Articles Comments

» أدب, مختارات » قليل من الحجارة / رماح جبر

قليل من الحجارة / رماح جبر

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



مقدمة:


المدينة الجميلة التي حدثت فيها كل هذه القصص، ارض منتفخة كأنها حبلى تبالغ في ضخامتها لكن سماءها اقل مما توقعت. في المرة الاولى التي نزلت فيها لمركز المدينة شعرت وكأنني أدخل مضمار سباق، فجمهور شجاع من البنايات المتعددة الطوابق، مصفوفة فوق بعضها البعض احتشد على جبلين متقابلين ينافس كل منهما الآخر في ارتفاعه. وفي المرة الأولى هذه اجزمت بأنهما أعلى قمتين في العالم. عندما وقفت في وسط المدينة، شعرت بأن الجبلين الجبلين سينطبقان علي.
بيتنا في بطن الجبل يحتضنه الجبل بعناية فلا تصل إليه الشمس إلا في آخر النهار وفي فصل الصيف فقط، من شرفة البيت أشاهد العمارات المجاورة العالية تحيط بي من كل جانب، البنايات هنا قريبة جداً من بعضها و مساحات الخصوصية قليلة. من شرفة بيتنا نرى الجبل الشمالي مباشرة تبدو البيوت وكأنه قد تم الصاقها على الجبل بمادة لاصقة وقد تسقط في أي لحظه.
هذه مدينة مغلقة بل محكمة الإغلاق مدينة بلا أفق، الجبل من أمامكم والجبل من خلفكم، مدينة محصنة كأصحابها الذين يحرصون على الانغلاق على نفسهم في كل أساليب حياتهم حتى في اسعد الأوقات، رغم ذلك فقد بدأت أحبها ذكرى فذكرى، حتى صرت اعشق رائحتها، وقصصها و أسرارها، و نكهتها الخاصة بكل جريء. عمقها مخيف وأبعادها العمودية تجبرني على رفع رأسي دائما للأعلى كلما أردت التوجه إلى فكرة، تشعرني بالحماية أحياناً وبالاختناق أحياناً أخرى. تناقضاتها كثيرة، أحلامها كبيرة لكنها قليلاً ما تحقق الأحلام ، قاسية بعض الشيء لكنها في النهاية تضمني.
باختصار هي مدينة كنز ملعون، مغرية، حانية، عصية، غامضة في استقبال أي غريب.

تقول خرافة أن البحر كان يملأ تجويفها بين الجبلين لكنه انحسر بعد أن اختلفت نوايا البشر.
وقفتُ في وسط المدينة وتمنيت على البحر أن يعود فنزلت كتلة مضيئة من السماء واستفاق الناس جميعاً من نومهم، سحبت منهم كتلة الضوء مادة سوداء وصار الجميع طيبين، ثم تفجرت ينابيع من الماء في الجبل الجنوبي وخرَّ الجبل الشمالي وصار رملاً ناعماً وصدفاً ذهبياً، فتكوَّن البحرُ ازرقاً كزرقة السماء، وصرنا نلهو في الماء ونسبح. وكان حلماً جميلاً لم يتكرر.

هاتف

حيث أننا الوحيدون في كل البناية من لديه هاتف، فقد أعطى هذا الحق لكل الجيران بان يوزعوا رقم هاتفنا على من يعرفوهم من أقارب وأصحاب، والذين كانوا لا يترددون بالاتصال بنا لأسباب ضرورية وغير ضرورية، وفي كل مرة كان على أي منا أنا أو أخواتي أن نذهب لمناداة احدهم.
الوقت ظهراً، وها هو الهاتف يرن للمرة السادسة منذ الصباح، ينتظر طويلاً قبل أن يرد احدهم، مرت خمس ثوان، إنها أمي تنادي علي لاستدعاء جارتنا أم احمد : “عماد روح عند نجاة .. قلها : أختك على التلفون.
هرعتُ إلى الباب قبل أن تسبقني أختي الكبرى ناديا، تزاحمنا أنا وهي بشدة عند الباب، ظلت تدفعني بأطرافها الأربعة نحو الداخل إلى أن تدخلت أمي وخلصتني من بين يديها. هذه الشراسة كان الداعي ورائها “ملبسة” تعطيها لنا جارتنا الكريمة في كل مرة نناديها لترد على الهاتف، لم أود التنازل عنها كما في كل مرة لناديا.
صعدتُ الدرج مسرعاً بعد أن تأكدت أن باب البيت قد أغلق خلفي، نظرت من نافذة الدرج نظرتي الروتينية كلما صعدت أو نزلت، إنهم جنود، مشاة من وحدة جولاني يمشون في الشارع، إنهم هؤلاء ذوي القبعات الخضراء الذين يخشاهم الجميع، حتى أبي! يبدو أنهم يغيرون النقطة المناوبة في عمارة “أبو صالحة”، عمارة عملاقة في أعلى الجبل وقد احتل الجنود الطابقين الأخيرين من البناية منذ مدة طويلة ولم يغادروها، كنا نراقبهم ينشرون أغطيتهم الكاكية على النوافذ.
سهوت في أولاد يلعبون الكرة في نهاية الشارع، ماذا سيحصل لو لعبت معهم قليلاً؟ تمنيت لو يسمح لي أبي باللعب معهم، أبي الذي يسجننا داخل ساحة لا تتجاوز مساحتها الثلاثة أمتار مربعة معتبرا أنها مساحة كافية لان نلهو فيها طوال النهار دون ملل، يخاف علينا من أشياء كثيرة لا يخبرنا ما هي.
فر الأولاد جميعاً بمهارة بعد أن حذَّرتهم أصوات الناس بوجود جنود في الحي، لكن الجنود اختفوا فجأة، ترى أين ذهبوا أي بيت دخلوا؟ تذكرتُ نجاة وأختها المنتظرة على الهاتف عندما لفتت انتباهي على النافذة المقابلة لبنايتنا جارتنا العانس ميساء وقد وقفت تلوح لي بشدة، لم افهم ما تحاول قوله، أدرت وجهي عنها وبسرعة متوجهاً إلى بيت نجاة، عندها اصطدم وجهي بجسم ضخم ببطنه تحديداً، بلونه الكاكي وبشرته السوداء من اثر الشمس ورائحته النتنة قبض على رقبتي بكلتي يديه وصار يشد عليها حتى كاد يخنقني، عندما تكوم زملاؤه حولي أيقنت أن الجنود الذين اختفوا قد قصدوا بنايتنا، الأسلحة التي يحملونها أضخم مما توقعت، كم هو مخيف أن يقترب منك فم الموت إلى هذه المسافة القصيرة جدا، صار القابض على عنقي ينثر بقايا لعابه على وجهي وهو يصرخ ” انت بترمي علينا حجار ”
– لا لست أنا، لقد خرجت لتوي من البيت، ها هو بيتنا لم اخرج من باب البناية حتى.
” أَنْظرُ الى باب بيتنا المغلق علَّ أمي تسمع صراخهم وتخرج لتنقذني، لكن كيف لها أن تسمع وهي تطبخ على البابور؟ لماذا تنفذ اسطوانة الغاز اليوم بالذات وفي هذه الساعة. لا احد يخرج أو يدخل إلى البناية، صرت ارتجف أكثر، جفَّ ريقي ولم اعد أقوى على الكلام، كلما صرخ هذا الأحمق في وجهي كلما خر جزء من عظامي، وزاد الألم الذي انتابني في أسفل بطني.
صوت احدهم قادم من أسفل الدرج، الحمد لله، لكن أول صوت يصدره كان كافياً بان أبلِّلَ بنطالي، انه احد الجنود برفقة كلب ضخم، لكن رب ضارة نافعة، صوت الكلب اخرج نجاة من بيتها، ها هي تحاول الحديث مع الجنود وتزيحهم عني بقوة.
– بيته هنا انه لا يخرج أبداً ماذا تريد منه؟ ” يلعن ابوكم شو بدكم في الولد هادا كان جاي عندي ” .
ما أدراها نجاة أني كنت اقصدها؟! آه، إنها تحاول أن تجد لي حجة تقنعهم بها.
– رد الوحش الآدمي: انت بتكذب .. بتروح عالسجن انت واياه
قاتلتهم نجاة باستبسال، إلا أنهم بدأوا بالضحك والقهقهة، هؤلاء الحمقى، تبين لنا أنهم يتسلون فقط وتركوني وانسحبوا.
صارت نجاة تتمتم بالسب واللعن بألفاظ جديدة علي بعض الشيء.
– اذهب إلى أمك ولا تخرج من البيت، إذا احتاجت أمك شيئاً فلترسل ناديا إنهم لا يتعرضون للبنات.
لم استطع أن انبس ببنت شفة، لا اشعر بشيء، حلقي جاف تماما بعكس بنطالي، قدميّ لا تثبتان في مكان محدد، لا أستطيع وصول باب البيت، آه لو أننا ننتقل بالأفكار، بمجرد أن ارغب بان أكون داخل البيت أكون هناك بنفس اللحظة، يا الهي ما ابعد الباب.
تفتح ناديا باب البيت مسرعة إنها قادمة لمناداتي، بدأت تصرخ ناديا موبخة:
– لماذا تأخرت؟ أين كنت تلهو أيها المعتوه ؟
دخلتُ البيت باتجاه المطبخ أريد أمي، التي بدأت تمطرني بالأسئلة:
أين كنت ؟ لماذا تأخرت ؟ عماد؟ لماذا لم تنادي نجاة ؟ لماذا لا تجيب؟-
لا أعرف من أين أبدأ لدي رغبة بان أقول كل شيء دفعة واحدة بكل التفاصيل، لا أعرف ماذا أقول، أعجز عن وصف الأمر.
– ناديا تسألني : أين الملبسة ؟
فأدير وجهي نحو الحائط وأجهش بالبكاء.

ما هو حجم خسارتنا؟

 

كان يتمتم ابي وهو يشاهد الخبر عبر شاشة التلفزيون ويتابع ايضاً عبر صوت الراديو الأوضاع في بقية المناطق، وقد علت وجهه ملامح الانكار والانهزام في آن واحد، و دمعت عيناه، إنها المرة الأولى التي أراه فيها يبكي. أبي يبكي، لا بد ان أمراً مهولاً قد حصل. اغتالوا ابو جهاد هذا ما نقله صوت المذيع.
غضب المدينة
لا أعلم من أين جاء كل هؤلاء الناس، هل فجرتهم الارض في نيسان كما تفجر الينابيع؟ خرج الآلاف إلى الشوارع، بصوتهم يهتفون فداء لروح “ابو جهاد” هزوا أبواب البيت ونوافذه وهزوا قلبي الضعيف، لم أكن اعرف من هذا الذي يهتفون باسمه ومن قتله وما علاقته بكل هذه الجموع لكني أيقنت أن خسارتنا كبيرة، الجميع كان يبكي، الجميع كان يغضب، ولهذا بكيت عليه ايضاً.

مر نهر الغاضبين الجارف من امام بيتنا وسحب معه كل من في الطريق حتى عمي نضال اصغر اعمامي خرج بسرعة دون اذن والذي اندفع بين الجموع وذاب فيهم ولم اعد اراه تركه ابي يخرج ولم يردعه، سمح لجميع أعمامي بالخروج وكأنه يريد ان يقول لهم انه يوم حزن وغضب فاغضبوا .
المدينة كانت تضج باصوات السماعات والهتافات والتكبير من كل الاتجاهات وكأنها غدت رجلا ضخما يخبط الارض بقدميه.
لم يعد احد من اعمامي حتى وقت متاخر رغم حظر التجول، اصيب العديد من الشبان و نال احد اعمامي رصاصة مطاطية في وجهه.
غصة المدينة
ارتفعت الشمس في وسط السماء، المدينة كلها ساكنة بأسطح سوداء وشرفات زُرع بجانب نباتاتها أعلام سوداء بأحجام مختلفة ذكرتني برواية الزنبقة السوداء. صدقت للحظة أن هذه الأعلام ستنبت أعلاماً صغيرة، البعض تجرّأ و وضع العلم الفلسطيني وكأن الناس دخلوا في حالة من عدم الاكتراث، انه إحساس اقرب إلى اليأس.

اقتربتُ من ابي الذي جلس يستمع الى الراديو على شرفة بيتنا وقد اطلق شعر لحيته، وقد بدت المدينة من خلفه وكأنها امرأة جميلة لبست شالاً أسوداً، واحنت رأسها، انحنت نابلس رغم علوِّها امام هذا الاغتيال.
سألت أبي: ما حجم خسارتنا؟
لم يجبني، تنحى بوجهه جانباً وشغل نفسه بتثبيت العلم الأسود الذي زرعناه البارحة في الاصيص الكبير.

خذوا الحكمة من فيه عمي

 

يجلس عمي قرب النافذة ليسمح للهواء بأن يأخذ عنه شبهة الدخان المتصاعد من سيجارته خشية أن يراها أحد، فحسب اعتقاد جدي، ما زال صغيراً على الاختناق.
انه وفيٌّ لهذه الزاوية من البيت منذ استشهد صديق عمره اثناء التحقيق في السجن قبل عدة أشهر، كان حزيناً جداً عمي لكني مضطرة لطلب المساعدة منه:
– طلبت مني معلمتي ان اكتب حكمة او اثنتين ، هل تعرف واحدة؟
يحملق في كثيرا ، حتى اني اشك في انه يسمعني، أخيراً قال:
-نعم اعرف الكثير الكثير، اكتبي.
الحكمة الأولى: اذا ما بدأت البحث عن مبرر للجاني فهذا يعني انك قد هُزمت.
الحكمة الثانية وراعي هنا قواعد الاملاء: لا تقل نعم في اللحظة التي تريد ان تقول فيها لا، فان فعلت فهذا يعني انك قد بدأت عهد الخسارات.
الحكمة الثالثة: اذا ارتبط الخوف بالجوع، سقط العقل، وسقطت أشياء أخرى.

لم افهم كلمة مما قاله عمي ثم اتضح لي انه سكران.

رهان على وردة

على أرجوحتها كانت تطير، في ساحة البيت الخلفية، داخل حدودِ بهجتها، فلم تتعد الممنوع الذي حدده حظر التجول في ذلك النهار الربيعي الدافئ، تحب الشمس جداً وتحب الهواء الساخن الذي يصفع خصلات شعرها الكستنائي مع كل حركةِ صعودٍ وهبوط.

أنجزت واجباتها المدرسية بسرعة، لتمارس متعتها الأساسية في الحياة، التحليق على هذه الأرجوحة الحديدية ولا شيء آخر. كانت تقول لأمها: أريد أن أصبح “طيارة” عندما أكبر، وآخذك في رحلات كثيرة، آخذكم جميعاً في رحلات حول العالم، سنجوب العالم.
تحلق وردة بأرجوحتها، كانت السماء تقترب منها فترفع يديها لتلمسها، لكنها سرعان ما تبتعد. في الأفق تلمع خوذتان لجنديين وقفا على سطح البناية المجاورة، وكأنهما حشرتين ” أم علي” تتلاطفان، ضحكت بجنون وردة لهذه الفكرة. قالت: لو أقفز في اللحظة المناسبة فاني بالتأكيد سأدوسهما.
قفزت وردة عن أرجوحتها بعد سماعها نداء أمها تستعجلها لتناول الغداء، وقبل أن تقترب من الباب، اخترقت رصاصةُ أمعاءها الصغيرة، وخرجت لترتطم بعمودٍ حديدي ثُبتَّت فيه أرجوحتها.
انحنت وردة وابتسمت لأمها المفجوعة : إني أحلِّق إني أطير، السماءُ أكبر مما توقعت وأجمل.

الصيدلي

أبو محمد الصيدلي قد يكون أشهر شخصية عرفها الحي، في بيته المكون من غرفة وممر ضيق أبحث دائماً عن مساحة قليلة تتسع لقدميّ الصغيرتين على الأقل. يرتب ابو محمد صفوفا من الادوية المختلفة في غرفة نومه المتاحة للجمهور من كافة الأعمار، في رفوف فوق سريره، في خزانة الملابس – وهي خزانة واحدة له ولزوجته ولاولاده الثمانية – وفي خزانة للادوات المنزلية حيث تجد الدواء بين الصحون واطقم الزجاج المعروضة للبيع وافضلها ست كاسات للعصير وابريقها الزجاجي مرتبة في علبة فلين معظم نساء الحي تحملها كهدية للآخرين في اي مناسبة كانت.
الممر الخارجي في بيت “أبو محمد” هو عبارة عن “سوبرماركت” فيه كل ما قد تحتاجه العائلة من مؤن ومواد تنظيف وأدوات منزلية وما لذّ وطاب من حلوى الاطفال، تتابع زوجته العمل في السوبر ماركت، أمّا هو فيصرف الوصفات الطبية التي يكتبها الأهالي بخط ايديهم حيث اصبح كلٌّ طبيب نفسه.
احيانا يكتب لي والدي وصفة طبية لاصرفها منه واحيانا لا احتاج للورقة لاني صرت اعرف اسماء الأدوية ولاي حالات تصرف، غيبا.
هذه المرة وكان هذا المشوار الخامس “لمجمع ابو محمد التجاري” منذ الصباح، هذه المرة جئت بغرض شراء علبة سجائر “روثمان” لوالدي وليس لشراء الادوية، منع التجول هذه المرة مشدد وبالكاد يستطيع الناس التنقل من بيت الى آخر مجاور دون أن تكشفهم نقطة المراقبة على بناية “ابو صالحة” أعلى بناية في الجبل حيث تكشف جزءا كبيرا من المنطقة الشرقية.
كالعادة قفزْتُ من على السور الخلفي صعدْتُ درج البلدية بسرعة البرق حتى وصلت، منظر الباب من الخارج محكم الإغلاق، محكم السكون، يوحي بأن البيت لا يسكنه أحد، وطئت قدماي عتبة البيت ولم استطع الدخول اكثر من ذلك، كان البيت يعج بالناس وكأنهم جميعا قرروا ان يشتروا حاجياتهم بنفس الوقت. أولاد “ابو محمد” يأكلون” الكوسا المحشي” بين الناس أحدهم جلس على سطل لمنظف غسيل والآخر جلس على رزمة من المماسح أما الاكبر منهما فكانوا يحملون الكوسا بايديهم ويساعدون والديهم.
دراسة الصيدلة ليس بالأمر السيء، العشرون شيقل التي معي ستصبح عشرات من العشرينات في اقل من ساعتين، يقطع حلمي هذا احد الابناء الثمانية الذي طلب مني ان اتنحى جانبا لاسمح للناس بالخروج.
مددت يدي وانا ما زلت عند الباب يدفعني الخارجون منه إلى الخارج أكثر، مددت يدي بالعشرين شيقل :” ام محمد علبة روثمان بسرعة الله يخليكي” لكنها لم ترد، وكررتُ صراخي، فردّتْ في اللحظة التي سمعتْ فيها صبيان الحي يصيحون ” غيمت .. غيمت” وينادون عليها ان تغلق الباب لانهم اقتربوا كثيرا، دفعتني سريعا خارج الباب: اخرجي بسرعة قبل ان يصلوا، واغلقت الباب كانما تمشط سلاحاً. انه وقت تبديل نقطة المراقبة ، كان توقيتي هذه المرة خاطئاً.
وجدت نفسي في وسط درج البلدية لوحدي، لوحدي وكأنما عاصفة مرت واخذت معها كل من في الشارع، اختفى الناس وكأنهم فصوص ملح ذابت في الماء،إلا وجه امرأة أطلت من شباك بيتها يطمئني وجهها ضمنياً، و اختفت الأصوات إلا صوتٌ من بعيد ينادي:” انهم عند أوّل الدرج”، اما أنا ففي آخره.
بدوا صغاراً يصطفون في صفين، يصعدون نحوي وانا انزل اليهم كسلحفاة، صارت نظراتي تهبط الى اسفل حتى التصقت بحذائي وبحافة الدرجة، اقتربوا حتى مَسّني لونهم صار الكون باللون الكاكي وبرائحة الشحم والبارود، اغمضت عيني تماماً وشعرت بنفسي خفيفة كريشة، لم اشعر بشيء ولم اسمع شيئاً، تمنيت لو يختفوا، تمنيت لو أني ساحرة أحولهم الى ضفادع، مضت ثانيتان فتحت عيني فاذا بهم قد اختفوا، إنها الأمنيات تتحقق حين يصدق المتمني، التفتُّ خلفي فطار الجنود عند اول الجبل.
وطرت انا الى البيت، هناك لم تكن ورقة العشرين شيقل معي، ضاعت مني ولا اعرف اين بالضبط، قد تكون ام محمد أخذتها مني اثناء تلك الفوضى، وقد تكون سقطت مني حين اغمضت عيني، او قد تكون طارت مع الجنود الى اعلى الجبل.

***
بعد عدة سنوات اكتشفت ان “ابو محمد الصيدلي” لم يكن صيدلانياً ولم يدرس الصيدلة او اي علوم قد تشبهها. وهو الآن يسكن في شقة واسعة في عمارة سكنية مكونة من ستة طوابق يملكها هو و أولاده الثمانية.

بدائل

اطارات سيارات مشتعلة في وسط الشارع، غاز مسيل للدموع، و أولاد يرشقون الحجارة باتجاه الجنود المنتشرين في كل مكان، مشاة وجيبات عسكرية، ونحن انا وناديا نركض لاهثتان في محاولة لوصول البيت. وصلنا اخيرا الا ان ناديا ما لبثت ان داست عتبة البيت حتى اغمى عليها من شدة الخوف.
في اليوم التالي وبينما كنت استعد للذهاب الى المدرسة طلبت مني أمي أن أرتدي بنطالاً تحت المريول, سألتها عن السبب، قالت لي: “عشان الوضع والشُهدا” لم أفهم وحتى الآن ما علاقة ساقيي وأنا طفلة في الثامنة بما يجري في المدينة.
اصبحت الصورة أوضح قليلاً بعد الحصة الثانية عندما حضر ملثمون ودخلوا المدرسة عنوة، ثم وزعوا علينا المنشورات وأعلنوا الاضراب الشامل، طلبوا منا الخروج في مسيرة، كان المنشور يحوي تهديداً لكل من ترتدي تنورة قصيرة او ملابس غير محتشمة بأنه سيتم حرقها بماء النار.
ويحوي المنشور أيضاً تهديداً لأصحاب قاعات السينما، وقاعات الأفراح والتي تم إغلاقها جميعها.
علينا منذ اليوم ان نعتاد العيش بالنمط الجديد، أن نعتاد البدائل أيضاً، فأصبح اعمامي يشاهدون أفلام الفيديو بدلاً من الذهاب إلى السينما، وأقمنا لعمي حفلة خطوبة صغيرة صامتة بعض الشيء في منزل جارنا. وبدلاً من لعبة “شرطة وحرامية” اصبحنا نلعب لعبة جيش وعرب. الاهم من كل هذه البدائل أنه اصبح بامكاني كوني بنتا ان اخرج من البيت بدلا من اخي واشتري كل ما يحتاجه البيت من مواد تموينية من دكانة ام سليمان الارملة او لحوم من بيت الخراز الذي حول ساحة بيته الخلفية الى مسلخ، او حتى الادوية من بيت ابو محمد الصيدلي، أستطيع الخروج في أي وقت، أقفز عن اسوار البيوت، اتكلم مع الجميع، اخرج في منع التجوال بينما الجميع في بيوتهم، اخوض مغامرات مضحكة اراقب الاولاد وهم يلعبون لعبة “البنانير”، امشي في الشارع، فخورة بنفسي وبما أقوم به من عمل بطولي، كسوبرمان الذي ينقذ العائلة في اصعب الاوقات. هذه كانت سعادتي بان اكون بنتا خلال انتفاضة العام 1987

انتفاضة العام 2002
ما زلت في الثامنة ارتدي بنطالا تحت المريول، وآخر على رأسي، اشاهد الافلام على جهاز DVD . منع التجول ذاته لكن العدو صار دبابة، والسوبرمان سراب.

Filed under: أدب, مختارات

أضف تعليقاً

*