Articles Comments

» ترجمات, مختارات » من نصوص مو يان

من نصوص مو يان

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



أعلنت الأكاديمية السويدية للعلوم، الجهة المانحة لنوبل، فوز الكاتب الصيني، مو يان، بجائزة نوبل للآداب 2012، عن أعماله التي “تتسم بالمزج بين الحكاية الشعبية والتاريخ واستخدامه واقعية ممزوجة بالهلوسة».

«مو يان» (اسمه الأصلي “غوان موي”) كاتب صيني معاصر، ولد في 17 فبراير 1955، وصاحب رواية «مطر يتساقط فوق ليلة ربيعية» 1981، ورواية «الموت والحياة يبليانني» 2008، ورواية «الثوم الفردوسي»، ورواية «الذرة الحمراء» .. وغيرها

النصان التاليان ينشران لأول مرة بالعربية :

من مقدمة مجموعته القصصية “شيفو، ستفعل أي شيء من أجل ضحكة” 2001

كل شخص له أسبابه الخاصة التي تصنع منه/ها كاتبا، وأنا لست استثناءا. أصبحت الكاتب الذي أنا عليه وليس همنغوي أو فوكنر آخر لأسباب تتعلق بطفولتي التي مثلت هبة لمشروعي الكتابي ساهمت في حثي على الكتابة الى الآن. أفكر في ما قبل أربعين عاما، الستينيات، تلك الفترة الغريبة في تاريخ الصين الحديث، وذلك العصر الذي شهد تطرفا غير مسبوق, تلك الحقبة التي شهدت نكسة اقتصادية وحرمانا على الصعيد الفردي. كافح الناس لطرد الموت عن أبوابهم، لم يجدوا ما يأكلوه أو يشربوه. في ذات الوقت، كانت المشاعر السياسية كثيفة وحادة، بحيث كان المواطن الجائع يشد حزامه ويتبع الحزب وتجربته الشيوعية.

ربما كنا نتضور جوعا في تلك الفترة، لكننا كنا نعتبر أنفسنا أسعد المخلوقات على الأرض. كنا نعتقد أن ثلثي سكان العالم يعيشون في بؤس فادح. كان واجبنا المقدس أن ننقذهم من بحر المعاناة الذي كانو يغرقون فيه. لم تتغير هذه الصورة حتى الثمانينات حين فتحت الصين أبوابها على العالم، حينها ابتدأنا نواجه الواقع، كأننا صحونا للتو من حلم.

مبكرا، تعلمت أن أتحدث مع نفسي. اكتسبت مواهب غير مألوفة في التعبير. كنت قادرا على التكلم بلا توقف، كلاما بليغا ومقفى أيضا. شاهدتني أمي يوما وأنا أحدث شجرة. قلقة على صحتي العقلية، بلغت أمي أبي بما حدث، وسألته ان كان بي سوء. لاحقا حين بلغت سن النضج، التحقت بسوق العمل، لكن عادتي في التكلم مع نفسي لم تتوقف بعد انتقالي من رعاية الماشية الى العمل المهني، مما سبب لي مشاكل عائلية.

قالت لي أمي في حينها “يا بني، الا تتوقف أبدا عن الكلام؟”. دفعني سؤالها وتعابير وجهها الى البكاء، ووعدتها ان أتوقف، فتوقفت. لكنني في الساعة التي رأيت فيها حشدا من الناس حولي، كنت أندفع بالكلام، كانت الكلمات تخرج من فمي كما تخرج الجرذان من أعشاشها. كان يتبع ذلك شعور قوي بالذنب، وحس غامر بفشلي بإرضاء أمي وتعليماتها. لهذا اخترت أسمي “مو يان” : “لا تتكلم” كاسم شهرة. لكن كما كانت أمي تقول “الكلب لا يتوقف عن أكل الغائط ، والذئب لا يتوقف عن أكل اللحم”، لم أتوقف عن الكلام. هي عادة دفعتني أحيانا للتطاول على زملائي الكتاب أو اهانتهم، لأن ما يخرج من فمي بشكل ثابت هو الحقيقة بعينها.

الآن، وأنا في منتصف العمر، بدأت كلماتي في الاضمحلال، الأمر الذي بإمكانه اعطاء روح أمي بعض الراحة عندما تنظر الي من السماء.

(ترجمة عن الإنجليزيه: أشرف الزغل)

من رواية “الذرة الحمراء”1993

ترجمها عن الصينية‮: حسنين فهمي

الفصل الاول 

في اليوم التاسع من الشهر الثامن حسب التقويم القديم عام‮ ‬1939،‮ ‬كان أبي‮- ‬أحد أفراد عصابة قطاع الطرق‮- ‬قد تجاوز الرابعة عشر من عمره.وكان قد رافق القائد‮ ‬يو جان آو ذلك البطل الأسطوري الذي ذاع صيته فيما بعد،‮ ‬رافقه إلي الفريق الذي كان‮ ‬ينصب كميناً‮ ‬للعدو علي الطريق العام عند جياو بينغ‮.‬وقد خرجت جدتي تودعهم وهي ملتحفة بعباءتها.فقال القائد‮ ‬يو‮ : »‬فلترجعي‮!« ‬فوقفت جدتي في مكانها ولم تواصل التقدم لوداعهم.وقالت جدتي لأبي ناصحة إياه‮ : »‬دوو قوان‮ ‬،‮ ‬استمع جيداً‮ ‬إلي كلام والدك‮ !« ‬فأنصت أبي إليها ولم‮ ‬ينبس ببنت شفة‮ ‬،‮ ‬وراح‮ ‬يمعن النظر في قامتها العالية ويشم الرائحة المنبعثة من خلال عباءتها‮ ‬،‮ ‬ثم شعر ببرودة شديدة‮ ‬،‮ ‬وراح‮ ‬يرتجف حتي بدأ القائد‮ ‬يو‮ ‬يمسح علي رأسه قائلاً‮ : »‬فلنمضي‮ ‬يا صغيري‮ !«‬
وهكذا بدأ وقع أقدام أفراد العصابة‮ ‬يبتعد عن المكان شيئاً‮ ‬فشيئا.وبدأ الضباب الكثيف‮ ‬يحجب الرؤية أمام أبي،‮ ‬فكان في ذلك الحين لا‮ ‬يري أمامه بوضوح‮ ‬،‮ ‬كان فقط‮ ‬يسمع وقع أقدام أفراد العصابة ولا‮ ‬يراهم.ومضي أبي‮ ‬يمسك بطرف ثياب والده القائد‮ ‬يو وهو‮ ‬يهرول وراءه.وأدرك أبي أن جدتي مضت تبتعد عنه كثيراً،‮ ‬والضباب‮ ‬يبدو كثيفاً‮ ‬كأمواج البحرالهائج‮ ‬،وهو‮ ‬يمسك بطرف ثياب القائد‮ ‬يو وكأنه طوق النجاة الوحيد من هذا الموج الهائج‮ .‬
وبدأ أبي‮ ‬يقفز نحو قبره الحجري الذي سيكون فيما بعد هنا وسط حقول الذرة‮. ‬وكان ذلك القبر محاطا بالأعشاب الكثيفة‮ ‬،‮ ‬وقد جاء إلي ذلك القبر صبي‮ ‬يجر ماعزة‮ ‬،‮ ‬وكانت الماعزة تأكل من تلك الأعشاب والصبي‮ ‬يتبول علي حافة القبر وهو‮ ‬يتغني قائلاً‮ : ‬لقد أحمرت الذرة‮ ‬،‮ ‬وجاء اليابانيون‮ ‬،‮ ‬فيا أيها الأشقاء‮ !‬استعدوا لإطلاق الأعيرة النارية والمدافع‮ .‬
وقال البعض إن ذلك الصبي هو أنا‮. ‬ولكنني لا أعرف إن كنت هو أم لا.وقد كنت أعشق كثيراً‮ ‬ريف دونغ‮ ‬بيي بمدينة قاو مي‮ ‬،‮ ‬وكذلك كنت أحقد علي ذلك المكان.وبعد أن كبرت واجتهدت في دراسة الماركسية‮ ‬،‮ ‬أدركت مؤخراً‮ ‬أن ريف دونغ‮ ‬بيي بمدينة قاو مي هو أجمل وأقبح مكان علي سطح الأرض،‮ ‬وأهله هم أشجع الشجعان وأحقر الناس،‮ ‬وأنهم أكثر الناس قدرة علي شراب النبيذ وعلي الحب.فلقد عاش آبائي وأجدادي هنا وتغذوا علي الذرة وكانوا‮ ‬يزرعونها سنوياً‮ ‬بكميات كبيرة.وفي أغسطس من كل عام‮ ‬،‮ ‬كانت الحقول تبدو كبحور من الدماء وسط زراعات الذرة الرفيعة‮. ‬وكان أهل قاو مي‮ ‬ينشغلون بهذا العرس في كل عام‮ . ‬كما أنهم كثير ما قاموا بالقتل والنهب وأخلصوا دفاعاً‮ ‬عن وطنهم‮ ‬،‮ ‬وقد قدموا صورة مسرحية بطولية حزينة‮ ‬،‮ ‬حتي جعلتنا نحن الأحفاد‮ ‬غير البارين نشعر أمام كل تلك الإنجازات بتراجع النوع الإنساني في مدينة قاو مي‮.‬وبعد أن خرج فريق العصابة من القرية‮ ‬،‮ ‬ساروا في طريق ترابي ضيق.واختلط الضباب الكثيف بكميات التراب المنبعثة من تحت أقدامهم وهم‮ ‬يسيرون في ذلك الطريق الترابي‮ ‬،‮ ‬وكانت قطرات المياه تبدو علي وجه أبي وكأنها قطع بلورية.وكان أبي قد تعود علي رائحة النعناع الذكية والروائح الأخري المنبعثة من وسط زراعات الذرة‮ .‬وفي تلك المرة حيث اختلطت الرائحة بالضباب الكثيف‮ ‬،‮ ‬فقد أحس أبي بأنه‮ ‬يشم رائحة جديدة أيقظت في نفسه ذكريات بعيدة.وبعد مضي خمسة عشر‮ ‬يوماً،وفي الخامس عشر من شهر أغسطس الذي‮ ‬يوافق عيد منتصف الخريف،‮ ‬كان البدر‮ ‬يملأ السماء وينير حقول الذرة‮ ‬،‮ ‬وكانت حبات الذرة تبدو وكأنها حبات فضية.وراح أبي‮ ‬يشم رائحة ذكية تفوق أضعاف رائحة الذرة في العصر الحالي‮. ‬وفي ذلك الحين كان القائد‮ ‬يو‮ ‬يجره وراءه،‮ ‬وخلفهم تظهر بركة من دماء ما‮ ‬يزيد علي ثلاثمائة من أهل القرية والتي جعلت الأرض السوداء تبدو مخضبة بالدماء.وقد جعلت الرائحة بعضهم‮ ‬يشعر بالاختناق‮. ‬وكانت مجموعة من الكلاب التي جاءت لتأكل من لحم القتلي تقبع هناك وتنظرإلي أبي والقائد‮ ‬يو‮. ‬فأطلق القائد‮ ‬يو رصاصة من مسدسه فاختفي‮ ‬كلبان‮ ‬،‮ ‬ثم أطلق رصاصة ثانية اختفي علي دويها كلبان آخران.فتفرقت جماعة الكلاب ووقفت بعيداً‮ ‬تنظر إلي الجثث الملقاة علي الأرض.وبدأت تلك الرائحة تزداد شيئاً‮ ‬فشيئا.وراح القائد‮ ‬يو‮ ‬يصيح في الكلاب‮ :»‬أيتها الكلاب اليابانية،‮ ‬اللعنة علي اليابانيين‮!« ‬ثم صوب مسدسه تجاهها حتي اختفت تماماً‮. ‬وقال لأبي‮ : »‬هيا بنا‮ ‬يا بني‮ !« ‬ودخل الأب وابنه وسط زراعات الذرة‮ . ‬وتسربت تلك الرائحة إلي أعماق أبي حتي إنها أصبحت ترافقه طيلة حياته‮.‬
وكانت سيقان الذرة‮ ‬تصدر عند اصطدامها ببعضها أصواتاً‮ ‬مسموعة،‮ ‬أحياناً‮ ‬قوية وأحياناً‮ ‬أخري ضعيفة‮. ‬ولكي‮ ‬يلاحق أبي الركب‮ ‬،‮ ‬فقد كان‮ ‬يهرول وسط الذرة وهو‮ ‬يصطدم بسيقانها.وفي ذلك الحين كانت تصدر أصوات أخري نتيجة اصطدام مسدس أحد أفراد العصابة بمسدس رفيقه‮ ‬،أو نتيجة اصطدام أحدهم برأس جثة من تلك الجثث الملقاة وسط الذرة.وسمع أبي‮ ‬صوت سعال ذلك الرجل الذي كان‮ ‬يسير أمامه‮ ‬،‮ ‬وقد عرف من صوت السعال صاحب الصوت وانغ‮ ‬وين إي المعروف بأذنيه الكبيرتين اللتين ما أن تهتز حتي تنزف.وقد كانت أذني وانغ‮ ‬وين إي هي أكثر أعضاء جسمه دلالة عليه.وكان الرجل‮ ‬يتميز بأنه قصير القامة ذو رأس كبير.وجاهد أبي في السير حتي تحقق من وانغ‮ ‬ونظر إليه نظرة فاحصة.وتذكر حكاية وانغ‮ ‬عندما كان في ساحة التدريب وصاح فيهم نائب القائد أن استديروا صوب اليمين‮ ‬،‮ ‬ولكنه لم‮ ‬يسمع جيداً‮ ‬ولم‮ ‬يعرف الوجهة التي نادي بها القائد‮ ‬،‮ ‬فما كان من نائب القائد إلا أن ضربه بالسوط فراح وانغ‮ ‬يصيح‮ : ‬يا أمي‮ ! ‬وتغير لون وجهه من شدة الضربة‮ ‬،‮ ‬حتي سمع الجميع صوت ضحك الأطفال الذين كانوا‮ ‬يتابعون التدريب من خارج السور‮. ‬
وضرب القائد‮ ‬يو وانغ‮ ‬وين إي علي مؤخرته‮ ‬،ثم سأله‮.‬
‮»‬لماذا تسعل؟‮«‬
أيها القائد‮.. »‬تحامل وانغ‮ ‬وين إي وكتم سعاله‮« ‬وقال‮ »‬أشعر بألم في حنجرتي‮..«‬
‮»‬لا تسعل مهما كان السبب!وأعلم أنني سأقطع رأسك إذا أُكتشف أمرنا‮!«‬
‮»‬سمعاً‮ ‬وطاعة أيها القائد‮« .‬أجاب وانغ‮ ‬ثم صدرعنه صوت سعال لم‮ ‬يستطع أن‮ ‬يكتمه‮.‬
وهنا أحس أبي بأن‮ ‬يد القائد‮ ‬يو تنزل من خلف رأس وانغ‮ ‬وين إي‮ ‬،‮ ‬وأحس أيضاً‮ ‬أن هناك قطرات كحبات العنب تسيل من رقبة وانغ‮ ‬،‮ ‬ورأي عينيّ‮ ‬وانغ‮ ‬تبدوان في‮ ‬غاية الإمتنان والشفقة‮.‬
وبعد وقت قصير،‮ ‬غابت العصابة وسط زراعات الذرة.وأحس أبي أن العصابة تسير صوب الجنوب الشرقي‮. ‬وأن الطريق الترابي الذي سلكته العصابه هو الطريق الوحيد المؤدي إلي حافة نهر موا شوي،‮ ‬ويبدو الطريق الضيق أبيضاً‮ ‬مائل إلي الزرقة في وضح النهار‮. ‬وقد كان الطريق مكونا من الطمي الأسود‮ ‬،‮ ‬غير أنه الآن‮ ‬غني بالكثير من فضلات الأبقار والبغال والحمير‮. ‬وقد سار أبي في ذلك الطريق أكثر من مرة‮ ‬،‮ ‬حتي إنه كان‮ ‬يذكره أثناء فترة العذاب التي قضاها في اليابان.ولا‮ ‬يعرف أبي كم من الأحزان والأفراح التي عاشتها جدتي علي ذلك الطريق‮ ‬،‮ ‬ولكنني أعرف‮. ‬وكذلك لا‮ ‬يعرف أبي أن جثة جدتي كانت قد ألقيت علي ذلك الطريق الترابي الأسود الذي تظلله زراعات الذرة،‮ ‬ولكنني أعرف‮ .‬
وكان أبي قد لعب في صغره في مياه نهر موا شوي‮ ‬،‮ ‬وكأن حب اللعب في المياه كانت موهبة طبيعية أتصف بها في طفولته وصباه‮. ‬حيث تذكر جدتي أن لهفته إلي المياه كانت أشد من لهفته إلي أمه‮. ‬وكان أبي وهو في الخامسة من عمره‮ ‬يسبح في المياه مثل البط الصغير‮. ‬وكان أبي‮ ‬يعرف تماماً‮ ‬طين قاع نهر موا شوي‮ ‬،‮ ‬وكان‮ ‬ينمو علي ضفاف النهر أعشاب وأزهار كثيرة وتسبح علي الشاطئ بعض من كائنات النهر‮. ‬وفي الخريف عندما كانت تهب الرياح الخريفية وتزداد برودة الجو،‮ ‬كانت تفر إلي الجنوب جماعات من الأوز الصيني‮. ‬وعندما استمع أبي إلي صوت صرير مياه النهر‮ ‬،‮ ‬تذكر الجد ليو لوو خان الذي كان قد خدم في منزل العائلة عشرات السنين وكان مسئولا عن صناعة النبيذ التي كانت تديرها عائلتي،وكان أبي‮ ‬يحبه كثيراً‮ ‬مثل جده الحقيقي تماماً‮ ‬
وكان أبي كثيراً‮ ‬ما‮ ‬يرافق الجد ليو في الخروج إلي النهر للعب مع سرطان البحرعلي ضفتي نهر موا شوي.ويمضي هناك وقتاً‮ ‬جميلاً‮ ‬حيث صيد الأسماك الصغيرة ونصائح الجد ليو بعدم الاستعجال علي الفريسة‮. ‬وكان أبي‮ ‬يتابع فريسته وهي تدنو من الشاطئ وتظهر جلية تحت ضوء الشمس حتي‮ ‬يصدر له الجد ليو أوامره بأن‮ : »‬أقبض عليها‮!«‬
وبعد أن توغل أبي بصحبة أفراد العصابة في زراعات الذرة‮ ‬،‮ ‬كانت قدماه لا تكف عن الاصطدام بأعواد الذرة بينما هو‮ ‬غارق في التفكير في ماضي النهر وألعاب الطفولة.وكان لا‮ ‬يزال ممسكاً‮ ‬بطرف ثياب القائد ليو وهو‮ ‬يهرول وراءه،‮ ‬وقد أحس بالنوم‮ ‬يغلبه،فثقلت رأسه وبدت علي عينيه علامات النوم.ومضي أبي‮ ‬يفكر في أن رحلته لن تضيع سدي ما دام في رفقة الجد ليو إلي نهر موا شوي‮. ‬وكان أبي قد شبع كثيراً‮ ‬من أكل سرطان البحر وكذلك جدتي‮. ‬وكان الجد ليو‮ ‬يقوم بتقطيع سرطان البحر إلي قطع صغيرة ويضيف إليها فول الصويا والملح ويضعها في إناء لإعداد حساء سرطان البحر،‮ ‬ذلك الحساء الذي كانوا‮ ‬يتلذذوا جميعاً‮ ‬بشرابه.وكنت قد سمعت بأن جدتي كانت تتعاطي مخدر الحشيش‮ ‬،‮ ‬ولكنها لم تصل إلي حد الإدمان‮ ‬،‮ ‬لذا فقد كانت دائماً‮ ‬ما تبدو في حالة من الانتعاش.وكان الاهتمام بالصحة والمحافظة عليها شعارا معروفا في قريتنا التي كانت معروفة بإنتاج أنواع من الأسماك الغنية بقطع اللحم.وفجأة تذكر أبي حادثة وفاة الجد ليو في العام الماضي عند طريق جياو بينغ‮ ‬العام.وكانت جثته قد قُطعت إرباً‮ ‬إربا‮ ‬،وتم توزيع تلك القطع في جميع الاتجاهات.وكان قد تم سلخ الجثة مثل سلخ الضفدعة‮ .‬وما أن تذكر أبي حادثة مقتل الجد ليو حتي شعر برعشة شديدة أصابت جسمه كاملاً‮. ‬ثم تذكر أبي حادثة كانت قد وقعت منذ سبع أو ثماني أعوام مضت‮ ‬،‮ ‬ففي ذلك المساء كانت جدتي قد شربت حتي سكرت،‮ ‬ووصلت إلي ساحة فناء صناعة النبيذ في منزل العائلة الكبير،‮ ‬وهناك تعلقت بكتف الجد ليو وهي تتوسل إليه‮ :‬س ايها العم ليو‮ ‬،‮ ‬أتوسل إليك ألا تغادرنا‮ ‬،‮ ‬وإن لم‮ ‬يكن لأجلي فلأجل الصغير دوو قوان‮ ‬،‮ ‬أتوسل إليك‮ »‬أيها العم ليو ألا تغادرنا‮ ‬،‮ ‬وإن أردت أن أهب لك نفسي فسأفعل علي الفور،‮ ‬فأنت مثل أبي تماماً‮.. ‬وأتذكر أن الجد ليو كان قد أزاح جدتي عنه وغادر المكان إلي زريبة البغال ليطعم بغاله.فقد كانت أسرتي تربي بغلين أسودين‮ ‬يتم إستخدامهما في فرن صناعة النبيذ،وكان البغلان من أجود أنواع البغال المعروفة في القرية.ولم‮ ‬يغادرالجد ليو الأسرة إلا بعد قيام اليابانيين بالإستيلاء علي البغلين وإستخدامهما في صيانة وتعبيد طريق جياو بينغ‮ ‬العام‮ .‬
وسمع أبي دوي طلقة نارية أحدثت جلبة كبيرة وسط زراعات الذرة‮ ‬،‮
‬وقد أصابت الطلقة في طريقها الكثير من عيدان وسنابل الذرة‮ ‬،
‮ ‬ ولا أحد‮ ‬يعرف أين أستقرت‮.‬

وفي ذلك الحين‮ ‬،‮ ‬سمع أبي صوت الحمير القادم من القرية‮ ‬،‮ ‬ففتح عينيه ورأي أن الجو لايزال ملبداً‮ ‬بالضباب‮ ‬،‮ ‬وأن أعواد الذرة تحجب عنه رؤية أدني الأشياء منه‮ .‬ومضي‮ ‬يفكر في زراعات الذرة التي لا تنتهي وأنه لا‮ ‬يدرك كم من الوقت قضاه بين جنباتها.وفقد أبي وهو بين تلك الحقول التي لا تنتهي التركيز في الإتجاهات‮. ‬وتذكر أنه كان في العام قبل الماضي قد ضل طريقه وسط حقول الذرة‮ ‬،‮ ‬ولكن صوت مياه النهر أنذاك دله علي طريق النجاة من‮ ‬غيابات الذرة‮. ‬فعندما سمع أبي صوت صرير مياه النهر‮ ‬،‮ ‬عرف علي الفور أن العصابة تمضي في إتجاه الشرق في صوب النهر‮. ‬وبمجرد أن تأكد أبي من وجهة السير،‮ ‬فقد تأكد من أن الركب‮ ‬يمضي إلي ذلك الخندق لمواجهة وقتال الجيش الياباني‮ ‬،‮ ‬نعم إنهم‮ ‬يمضون إلي القتل‮ ‬،‮ ‬قتل البشر وكأنهم‮ ‬يقتلون الحيوانات.وعرف أن الركب سيسير صوب طريق جياو بينغ‮ ‬الذي قام الجيش الياباني وعملاءه بتعبيده بتسخير شعب القرية‮.‬
واشتد صوت إصطدام أفراد العصابة بعيدان الذرة‮ ‬،‮ ‬فقد أتعبتهم الرحلة الطويلة وسط زراعات الذرة التي لا تنتهي‮.‬حتي وانغ‮ ‬وين إي لم‮ ‬يتوقف عن السعال رغم سيل التوبيخ والسب الموجه له من القائد‮ ‬يو‮. ‬ولما أحس أبي أن الركب‮ ‬يقترب من الطريق العام‮ ‬،‮ ‬راح‮ ‬يتأمل عيدان الذرة المنغرسة في الأرض الطينية والمشبعة بمياه الأمطار‮.‬
وفجأة سمع أبي صوتا حادا‮ ‬،‮ ‬ثم أجتهد ليعرف مصدر الصوت‮ . ‬
وهنا سمع القائد‮ ‬يو‮ ‬يصيح بصوت مرتفع‮: »‬من الذي أطلق النار؟‮ ‬يا شياو جيو تسه من الذي أطلق النار؟‮«‬
وسمع أبي دوي طلقة نارية أحدثت جلبة كبيرة وسط زراعات الذرة‮ ‬،‮ ‬وقد أصابت الطلقة في طريقها الكثير من عيدان وسنابل الذرة‮ ‬،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يعرف أين أستقرت‮. ‬ثم سمع صوت وانغ‮ ‬وين إي وهويصيح بصوت به الكثير من الأسي والخوف‮: ‬أيها القائد‮ ‬يو،‮ ‬إنني عديم الرأس،‮ ‬أيها القائد‮ ‬يو إنني عديم الرأس‮«!‬
فركله القائد‮ ‬يو برجله ثم قال‮: »‬عليك اللعنة‮ !‬عديم الرأس ولكنك جريء في الحديث‮ !«‬
وقال أبي‮ »‬أيها العم وانغ‮ ‬إنك جُرحت‮«.‬
‮»‬دوو قوان‮ ‬،‮ ‬أأنت دوو قوان‮ ‬،‮ ‬أنظر جيداً‮ ‬هل لاتزال رأس العم وانغ‮ ‬في مكانها؟‮«‬
‮»‬نعم‮ ‬،‮ ‬إنها لاتزال مستقرة في مكانها‮ ‬،‮ ‬فقط تبدو أذنك مجروحة‮«.‬
فمد وانغ‮ ‬وين إي‮ ‬يده‮ ‬يتحسس أذنه المجروحة،‮ ‬ولامست‮ ‬يده الدماء التي تسيل من أذنه،‮ ‬وهنا بدأ‮ ‬يشكو حاله إلي القائد‮ ‬يو‮: »‬أيها القائد‮ ‬يو‮ ‬،‮ ‬لقد جُرحت‮ ‬،‮ ‬لقد جُرحت‮ ‬،‮ ‬لقد جُرحت‮«.‬
فرجع القائد‮ ‬يو إلي الخلف‮ ‬،‮ ‬وجلس القرفصاء وأمسك برقبة وانغ‮ ‬وين إي‮ ‬،‮ ‬وقال بصوت منخفض‮: »‬كف عن الصراخ وإلا فصلت رقبتك عن جسدك‮«!‬
وهنا كف وانغ‮ ‬وين إي عن الصراخ‮.‬
وعاود القائد‮ ‬يو‮ ‬يسأله‮ :»‬أين مكان الجرح ؟‮«‬
فرد وانغ‮ ‬باكياً‮ : »‬إنها أذني‮ …«‬
فأخرج القائد‮ ‬يو من جيبه قطعة قماش بيضاء وشقها نصفين ومدها إلي وانغ‮ ‬قائلاً‮ : »‬غطي بها الجرح‮ ‬،‮ ‬وكف عن الصراخ‮ ‬،‮ ‬وسنعاود لف الجرح ثانية في الطريق‮«.‬
ونادي القائد‮ ‬يو علي أبي‮ : »‬دوو قوان‮.« ‬فأجابه أبي ثم أقترب منه وواصلا السير معا.بينما كان وانغ‮ ‬يسير خلفهما وهو‮ ‬يتألم من جرحه‮ .‬
وكانت تلك الطلقة الطائشة التي دوي صوتها وسط زراعات الذرة‮ ‬،‮ ‬كانت قد خرجت عن‮ ‬غير قصد من بندقية الأخرس.وكان الأخرس صديق قديم وحميم للقائد‮ ‬يو،‮ ‬وكان بطلاً‮ ‬رافقه طويلاً‮ ‬وأكلا معاً‮ ‬الخبز وسط زراعات الذرة‮ ‬،‮ ‬وكانت إحدي قدمي الأخرس قد جُرحت وهو لايزال في بطن أمه‮ ‬،‮ ‬وكان‮ ‬يعرج عليها أثناء السير،‮ ‬ولكنه كان‮ ‬يسير عليها بسرعة‮ ‬،‮ ‬وكان أبي‮ ‬يخشاه كثيراً‮.‬
وعندما تبدد ضباب الفجر،‮ ‬وصلت العصابة أخيراً‮ ‬إلي طريق جياو بينغ‮ ‬العام.وعندما سلك الركب الطريق العام‮ ‬،‮ ‬بدا أبي أكثر مرونة وحيوية وقدرة علي السير بمفرده‮ ‬،‮ ‬حتي أنه لم‮ ‬يعد‮ ‬يمسك بطرف ثياب القائد‮ ‬يو‮. ‬وكان وانغ‮ ‬وين إي لا‮ ‬يزال‮ ‬يغطي أذنه المجروحة بتلك القماشة البيضاء وهو‮ ‬غارق في بكاءه‮. ‬وهنا مد القائد‮ ‬يو‮ ‬يده وساعده في أن أحكم ربط الجرح حتي شمل الغطاء نصف رأسه‮ . ‬وراح وانغ‮ ‬يتألم من شدة الألم‮. ‬
وقال القائد‮ ‬يو‮ : »‬آه من عمرك الطويل‮ !«‬
فرد وانغ‮ ‬وين إي‮ : »‬لقد نزفت دمائي كلها ولا أستطيع الذهاب‮ !«‬
فقال القائد‮ ‬يو‮: »‬عليك اللعنة‮ ‬،‮ ‬إن جُرحك هذا لا‮ ‬يعادل عضة بعوضة‮ ‬،‮ ‬وهل أنك نسيت ثأر أبنائك الثلاثة‮ !«‬
فطأطأ وانغ‮ ‬رأسه وقال وهو‮ ‬يغمغم‮ : »‬لا لم أنسي‮ ‬،‮ ‬لم أنسي أبداً‮ «.‬
ومضي وانغ‮ ‬يسير وهو‮ ‬يحمل بندقيته التي تلوثت بدمائه التي لم تتوقف بعد‮.‬
وكان الضباب قد تبدد تماماً،‮ ‬وبدا الطريق العام صحواً‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يكن علي الطريق أي أثر لأقدام الأبقار والخيل أو حتي البشر.وكان الطريق المحاط من جانبيه بزراعات الذرة كفيل بأن‮ ‬يجعل المارة‮ ‬يشعرون بعدم الإطمئنان‮. ‬وكان أبي‮ ‬يعلم أن عصابة القائد‮ ‬يو المكونة من أربعين شخصاً‮ ‬من بينهم الأبكم والأخرس والأعرج‮ ‬،كانوا جميعهم جنودا شجعانا عاشوا في القرية وأختلطوا بجميع ما فيها من حيوانات وطيور.وألتف ثلاثين رجل منهم مكونين دائرة تشبه الحية أثناء نومها،وكان من بينهم من‮ ‬يحمل البنادق والمسدسات والمطارق والتروس الحديدية.ولم‮ ‬يكن أبي‮ ‬يعرف أنذاك شيئاً‮ ‬عن نصب الأكمنة وعن فائدة التروس الحديدية في نصب الأكمنة لمواجهة العـدو‮.‬

عن أخبار الأدب

Filed under: ترجمات, مختارات

أضف تعليقاً

*