو 1927، أي ان الواقعة مر عليها إلى الآن خمسة وثمانون عاماً. بعد خمسة وثمانين عاماً نجد نائباً سلفياً يؤذن في البرلمان ونجد إدانة لعادل إمام على فيلم تصدى للإرهاب الأصولي الذي سفك دماء واغتال مواطنين وأجانب من بينهم رئيس الجمهورية نفسه. رغم أن الأمر طال على هذه المحاكمة فإن في العودة إليها ما ينفع.
أعلاه استشهاد ليس سوى الأسطر الأخيرة في مطالعة النيابة. لكنها اسطر تكاد تلخص المطالعة كلها فرئيس النيابة لم يبرئ طه حسين من المساس بالدين، لكن عمدة رأيه الذي أدى إلى الحكم بحفظ القضية هو ان غرض طه حسين لم يكن الطعن على الدين. كان غرضه من دراسته إثبات ان الشــعر الجاهلي بكامله تقريباً منحول، وتعرض لذلك لأمور في الدين من بينها ان ورود اسمي ابراهيم واسماعيل في القرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي. هذه أمور في الدين مسها طه حسين من بعيد أو قريب إلا ان غرضه منها لم يكن الطعن على الدين وانما عرضت له اثناء بحــثه في لغة الشعر الجــاهلي وموضــوعاته. نفهم من ذلك أن رئيس نيابة مصر 1927، لا يحاكم على المساس بالدين إلا إذا كان غرضه الطعن على الدين. فإن كان له غرض آخر فلا بأس عليه ولا يُعدّ جرماً.
ما يحدث الآن في مصر وفي غير مصر عكس المسألة تماماً. الدين، أو لنقل الفهم للدين، لا يلزم حد الدين ولا يكتفي به، بل هو ينطلق منه ليخوض في السياسة والتشريع والقانون، كما ينطلق منه ليهيمن على التاريخ وعلى الفن وعلى الثقافة بكاملها، أي ان الآية المعكوسة تتيح للدين أن يطعن على السـياسة وعلى التاريخ وعلى الفــن وعلى كل شيء.
تقول مطالعة رئيس نيابة مصر يومذاك ان غرض طه حسين لغوي تاريـخي وليس الدين لغة أو تاريخاً. أما الآن فإن الدين بالنسبة للسلفيين والأخـوان هو كل شيء. انه الثقافة والتاريخ والسـياسة والعلم والمعاش وسنن المشرب والمأكل والملبس والمعاشرة والحب والزواج. لم يطعن طه حسين على الدين في حين مسّ بالدين اما الآن فإن الدين هو الذي يطعن على السياسة وإلا فما هو معنى الأذان في البرلمان والدين (فهم تقليدي) يطعن على الدولة وإلا فما هو معنى الانفراد بلجنة الدسـتور والدين (أكرر فهم الدين) هو الدين يطعن على الفن وإلا فما معنى إدانة عادل إمام، رحم الله محمد نور فإن مطالعته الشائقة ترينا مبلغ انتكاسنا اليوم ومدى تقهقرنا إلى الوراء.

عن السفير

Filed under: مختارات, نقد

أضف تعليقاً

*