Articles Comments

» أدب » القصيدة الكونية مسَوَّدة أولى / طه عدنان

القصيدة الكونية مسَوَّدة أولى / طه عدنان

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



البراكين تكاد تنفجر في رأسي
حتى أني لم أعد أحتمل الجلوس
أمام مكتب أخرس
لأكتب ما قد يسميه البعض شعراً
إنما كالآخرين
تجذبني اللعبة إلى غنجها
كالآخرين
تراودني الكتابة عن يميني
وعن خدر الارتخاء فوق سرير العاشرة
في صباحٍ أحديٍّ متعَب.
وكمُمثلٍ لم يختر دوره
أهيئ نفسي لفصل الكتابة:
أعفو عن لحيتي وأفكاري
أترك شعري منكوشاً كقصيدة نثر
أُقطِّب جبيني مبالغةً في التّركيز
وأقوّس حاجبي افتعالاً للجدّية
: ها إنّي أبدو مهموماً
وغامضاً كشاعرٍ كوني.

لا أبدو منشدّاً لكتابة قصيدةٍ هذا الصباح
ثم هل من الضّروري أن أكتب شعراً
لكي أظلّ على قيد الأحلام؟
لا قدرة لي على حبس خيولي
في الإسطبل البارد
للحظتي الواهنة.
خيول الذاكرة تُفضّل الركض حنيناً
إلى مراتعها الأولى
حيث:
السماءُ الواثقة من زرقتها. السماء البعيدة.
أشجار اللّيمون. الخضرة الباسقة. الشارع المغبر.
سور المقبرة. الحُفر اللّئيمة تُعاكس أحذية البنات.
بائعو السجائر بالتّقسيط. المقهى العارم. الغارة
وخراطيشها، والأصدقاء المتحلّقون حولها كإرهابيين
نبلاء. النّخل وأشباهُه. الأحمر الذي يُعلّم المدينة الأسماء.
قشدة العشاق. قهوة الموتى. وشاي الأمهات.

عليَّ أن أرجع إلى القصيدة
إلى غرفتها البيضاء
سأنظر إلى اللّحظة بعينين عميقتين
كجرح عاشق مغدور.
وأفرش في بهوها خريطتي:
شرفةٌ تبكي.. صورة أمازيغيّةٍ بابتسامة عذراء.
مرآةٌ تحجب الأطياف. بطاقةٌ من مراكش..
ورسالة سمراء.
مدفأةٌ بلا نارٍ. مطرٌ يقرع الزجاج.
وقعُ خطىً في الدّرج. قلبي الذي ينهالْ..
طرقٌ على الباب المجاور. وغزالةٌ في البالْ

ثمّ أكسر جرّة الأسرار:
كنا صغاراً حينما أحببتُها
كأنبياء.. نمشي على ماءٍ زلالْ
وكأشقياء نرشق الريح الشفيفة
بالنّبالْ
لكنني.. لكنها..
لم ندر إلاّ والنّصال
على النّصالْ.

بحكمة سلحفاةٍ تُغريها الطريق
ولا يعنيها الوصول
سأمضي صوب ما لا يعنيني،
بمزاج حائكٍ أعمى
أُرتّق مِزَق الكلمات
لأصفّفها جملةً جملةً
مقطعاً مقطعاً
هنا من شقتي بالمنزل رقم 34
Rue de Chambéry
هنا من على الشرفة
وكنيسة القديس أنطوان شاهدةٌ
سأدّعي العالم كلّه
سأزعم من العواصم
ما لم تطأْ لي قدمٌ.

لا قدرة لي على البقاء مصلوباً
فوق هذا الكرسي البارد الشمتان.
أعذبُ الشعر أكذبُه
وأنا ضحية صدقي
حينما تُغَلَّق في وجهي أبواب الأخْيِلَة
تحضُّني الأمّارةُ على أن أحذُوَ
حذْوَ صديقي ذي السرقات المرموقة
كساقي صابرينا.
فلا أجد لديَّ من القصائد
ما يكفي لتكرير الشعر.
تبّاً لخزانتي الفقيرة
تبّاً للسرابْ. دفَن الماء الأخير
في الريح
وذابْ.

ثم لا قدرة لي
أحس جمجمةً صدِئةً بقلبي
جسدي منهكٌ.. رأسي مقلوبةٌ
وحواسي معطّلة.
أنا الشاعر الكوني
أقرأ قصائد أصدقائي
ولا يهمني مصير إليوت في أرضه اليباب
بروتون بدوره لا يعنيني
رغم حبسته الحمقاء
في مصحة العقلاء.
تكفيني قصائد الأصدقاء
تكفيني رسائلهم،
بكمدٍ أُراجع أخبارهم الحزينة:

[جرير مايزال يُصارع آلام السجن والأسنان
خالد قضى بالغاز مخنوقًا
كأنما استجار به من هواء فاسد.
إلهام.. ماتت في ظروفٍ غامضةٍ
أنقذها من الموت بريدٌ لاحقٌ
وفي الرسالة الأخيرة كانت تسلّم عليََّ..
أحمد.. عزيز.. هشام.. وأصفياء آخرون
لازالوا يتفوّقون يوميّاً في امتحانات اليأس.]
آهٍ يا بريد الأحزان
النّخل لم يعُد شاهقاً
ومدينتي الحمراء امتقعت أضواؤها
أخي الأصغر سافر دون وداعي
ولم يكتب منذ رحل
…………………..
لربّما “أورلاندو” كانت أكثر وطناً.

أطرُد طيور الأسى من الشرفة
وأحرث بياض الورق
المكتب الأخرس أمامي
وأنا هنا رغم الصباح والعاشرة
والشمس التي خجولةً تُطلّ
أيّة ضرورةٍ للشعر
أيّ جدوى من تشريح الأوجاع؟
فالتركية التي قضت ليلتها بسريري
منذ شهرٍ
لا تعرف ناظم حكمت
ولا تحفظ من الشعر سوى النشيد الوطني
حتى الطفلة التي دهست بيتها الرّملي
قدمٌ جهمةٌ على الشاطيء
حينما وبإحساسٍ مُرهفٍ
واسيتُها ببضعة أبياتٍ لجاك بريفير
لاحقتني بالزّعيق
وبشتائم تكبرها سنًّا
لكأنها عانسٌ
ماعادت تُطيق تودّد الرجال

ربما سأُحسن صنعاً باجتناب الشعر
لكي يظلّ السريرُ خالصاً
وتبقى الطفلةُ طفلةً
أو على الأقل نكايةً بمن سأُفوِّت عليهم
فرصة التهكّم على قصائدي
يكفيهم أنهم منهمكون في كيْل المجاملات
لبعضهم البعض.
يكتب الواحد منهم القصيدة
ليُشبعها الآخرون تربيتاً

فليكتبوا الشعر إذن:
اكتبوه بلاهوادة
اكتبوه بحروف المديح
أما أنا، فسألهو وأنتم تُركِّبون الاستعارات
وحينما تنتهون، سألهو أيضاً
سأكون أسعد حالاً
وأنا أنام في حضن فانيسا
أعاقر الكرز والعسل
وأسمع الموسيقى البيضاء
سأكون سعيداً أيضاً وأنا أصحو:
لكم هو جميلٌ وشاعرٌ سريرك أيّها الصباح!

هامش
بعض ما كان يشغل الشاعر الكونيّ عن كتابة القصيدة الكونيّة أو ظروفُ عدم كتابة النص:

غسلُ الأواني في وقتٍ متأخّرٍ من الليل
إضاعةُ المفاتيح ككُلِّ مرةٍ، وإضاعة الوقت في البحث عنها
إفسادُ ما سيعمد رفيقي في الشقة إلى ترتيبه فيما بعد
إزعاج الجار الصينيّ بالموسيقى العربية
تبادل القُبل والأشرطة مع كاترين
اختلاس النّظر إلى ساقي ماريا الثوريتين فيما تتحدث عن قضايا الماركسية في العالم
النضال المُستميت إلى جانب الرفاق في مقهى الجامعة
الخوف من الإفلاس الذي يدنو كخروف نطّاح

Filed under: أدب

أضف تعليقاً

*