Articles Comments

» مختارات, نقد » أحلام ميليا

أحلام ميليا

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



 كتابة / يعقوب سيلفرمان

عن / صحيفة الديلي بيست 3 اغسطس / آب 2012

ترجمة / أحمد فاضل /

في نيويورك ووسط مانهاتن تهافت حشد من المعجبين بالكاتب اللبناني إلياس خوري للاحتفال بصدور الطبعة الإنكليزية لروايته الجديدة ” كأنها نائمة ” فكانت مناسبة للقاء به والتحدث عن هموم الروائي العربي الذي يعيش هذه الأيام منعطفا صعبا مع التغيير الحاصل في رؤوس وسياسات بلاده ، سيما وأن ما يجري في سوريا اليوم يلقي بظلال سوداء على لبنان الذي ينتمي إليه وهكذا راح خوري يتحدث بألم وكأن روايته الأخيرة جاءت لتفصح عما يجيش في صدره من أحزان .

هو واحد من الروائيين في العالم العربي قاد الثقافة في بلده لبنان زمنا طويلا حتى قورن بإدوارد سعيد كونه عندما تستمع له وهو يناقش يجمع بين الماضي والحاضربخيال خصب وقد يستفزك حينما يتناول بالتحليل الواقع السياسي المرير الذي تعيشه البلدان العربية ، كتب اكثر من 16 كتابا منها 11 رواية ويعد رائدا في جيله لعقود كثيرة حتى حط رحاله أستاذا في جامعة نيويورك العالمية المتميزة ليدرّس فيها شهرا واحدا أما بقية العام فيقضيه في بيروت التي هي كل حياته كما يقول .

التقيت مع خوري في ربيع هذا العام قبيل توجهه للسفر الى بيروت وتحدثنا عن روايته الأخيرة ” كأنها نائمة ” التي ترجمت الى الإنكليزية مؤخرا وصدرت عن دار آركيبيلاغو للمترجمة وأستاذة الأدب العربي وتاريخ الشرق الأوسط الحديث بجامعة أكسفورد مارلين بوث ، وعن حياته ككاتب وناشط سياسي وعن الربيع العربي ، والذي توضح لي من خلال هذا الكم المعرفي والحياتي الذي يحمله أن خوري من قدامى المحاربين والمناضلين السياسيين في بلاده ودوره في منظمة التحرير الفلسطينية لايخفى على أحد من اللبنانيين الذين يعرفون نضاله جيدا ، وقال أنه لا يزال يتمتع بالحيوية ومعرفة ما يدور في شرقه العربي كما كان في أول شبابه ورواياته زاخرة بالحيوية والتحدي ، واستقلاله السياسي منحه سلطة فريدة من نوعها مثل أدونيس الشاعر السوري العالمي فهو منجذب بشكل كبير للتقاليد والأشكال الأدبية العربية ، لكنه يعمل في كتاباته على كسر قواعدها التقليدية سواء بلغتها أو موضوعاتها .

عندما تحدثنا عن الوضع في سوريا قال ان قلقه زاد بشكل كبير لأن العنف قد يطال بلده لبنان بحكم الجيرة وكأن ما يجري في سوريا يمكن أن يحدث في أي لحظة في لبنان وردد قائلا : ( الجميع يخاف ذلك ) ، خوري لديه شقيقة تعيش في دمشق متزوجة من سوري ويشعر كثيرا بالقلق تجاهها بعد توسع رقعة المعارك هناك التي يمكن أن تصبح طائفية بعد دخول المتشددين اليها كما حدث في العراق حينها ويمكن أن تقع سوريا فريسة لهذا النوع من الصراع الطائفي ، خوري تذكر صفحة من صفحات معارك المعارضة في لبنان وكيف عمل منذ سنوات بعيدة في الحركة الوطنية اللبنانية التي ضمت حينها مسيحيي ومسلمي لبنان على السواء الذين قاوموا الطائفية التي بدأت رقعتها بالإنتشار في ظل برلمان منقسم عرقيا وتدخل سافر من لدن دول الجوار للتأثير على القرار الوطني اللبناني ومحاولة تقسيمه ، من هنا نحن المثقفين في كل مكان نحاول جعل تضامننا مع الشعب السوري خارج هذاالانقسام الذي عاشه لبنان من قبل وضد خطاب الطائفية بأكمله .

خوري وإن كان يتكلم معي باللغة الإنكليزية إلا أن لكنته العربية واضحة وضوح شخصيته اللطيفة وهو يرتدي نظارته التي كشفت عن مقدار ما تعانيه عيناه اللتان اصيبتا بعمى مؤقت خلال الحرب الأهلية اللبنانية ، اما شعره الأبيض فهو يشي بالكثير من الهموم التي عانى منها لكن صحته جيدة وهو المولود عام 1948 في حي الأشرفية شرق بيروت في منطقة تدعى ” الجبل الصغير ” وهذا الإسم سيكون ايضا بمثابة عنوان لرواية قادمة كما أخبرني ، نشأته كانت في احضان عائلة مسيحية أرثوذكسية متوسطة الحال عشق جدته التي كانت تتمتع بثقافة جيدة فكثيرا ما كانت تقرأ له الشعر وحببت اليه كذلك قراءة النصوص الدينية من الإنجيل والقرآن الكريم الذي يعترف بحفظه بعضا من أجزائه وينظر لسفر أيوب على أنه تحفة دينية .

في عام 1967 شهد صعود الحركات المناهضة للإستعمار وتابع أخبار الثورات التقدمية في أمريكا اللاتينية وبسبب حرب الأيام الستة التي خلقت جيلا من اليساريين فقد انضم الى حركة فتح نصرة للشعب الفلسطيني الذي تدفق بالآلاف كلاجئين لذا أصبحنا أمام كارثة حقيقية كما يقول فكان لزاما علينا أن نرد وهذا ما حصل من صراع اسرائيلي فلسطيني عربي وانا فخور بتلك المشاركة ، ربما لم أكن لأفعل ذلك لولا أن وجدنا أنفسنا أمام أمثلة قوية في فيتنام وما قدمه جيفارا من نضال ولم تكن هناك وسيلة أخرى غيرها ، عواطفه لم تتراجع مع كل ما شهدته تلك العملية من تغيرات ومن غير المرجح أن يحمل السلاح مرة ثانية كما فعل لفترة وجيزة كما يقول خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 حتى عام 1990 .

روايته ” كأنها نائمة ” تعكس موقفا متشككا تجاه القتال فمنصور وهو بطل الرواية لايريد خوض المعركة كونه سيخسرها لامحالة ويعرض خوري للدروس المستفادة من الصعوبات التي لاقتها المقاومة خلال العقود الماضية ، أما ميليا زوجته التي تحدت سلطة عائلتها المتدينة وتزوجت منه وهو الفلسطيني من يافا قبل ان تنتقل للعيش معه في الناصرة قبل حدوث النكبة بقليل فهي غير مهتمة بما يجري في الواقع السياسي مع أنها تشعر بخطورة المرحلة وتحولاتها وتخالطها نتيجة لتربيتها الدينية المتزمتة أحاسيس جارفة بأن الجنين الذي تحمله باحشائها سوف يقتل وان مقتله سيكون قربانا وأضحية لتلك التحولات كما يراودها شعور أن فلسطين على حافة الضياع ، وتشكل أحلام ميليا مادة الرواية الأساسية وفضاءها الدرامي ومختبرها العميق، كما تمثل في الوقت نفسه نقطة افتراق والتقاء ، افتراق عن الواقع العياني المباشر والتقاء مع أحلام الشعراء العرب الكبار عبر حواراتها مع زوجها منصور المولع بالشعر
وتتعدد مستويات الحلم والواقع بين ميليا وأحلامها وزوجها والأشعار التي يحفظها، هما اللذان يعيشان في مدينة الناصرة، مدينة المسيح والمعجزات التي يتداخل فيها الواقع بالنبوءة.. كل ذلك في سرد متداخل ومعقد يفضي إلى ” حقيقة ” أن الإنسان يعيش حياته في عالمين متداخلين ، عالم الواقع وعالم الخيال ، وأن عليه أن يندمج في العالمين معا لكي يحقق التوزان المطلوب.

وأما توازن ميليا ، في هذا السياق ، فيتحقق عبر إيمانها بما أخبرتها به جدتها ، وهو أن الفرق بين الولادة والموت ضئيل جدا وأن الشخص الحي عندما يحلم فإن بإمكانه أن يستيقظ من النوم بينما يستمر الميت في حلمه إلى الأبد.

قال عنه الكاتب العراقي سيمون أنطون زميله في جامعة نيويورك الذي قدمه في احتفال صدور الرواية قائلا : ( كتابات إلياس خوري لاتزال تشكل للكثيرين منا بوصلة للوصول الى أرض الواقع ، هذه الأرض التي ظلت مجهولة المعنى سنوات طويلة ، فهو يزعزع الاستقرار السردي من الداخل ليعطيه ابعادا اخرى تجريبية ) .

بعدها تحدث خوري عن الرواية التي انتهى منها قبل سنوات قائلا : ( ان ميليا تبدو لي كما لوكانت لشخص ما يعيش معي ، وكان من حسن حظي أن أحبها فقد علمتني الكثير عن الحياة والأدب ) ، هنا انحنت امرأة كانت تقف الى جواره لتسأله عما إذا كان يتحدث عن شخص حقيقي قال :

– لا ، ولكنها تبدو لي بهذه الصورة التي اتخيلها .

 

Filed under: مختارات, نقد

اترك تعليقاً

*