Articles Comments

» أدب, مختارات » العين المعتمة / زكريا محمد

العين المعتمة / زكريا محمد

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



طلع القمر في الأفق الشرقي، وارتفع مسافة كف واحدة بين الجبلين. كان ضخما مستديرا ومتوردا حد أن الحدّارة العائدين إلى بيوتهم ظنوه شمسا. فلم يسبق، أبدا، أن صعد السماء قمر بهذا الحجم وهذا اللون.

توقف الحدّارة كي يتأكدوا من صحة اتجاهاتهم وسلامة عقولهم. فقد خيل إليهم أن الشمس غرقت قبل لحظات في الأفق الغربي، وها هي تصعد من جديد أمامهم في الأفق المضاد، ويسمع صوت واضح لصعودها الثابت البطيء.

مضت لحظات قبل أن يتأكد لهم أن القمر هو الذي دوّر نفسه وصعد ملتهبا مثل الشمس. وكان أمرا مريرا قبول ذلك. كان فوق ما يحتملون. فهو يعني أن القمر تخلى عن دوراته المنتظمة وأنه، منذ الآن، سوف يستدير بدرا متى شاء مدفوعا بيد عابثه تديره شمالا ويمينا، دون هدى ولا نظام.
كان القمر، إذن، هو الذي صعد في الأفق الشرقي واتخذ هذه الهيئة الخطرة. فَهِم الكل ذلك. فهموا مغزاه المخيف فتحرك الدم سريعا في عروقهم واتسعت خطاهم، وسرت رجفات عند منابت الشعر في أبدانهم. أما حميرهم فقد أحست بالخطر قبلهم، إذ سمعت الهدير الغامض للبدر الشرقي، فنصبت آذانها حذرا باحثة عن مغزى الضجة الغامضة التي أطلقتها الكرة القمرية. وإذ استوعبت بجلدها الحساس وآذانها الكبيرة منبع الصوت ومغزاه. ارتعشت أفخاذها كما لو أن عصيا ستهوى عليها، ولم تعد راغبة في التوقف كي تشتم رائحة بول الإناث على التراب الناعم كاشفة عن أسنانها ولثثها الوردية في ضحكة جنسية فاجرة.

وفي الأفق ارتفع القمر مسافة ذراع وخفت حمرته. صار بدرا كاملا لا نقص فيه. وأخذ، مهيمنا على الأفق الشرقي كله، يساير القافلة ويصعد فوقها. وإذ اكتمل وفصل نفسه عن الهلام الشفقي، الذي أحاط به، فقد تضاعف ضجيجه، وصار مثل صوت حفارة تفتق بأسنانها أعماق الأرض. ومن الأعالي ذرّ بطحينة الأبيض على رؤوس الأشجار وذرى التلال. تساقط الطحين الخفيف كما تتساقط ندف الثلج وأعطى الجو لونا كالسديم.
ثم سُمع صوت عواء وحيد يشبه عواء ذئب مختلطا بشحيج حمار. كان كأنما هو عواء انطلق خاطئا ثم تحول إلى شحيج حمار مخنوق.
أدركت حمير الحدارة في أعماقها هذه الصدفة الغريبة التي ستجعلها دوما محاطة بالشكوك. لكن ذلك لم يكن يعني لها شيئا. فقد وصلت إلى الدرك الأسفل في يأسها. لم تعد تكترث بشيء. لم تعد تخاف من شيء. لم تعد تنتمي لشيء.
تبع الصوت الوحيد المخنوق عواء جوقة كاملة. انفجر العواء في الهواء الذي ارمدّ بفعل الليل الذي أخذ يتساقط من مكان ما في السماء.
تلفت الرعاة والحدّارة وراءهم فرأوا في الظلمة الطرية أشباحا تهبط عند الأفق. كانت تتدفق هي والعتمة التي تزداد وتتكثف. ولم يكن من شك لديهم في أنها أشباح الكائنات التي رأوها في الكوابيس إياها. لقد رأوها في نومهم القلق. كانت هي بكل تأكيد، بالمثلث الصغير على جباهها، وبالحلقة التي تدور حول بطونها وظهورها، وبالخط الذي يربط، مارا عبر الظهر، بينهما.
لم يكونوا قادرين على رؤية المثلث والدائرة في الظلمة الطرية بعد. لكنهم رأوا لمعانا يتدفق مع تدفقها. حزروا أن اللمعان يأتي من المثلثات والدوائر.
استعادوا الكائنات من أحلامهم، وتذكروها كما لو كانت أمامهم. كان المثلث الأبيض والحلقة الرمادية يظهران في عيونهم أولا ثم يتجسد الهيكل المشعر الأسود للكائنات التي انحدرت في الحلم أولا، ثم عادت لتنحدر مهرولة من التلال. وكان ضجيج القمر يسمع في آذانها، هي الأخرى، كطنين طرد نحل هائل ويدفعها للجنون.
هبط الحدّارة والرعاة، وهرولت الكائنات وهي تعوي. كان العواء يخيط، مثل مسلّة طويلة، لحم ظهورهم. تدخل المسلة من أسفل الظهر وتخرج من أعلاه صانعة خطا متقطعا يكرمش اللحم ويشده.
رددت الوديان العواء.
وسال الصدى مثل نهر شتوي محمل بالحصى والقذى والطين وهدر بحمله. ولم يعد من شك في أن أحداثا خطرة ستقع وأن مهجا ستتقطع، وأن الطريق الأسود الذي طالما تدفقت منه الكوارث نحو القرية سوف تمر فيه من جديد، زوابع الأحداث الرهيبة القادمة. كذلك لم يعد لدى أي من الكائنات التي تدفقت نحو القرية: بشرا وبهائم، ثقة كاملة بنفسه. فضجيج البدر المتواصل عصب بشدة رؤوسها، فيما لعق العواء، المتقدم كلسان نار خفية، ظهورها، حافرا فراغا لا يردم تحت قلوبها. كان الفراغ يفتح ذكرى السقوط في الوهاد العميقة للكوابيس. والصراخ الذي لا صوت له لحظة السقوط يدوي في منطقة الحجاب الحاجز.
وصل البقّارة، واختلطت أبقارهم بحمير الحدّارة وبقطعان الأغنام فتشكلت غيمة من غبار حلقت في العتمة الطرية. طافت الغيمة فوق الرؤوس. طافت مثل طائر الرخ، وأعطت لونا عكرا لضوء البدر ولما تبقى من ضوء نهار غابت شمسه. أوجعت الغيمة العيون والحلوق، وزادت من وطأة الجو القاتم بأفكاره السود.

تقدم العجّال البقري بالأظلاف الصلبة والأنوف الزهرية الرطبة. فتح طريقه وسط الأغنام. اضطربت الأغنام وتبعثرت وحدتها، فرجعت أجراسها رنينا مختلطا ومخيفا في الممر الإجباري الذي تدفقت فيه القافلة. تمنى الرعاة لو أنهم لم يربطوا الأجراس النحاسية الصغيرة بأعناقها. تمنوا لو أن بيد قوية قطعتها ورمتها في قيعان الآبار. أو لو أنهم ربطوا لسانا من كتان لكل جرس كي يقرع صمتا لا لبس فيه. فقد كانت الأصوات من كل صوب تدخل أقماعها وتدور فيها ضاربة اللسان بالجدران, فتتضخم وتنفجر خارجة إلى الهواء. صارت الأجراس أفواها مدماة لكائنات تتلوى على التراب وتصرخ في صيوان الأذن بلا رحمة. ولم يكن من الممكن وضع الأصابع في الأذن، أو أقفال هذه الأفواه باليد. كذلك لم يكن ممكنا الجلوس على قارعة الطريق حتى تمر الزوبعة. فالعواء يتقدم والأجراس تعمل على نقله وترجمته معطية إياه معنى أكثر ضراوة وغموضا. كانت تصيّره جملا نحاسية مجلجلة، ثم ترفعه إلى البدر الذي يعيد دمجه في ضجيجه ويناوله، من جديد،  للأجراس.
وفي حركة المناولة المستمرة تضخمت الأصوات والمخاوف والرجفات.

حاولت الأغنام تنظيم صفوفها دون نجاح. زاد هذا الوضع من الاضطراب والفوضى والخوف. دخلت الكلاب بين الأغنام واضعة أذنابها بين أفخاذها، خافضة رؤوسها. فقد مزق صوت البدر شجاعتها، وأفقدها العواء المتدفق الثقة بأنيابها فتصرفت كالأغنام.
هوى الجميع نحو القرية.
كان الإحساس بالعري يلفهم. فتحت العتمة ومن خلالها كانت الريح، التي تحمل العواء، تعبر بين أقدامهم ومن تحت آباطهم وتضرب طبلات آذانهم.
هبط الجميع.
ورمى البدر بطحينة فوق الرؤوس. وجعّد صوت خفقاته المتتابعة المياه في أزيار الفخار، وهز خيوط العنكبوت في زوايا السقوف في بيوت القرية أمامهم.
هبط الجميع.
هبطوا: بشرا ودوابا في السرب الضيق النازل من الجبل. سيقت البهائم بالعصي والحجارة والصراخ حتى وصلت إلى “حزم الجنية”. وهناك، عند هذه الحزم الحجرية الواقفة قبالة السماء، أحس الرجال، في ما مضى، بنثيث الخوف واللذة يصعد من شقوق الصخر مشكلا نافورة تلمس باليد. كانوا يتوقفون هناك لكي تتشمس قطعان خيالاتهم وترعى. لكن الخوف الآن يطرد خيط اللذة ويزيحه. فها هنا صادفت الجنية بشيرا الأعور واغتصبته عنوة.
كانت غلمتها قد وصلت إلى ذروتها، فأوقفت حطبها الحجري على المنحدر وطرحت بشيرا أرضا. ألقت به على الصخرة المنبسطة العريضة وضاجعته وهي تتلفت في عينه المعتمة. وعلى الصخرة سال دم عذريتها الأزرق حافرا حفرة ما زال الدم الجاف يلونها. رأى الرعاة والحدارة المشهد. جمدتهم الدهشة، وأرعبهم البرق والدخان اللذان لفا البشري والجنية لحظة الوصال.
ضاجعت الجنية بشيرا. ومن الثقب المظلم لعينه دخلت إلى أعماقه وتجولت فيها. في هذه الأعماق رأت أشياء سحرتها، فقررت أن بشيرا لها، وأنها ستهبط به إلى الأعماق، وتجعله ملكا بعينه الوحيدة: ملكا على عرشها. ملكا على برها. ملكا على بحرها الذي لا يحد. وأنها ستلد له أولادا يقدح البرق من أعقابهم.
وكان هذا ما فعلته.
أمسكت بيده وتلفتت في عينه المضيئة وعينه المعتمة. تنقلت بينهما، ثم سحبته لينزل معها إلى الأعماق. تردد بشير. تمنّع. حاول أن يسحب يده. تمسكت بيده بقوة، وابتسمت له. بسمتها تدعوه ويدها تسحبه برفق وحزم. والخوف يطوف فوق رأسه ويصيح به: إياك! لا تذهب إلى المجهول. لا تذهب إلى الموت والخطيئة.
تردد بشير. نظرت هي في عينه المعتمة. كانت تدري أنها الثغرة التي ستعبر منها إلى أعماقه. تدري أنها بواسطتها ستحتل قلاعه جميعها. قال بشير لنفسه: عليّ أن أذهب، عليّ أن أذهب. لا شيء لي هنا. لا أمل لي. لا شيء سأتركه ورائي.
لكنه كان خائفا. فما أدراه أنه ليس الموت؟ ما أدراه أنه ليس الجحيم؟
كانت الحرب تدور بين يده ويدها. بين تردده وحسمها. بين خوفه وجرأتها. بين مجهولة وعلمها. بين حطبها الذي رمته من أجله وبين عينه المعتمة التي اكتشفتها الجنية. ثم أرخى بشير يده. سمح لها أن تطاوعها. قال في نفسه: سوف أهبط معها. ليكن ما يكن. سوف أهبط.
وهبطت به.
هبطت به إلى حيث لا يدري، إلى حيث لا عودة أكيدة.
كان الهبوط طويلا. ضياعا. خروجا من الزمان والمكان. سقوطا لا شبيه له. لكنها أوصلته إلى أرض لم يبلغها أحد قبله، ولم تسر قدماه. كانت أرضا بكرا تولد فيها البراكين بلا استئذان، وينمو السرخس الجبار، وتطلع الشموس من أربعة أركان. وهناك، في تلك الأرض، كانت الأشياء تتشكل وتختفي، تولد وتهلك، في لحظة واحدة، آخذة أشكالا لا تحد، وذاهبة إلى كل احتمال.

لم يكن بشير معتادا على هذا. أخذ يسبح في الدوامات. دوامة تأخذه وتلقي به إلى أخرى. وهو يدور ويهبط مع حركتها. ظن أنه في الجنة، وظن أنه في النار. ظن أنه مات، وظن أنه بعث. ظن أنه مسخ، وظن أنه صعد في سلم الكائنات إلى أعلاه. يصعد ويهبط مثل ريشه بلا وزن. وهي تبسم في وجهة، وتكلمه بلا صوت. كان الكلام من دون صوت. قبل ميلاد الأصوات، أو بعد أن شاخت وصارت بلا معنى. يقول في نفسه: لا ضرورة للأصوات. كل شيء واضح من دون صوت. الصوت مياه عكرة ترشق على وجه الإنسان لكي يضل ويعشى. ويتذكر كيف كان الصوت القذر يندلق على وجوه الناس قبل أن يهبط.
وهو يدور ويهبط. يدور ويسقط. ويحس بما أحس به وهو طفل صغير أمام بركة من ماء المطر في صباح من غيم وشمس. يقف أمام البركة وينظر في الماء الذي لا قرار له. يرى أن العالم المقلوب في البركة هو العالم الحقيقي. يسحره الماء. يسحره العالم المقلوب في الماء. يرغب ان يسقط فيه. لكنه يخشى أن يكون السقوط إلى الأبد. الزرقة مغرية والسقوط على فرشة من غيم، لكن الخوف من سقوط لا نهائي يدفعه إلى الوراء. وكان ينظر وينظر إلى أن توشك يد الماء الطرية ان تمسك به وتأخذه فيبتعد. لكنه هذه المرة لم يبتعد، بل رمى نفسه في الماء. رمى نفسه في الدوامة. إنه الأمر نفسه. إنها البركة ذاتها. إنه يعود إلى طفولته لا غير. إنه عند بركة ماء المطر أمام البيت وأمه تجلس هناك في البيت عند النار.
ها هو الآن يسقط السقوط ذاته. يكرر طفولته. طفولته تكرره. أو كأنه يصلحها ويكملها. يسقط ويسقط. يسقط في السماء المقلوبة في بركة الماء لكن بطريقة أخرى، ومكان آخر، وزمان أخر، ومياه أخرى. يسقط ويغوص عميقا وخفيفا بلا وزن. يسقط مثل ريشة. يسقط ولا يبصر شيئا كي تمسك به يده أو تعلق به ثيابه.
ويسأل نفسه: أهو النوم ؟ لا، ليس هذا هو النوم. أهو الكابوس؟ لا، ليس هذا هو الكابوس. فهو يسقط بنعومة وخدر. أهو الموت؟ لا، ليس هو الموت، ولا يمكن أن يكونه. فالموت فاحم رطب أسود. أما هنا فالغيم والزرقة والحناء. ويفكر: لو أن السقوط ينتهي. لو أنني أصل إلى قرار. لو أنني أمسك بشيء. لو أن قميصي يعلق بعود. لو أن يدا تقلب البركة كي أصعد وأصعد.
ولم يكن شيء من هذا. كان هناك السقوط فقط. وهو يسقط ويسقط ويسقط. الغيم يتبدد حين يصل إليه، فتتشكل غيوم أخرى في أعماق أبعد ليهوي إليها.
وكان شعرها يهب عليه كما تهب نسمات من جحيم الجنة.
تبسم في وجهه. وكل بسمة مرآه. وهو يتكرر في المرايا. تتكرر عينه الوحيدة فيضيع عن نفسه. أهو أنا؟ كان يقول. أهو أنا، أم ظلالي وقرائني؟ ويدخل في مرآة ويخرج من مرآة. يدخل في الغولة وتدخل فيه، كما يدخل الظل في الجسد وصورة المرآه في أصلها.
وكان هذا هو الجنون عينه.
الوجود واللاوجود.
الحضور والغياب، الضياع والعثور، الملك والفقدان، الحب والمقت، الحرية والعبودية مضمومتان معا في ضمة واحدة.

وقال بشير لنفسه: ليكن الموت. لتكن الجنة. ليكن أي شيء، فكل شيء يشبه كل شيء. وكان يجمع في كف واحدة الموت والحياة، الحب والكره، اللذة والألم، ويمضي بكل زوجين، ويغرق بعيدا بلا وزن.
كانت عينه العوراء قد حفرت عتمتها في قلبه ورئتيه حتى صارت عتمتها نفسه كلها متحولة إلى ثقب أسود. ثقب في وسع جسده وروحه. الثقب مثل رصاصه في الجسد مدخلها ضيق ومخرجها واسع فاغر عريض. في هذا الثقب غرق أمله وشبابه ومستقبله. وهال كل شيء كالتراب داخل هذا الثقب: الحياة والآمال والأفكار والعواطف. الماضي والحاضر والمستقبل وكل شيء، كل شيء. كل ما يفعله كان يهيل في هذا الثقب. كل ما يراه يغيض فيه ويختفي. وها هو يسقط. ها هو يهيل هو ذاته، ويخشى أن العالم الذي سقط فيه مجرد حلم وأنه فقط يغيض داخل ثقب عينه لا غير.

ليكن ما يكون. ليكن ما يكون. إنني أهبط. إنني أدور. إنني أهيل كالرمل الناعم. دعني أهل. دعني أتسرب. دعني أضع. دعني لا أصل إلى صخر ورمل وأرضين. هكذا قال بشير لنفسه. وهي ترمي بشعرها الحنائي الأحمر على وجهه وصدره، وتتأمل عينه المعتمة التي سحرتها، فقد كانت الباب المظلم الذي دخلت منه إلى خطيئتها وخطيئته. كانت باب الجحيم الذي عبرت منه الكوارث التي سوف يأتي موعدها.

وخمس سنين قضى بشير في الأعماق. في أرض السرخس الجبار والبراكين التي تنفجر دون استئذان. وهناك خبر كل شيء: احترق في أفران. تجمد في ثلوج. صعد وهبط. حارب وأسر. نام وصحا، وغاب عن كل شيء: غاب عن نفسه، غاب عن أمسه، غاب عن يأسه.
ثم حل وقت الصحو.
وبرغبة ظهرت حبة حبة حاول أن يصل إلى قاع. أن يمسك بأغصان ونتوءات. وبإرادته التي تركزت في عينه الوحيدة المبصرة بدأ الهلام الأزرق تحته يتجمد ويتحول إلى أرض وصخر ونبات. بدأت يده تمسك، وقميصه يعلق، وقدمه تضرب على حجر وطين وتراب.
لقد اكتملت التجربة، وصحا النائم، وانتهى الحلم، وراحت الغيبوبة.
وأخذ بشير يعود إلى نفسه التي تصلبت وقست. فقد أُحرقت في النار وغُمست في الماء حتى صارت كالفولاذ. كذلك أخذ الثقب داخل قلبه ورئته يندمل رويدا رويدا، وينغلق مثل جرح طال انفتاحه.
أوشكت قشرة الجرح على الجفاف. أوشك الثقب أن ينغلق. أوشك هيلان التراب أن ينتهي.
ثم نظر بشير إلى ولده الذي حبلت به الجنية. رأى أنه يشبهه وأنه امتداد لجسده وروحه. كانت عيناه تكرارا كاملا لعينه الوحيدة. فقال لنفسه: ها هي عيني التي ضاعت في البركة. عيني التي صارت حفرة. عيني التي صارت هاوية. إنني أستعيدها هنا في وجه ولدي. ولدي هو الخيط الذي سأرتق به هذا الثقب إلى الأبد.
وقرر أن يصعد بولده من الجحيم مهما كان الثمن.
وكان هذا ما فعله.
حمل ابنه معه وعبر النفق الطويل وصعد من جديد إلى السطح. وحين رأى الشمس التي يعرفها بكى من الشوق. بكى من قوة الصحو وطزاجته.

***

تذكر الرعاة والحدارة كل هذا وهم يجتازون “حزم الجنية”.
تذكروا الوهج الذي لف بشير الأعور حين عاد وكيف أعمى عيونهم. تذكروا وأدركوا، بلحم أجسادهم، أن الأحداث التي ستقع عما قريب هي امتداد للأحداث التي فتح بشير الباب لها. فقد شقت خطيئتة طريق الكارثة الأسود. وها هي المصائب تتدفق فيه تباعا، وتدفع القرية للجنون.
إنه الآن منبوذ في المحجر القديم، يتأمل الكون بعينه الوحيدة، وينحت مسوخة الحجرية. لكن الشياطين كلها خرجت من الثغرة التي فتحها.
لقد أقفل ثقب روحه وفتح ثقب جهنم الواسع المخيف.

تذكر الرعاة والحدارة كل ذلك. تذكروه بلحمهم ودمهم. وكان غضب مكتوم على بشير وعلى أنفسهم يملأ قلوبهم: على بشير لأنه فتح طريق الكارثة، وعلى أنفسهم لأن الوهج الذي لفه يوم عاد أعمى عيونهم، وزرع فكرة الخطيئة في قلوبهم.
تذكروا كل ذلك، ثم التفتوا خلفهم كي يحسبوا المسافة بينهم وبين الحظر الذي يعوى وراءهم. كانت الكائنات السود التي تشبه الضباع تهرول غاضبة خلفهم، تعلك الحصى والزلط وتقترب منهم. لذا حملوا على بهائمهم بالعصي والشتائم. فقد كان أمامهم مدى طويل قبل الوصول إلى القرية: عليهم أن يمروا أولا من العقبة الصخرية التي يهيمن عليها الحرذون الحجري فوق “مغارة النطّافة”. ثم عليهم أن يخوضوا في الطريق الأسود طريق بشير الأعور الكارثي، الذي يبدأ من فم المغارة ليصل إلى منتصف القرية.

وصلوا إلى العقبة الصخرية.
هناك كان الحرذون الحجري الناتئ الذي غطته الطحالب الرمادية ينظر بعين غاضبة إلى حيث غرقت الشمس. كان يلتف حول الصخرة رافعا رأسه ملتفتا نحو الغرب مذهولا لأن الشمس غرقت في البحر. الدهشة تملأ عينه الصغيرة، وفمه المشقوق شقا خفيفا يتكلم عن هذه الدهشة. لقد أغضبه غروب الشمس المفاجئ وأدهشه. لم يكن ضروريا لها ان تهبط وتغرق في البحر بهذه السرعة، وفي مثل هذا الوقت. كان يمكنها أن تظل وقتا قصيرا كي تمر القافلة، أو كي يكمل صلاته لإله الشمس الغاضب الجبار. لكنها رفضت أن تتوقف. كانت مستعجلة عجلة مريبة. هبطت مثل كفة ميزان ثقيلة لكي تعلي كفه البدر الطاحنة الرعناء. كان غاضبا لكنه لم يكن يعلن إلا الدهشة والشفقة.

ظن الحدّارة والرعاة أن بهائمهم لن تتوقف عند العقبة لأن العواء يهزم كالرعد خلفها. لكن الحمير التي أحست بما يحدث قبل الجميع وارتجفت أفخاذها رفضت برؤوسها العنيدة وبلادتها المغيظة أن تسير. أبطأت سيرها، أولا، ثم توقفت تماما. أحرنت وتحولت إلى قطع من الصخر. أثار هذا غضب الحدارة وزاد شكوكهم التي أخذت تتجمع منذ وقت طويل. تذكروا الشبه الغريب بين نهيقها وشحيج الكائنات التي تتدفق خلفهم. شكوا أنها متواطئة، فانهالوا عليها بالعصي لكي تتحرك. لكنها تصرفت وكأن الأمر لا يعنيها. أنزلت رؤوسها إلى الأرض، وقالت في دواخلها: فليذهب كل شيء إلى الجحيم. ليكن الألم قاتلا وفظيعا، لتتسلخ الجلود، لكن لا بد أن يسير كل شيء كالمعتاد. لا بد لكل شيء أن يجري مجراه المعتاد. وبدا كما لو أن أيديها وأرجلها قيدت بقيود من حديد. لم تعد قادرة على السير أو راغبة فيه. كان ترى أن هناك أمرا يجب أن يتم، يجب أن ينقضي حتى تكمل سيرها. لم يكن بإمكانها أن تتنازل عنه حتى لو تحطمت عظامها.
فهم الحدّارة الأمر. أدركوا أنها لن تتحرك إلا إذا انهدرت المياه وسمع صوت انهدارها. ذهبوا مسرعين إلى المغارة. دخلوها. مشوا على حجارتها الرطبة بطحالبها الزرقاء الزلقة، وجاءوا بالماء. صبوا الماء على عمود الحجارة الصغيرة تحت شجرة البلوط الضخمة فتحركت الحمير.
سمعت دفق الماء، ففك القيد عن أرجلها، وخبّت مسرعة نحو القرية.
لقد أصرت على ما تريد وحصلت عليه.
خسر الحدارة وقتا، وسبقتهم القافلة.
جمعوا كل قواهم كي يواكبوا الحركة المضطربة لقافلة الخوف. وخلّف الجميع وراءهم الحرذون الحجري، الذي كانت الحراذين الحقيقية تصلي فوقه. كانت تصلي صلاة خوف بلا أمل. تصلي نادّة برؤوسها، عارفة بالذي سيحدث في ما بعد. عارفة بالخيانة التي سترتكبها الوزغات، بنات عمها. “العار للوزغات… العار للوزغات”. هكذا رددت الحراذين الصغيرة في نفوسها، وتلفتت بعين الحزن والشفقة إلى القافلة المنحدرة. وتابعت صلاتها اليائسة كي تبرئ نفسها من الخيانة التي سترتكبها الوزغات.

وفي القرية كانت الوزغات بعيونها النافرة، وخصورها المضطربة, تربض في الأماكن الخفية. كانت هناك في زوايا السقوف. في منحنيات الأقواس. خلف علاقات الملابس في الدواليب. ووراء الألحفة. تتابع الحدث الذي يتصاعد ويتوتر، ممسكة بأصابعها الزهرية المخمسة بنتوءات الكلس عازمة على أن تكون حربها بلا رحمة. تنتظر صابرة وصامتة. بطء الوقت يقتلها. لكنها على يقين أن حربها ستستأنف عما قريب، وأنها ستخوضها من موقع المهيمن الكاشف.
وكانت تمني نفسها بأكباد ستأكلها غيظا وحقدا.

انحدرت القافلة في الطريق الأسود الذي يصل محترقا من فم المغارة إلى بيت أم عواد، أخت بشير الأعور، ومشت فيه. وكانت نفثات من الدخان الكبريتي تخرج بين الحين والحين، من على جانبيه. كان الدخان يصعد مشكلا غيمة فطر نتنة الرائحة، ما أن تتبدد حتى تتبعها أخرى في حركة لا تهدأ. كانت غيمات الفطر تنهيدات الأرض التي احترقت تحت أقدام الجنية.

قدر الرجال أن الضباع الغريبة بأوراكها الخلفية الضعيفة، وأيديها القوية كالأوتاد, سوف تحتاج إلى دقائق قليلة قبل أن تهبط وراءهم منحدرة من “حزم الجنية” باتجاه الطريق الأسود، يقودها هدير البدر الطاغي.
ضربوا بعر الأغنام بأقدامهم وفرقوه هنا وهناك كي يشتتوا حاسة الشم عندها. لكن الطريق، مع ذلك، ظلت مرصوفة بالبعر الرطب المفروط كالمسابح. وبعد دفع سريع وقوي وصلت طلائع الأغنام والأبقار إلى المقبرة الجديدة على طرف القرية. وحين وصلت إلى مركز القرية وبدأت بدخول حظائرها وسقائفها، وصلت حمير الحدارة إلى المقبرة. وعند وصول الضباع الغريبة إلى المقبرة أخذت الحمير بالدخول عبر الأبواب والبوابات ببراذعها وسحاحيرها غير عابئة بأي شيء.
رمت بالبراذع والسحاحير عن ظهورها، ودخلت إلى سقائفها، ووقفت تفكر بصمت.

***

واجتاحت الضباع القرية.

ثم بدأت الوزغات عزيفهن الخائن الشائن:
تك تك تكتكتك تك
تك تك تكتكتك تك
بدأ العزيف خفيفا ومضطربا، ثم أخذ يعلو وينتظم مشكلا فوق القرية سماء تحت السماء الأصلية البعيدة:
تك تك تكتكتك تك
تك تك تكتكتك تك
عزفت الوزغات وجرش البدر. قاد العزيف الضباع الغريبة إلى النقاط الأشد خطورة في القرية. تقدمت وراء العزيف الخائن خطوة خطوة، ثم تدفقت وراء الصوت الذي أخذها مثل نهر دافق أينما شاء.

وفي الأزقة والطرقات كانت الأحلاس والسحاحير وأكياس الضروع والشعر والصوف تملأ كل مكان. فقد دخلت البهائم إلى الزرائب بالفوضى المجنونة: تزاحمت وتساقط شعرها وصوفها على حديد الأبواب ومغاليقها. أغلق الناس البوابات وراءهم تاركين بعض البهائم المتخلفة كي تثغو وتخور وتكون طعاما للضباع.

وصلت الضباع إلى ساحة المسجد. توقفت للحظات. كانت تدرس الموقف وتحاول أن تستوعبه. ومن شقوق الأبواب في البيوت القريبة رآها الناس. كانت كما ظهرت في الكوابيس: المثلث الأبيض على الجبهة والحلقة الرمادية حول البطن والظهر. أما خط الظهر، الذي تفوق كثافة شعره كثافة شعر الجسد كله، فيربط بقوة بين الحلقة والمثلث. وما عدا هذا فقد كانت ضباعا عادية، تملك لونا أشد قتامة وعواء مبحوحا مستعارا لا يلائم شكلها.

دارت الضباع في ساحة المسجد، ثم انحدرت من هناك إلى الحارات الثلاث بأزقتها الضيقة على صياح الوزغات. مزقت في طريقها البهائم التي تخلفت، وأقامت وجباتها الدموية على أبواب البيوت.

وفي البيوت حل الصمت.
كان الصمت في الداخل، والصوت في الخارج.
الصمت منتهك بالصوت، خائف وراجف مثل ذبالات الأسرجة.

وفي البيوت أطفأ الناس أسرجتهم، أو خبأوها وراء الأقمشة، وجلسوا راجفين قرب بعضهم بعضا. أرتج كل واحد بابه، ووضع خلفه أثقالا، وصمت. ومن شقوق الأبواب تطلع بعضهم، أو وضع أذنه وتسمع.
وفي السماء جرش البدر، وذر جريشه الذي سقط على الأرض وذاب مكونا وحلا من ضوء وعتمة وتراب. سقط الضوء، كذلك، على المثلثات البيض على جبهات الكائنات الغريبة، فالتمعت وبدت منفصلة عن ظلمة أجسادها. كانت هناك تطفو كما لو أنها تطير وحدها فوق الأرض. أو كأنها أسرجة تمسكها يد لكي تقود الضباع إلى حيث تريد.
جرش البدر بلا توقف.
جرش بغيظ وتهور. وكان صوت جريشه يعلو ويخفت حسب اتجاه الريح. واندفعت الضباع في الأزقة. وحيث تمكنت من البهائم التي لم يحكم إقفال زرائبها أقامت ولائمها في ساحات البيوت. وحيث لم تتمكن من ذلك ضربت برؤوسها وأكتافها الأبواب، وقطعت بمخالبها وأنيابها خيطان البامية المجففة وأضاميم الثوم والبصل المعلقة، وبعثرتها في الأحواش. وفي كل مكان بالت وانتشرت رائحة بولها الكريهة، ودخلت من ثقوب الجدران وشقوق الأبواب.
أما الضباع الصغيرة التي لم تظهر المثلثات بوضوح على جبهاتها بعد، فقد تركت لتحفر بأظافرها تحت عتبات البيوت باحثة عن الطروح الدفينة. فكل طرح كان يدفن تحت عتبة. يدفن تحتها قرب الصّير لكي يعود، حين يجيء الأوان، إلى رحم أمه جنينا جديدا. وكلما فتح الباب أو أغلق، دار عمود الباب الخشبي في ثقب الصير. دار وصرّ كي تسمع الأجنة الدفينة صريرة بشوق. فهي هناك تتنصت إلى كل صوت وكل نأمة. تنتظر، بلحمها المنقوع في الرطوبة المعتمة، معذبة بانتظار مرور الأمهات بعد الحيض، كي تقفز من جديد إلى أرحامهن. إنها تدري أنها سقطت لأنها لم تمسك بجدار رحم الأم جيدا. فأيديها الصغيرة لم تكن قد تدربت جيدا فأفلتت في لحظة تعب وغفلة. لذا فهي تبحث عن فرصة أخرى. تنتظر هذه الفرصة بيأس، مصممة على أن تتمسك بجدار الرحم جيدا بأيديها التي لم تكتمل في المرة القادمة. إنها هناك تحت الصير تتسمع وقع الخطى وتحاول أن تفرق بينها: هذه خطى الصغار، خطى إخوتنا الذين أمسكوا جيدا فلم يسقطوا. هذه خطا الأب. هذه خطوة الأم، الأم الحبيبة، التي تركتنا نسقط. لكن الوقت ليس ملائما بعد لكي نقفز من جديد إلى رحمها. هكذا تفكر منتظرة بصبر أن يحين وقت ولادتها من جديد.
وكان البدر لها عذابا. فتحت ضوئه المخيف تُقفل الأبواب وتكف مفصلها عن الدوران، وتضيع الفرص، وتهجر الأمهات العتبات. وكان رهان كل طرح على عتبة.
سمعت الجراء المتوحشة صوت الأجنة وحنينها الخافت المؤلم. شمت لحمها المنقوع في الأرض الرطبة، فحفرت وحفرت تحت قنديل البدر الذي أعد لمثل هذا الوضع.
حفرت ، وشنت الضباع هجماتها. ووصل البدر إلى منتصف السماء. هيمن على كل شيء. صارت السماء فراغا صالحا للعبه ومرآة لتظهره وتعليه وتعلي جريشه. وكان ظله الذي لا يرى ينحدر في الجهة الأخرى للفلك، كي يذر طحينه الأسود المضاد في السماوات البعيدة التي لا ترى. لكن أشجار البلوط، التي غارت جذورها الطويلة مخترقة الأرض إلى الجهة الأخرى من الفلك، كانت تسمع صدى سقوط الطحين الأسود هناك. كانت تراه وتسمع صداه.

هيج ضوء البدر المباشر الضباع. صهر دمها في شرايينها، وأثار المجاعة في أمعائها. فتقدمت ثلة منها بقيادة ذيخ كبير إلى دار أبي على المقسومة بسلسلة من حجر لا تصل إلى السقف بينه وبين ابن عمه. وفي النصف الذي يملكه كان أبو علي بسرواله الأبيض النظيف ووجهه الطفلي يجرش عدسا لعشائه. كانت يده تمسك بذراع الرحى وتديرها، فيدور لوحها البركاني الأسود لتنشج نشيجا يطغى على هدير البدر في الخارج. لم يبصر أبو علي طحين البدر الذي تساقط بياضا قاتلا على الأرض. لم يسمع جرش رحاه. فقد كان مشغولا بجريشه ورحاه هو. كان يدوّر الرحى ويدور معها صاعدا في الأفلاك فلكا فلكا. ينسى عدسه ويركز على دوران الرحى. ينسى العالم ويركز عليه. فالرحى هي الكون كله. وهو يدير بيده هذا الكون الدائري الفسيح. يمسك بيد الرحى ويديرها فتنشج. تنشج مثل أنثى تحت الطلق. تنشج مثل ثاكل. يسمع أبو علي النشيج فيبكي. لم تكن الرحى هي التي تبكي بالنسبة له. الكون هو الذي يبكي. الله هو الذي يبكي، وهو يبكي معه. يبكي لأن الكون يتألم. لأن الحجر يتألم. يبكي لأن العالم يتألم تحت الطلق. يبكي لأن كل شيء يدور ويعود إلى النقطة الأولى كما تعود الرحى. يبكي لأن الألم والبكاء أساس الكون.
يدير الرحى بيده الأخرى. يديرها فتئن وتعول، ثم تتحول، رويدا رويدا، إلى دوامة مياه بيضاء. تأخذ الدوامة العين وتدور بها. تأخذ الدماغ وترتقي به في الأفلاك. وأبو علي يصعد معها من فلك إلى فلك نحو الفلك الأعلى صارخا بنشوة:
أُفرم تتن
سكّر عليهم القفل
وكانت مخارط تفرم ورق التبغ الندي البني، وأقفال تقفل بضربة واحدة، وتشد ولا تفتح.
لكن بابه هو كان مواربا. بينما كل باب في القرية أغلق وشد بالرتاج. دفعت الضباع الغريبة الباب فانفتح ودخلت بالمثلثات على جباهها.
رأى أبو علي الضباع، لكن يده ظلت تدير الرحى بالسرعة نفسها. إنه يرى الضباع ولا يراها. رأت عيناه لكن دماغه لم ير بعد، فقد كان هناك في الأفلاك العليا. كان بحاجة إلى وقت لكي يهبط. ومن فلك إلى فلك هبط دماغه كما يهبط نيزك قذفته السماء. وحين هبط رأى الدماغ عيون الضباع التي توهجت، فقال لأبي علي: إن الشيطان قد حضرك، وإن التجربة قد بدأت. صدّق أبو علي. نظر في عيون الشيطان الكثيرة، مصمما أن يصمد للتجربة. شد ساعده ودار بالرحى، محدقا بعينين لا ترفّان في عيون الشيطان الواقف أمامه. دارت الرحى في عين العدوين. دارت في عين الشيطان وفي عيني أبي علي. دارت دورات سريعة تحولت معها إلى ماء، ثم إلى هواء، ثم إلى ضوء، وكادت تطير. انتشى أبو علي وصاح:
أفرم تتن
سكر عليهم القفل.

كان يرغب في أن يحبس بالأقفال الشياطين كلها
لكن الضباع عصفت به وبيده ومزقته
وعلى الأرض تبدد دمه
على الأرض كانت مزق قميصه وسرواله.

دارت الرحى عدة دورات بسرعة، ثم أخذت تبطئ. كانت تريد أن تتابع. فالمدى ما يزال أمامها. وهي قادرة بعد على التحول إلى أثير يصعد فوق الأفلاك كلها. لكنها لم تجد يدا لتمسك بيدها فتوقفت عن الحركة. عادت حجرا بركانيا مخرما.
هدأت روح أبي علي
هدأت الرحى
هدأ الدم.
وكان ابن عم أبي علي وأهله في القسم الثاني من البيت هادئين خائفين فلم يفعلوا شيئا.
فيما صعّدت رحى البدر جريشها الملعون، وأصبح صوتها الذي لا يرحم الصوت الوحيد المهيمن تحت السماء.
خرجت الضباع من بيت أبي علي.
وفي ساحة البيت حدقت بها البومة ذات المنسر المعقوف والعينين الواسعتين. حدقت البومة. دارت برأسها قليلا إلى اليمين والشمال لكي تبصر كل شيء. كانت هناك على عمود طويل يخرج من السطح الطيني للدار المقابلة. حدقت البومة طويلا في الضباع الغريبة. حدقت كأنها تريد أن تقول شيئا. كأنها تريد أن تتقدم بسؤال. لكنها أحست أنه لا جدوى من ذلك. صمتت لحظات، ثم زعقت من دون إنذار. زعقت زعقة مفاجئة:

قُطقُط ماو
قٌطقُط ماو
قُطقُط ماو

زعقت ثلاث زعقات مدوية.
دهشت الضباع للزعقات وتوقفت. تطلعت بتوتر وحذر. انتظرت أن يتكرر الصوت. لكنه لم يتكرر، فقد صمتت البومة صمتا مضاعفا. نظرت إلى البومة ذات العينين المفتوحتين كي تتأكد أن الصوت المدوي قد خرج منها. لكن البومة لم تتحرك، وتدرّعت بصمتها الثقيل. ثم مشت الضباع خارجة، وهي على يقين أن صوتا مدويا كالصوت الذي سمعته لا يمكن ان يكون قد خرج من تلك الكتلة الصغيرة التي لا تتحرك على السطح الطيني.

خرجت الضباع، واحتفظت البومة بصمتها الذي لم يكسر إلا بالزعقات الثلاث. ولم يدر أحد بالذي قصدته من هذه الزعقات المدوية. لكن القلوب التي سمعتها داخل المنازل وجبت خائفة. فإيقاعها السريع والرجفة التي صاحبتها أنذرا بالخطر. فوق ذلك فقد كان اكتفاء البومة بثلاث زعقات مؤلما بشكل خاص لأنه مثل وضع أحجار ثلاثة تحت القدر. وحين توضع الأحجار سترتفع النار ويعلو الدخان. وهذا يعني أن الأمر قد اكتمل.
ظل الناس طيلة الليل يسمعون صدى الزعقات الثلاث:

قطقط ماو
قطقط ماو
قطقط ماو

وكان يحدوهم أمل ما أن لا تكتفي البومة هذه الليلة بالزعقات الثلاث الموجعة.

***

انتشرت رائحة دم أبي علي في سماء القرية، كي يتأكد للجميع أن أحداث الرعب التي بشر بها البدر بدأت. دخلت الرائحة من شقوق الأبواب والتصقت بالملابس والأغطية. وحين علقت بجلود الدواب احترق الشعر وصعدت منه قترة غريبة، زادت من غرابة رائحة دمه واختلاطها. وعج كل مكان في القرية بالضباع التي هيجتها رائحة الدم. سارت في الشوارع بحدباتها الكريهة وأفخاذها الخلفية الخرقاء. وكان عزيف الوزغات يدفع في عروقها شحنات من الغضب الأمر كلما بدا أن إرادتها قد ضعفت، أو أن عزمها قد وهن. كانت هناك على الحد الفاصل بين الجبر والقدر، تدفعها إرادتها مرة ويدفعها قدرها مرة أخرى. كما أن الوزغات، وهي الأشد حقدا وتوحشا، تدفعها بعزيفها الذي لا يرحم، والذي يصعد بالأمور من ذروة إلى ذروة.

دارت الضباع في كل مكان وعبثت بكل شيء، ومزقت أبدان الحيوانات التي تمكنت من الوصول إليها.
المكان الوحيد الذي لم تبلغه كان الخلوة.
هناك كان قبر “المشلّح” الأبيض الذي هو أكبر قبر في المقبرة القديمة، التي رفضت ان تستقبل المزيد من الجثث. فقد بصقت في الليل ما دفن فيها نهارا، كما يبصق طفل شبع طعام أمه. وقد أدى هذا إلى إنشاء المقبرة الجديدة التي رفض الموتى تدشينها فدشنتها خضرة، التي غزلت مع الموت ولم تنكث غزلها.

لم تتجرأ الضباع على الذهاب إلى الخلوة. فمنها كانت تتسرب في الجو رائحة الدم الأزرق لطفل الخطيئة، ابن بشير الأعور، وترفّ مثل صقر عملاق فوق المقبرة كلها. كانت الرائحة تنزّ كالمياه ثم تصعد في الجو مشكلة غيمة تحس ولا ترى، وتثقل على ما تحتها. وتحتها، تحت الرائحة، تنمو أزهار “البُصليّ” التي غطت أرض المقبرة، مضيفة طعما بنفسجيا محيرا لهذا الجو.
كانت كل زهرة من هذه الأزهار تحاول، بكل ما أوتيت من قوة، تقليد لون السماء المتغير بين ليل ونهار. ليس ذلك وحسب، بل إنها كانت تحاول أن تخربش، مثل طفل صغير، على أوراقها البنفسجية جروحا صغيرة تشبه كلمة “الله”. وكان هذا الجهد يستغرقها ويستهلك نسغها. لكن جذورها الممتدة كانت تجلب لها الغذاء من أجساد الموتى ومن دمائهم التي نصل لونها. كانت تمتص منها طاقتها. فقد كانت هي زهرتهم. زهرة الموتى. تعكس ليلهم البنفسجي تحت الأرض، ويطعمونها من ترابهم ولحمهم، ويحسون بلسانها البنفسجي يصعد فوق الأرض. وكان هذا يجعلهم أقل يأسا في ضجعتهم الأبدية تحت التراب. فهذا اللسان هو الدليل الوحيد على أنهم كانوا هنا يوما. الدليل على أن خطاهم طبعت يوما ما على هذه الأرض، وعلى أنهم يحنون إلى العودة لطبع هذه الخطى من جديد على التراب، ولو في زمن لا أحد يعلم متى يحل.

لم تجرؤ الضباع على الذهاب إلى هناك، حيث نما طفل الخطيئة ونمت بروقه، وحلقت في الجو رائحة دمه. ولم يكن بإمكان أحد أن يحتمل ثقل هذه الرائحة وأن يصمد تحتها سوى العري المقدس في الخلوة و”المشلّح”. فهناك يمكن تحويل الفضيحة إلى قداسة، العري الفاضح إلى ستر، الزنا إلى شرع، والحقد إلى احتمال.
أما الوزغات فقد كانت قرب “المشلّح” خرسا، عميا، وبلا حول. ولم يكن نشيدها المحرض مفهوما ولا مقبولا.

انتقل الهجوم إلى الحارة الوسطى.
شنت الضباع هجمات ضارية على كل بيت. هاجمت بيت حمدان الذي لم يحمه نحلة القرّاص من هجماتها. ثم انتقلت إلى بيت كاظم فكادت تطيح بزوجته المسترجلة، التي وقفت للحظات على الباب كي تنظر إلى البدر وتختبر شجاعتها. أما جفال وإخوته فقد بالت على زيتهم في البراميل الكبيرة، ودلقته على أرض الياخور، واستحمت به وخرجت تلمع في النور الأبيض. وكان الإخوة جفال مختبئين تحت القوس الذي توضع فيه الألحفة.

في هذا الوقت أفاق، في الحارة الجنوبية، إبراهيم المؤذن من نومه المخمور الذي بدأه بعد الظهر. حلقه جاف والصداع يضرب رأسه بمهدّات ثقيلة. لم يتمكن من إكمال نومه لأن فراشه دار به دوران رحى. لذا قرر بين الصحو والسكر أن يذهب إلى المسجد ويرفع الأذان. لم يكن يدري أي أذان سيرفع: أذان العشاء أم أذان الفجر. فالليل المقمر ضلله وأفقده الإحساس بالزمن. لكنه لم يأبه بذلك. فهو يريد أن يتغلب على صداعه، وأن يستمع إلى صوته يخرج من غلاصمه ويصعد إلى سقف حلقه، ليندفع من تحت لسانه إلى شفتيه، حيث يصبح أذانا وغناء. كانت الحركة الدافقة من الأسفل إلى الأعلى تسحره مثل نبع يخترق الأعماق ليتفجر من قمة جبل.
حمل عصاه ومشى.
فكر في ظلال الأشجار والبيوت. رآها أشد صلابة وكثافة من أصولها. فقد كان ضوء البدر يعطي كل ما يقع عليه طعما غير واقعي، ويوشك أن يلغيه لصالح ظله. خطر له أن الظلال يمكن أن تكون هي الأصل. وأنها بحركتها مع الضوء تهدف إلى تضليلنا وإعطائنا فكرة زائفة عن الأصل والظل. وإذ وصل إلى هذه الفكرة تريث في مشيته لكي يتأكد. فلو صحت فكرته لكان ثمة خدعة كبرى. خدعة يقوم عليها كائن جبار مازح سكير. فكر في هذا الاحتمال. بدا له أنه حقيقي. كيف لم ينتبه لذلك؟ لمَ لم يخبروه؟ أتراهم يتآمرون عليه؟ لقد كان مغفلا، إذن! جس يده كي يتأكد. ثم رفع ذراعه ووضع كفه تحتها لكي يرى إن كان بإمكانه أن يمسك بظلها. سقط الظل في يده مثل قار لزج كثيف فرماه على الأرض، لكنه لزق بيده. نفض يده بقوة ليتخلص منه. لم يعد يدري أين هو الظل وأين هو الأصل. لم يعد يعرف إن كان هو نفسه في الظل أم في الأصل.
قرر أن يضع نفسه في الظل، لأنه أشد كثافة وواقعية. قال: أنا إبراهيم المؤذن، أنا هنا، مشيرا إلى ظله. حول وجوده إلى ظل. أو حول ظله إل. مشى كظل وأخذ يرقب جسده الذي يتبعه. يقف ويمشي، فيقف جسده ويمشي. كان ذلك ممتعا. كان رائعا. لقد اكتشف الحقيقة. قدّد الخدعة كما يقدّد ورقة. زال عنه الخوف من فكرته. قال: الجسد والظل توأمان من رحم واحد. أضاف: إننا ننقسم إلى اثنين. الثاني أشد صلابة من الأول. وكان يقفز من جسده إلى ظله، ومن ظله إلى جسده متجها نحو الجامع كي يرفع أذانا لا لزوم له.
لم يكن منتبها لجريش رحى البدر. فقد ظن أن صداعه هو الذي يجرش في رأسه. لكنه أحس فجأة بضربات على صفحته وخاصرته. كانت الضربات قوية متتالية. غير أنه ظن أن الضربات أتت من داخل أمعائه. قال لنفسه: إنها قرقرات غاز الأمعاء. لكن الضربات تتالت بقوة فحاول أن يتأكد من ظنه. وضع يده على خاصرته فتأكد له أنه واهم. فالضربات تأتي من الخارج لا من الداخل، ودفعات الهواء تضرب ظهر يده لا بطنها. من أين تجيء هذه الضربات؟ ما الذي يضربه على خاصرته؟ توقف. بدا له أن كل شيء يحاول أن يربكه، أو أن شركا بشعب عديدة قد نصب له.
ثم تطلع إلى السماء. تطلع هكذا من دون قصد.
وفي لحظة واحدة أدرك أن الضربات تأتي من هناك. إذ رأى دفقات من هواء أبيض كثيف كالطحين تتساقط من هالة البدر. كانت تتساقط كالثلج. بدا له هذا مفاجئا. لكنه لم يفهم المغزى تماما، بل انشغل بفكرة كيف ظن أن الضربات تأتي من أمعائه في حين أنها تأتي من السماء. تساءل بذهول: أيمكن للمرء أن يخلط بين جسده والأجرام الأخرى حوله، ظانا أن حركتها هي حركته؟ أيمكن له يخطئ حتى في مثل هذا الأمر؟ كانت الفكرة مخيفة. فهي تهدد بأن يتمدد الجسد ويسيل ويفقد كتلته التي ظنها دائما كتلة واحدة صماء. أحس أنه قد يسيل كالماء على الأرض، أو أنه سيتحول إلى طحين. لكنه لم يتابع الفكرة. فقد عاد ليفكر في ضجيج البدر الذي أدخل الشكوك إلى قلبه.
اقترب من الجامع. رأى زوالات وسمع أصواتا. فكر أن صلاة العشاء أو الفجر قد بدأت، وأن أحدا قد سبقه إلى رفع الأذان. أغاظته الفكرة. صمم أن يجعله أذانا مزدوجا هذه الليلة، مهما كانت العواقب. مشى. من بعيد سمع طرطشة ماء في حوض الوضوء. أحس بالرغبة في غمر رأسه في الماء البارد المنعش. لكنه حين تقدم أكثر، رأى مثلثات بيض تتموج في العتمة الطرية، فتأكد له أن ما رآه لم يكن مصلين، وأن ما سمعه لم يكن صوت ماء الوضوء. وحين تأكد من ذلك زال السكر من رأسه وركض إلى المئذنة.
فوجئت الضباع بحركته المهتاجة، فركضت وراءه وتبعته على درجات المئذنة الداخلية. لكنه كان أسرع منها، فقد أعتاد أن يلف لولبها كل يوم. وحين وصل إلى باب البرج دخله وأقفله وراءه، وذهب إلى الدرابزين الحديدي البارد وأمسكه. وهناك أذن مضطربا ومصابا بالرعشة:
آ آ آ آ آ آ
ولم يزد عن هذه اللجلجة المذهولة، ناسيا الأصل والظل، غير دار إن كان هو الأصل أم في الظل، أم في غيرهما.

سمع الجميع الأذان الغريب. عرفوا صوت المؤذن. ودهشوا أن يرتفع الأذان في هذا الوقت لكن أحدا لم يخرج للصلاة في ليلة البدر الغريبة هذه. أما الضباع فقد أصابها صوت المؤذن بالهستيريا. كان وقوفه هناك في الأعالي بصوته المضطرب أمرا لا يمكن احتماله. صعد بعضها إلى سطح البيوت المجاورة ونظر إليه. لكنه كان بعيدا، فأدركت أنها لن تصل إليه. أصابتها الفكرة بالغضب فنزلت ورشقت جدران المسجد ببولها، وخرمشت بمخالبها قطع الفسيفساء التي دارت في شريط أزرق حول هذه الجدران، ومزقت حصر الصلاة والكتب القليلة في رفوف المكتبة الصغيرة على بابه.

***

مال البدر نحو الغرب، لكن ضجيجه كان ما يزال قويا.
وفي الطريق إلى الجامع برز واحد من البشر يمشي بتؤدة. وصل إلى ظل المسجد الطويل ومشى فيه. غطاه الظل وكاد يلغي وجوده، لكنه خرج منه إلى النور الطحيني للبدر فعاد كائنا ملموسا. وحين أحست به الضباع استنفرت كلها وهرّت هريرا غاضبا. أنزلت رؤوسها إلى الأرض مبرزه حدباتها، وشقت أشداقها كاشفة عن أنيابها، وهرت متطلعة بانحراف إلى البشري الذي صار قريبا منها. توقف البشري، وانطلقت بروق بيضاء برتقالية من عقبيه ردا على استنفار الضباع الغريبة. هرت الضباع لكن أحدا منها لم يتقدم نحوه أو يواجهه. كانت عيونها تفضح الغضب وحركتها المقيدة تكشف الكبت والرغم.

بعد دقيقة أو أكثر اجتاز الشاب الكائنات، التي كان هريرها الغاضب علامة على عجزها لا على قوتها. فقد اشتمت رائحة دمه المائل للزرقة، وسمعته يدفق عنيفا في شرايينه. كان دما آمرا غامضا يحمل إثم الزنا وغموض الحب ونار العناصر المتنافرة. فقد كان هذا ولد الجنية، وابن بشير الأعور، الذي صعد به أبوه من الأعماق، أعماق الجحيم، وجاء به إلى القرية جالبا وراءه الزلازل والبراكين, التي رمت مهلها ورمادها ودخانها على كل بيت.
جاء ، وتركه ليكبر كما تكبر الظلال عند مغيب الشمس. كما تنمو النباتات المتسلقة في عتمة الغابات. ففي بيت عمته، التي انطفأ بيتها إلى الأبد، عاش في ليل بلا سراج. وبعينيه الثنتين، اللتين تشبه كل واحده منهما عين أبيه القوية الحازمة، بحث عن الضوء. بأظافره أخذ من العتمة خبزته، فيما عمته، التي لم تضع فتيلة في سراج منذ الليلة التي لم يبق فيها من عوادها الصغير غير لحمة عضوه الذكري الصغير، تطوف كالشبح في البيت المظلم. كانت تراه ولا تراه. فهو بن أخيها وابن الجنية الذي حل محل عواد الصغير. ابن الحب والمقت، ابن النار والماء، ابن الحرب والسلم. ترى عينه فتبصر فيها عين أخيها التي فقدها صغيرا. لكنها تبصر فيها، في لحظة ثانية، عين الجنية القداحة الرهيبة. والصغير يضطرب في بحر الحب والكره الذي تسبح فيه عمته. ينشق دماغه الصغير بين الحب والكره كما تنشق خشبة جافة تحت ضربة بلطة حادة.

ثم قادته خطاه إلى الخلوة. قاده الليل والاضطراب إليها. هناك وجد الهدوء الذي يحتاجه دماغه الصغير. هناك التأم عقله واتحد. وهناك وجد أبا صلاح الذي دّمِر سرج الشيطان في كفه، والذي أحب الطفل وتدفأ على بروقه التي تشرخت من عقبيه.
وإذ رأى بشير أن ولده قد اطمأن إلى الخلوة فقد وافقه على ذلك، وصار يأتيه هناك. صارت الخلوة بيتهما، وشجرة السدر الكبيرة مراحهما. وكان هذا أمرا ملائما. كان لا مفر منه. فبعد أن أعتم بيت أخته أم عواد لم يعد أحد بقادر على احتمال روح الطفل الحرّاقة ودمه الأزرق الآمر غير العرى المقدس في الخلوة و”المشلح”. فهناك يمكن للزاني أن يتحول إلى قديس، ولطفل الخطيئة أن يصير ملاكا. هناك عاش الطفل وتجول في الليل وأطلق بروقه المرعبة.
وها هو قد كبر وكبرت بروقه. ومشى في هذا الليل في الحارات بعد أن أقلقه البدر بجرش رحاه. مشى وكان البرق يقدح من عقبيه.
ثم لمعت في الأفق الشمالي البروق، وامتدت لتعم الأفاق كلها.
كانت بروقا صيفية خطرة وملعونة. أدركت الضباع وأدرك الناس الذين رأوا شرخاتها من شقوق الأبواب، أن هذا البرق من طراز البرق الذي دار حول عقبي الشاب. ثم أعقب البرق نداء طويل مجروح:

يا شامر هالشمرا
في ظي ليله قمرا
سلّم على عمرا
وقول الشوق يا اختي قتلنا

كان الصوت صوت خالات الشاب. كن يتذكرن أختهن “عمرا” التي أحرق بشير الأعور دماغها بالزيت المغلي في ليلة قمراء مرعبة كهذه قبل سنوات طويلة. وقد ذكرهن الدم في عروق الشاب بها. حنّ الدم إلى الدم وتحرّق شوقا إليه، فصرخ الشاب صراخ متوحشين مغتلمين ردا على الدماء التي صرخت في الأفق البعيد، فزادت الدنيا قتامة، وطحنت رحى البدر الهواء طحينا وجريشا. وتفقد كل حي بابه ورتاجه. وشدت العصائب حول الرؤوس كي لا تفلت منها العقول.

***

بيت واحد فقط فُتح بابه وسُحب رتاجه. سُحب الرتاج وضَرَب الحديد بالحديد، وخرجت من هذا البيت العتيق، في مركز الحارة، التي هجرت أو كادت، بلقيس العانس. خرجت تحت البدر يسحبها دمها وشرخات البرق المشتعلة. كان جمال بلقيس قد زاد عن حده، فلم يستطع أي بيت في القرية أن يحويه. تهوى إليه العيون وتخافه في آن. فلم يكن أحد بقادر على وضعه بين جدران بيته الأربعة. كان جمالا قادرا على خلع كل باب. ولم يرغب أحد في أن يتخلّع بابه تحت ضربات الجمال العاري، المعتد بنفسه، الذي نبت صدفه في القرية وظل غريبا عنها.

ولدت بلقيس لأبيها في الخمسين من عمره. ولدت له في لحظه اليأس فعبدها كما يعبد إله. وحين نزلت من رحم أمها بعينين مفتوحتين على وسعهما، ورأى فتحتيهما، تأكد له أنه كان يعرفها منذ الأبد، وأنه سيعرفها إلى الأبد.
كان خائفا من الفكرة التي جرى وراءها طويلا، فكرة أن يكون أبا. لكن حين رأى هاتين العينين حل السلام في قلبه. فهم بضربة واحدة، تشبه ضربات الحدس، ما الذي يعنيه أن يكون المرء أبا لطفل من لحم ودم. فهم ما لا يمكن وصفه أو معرفته قبل أن يحدث. وفكر أن ميلاد طفلته هو ميلاد له هو، أيضا. فهو لم يكن كاملا قبل أن تنزل من رحم أمها. قال في نفسه: أيكون الأب والابن روحا واحده تسقط من رحمين مختلفين؟ أيكون الطفل روح أبيه الذي تسقط من رحم آخر؟!
وكان بلا روح قبل أن تولد طفلته. هذا ما أحس به حين رأى عينيها وفمها الذي رضع الهواء بحثا عن ثدي الأم. قال للأم: هيا، أرضعي طفلتي، فأرضعتها.
وشيئا فشيئا تحولت الأم إلى مرضع فقط. يوقظها في الليل والنهار كي ترضع طفلته. وكلما بكت بلقيس أو تحركت قال للأم: هيا، انهضي، أرضعي طفلتي، فتنهض وترضعها. لكن هذا لم يكن ليرضيه. فقد أراد لابنته أن تكون له وحده. أرادها كاملة لا يشاركه فيها أحد. راقب فمها الصغير على ثدي أمها الأبيض. رأى التجعيدات التي يتركها الفم على الهالة الخمرية للحلمة، فسرت رعشات الغيرة في صدره وقلبه. كان هذا فوق احتماله. كانت التجعيدات تظهر بعد أن يفلت الفم الحلمة. يراها ويتحسر. كانت مثل تجعيدات صفحة بحر زرقاء ضربتها نسمات خفيفة. وهو يرغب في السباحة في هذا البحر المجعد، ولا يجد لذلك سبيلا. يريد لفم ابنته أن يجعد سطح صدره كما تجعد الريح صفحة البحر. يتشهى فمها الرطب، ويرجف جلده عند منبت الثدي، الذي فقد دوره منذ ملايين السنين. يرجف الجلد ويرتعش، فيرتعش معه كالمحموم. وإذ لم يكن يدري كيف يصعد الحليب من الجسد إلى الثدي فقد تخيله دما أبيض يندفع من قلبه عبر الشرايين إلى موضع ثديه وحلمته الصغيرة المهملة لترضع منه طفلته.
كان الشوق قاتلا. كان كابوسا. وكانت الغيرة تضاعفه وتسوقه في طريق الجنون.

وبعد أسبوعين من ولادة بلقيس ومن الرجفات عند منبت الثدي، تحول الخيال الملتهب إلى حلم متواصل. صار يحلم في الليل أنه له ثديين كثديي زوجته، وأن ابنته ترضع منهما باسمةً. كان الحلم لذيذا. فهو يوحد بين الروح والجسد اللذين سقطا من رحمين مختلفين بفارق خمسين عاما. كان رائعا. لكنه يتحول إلى عذاب عند الصحو. تكرر الحلم كل ليلة. تدحرج الأب بين لذة النوم وعذاب الصحو، يوما وراء يوم. كان يمسك بثدي الحلم بين السبابة والوسطى ويلقمه طفلته. ويصحو من الحلم كي يجد يده فارغة وصدره مسطحا.
ألهب الحلم حياته كلها.
نام وصحا كالمحموم.
ثم أخذ الحلم يعمل نهارا، حيث يصحو من حلمه ليدخل فيه من باب ثان. ليلا ونهارا تمرغ في حلمه وتقلب فيه، كما يتقلب المرء في الكابوس.
في ما بعد تبين أن الحلم لم يكن حلما. كان غيبوبة تحول وتشنجات تشبه تشنجات أفعى ترمي جلدها القديم. فقد عمل جسده بالرغبة الهائلة التي بثها فيه على رمي بعض مظاهر الرجولة بهدف التحول إلى جسد أنثى، أو الوقوف على الحد الفاصل بين جسد الأنثى وجسد الرجل. كان العمل يتم ليلا ونهارا. والحلم صورة هذا التحول وتعبيره. لم يكن يدري بذلك. فقد كان العمل يحدث خارج سيطرة دماغه. يحدث داخل الخلايا والمورثات، داخل الأنوية ودهونها وبروتيناتها، بعيدا عن هيمنة الوعي. عملت الخلايا على تعديل مورثاتها. غيرت الغدد من وظائفها وأحجامها. وسرت الهرمونات الأنثوية في الجسد كله. ودارت هناك الحرب بين الرغبة والواقع. دارت داخل الخلايا والغدد والأنسجة والأمزجة والشرايين. دارت بين كيانين، بين تقليدين، بين جسدين. وشيئا فشيئا استُنهضت في جسده بقايا الأنثى الكامنة التي تركها الله في كل ذكر لمثل هذا الوقت. وبدا وكأن الجسد يتوازن ويعود إلى وحدته القديمة قبل ملايين السنيين. الوحدة التي انقسمت وانشقت دون أن يدري أحد كيف ولماذا وإلى متى.
أخذ ثديه يتضخم وشعره يخف تدريجيا. وبدا أن صوته هو الآخر يعتدل. راقب ذلك بشوق وخوف. قال في نفسه: لتتمجد إرادة الله، لتتمجد إرادته. إن الإنسان قادر، بالرغبة وحدها، على التحول من ذكر إلى أنثى، أو من أنثى إلى ذكر. إنه قادر على أن يكون الاثنين معا.
وخلال خمسة أشهر كبر ثدياه وأشبها ثدي امرأة!
ثم تلا ذلك دفق الحليب
بدأ الحليب بطيئا، ثم تحول إلى نهر أبيض.
أخذ يعصر ثديه بيده كي يرى خيط الحليب الأبيض يشخب ويبلل يده الأخرى. ثم يتذوق الحليب كي يرى أي شيء سيطعم طفلته.
وأخيرا ألقم الأب ثديه لطفلته. رضعت هي بفمها الصغير الحليب الذي لا يصدق من ثدي أبيها. نظر إليها وهي ترضع من ثديه في المرآة التي وضعها أمامه. كان يرغب أن يراها وهي تمتص الدم الأبيض من حلمتيه.
وما كان دما كما ظن. كان شيئا لا يوصف. يجمع خيوط اللذة من تحت عظمة الدماغ ومن أنوية الخلايا. من الصدر والظهر والخاصرتين، ويشدها بأناة وهدوء إلى الثدي والحلمتين. كان أروع مما ظن. كان مثل صعود الأفلاك وهبوط بساتين الجنة. وفكر: أية خسارة حلت بالذكر، وأية نعمة تعيش فيها الأم!

وفي هذا التناغم بين الأب وطفلته. بين ثديه وفمها. في هذا الخليط الخير من الذكورة والأنوثة، لم يكن لأم بلقيس من دور. كان وجودها زائدا عن الحاجة. وقد فهمت هي ذلك، فرحلت ذات صباح دون أن يحس بها أحد. فهو لم يكن بحاجة إليها لأن طفلته تكفيه. كما أن الطفلة التي رضعت من ثديه كانت مكتفية تماما. فهي ترقد في حضن أب وأم دفعة واحدة.

***

ظل الأب سعيدا وراضيا حتى بلغت بلقيس الخامسة من عمرها. وفجأة جاءته فكرة الموت. كان الموت غائبا بالنسبة له. كان أمرا لا وجود له. لم يكن يعرفه أو يحس به. كما لم يسبق لجسده والموت ان تحاورا أو انتبها إلى بعضهما. فقد كان الجسد قويا صلبا صاحيا. وكان هو مشغولا بطفلته، والموت فكرة هوائية لا معنى لها.
لكنه تذكر الآن الموت دفعة واحدة. تذكره بحدة وقوة وخوف.
كانت بلقيس نائمة قربه وكان عليه أن يخرج ساعة ويعود. خاف أن تصحو فلا تجده، أن تمد يدها فتجد الفراش فارغا. ثم حطت فكرة الموت.
حطت فجأة كما يحط يعسوب على عود من دون مناورة.
حط اليعسوب بأجنحة الغريبة الأربعة. حط الموت. تساءل والد بلقيس: ما الذي يحصل لو أن بلقيس وجدته يوما ميتا قربها؟ كانت ستهزه من دون أن يصحو. ستناديه دون أن يرد عليهما. ضربته الفكرة على دماغه. ضربته بشدة وعنف. خاف أن يكون جسده هو الذي استحضر الفكرة. فكر: هل أحس جسدي بالموت فبدأ يعد نفسه له، ويطلق أفكارا تتواءم معه كما تطلق معدة متعبة جشآئها؟ هل أحس الجسد أن عمله قد انتهى وأنه أكمل مهمته وأرضع الطفلة و آن أوان أن يتهدم؟
كانت الأسئلة مخيفة، والأجوبة أشد إخافة. نهض من فراشه، وقال لنفسه: لا، لن يكون هذا. لا، لن يكون هذا. سوف أعيش عشرين سنة أخرى من أجل بلقيس. سوف أعيشها.
وتمكن من أن يبر بوعده.
أعاد بناء حياته كلها. أوقف التدخين. أصيب بهوس النظافة. غلى الماء كي يقتل الجراثيم. طهر البيت وشطفه صباحا ومساء. تعلم الركض وركض مع طفلته. نام باكرا بلا عشاء وصحا باكرا. أكل العسل البري من نخاريب الصخور. فقد كان عليه أن يعيش عشرين سنة أخرى. وهو لن يقبل بأقل من ذلك. وقد حقق ما أراد. عاش عشرين سنة كاملة.
وحين جاءه الموت كانت بلقيس في الخامسة والعشرين. مات بهدوء. قال لها: أنا ذاهب يا ابنتي. ابقي أنت هنا.
ثم أغمض عينيه إلى الأبد.

***

وفي خامسة وعشرينها كانت بلقيس امرأة من طراز آخر. فقد رضعت من ثديي رجل. كان جمالها مشوبا بلون ذكوري خفيف: بحة في الصوت، ملامح قوية وسيقان ثابتة. كانت أنثى وذكر بنسبة طازجة. كانت الاثنين معا في جسد واحد لم يخلق إله مثله من قبل. وكان هذا فوق ما يطيقه أهل القرية. كان فوق عقولهم وتصوراتهم. لذا فإن من العار إدخالها إلى أي بيت. فجسدها القوي سيكون ليلة العرس حاضرا ومهيمنا. وفي وضع كهذا لن يكون اللقاء لقاء ذكر وأنثى، ولا لقاء سهم ودائرة، أو مكحلة ومرودها. لا، سيكون لقاء ملوثا، مربكا، وغير واضح. سيكون جسد بلقيس الصلب وصوتها المبحوح هناك. وتحت سطوتهما ستفقد الذكورة طغيانها وتعدل من وضعها. وفكر الكل أن هذا سيكون خصاء. لذا لم يتقدم أحد لخطبتها. لكن الشهوة المحرمة كانت تدور حول بيت بلقيس الوحيدة. كانت تدري بأنوثتها المكتملة، التي لم تُسبق، فتدور حولها مثل كلب لاهث. لكنها لم تكن قادرة على التحول إلى شهوة شرعية. فما من بيت يقدر ان يتحمل الوصفة الغريبة الطازجة لهذه الأنوثة.

وكانت بلقيس تجلس كل يوم في الليل على سريرها وتنتظر. تصلي مثل راهب. الساعة والمرآة أمامها. الساعة فوق المرآة. وهي تصلي وتتطلع إليهما، وتسمع دقات الزمن تتقدم كما يتقدم نوء بحري. تطلع الغيوم من الأفق المعتم، وتصعد في السماء رويدا رويدا، ثم تأتي الريح الرطبة منذرة بالرعود والبروق. كان الزمن يتقدم، وهي تنتظر. كان انتظارها قطعة عجين بين يديها. دوّرت العجين ودحته ثم أعادت بسطه، لتعيد الكرّة من جديد. كانت تعيد وتعيد إلى ما لا نهاية. خشيت أن يجف العجين وأن يتفتت بين يديها. صلّت وانتظرت. المرآة والساعة أمامها، والمرآة تحت الساعة.
وفجأة بعد انتظار طويل ضرب البرق الجدران. دخل من شقوق الباب وحط على الجدران وانفجر عليها كما تنفجر حبة ذرة صفراء في مقلى. ثم ضرب على خاصرتها وردد ضرباته. أوجعها البرق. كان شماليا وجنوبيا ومن كل الجهات. ضربها وسحبها من منزلها. وكان دمها، أيضا، يسحبها ويدفعها إلى الخارج في هذا الليل المقمر، فرأت أنها لابد أن تخرج. رأت أنه آن أوان للعجين أن يدحى وأن يخبز في النار.

سحبت بلقيس الرتاج وفتحت الباب، وخرجت وراء دمها. فدمها كان في الأوج من قوته. مشت نحو البرق كي تحترق به. كانت الضباع بحدباتها الكريهة هناك. تقدمت بلقيس فطوقتها الضباع كاشفة عن أنيابها. صرخت بلقيس، وضربت وجوه الضباع بشيء في يدها. ووسط الهرير والصراخ سُمع من بعيد صوت آمر قاس. كان صوتا قويا غاضبا. انتبهت الضباع للصوت الحازم فتوقفت للحظات، ثم عادت إلى هريرها. تقدم صاحب الصوت وقدحت البروق من عقبيه. فقد كان ابن الجنية، الذي أقلقه البرق الشمالي وجريش البدر. تقدم ببطء وثبات بين الضباع. دار على نفسه، وتقدم ، فاتحا ثغرة في الطوق حول بلقيس. هرت الضباع عليه بغضب واضح. كانت تريده أن يبتعد. “ابتعد”، قالت له بهريرها وعوائها. لكنه تقدم ورائحة دمه فوقه وتظلله كالغيمة. أثار هذا غضب الضباع. لكن قوة ردع حالت بينه وبينها. فقد كانت تعلم أنها لن تجرؤ عليه ولا على دمه المائل للزرقة. لذا تركته يمضي إلى بلقيس ويأخذ بيدها.
أخذها من يدها بقوة ومضى. وفي الطريق كان البرق يقدح من عقبيه ومن عقبيها. مضى بها إلى المقبرة القديمة. وفي الطريق تطلع الناس من شقوق الأبواب إليهما.
تطلعوا وتأكدوا ان الدم النجس العابث التقى بأخيه.

وصل الشاب ببلقيس إلى المقبرة. مرّا عن “المشلح” بقبره الأبيض الكبير، ثم دخلا الخلوة. وتحت قبتها البيضاء، بين العتمة والضوء، اعتنقا وتلوث الدم بالدم.
وزادت رحى البدر جنونا.

***

في هذا الوقت بالذات اندفعت ثلة غاضبة من الضباع نحو المحجر القديم جنوبي القرية. فقد أبصرت من بعيد التماثيل الحجرية منصوبة تحت ضوء البدر. وفي الطريق عوت عواءها الخاطئ المخنوق. كانت تريد أن تمزق هذه الكائنات الواقفة بلا خوف تحت ضوء القمر. وحين وصلت المحجر دارت مهتاجة حول التماثيل، ودفعتها بأكتافها فلم تقع. حاولت أن تعض أطرافها الحجرية الملساء فلم تفلح. كانت صلبة وعنيدة ولا تهتم. ولما تيقنت من روحها الحجرية بالت عليها وعادت إلى وسط القرية.

كانت هذه تماثيل بشير الأعور الذي اغتصبته الجنية عنوة وأخذته إلى الأعماق ليعود بعد خمس سنين، بعد أن ظن الناس أنه صار طعاما للجن والغيلان. عاد وقد فتح لونه ودلت ملامحه على القوة وانعدام الخوف. كان واثقا من نفسه فاقدا للدهشة، يرف حوله وهج غريب. فقد احترقت الدهشة في عقله وصار كل شيء ممكنا. لم يكلف نفسه عناء الحديث عن الجنية، ولا عن فراشها الناري، أو عن الأرض التي تشرق الشمس فيها من أربعة أركان. كان مشغولا بأمور أخرى. فالحرب– حربه مع العالم الذي هرب منه مع ولده- ستبدأ عما قريب. وهو يدرك أنها ستكون حربا مدمرة. لكن أهل القرية كانوا مشغولين بالوهج الذي لفه. وقد أنساهم الوهج عينه العوراء. لم يعد العور علامته الأولى. أو لعل عوره أخذ مغزى آخر. فمن دون عينه العوراء ما كانت الجنية لتختاره من بين الجميع وتأخذه إلى الأعماق، ليعود قويا ومضيئا إلى هذا الحد. أحسوا في تلك اللحظات أن عورة كان نعمة، وان النافذتين المضيئتين في وجه كل واحد منهم كانت خطأ. كانتا تكرارا لا ضرورة له. فعين واحدة تكفي شرط أن تكون حاسمة ومصممة. تكفي لكي يهبط الإنسان إلى الأعماق ويعود حرا جبارا.
هكذا صار بشير عندهم إلها أعور. اشتم الرجال على جسده بقايا الحريق الذي اشتعل في فراش الجنية. ورأت النساء شعرات من شعرها الحنائي على كتفيه. صار بشير رمزا للشهوة والجسارة والغموض. فهو قد مضى إلى الأعماق. رأى أضواءها وليلها الذي لا شبيه له. مشى يدا بيد مع النار المؤنثة، ونضج مثل ثمرة تين في آب. اكتشف السر والمجهول. وها هو يعود متوهجا كما لو أنه مذنب سقط على الأرض في ليلة مظلمة.
فكر كل رجل في القرية بهذا، وقال لنفسه إن حياته راحت سدى، لأن جنية لم تصدفه، وترمي به أرضا، وتغتصبه وتأخذه في مغامرة مجنونة.
لقد أطفأهم بشير بضربة واحدة. هكذا فكر الجميع.

***

الوحيد الذي لم يخدعه الإله الأعور ولا أعماه وهجه كان شفيق ذو اللحية المجمجمة البيضاء والوجه الهادئ الرصين، بعباءته وصندله وعينيه الجبارتين. “سوف يشعل النار في سقوفكم وفراشكم”. هكذا قال لهم، وهم يدورون من الفتنة حول بشير الأعور ويتأملون عينيه اللتين تعارضتا مثل كفتي ميزان بثقل واحد. هو وحده من كان يرى، مثل عرافة، المستقبل في كرة من زجاج. وكانت عين بشير الوحيدة الصلبة كرة زجاجية رأى فيها الحرائق والزلازل والبراكين.
لكن أحدا لم يستمع إليه. سُدت آذانهم بالطين والعجين. لذا رماهم شفيق بنظرته الغاضبة المقرعة ومضى مقررا أن يعتكف. أغلق باب عليته على نفسه واعتكف معاقبا.غير أنه كان يدري أن الساعة التي تفتح فيها الأذن لكلماته سوف تأتي. سوف تأتي ولو متأخرا. وحينها سوف تسمع هذه الكلمات حتى لو كانت حجارة. وقتها سيكون كلامه مختصرا. سيكون إشارة، نظرة. وسوف يكون هذا كافيا. اعتكف شفيق ولم يخرج من عليته إلا في لحظات قليلة. كان يخرج ليقول كلمة، أو ليرمي صمته من حدقتي عينيه كي يرن مثل دينار من ذهب، ثم يمضي إلى عليته مغلقا بابها عليه.
كان صمته مدروسا، وكلامه مدروسا. وهو يعلم أنه سيأتي الوقت الذي يحول فيه الصمت إلى كلمات قاتلة، إلى سكاكين وبلطات ودم.

دار الرجال من الفتنه حول الإله الأعور، لكن هذا سرعان ما انتهى. فمن كان إلها تحول في لحظة ما إلى شيطان. كما أن الوهج الذي لفه تحول إلى لهب مجرم قتال. ففد جلب بشير، بخطفه لطفل الجنية هاربا من الأعماق، الزلازل والبراكين إلى القرية. فتح حربا بين عالمين: بين النار والرماد، بين الطهر والنجاسة، بين الخطيئة والعقاب، بعد أن عاد بالخطيئة وثمرتها النجسة. يشهد على ذلك الحجارة المحترقة في الطريق الأسود الذي يصل بين القرية ومغارة النطافة، كما يشهد على ذلك نفثات الدخان الكبريتي على جانبي الطريق. ففي هذا الطريق تدفقت الكوارث تترى على القرية. فما أن تنتهي واحدة وتندمل جراحها، حتى تنحدر فيه واحدة أشد لؤما ودمارا.

فعند الليلة الخامسة لعودة بشير افتقدت الجنية طفلها وجاءت كي تستعيده . جاءت غاضبة مهتاجة. طافت حول البيت، بيت أم عواد، أخت بشير الأعور، التي عطفت على طفل أخيها، طفل الخطيئة، واحتضنته. ولم تكن بقادرة على أن تفعل غير ذلك. فقد كان رحمها في شوق دائم لأن يكرر أخاها ويصنع نماذج منه. وكان طفلها عواد الصغير، ذو السنوات الخمس، نسخة من خاله. لكن رحمها لم يكن راضيا. كان يريد نسخا أشد شبها. يرغب في أن يصنع نسخا بعين واحده كعين بشير، الذي اعتمت عينه الأخرى وهو صغير. كانت أخته تحبه كما تحب نفسها. فقد تجمعت في قلبها الشفقة العميقة على الوجه الذي اعتمت عينه مع الرغبة الأعمق لرحم الأخت في تكرار الأخ، فصرخت حين جاءت الجنية ببروقها ووقفت على الباب: أنا أختك يا بشير، لا تخف.
ولم يخف أخوها.

ضربت الجنية على الباب. مدت أصابعها من شقوقه. حاولت أن تدخل من حفرة صغيرة فتحتها بأظافرها تحت العتبة. لكنها لم تتمكن. بكت ونادت بلوعة على طفلها. لكن البكاء لم ينفعها. فقد كان بشير الأعور عنيدا مثلها. كانت عينه العوراء تدفعه للعناد. لقد أعتمت لكي تحبس العناد في جوفها وتستولي عليه. فهي لا ترى غير النصف الذي تريده من الأمور. ظلت الجنية حتى الفجر، ثم ذهبت.
لكنها عادت في اليوم الثاني والذي يليه. ظلت تعود حتى اليوم الرابع عشر. في ذلك اليوم لم تعد. ظن بشير أنها استسلمت، وأنه كسب الحرب دون قطرة دم واحدة. لكنه كان واهما. فقد عادت الغولة بعد تسعة أيام وكان القمر بدرا. وفي طريقها لقيت عوادا الصغير ذا السنوات الخمس فتخطفته كما يتخطف كاسر، ثم مشت هائجة إلى بيته، بيت أم عواد. ضربت على الباب غاضبه وصاحت:

هي يا أم عواد
خذي زبيرة عواد
سويها فتيلة

كانت تريد أن تنتقم وتجرح. تريد أن تضرب وتدمي.
لكن أم عواد لم تفتح الباب. رأت لحمة ذكر طفلها ففهمت أن عوادها الذي كان تكرارا ناقصا لخاله قد ذهب فداء له ولابنه. لم تفتح الباب. حفرت الجنية بأظافرها وضربت بقبضتها، وصرخت صراخ ثاكل مجروح. لكن بشيرا كان عنيدا مثلها. رأى أن الموت أهون من تسليم ولده. فهو الخيط الذي رتق به فتق قلبه ورئته. وهو لن يرسله إلى الجحيم، إلى أرض الجن والغيلان. غلى الزيت وانتظر. بقبق الزيت. دارت جزيئاته، والتهبت ذراته. وحين تمكنت الجنية من فتح ثغرة تحت العتبة، ومدت رأسها ويدها منادية:

هي يا أم عواد
خذي زبيرة عواد
سويها فتيلة

صب الزيت المغلي على رأسها وذراعها. ورأى بعينه الوحيدة الغاضبة كيف دخن رأسها وغلى. لم يكن آسفا على ذلك، رغم الليالي التي قضاها تحت وطأة جسدها. فذلك لم يكن حبا. كان عبودية. كان علاقة بين نار وتراب. كانت النار تعجن التراب وتقرّصه وتشويه في لهبها ثم ترمي به. لذا صب الزيت دون ندم. فقد كان ولده هو ما يخاف عليه، لأنه ثمرة احتراقه في أرض الجحيم. كما أن الحرب بلغت العظم ولم يكن من مجال للصلح والحلول.

صرخت الجنية. سحبت رأسها وذراعها، وركضت مشتعلة عبر الحارة. اتجهت إلى الماء الهابط من أعمدة الجير في “مغارة النطافة” كي تطفئ الحريق الذي شوى دماغها. ومن بيت أم عواد حتى باب المغارة احترقت الحجارة والصخور وتفحمت، صانعة طريقا بركانيا اسود. ومن هذا الطريق مرت، في ما بعد، الكوارث والزلازل إلى القرية.

وكان ذلك آخر عهد للقرية بالجنية الزانية، وآخر عهد لأم عواد بالفتائل وضوء الأسرجة.  فهي لم تضع فتيلة في سراج طوال حياتها بعد ذلك. لقد أعتم بيتها إلى الأبد.
أما بشير الذي رأى العتمة في بيت أخته والحزن الدامي في قلبها، فسقط في اليأس. لم يغفر لنفسه أن نجا بولده وقضى على ابن أخته. لذا ترك ابنه في الخلوة حين قادته قدماه إليها، ومضى هو إلى المحجر القديم.
ومن الحجارة المتروكة أخذ ينحت تماثيل لأطفال ملس عراة. كانوا جميعا في الخامسة من أعمارهم، جميلين ورائعين. كانت مقاييسهم دقيقة تماما. فقد ساعدته عينه الوحيدة على إعطائهم الأبعاد الثلاثة المضبوطة. لكن أعضاءهم الذكرية وحدها كانت مختلفة. فقد طالت حتى لمست الأرض عند أقدامهم.

وعلى أطراف المحجر المطفأ مثل عين بشير، نصب أطفاله الحجريين: خمسة.. عشرة.. عشرين. كانت يده تعمل بالمطرقة والأزميل والمبرد على خلق المزيد من الأطفال من دون توقف. فشهوة التكرار التي لا تهدأ انتقلت من رحم أخته إلى دماغه. صار دماغه مهووسا بالفكرة. كان يلد طفلا وراء طفل. كان يكتشفهم في الحجارة، فيزيح عنهم ما علق بهم من كلس وتراب عبر الزمن، ويكشفهم للأعين. بل كان يخرجهم من دماغه ويدفنهم في الحجر، يحولهم إلى تماثيل من حجر، لكي يحميهم ويحتفظ بهم أطفالا إلى أبد أبيد. يحميهم من الموت والبرق والدم والزمن. ولم يكن ذلك ممكنا إلا عبر تحويلهم إلى حجارة. وهناك تكاثروا. هناك بنى لهم قرية أخرى. هناك داروا مثل رموش عين واسعة للمحجر المهجور.

من عند هذه التماثيل التي صمدت للبرق والخوف والعواء، ارتدت الضباع بمثلثاتها ودوائرها البشعة نحو حارات القرية. مرت على الدور وهاجمتها. وكانت النباتات التي نمت في تراب الجدران الطينية تلقي ظلها الزيتي تحتها. كان الظل دبقا كثيفا يأكل حجارة الجدران كما يأكل فطر قوي جسد بشريا. وكان من المؤكد أنه سيبقى ملتصقا بالحائط حتى لو اقتلعت النباتات التي ولدته. فقد تشكل وأخذ استقلاله، وبات كائنا آخر يحتمي بالنبتة، ويتغذى على نسغها، ويهيمن عليها.

***

هبط البدر إلى الدرك الأسفل، وتبخر ضجيجه، وانسحبت الضباع رويدا رويدا.
حل ظلام مريح وخفيف، فتحركت البهائم في الزرائب، وسمعت غمغمات لأمهات وأطفال. وغفا الناس غفوة ما بعد الفجر.

وبعد مطلع الشمس كانت حركة الناس عادية حد أنه قد يظن أن شيئا لم يحدث في الليل. لم يذهب أحد كي يطمئن على جارة. لم يتحدث أحد عن جنون الليل. لم تتوقف النساء على الأبواب كي يتبادلن الأخبار. كأن ما حدث كان كابوسا انتهى مع طلوع الشمس، أو كأن كل واحد تيقن، بينه وبين نفسه، أن ما رآه ليلا كان تهيؤات نوم عقب عشاء ثقيل. لقد قرر الناس أن لهم حياتين: حياة الليل وحياة النهار. فما يخص الليل يترك لليل وحده، وما يخص النهار فالنهار أولى به. لقد فصل الليل عن النهار فصلا كاملا، فصلا يشبه فصلهما بيد الله أول مرة. هكذا بدا الأمر.

لكن الماء كان هاجس الليل الوحيد الذي تعقب الناس في النهار. فكل من خرج من بيته ألقى قبل خروجه، نظرة على جرارة وأزيارة الفخارية فرأى الماء يهبط كالخوف إلى الأعماق ويقترب من القيعان. أما صفحته التي كفت عن تجعيدها ضربات البدر فكانت ساكنة كالمرآة. رأى الناس فيها وجوههم وعيونهم المنتفخة. وغادروا وهم يخشون أن لا يجدوا في فخارهم ما يكفي من ماء لكي يبصروا وجوههم في الأيام القامة.

عدا ذلك لم يحصل أي شيء هام. كل ما هنالك أن عثمانا ابن عم أبي علي جمع مزق سروال ابن عمه المبتلة بالدم، وأغلق باب نصف البيت الذي يخصه. فيما طلع واحد إلى المئذنة وفك يدي إبراهيم المؤذن المتخشبتين عن حديد سياجها، وقاده إلى بيته. وكان هذا آخر عهد لإبراهيم بالسكر والصلاة معا، وآخر عهد للناس بصوته الذي اختفى.

ركب الجمّالة جمالهم التي مشت على مهلها متطلعة بحركة بطيئة شمالا ويمينا، قاضمة بين الحين والحين رؤوس الصبار الفضولية. كان كل جمل يمسك قطعة صبار شائكة في فمه، واضعا عينه الجشعة على قطعة أخرى. وفي الطريق فكر الجمالة بجمالهم التي تأكل الشوك وتتطلع إلى فوق. وعلى الحركة الذاهبة الراجعة لأرحالها غفوا إغفاءات قصيرة. حلموا بأصوات طبول وتهشم فخار، وانهدار مياه.
وصلوا إلى حلل القمح الكبيرة المكعبة، ونزلوا عن جمالهم. وضعوا أقدامهم، أولا، على أعناق الجمال، ثم قفزوا إلى الأرض. أمسكوا بأرسانها كي ينيخوها ويحملوها بالقمح.
رفضت الجمال في البدء أن تنزل. غرغرت ودارت بأعناقها شمالا ويمينا بقوة علامة على الاحتجاج. غير أنهم أصروا وشدوا الحبال صائحين: إخ خ خ خ خ. وعلى الصوت الآمر الذي لا أمل في مخالفته أو الفوز عليه، أسقط كل جملة ركبته سقطة قوية متعبة على الأرض. ثم أتبعها بسقوط أخف للثانية، باركا بخلفيتيه على الأرض، مزحزحا الأمامتين قدما، آخذا وضعا ثابتا مهيبا.
أكملت الجمال سقوطها المتعب على الأرض، ورفع الجمالة أغمار القمح إلى ظهورها وحزموها. كان لون القمح مثل لون جلودهم، ولون جلودهم تنويعا على لون التربة، ولون التربة، اشتقاقا من وبر الجمال. وكان كل ذلك دائرة كاملة كل ما فيها أغبر صلب وبلا عمق.

مضى الجمّالة بأحمالهم، فيما كان الحدّارة، الذين أصلحوا براذع حميرهم باكرا، قد وضعوا السحاحير فوقها ومضوا إلى أهدافهم وراءها. تبع الغنّامة أغنامهم في الدروب الضيقة نحو مراعيها.
كان الكل يسير خلف دوابه. فهي من يقودهم. يقودهم على الحد الفاصل بين الليل والنهار. بين العقل والجنون. فعقولها التي تعمل تحت شمس لا تنطفئ، قادرة على الاتصال بالحركة التي لا تهدأ تحت الأرض وفوقها: حركة الطبقات الأرضية المتمددة المتصادمة، الحركة البطيئة التي تجمع البراكين لمواعيدها، وحركة الأفلاك الهامسة الموشوشة البعيدة، الأمر الذي يمكنها من أن توصلهم إلى براري الأمان.
هذه الدواب كانت هي العنصر الوحيد الذي يحفظ وحدة الأرض المقسومة بين ليل ونهار، صمت وكلام، وموت وحياة. وكان لا بد للناس أن يُربطوا بها على الحدود التي لا ترحم لهذه الأشياء وإلا ضاعوا. إنها تسحبهم وراءها كما يسحب طفل أباه الضرير. لذا كانوا بحاجة إلى حلف لا ينفصم معها. كان حلفا حدسيا تفوقت فيه الدواب على أصحابها البشريين، دائما.

سرح السارحون، ونهضت الأمهات باكرا، وكنّسن ساحات البيوت، وجمعن البصل والثوم المبدد على الأرض. فتحت الدكاكين أبوابها كي تبيع السكر والشاي والحلاوة وملح الليمون، وكي تزداد الشرائط اللاصقة في سقوفها سوادا بفعل الذباب الميت. كذلك توجه الأطفال إلى فصولهم الصيفية، وأشاروا إلى فراء مبعثر هنا وهناك. وتساءلوا عن الرائحة القذرة التي تملأ الآفاق. قال بعضهم: إنها رائحة أغنام الرعاة التي تدلي الوذح النتن من أصوافها. فقد أخذت ترعى هناك شرقي البلدة بعد أن جاء بها رعاتها الجنوبيون، الذين أشبهت ألوان جلودهم لون صنادلهم، كي يحصلوا على عشب الصيف المحترق. لكن آخرين أشاروا إلى الخيمة التي بدأ ذياب الكردي بنصبها على البيادر الشرقية. قالوا: هناك، الرائحة من هناك. وكانوا يقصدون رائحة شواء النيص والغريري التي يتصاعد كل عام في مثل هذا الموسم من خيمة ذياب.
لكن خيمة ذياب بالكاد كانت قد نصبت، في حين أن مصائده لم تنصب بعد. ولم يكن الأطفال وحدهم هم الذين انتبهوا لخيمة ذياب التي رفعت أعمدتها. فعما قريب ستستقبل هذه الخيمة ضيوفها المعتادين القرمين إلى اللحم.

وفي الطرق الضيقة والدروب الوعرة مشى الحدّارة، وسيور الجلد تسلخ أفخاذ حميرهم. فيما دخل الغنّامة في ظلال الأشجار، وظلت أغنامهم تتبخر تحت الشمس. بينما مرّ الجمالة بجمالهم المحملة بالقمح رائحين راجعين.
مرّوا عن صفوف ذرة المكانس الطويلة، التي أمالت عرانيسها البنية كي تمشطها الريح. كانت هناك قد نهضت من وراء الأسيجة وعلت فوقها لكي تري الجميع شعرها الطويل. وبالقرب منها وقفت نبتات العصفر القميئات بزهراتها ذات البتلات البرتقالية المذهلة. كانت الزهرات مرفوعة على كأس تشبه البصلة تنتظر أن تمتد يد كي تقطف لونها الذي جمعته حبة حبة من ذرات المعدن والكلس والرطوبة. فاللون فكرتها الوحيدة التي قضت مئات الأجيال لاصطيادها. وهي فخورة بهذه الفكرة التي لا تملك غيرها كي تبرر وقوفها القميء إلى جانب ذرة المكانس الطويلة التي صعدت في الجو مزهوة بذاتها.
كذلك مدت أسيجة الصبار التي حفت بالطرق الذاهبة إلى القرية أعناقها كي تتأكد مما حدث الليلة الماضية. أدارت وجوه ألواحها البيضوية الخضراء في كل اتجاه. راقبت الحدارة والرعاة والسارحين. كانت تريد أن تفهم ما سمعته من عواء وصريخ، وما رأته من بروق في الليلة الفائتة. لكن أحد لم يقل شيئا. كانوا جميعا صامتين. فالصمت قانون النهار. وإن قيل فيه شيء فسيقال مواربا، مختصرا، رامزا. ففضيلته أن يبلع كل حي لسانه. غير أن الصبار، وهو الكائن الوحيد على الأرض الذي يأخذ حيزه في الفراغ دون تبذير، لا يحتمل هذا الصمت المؤلم. لذا دارت رؤؤسه في كل الاتجاهات كي تلقط الإشارات وتستطلع ما جرى، معرضة نفسها لأفواه الجمال التي تقضم بلا خوف ولا ورع. ولم تتمكن ان تفهم جيدا. فقد تدلى الصمت من أعناق الكائنات كالأرسان. لكنها مع ذلك شاهدت، بفضولها اليقظ، علامات الليل الفائت واضحة في عيون التيوس الطفلية المدهوشة. إذ كانت التيوس تتوقف بين الحين والحين لكي تتأكد أن الوضع هادئ وغير مريب، وتلمع أعينها من الخوف والحذر. كما شاهدتها في آذان الكلاب التي ظلت منتصبة على غير العادة.

وفوق ألواح الصبار الخضراء نهضت الأزهار الصفراء مثل كؤوس من ذهب على الكيزان التي لا تثير الشهية بعد. وكان كل كأس ما زال مبتلا بندى الليل بعد. سوف تذبل الأزهار عما قريب عما قريب، لكنها ستعطي لونها تعطي لونها الذهبي للكيزان عندما تنتفخ وتمتلئ بالعسل. وتحت سيقان الصبار المتداخلة المعتمة كي تحفظ الرطوبة، كانت الأيدي قد عبثت بعش الحمامة الرقطية، الحمامة البنية الصغيرة، فبكت على أغصان شجرة التين، التي تطل على المشهد، بكاء مؤلما لا تنفع فيه سلوى:

يا ماستي
حطيتها
ما لاقيتها
يا ماستي
حطيتها

كان بكاء لوعة وفقد وثكلان. وكانت زواحف ودبابات وأيد كثيرة راغبة دوما في خطف ماسة الحمامة الرقطية وتدمير عشها.

***

عند الظهر كانت نار ذياب قد نضجت، وصارت قادرة على تطويع الحديد، بهدوء ومن دون دخان. فالدخان لنار الفلاحين غير المدربة وغير المنتظمة. أما ناره هو فنار أخرى، نار مقدسة. تحول كل شيء إلى ذاتها قبل أن تعيد صياغته. تحول الحديد إلى نار برتقالية كاملة قبل أن يصبح قابلا لليّ والطرق والتعديل. كانت نار ذياب قربه جارية رومية تغني وترقص بخطى محسوبة. وكان كلبه الباسط ذراعيه وحماره يتأملان لهبها الغامض بعين لا ترمش. وكان الحمار بالذات يحاول أن يحلل هذا اللهب الذي تفوق في لحظات محددة على لهب الشمس ذاته. فهو يعلم أن النار هي مركز قوة ذياب وتفوقه. وقد أمضى سنوات طويلة وهو يحاول أن يفهم كيف تمكن ذياب من مداراتها والسيطرة عليها. أما ذياب فكان يرى بطرف عينه كيف يحدق الحمار في النار ويبتسم، قائلا لنفسه: سوف يفك اللغز يوما، سوف يفكه. كان واثقا من ذلك. كان ينتظر اللحظة التي تعلن عن ذلك.

استقبل ذياب أول ضيوفه تحت شجرة الزيتون الضخمة. كانوا ضيوفا من طراز آخر. فلم يأتوا كي يجلخوا سكاكينهم ويُمضوا محاريثهم التي ثلمتها أرض الربيع. فهذا كان خارج اهتمامهم. كانت النار حين يسقط فوقها الدهن ويطش هي مقصدهم. الشواء فوق النار التي ترجف وتتراقص هو ما يبتغون. هذا هو ما كان يدفعهم نحو خيمة ذياب. فاللحم لا يدخل بيوتهم إلا من العام إلى العام. وهم قرمون. وذياب يعنى لهم اللحم الطازج للنيص والغريري. وكان مجرد نصب خيمته يسيل اللعاب في أفواههم. ولم يكن أهل القرية يأكلون الغريري. فهو كلب نجس عندهم. في حين كان بعضهم يأكل النيص, رغم أن باطن كفه يشبه باطن قدم طفل صغير. لكن ضيفي ذياب كانا على استعداد لأكل بظري أميهما من الجوع للحم. بل إنهما على استعداد للتعارك مع الكلاب من أجل عظمة رطبة.

تحدث حمدان ويوسف الكركند مع ذياب ساعة أو أكثر عن الصيد والمصائد والنيص والعزيري. سألهما ذياب عن أهل القرية فأجابا كما يجيب غاضبون جائعون: عادي. الكل يأكل ويخرا. ثم غادرا بعد أن علما أين سينصب فخاخه.
وعند المساء مضى ذياب. بحث بعينه وأنفه عن أوكار النيصة وعثر عليها. وهناك وضع على كل وكر حجرا أملس مستديرا غير ثابت. وحين يعود النيص قبل الفجر شبعا وراغبا في النوم سيحتك جسده بالحجر الأملس كي يتدحرج مغلقا عليه الباب. وعند الفجر يعود ذياب مرة أخرى ليحرشه ويخرجه ويمسك به على باب الوكر. ويجب أن يمسك به هناك، لأنه إن جازه فسينفض شوكه الرمادي ليخترق العظام.

عاد ذياب من جولته في الجبال بعد أن تمكن الليل وطحنت رحى البدر طحينها الأبيض القتال. لكن أنفه وعينه كانا معه. كانت النار مخبأه في زناده أيضا. إذ يكفي أن يضرب الحجر الصواني بالزند المعدني لكي يندلع لسانها الأحمر لاهجا: لبيك لبيك. كان آمنا. فالنار حليفته التي لم يخنها أبدا. لم يطفئها لا بالبول ولا بالماء بعد أن صنع مخارزه وفؤوسه وسكاكينه. بل تركها تغفو وحدها. يقول لنفسه: من يسيطر على النار يسيطر على روحه وجسده. وكان يسيطر عليهما مالكا كل شيء: الكير والجمر والشرر والمخرز والملقط والعين واليد والقدم.
لم يكن ينقصه شيء حين عاد تحت رحى البدر الطاحنة.

وفي الأفق علا البدر المكسور كسرا لا يرى. علا ضجيجه خانقا كل الأصوات الأخرى. كان الضجيج محبوسا وراء الأفق ثم أفلت مرة واحدة ضاربا كل شيء في طريقه. كان مثل صوت كسارة حجار شغلت فجأة وسط الصمت.

لم تجد الضباع أحدا لتلاحقه في المنحدر ولا في الطريق الأسود. فقد عاد الجميع إلى منازلهم مبكرين. أدخلوا بهائمهم في زرائبها، ورجعوا إلى ساحة المسجد. توقفوا في جماعات تنعقد وتنفك بسرعة. كان الحديث مختصرا متوترا لا رابط له. تحدثوا. لم يذكروا الضباع ولا البدر. أصواتهم تعلو وتخفت. حديثهم كلمات لا جمل:
– الليل؟
– كيف؟
– ولكن في الليل؟
– الماء
– الماء
– الليل
– الجرار
– النجس
-الأعور
– الخلوة
– النجس
– الأعور

رمى بعضهم غطاء رأسه وداس عليه. أشار آخرون إلى علّية شفيق. كان هناك شويكر وابنه وثلاثة من عائلة أبي زريق القتلة والعسال وعليم والنمر، وخضر وغيرهم. تحدث الكل باضطراب وقاطعوا بعضهم، وانتقلوا من حلقة إلى حلقه.

تبددت الحلقات وانفض الناس دون الوصول إلى قرار. ثم عادوا إلى بيوتهم وأوصدوها وراءهم، وتركوا الشوارع للضباع التي هرولت من التلال متهارشة متعاوية. وحين وصلت القرية كان كل شيء هادئا وفارغا. فالناس كانوا محبوسين وراء الأبواب بأعين لا تغمض.
وحدها الوطاويط طارت في العتمة الخفيفة. طارت ودفعتها أجنحتها في كل اتجاه. طارت فوق الضباع تماما. فوق دوائرها ومثلثاتها. كادت تلطم في طيرانها وجوه الضباع والحيطان وفروع الأشجار. وكانت ذبذبات صرخاتها العميقة خارج سمع الإنسان. لكنها تضرب في أسماع الكلاب والقطط والأشباح، كما تضرب في أسماع الضباع التي حاولت في بعض اللحظات أن تطاردها فاكتشفت أن ذلك غير ممكن.
وكان الموتى، على وجه الخصوص، يسمعون أصواتها بوضوح. كانوا يسمعونها كما لو أنها تقحيط بمسمار على لوح من حديد فيتقلبون كأنهم تحت الكابوس، ويغلقون آذانهم بأصابعهم. كما أنهم أحسوا برفّات أجنحتها اللحمية قرب وجوههم كأنها هفّات مروحة شواء.

دارت الضباع في الحارات، وصعدت السطوح عاوية بغضب. ومن شقوق الأبواب اشتم الناس رائحة غريبة. كانت تلك رائحة الخروع النفاذة الداعية للقيء. وتساءلوا عن سر هذه الرائحة التي دخلت كل بيت. ولم يعلموا أن الضباع التي اعتراها عسر الهضم من وجبة الليلة الماضية أحست بالحاجة إلى ما يلين أمعاءها، فتعلقت بأشجار الخروع وهتكت أغصانها ذات الأوراق، التي تشبه يدا بشرية كبيرة مفتوحة، وسحبتها في الشوارع وأكلت بذورها الصغيرة كحبات البن.

دارت أمعاء الضباع بفعل الخروع، وملأ برازها المائع الحارات والأزقة. وزادها اضطراب أمعائها هياجا على هياج. فشنت هجمات مجنونة على البيوت. وفي الحارة الشمالية كادت أن تقطع بأنيابها يد بنت النمر التي مدتها من الفتحة الصغيرة كي ترمي بعطبة مشتعلة في الساحة لكي تعمي عيون الضباع عن أرانبها المحبوسة في القن.

وفجأة حدثت أشياء لا تصدق. فشجرات التين ذات الرائحة الثقيلة وراء الأسيجة وفي ساحات البيوت أثارتها حركة الضباع عند أشجار الخروع. كان ثمرها بعد دفورا. كان تينا ناقصا، استبق العجر كي يثير غيرته. فلم يكن بإمكان العجرات التي لا حلاوة فيها أن تتحول إلى تين عسلي دون دليل أمامها. وكان الدفور دليلا. كان بروفة أولى تنظر العجرات الخضر إليها في ضوء البدر المكسور. تنظر وتخزن في ذاكرتها. وكان ذلك يتم ببطء شديد، إلى أن حصل ما عجل حركتها. فشجرات التين التي رأت الضباع تتعلق ببنات عمها شجرات الخروع ظنت أنها هي المقصودة بالحركة. ظنت ان الثعالب هي التي أتت مبكرة هذا العام كي تتذوق ثمارها. ولم تكن قادرة على الصمود أمام ما تريده الثعالب بأذيالها الناعمة الطويلة وصرخاتها الحلوة المنغمة. كانت نقطة ضعفها هنا: الثعالب والأطفال. ولم يكن بإمكانها ان تخيب ظن الثعالب. دفعها ذلك إلى العجلة فلونت عجراتها الخضر بالسواد، ودفعت بحقنات السكر إلى داخلها، وأنضجتها على نار سريعة وقوية، تحت رحى البدر المتورد. ثم قدمتها قناديل سوداء لامعة في هذه الليلة البيضاء الغريبة. لكن الضباع، بمثلثاتها الغريبة، هي التي كانت هناك لا الثعالب التي تقف على ساقيها وتتذوق حلاوة التين العسلي. وحين تأكد لشجرات التين ذلك انطفأ حماسها دفعة واحدة. انكمشت ثمارها السود متحولة إلى نفل ميت لا نفع فيه، تساقط في وغطى الأرض تحت أغصانها الظليلة في الصباح.

أما الضباع التي بحثت تلك الليلة عن بذور الخروع لا عن ثمرات التين، فقد كسرت جرار الفخار على سطوح البيوت ومزقت البهائم التي تمكنت من فتح زرائبها.
كانت الحمير تسمع بآذانها الكبيرة وتحاول أن لا تتأثر. كان ترُمّ التبن داخل زرائبها. تدفن مشافرها في المذاود منصتة بآذانها وجلودها الرمادية، إلى كل نأمة. كانت تصلها أصوات وإشارات خطرة من كل مكان، ومن كل صوب. ومع هذا فقد أرادت أن تبدو كمن لا يعنيها الأمر. كانت راسخة رسوخا مريبا.
لكن العين المدققة كانت قادرة على رؤية الشعرات البيض المرتجفة على مشافرها السفلى التي علق بها التبن. هذه الرجفات الصغيرة كانت الدليل الوحيد على أنها تتأثر وتهتم. الدليل الوحيد على براءتها. والدليل على أنها لم تكن الطرف الرابع في مثلث الحقد: البدر والضباع والوزغات. كانت بريئة وصامته ومشكوكا فيها. وصمتها يوحي بأنه مليء بالأفكار الخطرة التي لا تفهم.
غير أن اليأس كان هو الذي يدفعها إلى هذا الصمت الملغوم. اليأس من وضعها في سلم الكائنات. اليأس من أصواتها البشعة التي يكرهها الله. اليأس من حوافرها الحجرية التي لا تنفع. اليأس من الشعرات البيض المرتجفة على مشافرها. اليأس من اللعطتين السوداوين عند ركبها. فقد كانتا ختم القدر الذي لا يرحم على كل ما دفعها لليأس.
لذا رمّت التبن في المذاود، ورمَت بكرات روثها وراءها، غير عابئة بالمكان الذي تقع فيه. كانت هذه كرات روث ويأس معا. لكن هذا اليأس القتال، بالذات، كان هو ما جعلها قادرة على التأمل بصمت بأعينها الذاهبة مواربة من الأعلى إلى الأسفل.
دفعت الحمير بمشافرها في مذاودها باحثة عن حبات الشعير التي تخلفت مع التبن في قاع المذاود. نفخت بمناخرها نفخات خفيفة لكي تبعد عنها التبن. وسمعت العواء المبحوح للضباع فرفعت رؤؤسها منصتة، ثم عادت لترمّ من مذاودها.

***

وصلت ثلة من الضباع إلى المقبرة الجديدة. وبأظافرها حفرت قبر خضرة، التي غزلت مع الموت ولم تنكث غزلها. حفرت الضباع وكشفت عن الجثة. وتحت التراب كانت خضره كما دفنت تماما: شفة مطبقة بيأس راض، ويد تغزل وتغزل فيدور الهواء الرطب المحبوس مع حركة الغزل وينضغط بقوة هائلة. وما إن فتحت ثغرة في القبر حتى أُفلت مخروط الهواء الدوار وتخطى القبر ودار في المقبرة.
دار المخروط عدة دورات في المقبرة. دار بين القبور. مر على كل قبر، جامعا في دوراته أوراق أشجار ونثرات صوف وقطن، إضافة إلى الكرات الهوائية لنبتة كسار الزبادي التي نمت وجفت عند السياج، وغادر المقبرة.
غادر وهو يصفر ويهدر.

خرج المخروط من بين القبور. وعند وصوله للأرض المطروقة بترابها الناعم تحول إلى زوبعة حقيقية. علت الزوبعة واشتدت. اشتد غضبها. مشت إلى القرية. مشت، وسفت في طريقها كل شيء. كانت تجمع كل شيء تعثر عليه في طريقها كأنما تجمع الأدلة التي تزيد من غضبها وتشرعه. عبرت حارتين وضربت على كل باب ونافذة. ضربت بحقد وغيظ. كانت كأنها تعين الضباع في ضرباتها. ثم نزلت إلى الحارة الشمالية. شمالا شمالا مضت الزوبعة، عاصفة بكل ما في طريقها، مسقطة ما تقدر عليه من فوق أسطح البيوت. ثم انحرفت إلى الغرب. كان البحر هدفها النهائي. كانت تريد ان تطفئ غضبها فيه. كانت تريد أن تحرثه وتمزقه وتفتقه، لكي تفلّ غضبها الذي لا مثيل له.

ابتعدت الزوبعة واختفت عن الأنظار، لكن فرقعاتها ظلت تسمع حتى وصلت إلى البحر وأغرقت نفسها فيه.
ومن الغرب، من المكان الذي انتحرت فيه الزوبعة ونفّست غيظها، ظهرت غيمه سوداء مضطربة، كانت تهتز في الأفق الغربي وتهزه.

***

كان قبر خضرة أول قبر في المقبرة الجديدة. فالموتى قبلها كانوا يدفنون في المقبرة القديمة. كانوا يوصون أن يدفنوا هناك. فهم لم يرغبوا ان تكون ضجعتهم في المقبرة الجديدة، وفي ظل وحشتها القاتلة. كانوا يفكرون في وحشتها وظلمتها فيرفضون الذهاب إليها. يطلبون من أحبتهم بيأس أن لا يدفنوهم هناك. يبكون ويحلفونهم أن لا يفعلوا ذلك. فهم يرغبون أن يظلوا قرب بيوت أهليهم وأحبتهم في المقبرة القديمة. فهناك يمكن لهم أن ينادوا هؤلاء الأحبة بصوت مخنوق:
بني
حبيبي
اسمعني يا حبيبي

هناك أيضا يمكنهم أن يسمعوا خفق الأقدام، الأقدام الحبيبة للأحياء وهي تروح وتجيء. بل يمكنهم أن يسمعوا حتى صرخات الولادة من أفواه المواليد. فالموت، كما فكروا فيه، لحظة من لحظات الحياة. صحيح أنها لحظة معتمة مخيفة ومختلفة، لكنها ليست قطيعه كاملة مع الحياة. إنها استمرار لها بشكل ما. هكذا كان الموت عندهم. إنه ليس موتا في الحقيقة. فهو يشبه أن يركن المرء في مخزن مظلم قديم بين العث والخردوات، أو أن يسكن في سقيفة صغيرة، وحده، وراء الدار لا أن يموت. وقد حاول الأحياء تحت الإلحاح أن يدفنوهم حيث يطلبون. لكن المقبرة القديمة رفضتهم. فقد بصقت في الليل الجثث التي دفنت فيها نهارا. فاضطر ذووهم إلى دفنهم في ساحات البيوت. وكان هذا ملائما للموتى، لا للأحياء. إذ صارت البيوت مسكنا للموت لا للحياة.
ثم كسرت خضرة القاعدة.
خضرة وحدها هي التي كسرتها.
طلبت أن تدفن في المقبرة الجديدة على أطراف القرية. وكان هذا أمرا لا سابق له. لكنها كانت تريد أن تذهب إلى هناك بعيدا عن الجميع. بعيدا عن أصواتهم وعن خفق أقدامهم. بعيدا عن صرخاتهم كلها. فالموت عندها قطيعة كاملة مع الحياة. نقيضها، لا ظلها. فكرت فيه كما يفكر ميت لا كما يفكر حي. وكان ذلك يشبه أن تذهب إلى جزيرة معتمة في بحر مظلم، لا أن تسكن في سقيفة وراء الدار. كانت تريد ان تذهب إلى هذا البحر المظلم. تريد أن تغرق في عتمته. أن تقر فيها إلى الأبد. لم ترد أن تسمع أحدا، ولا أن يمر على قبرها أحد. كانت تريد موتا كاملا مطلقا، وأن تكون هناك في العتمة الرطبة وحدها مع الموت. كانت تريد أن تعود ترابا أغبر بلا ذاكرة. لذا طلبت أن تدفن في المقبرة الجديدة.
طلبت أن تدشنها.
ودشنتها.
فقد خبرت الموت والوحدة ولم تعد تخافهما. كانت تريدهما.
كانت تحت العريشة قرب ببغائها الأخضر الصموت، تتلقى كل يوم رغيف الخبر وكوب الماء، بعد أن أكل السل رئتيها. في البدء فكرت في الموت يائسة مرعوبة. هوت إليه صارخة، كما يهوى المرء من مرتفعات الكوابيس. تهدم كل شيء أمامها. سقط الكون كله في حفرة عميقة وسقطت هي معه، وملأ الغبار أنفها وفمها وحلقها. فكرت خائفة في القبر الرطب. فكرت في الوحدة الموحشة. فكرت في طفلها الذي يبتعد عنها كما لو تحت دفعة سيل جبار. وكان هذا يحولها ويحول جسدها إلى دمعة ساخنة. لم تكن تبكي. صارت حقلا من بكاء. كان حزنها على طفلها يسحقها تحت عجلاته الحديدية. كان مدحلة تروح وتجيء وتسحقها وتسحق قلبها.
تطلبه فيؤتى به ليلعب أمامها، لكن بعيدا عنها. هو أمامها لكنه في بيت من زجاج لا تستطيع ان تفتحه. تنظر إليه باسمه وقلبها يدمى. وهو لا يفهم. ينظر خائفا ولا يفهم. وهي ترى السيل يدفعه غير قادرة على أن تمد له يدها ليمسك بها. وكان جسمها يزداد إرهاقا، وتنفسها ثقلا، والدم يدفق من أنفها وفمها.
ثم أغمي عليها.
دامت الإغارة وقتا. صحت بعدها. وحين صحت أحست ان كل شيء قد تغير. فالرعب من الموتى انتهى تماما. وكان هذا أمرا طيبا ومريحا. لكنها أدركت، بشكل ما، ان هذا علامة دخولها مملكة الموت. فالرعب هو الحد الفاصل بين الموت والحياة. وحين يتركه المرء وراءه يكون قد دخل مملكة الأموات. لقد دخلت مملكة الأموات، إذن. لم تعد من سكان الحياة.
وبدخولها هذه المملكة تغير حساب كل شيء: طفلها لم يعد طفلها. صار غريبا عنها. قالت لهم: خذوه، فأخذوه. صار الحب بالنسبة لها خرافة، والنسل خرافة، والحياة نفسها خرافة. صارت الآن تلعب مع الموت. هي وإياه يغزلان معا على مغزل واحد. هي تغزل، وهو يسحب لها الفتائل. تقطعت في البدء حركتهما واضطربت لكنهما تناغما في النهاية. عملا معا. غزلا ولم ينكثا. كان الغزل متينا. نظرت إليه بعين الرضا. ونظر إليها بعين الوعد. وقبل أن تغفو إغفاءتها الأخيرة قالت لهم: أطلقوا الببغاء، فأطلقوه. وأشارت بيدها أن ادفنوني هناك في المقبرة الجديدة، فدفنوها.

وها هي الضباع تقف في ليلة البدر المكسور عند قبر خضرة ناظرة إلى مخروط الهواء الذي أفلت من القبر وتحول إلى زوبعة عملاقة تقدمت نحو القرية.
أتعبت الحركة المغزلية للزوبعة عيون الضباع. ألقت عليها ما يشبه النعاس، فغادرت القبر متثاقلة ومضت باتجاه القرية. وحين وصلت إلى مركز القرية، كانت الغيمة التي أحدثها انطفاء الزوبعة الليلية في البحر قد وصلت إلى أطراف القرية، وبدأت تسقط قطرات من مطرها الساخن على الأشجار والبيوت.

***

مال البدر المكسور إلى المغيب، وتراجعت الضباع بائلة في طريق انسحابها على القبور وعلى أسيجة الصبار، ممزقة بأنيابها سيقان أشجار التين التي سال نسغها الحليبي على الأرض. تراجعت الضباع في الطريق الأسود، وكان الدخان الكبريتي فوقها.
في هذا الوقت كان حمدان ويوسف الكركند ينفذان خطتهما المتهورة. فهما يتبعان الليل المتقهقر محميين بنور الفجر المتقدم الرحيم. كانت الضباع المنسحبة تبعد عنهما بضع مئات من الأمتار. كانت تنسحب لكنها تتوقف وتنظر خلفها، ثم تستدير وتمضي. وإذ سارت الأمور على هذا النحو فقد تيقنا أنهما سيسبقان ذياب الكردي إلى مصائده، وأن رائحة الشواء سوف تتصاعد من بيتيهما عند الظهيرة. وكان هذا اليقين يدفعهما إلى الجرأة.

تقدم الاثنان تحت سماء الفجر المائية.
الصمت يحلق فوق كل شيء. دمهما يغلي شوقا إلى اللحم. وصلا إلى قمة التلة وانحدرت الضباع بعيدا نحو الوادي. ترددا لحظة وتوقفا كي يستطلعا. بدا لهما أن السماء قريبة، وأن الفجر رحيم وأكيد. وكان كل شيء هادئا. فالضباع اختفت والليل تزحزح بثقل دفعات الفجر. هبطا التلة على مهل وتلفتا يمنه ويسره عند كل خطوة. ولم يكن من صوت ولا رائحة، إلا رائحة البلوط في رطوبة الفجر. وعلى يمينهما في الدغل كانت أشجار البطم والعوسج والبلوط والشَبلوط والسرِّيس والزعرور والعليق. كانت العتمة تلف الدغل الصغير كله. وحين حاذياه خرجت الضباع التي أحكمت كمينها في عتمة الدغل. خرجت في ثلة غاضبة ومزقتهما تحت سماء الفجر الضبابية. ولم يكن لدى حمدان سوى فرصة لإطلاق صرخة واحدة طويلة:

يا بووووووووي

كانت صرخة طويلة فاجعة لم يتبعها غيرها.
هكذا نجح كمين الضباع المنتقمة. ففي الدغل كان الليل ما يزال ليلا بعد. كان قطعة من الليل يسري عليها قانونه الذي لا يرحم: قانون الظفر والناب والمخلب.
سمع أهل القرية في بيوتهم الصرخة الطويلة المرعوبة، وعرفوا أنها صرخة حمدان. لكنهم دهشوا أن يصرخ أحد في مثل هذا الوقت. فالبدر كان قد تحطم في الأفق، كما أنه عزيف الوزغات المحرض كان قد صمت.

وفي الوقت الذي انطلقت فيه صرخة حمدان في الفجر الجنيني كان ذياب الكردي قد أشعل ناره في الخلوة وبدأ شواءه. وحول النار كان كل من ابن الجنية وبلقيس وبشير الأعور. أضاءت نارهم الداعرة الملعونة المقبرة القديمة وألقت بظلالهم الطويلة المتموجة في كل مكان. كانت ظلالهم تتماوج حتى على مرآة السماء التي كان ضوء ما بعد الفجر قد جلاها.

***

نهض الجميع من فرشهم، وذهبوا إلى أعمالهم بعد أن نظروا بيأس إلى جرارهم وأزيارهم. كان الماء على وشك أن ينفد. مشوا مهمومين كأنهم يمضون إلى حتفهم. ضربت الأغنام بأظلافها الصلبة الأرض الترابية الملبدة، وثغت لأن ما شربته من ماء لم يكن كافيا.
مشى الجميع ومشت معهم السلاسل الحجرية. كانت أحجارها تأخذ أماكنها بانتظام. ولم يكن من حجر في غير محله. فاللون يتفق مع اللون والكتلة مع الفراغ. كان الكمال باديا: كمال الزمن، كمال الضوء، وكمال الرسوخ والاستقرار. وكان هذا نقطة صغيرة يمكن الاستناد إليها في مواجهة دوران الأشياء الأخرى.
وفي الطريق لإحضار خضارهم مضى الحدّارة بعد طلوع الشمس. وحين وصلوا إلى الدغل الذي مزقت فيه الضباع حمدان وزميله يوسف الكركند، أجفلت حميرهم. نزلوا عن ظهورها كي يتأكدوا من سبب جفلتها. ربطوها وذهبوا نحو الدغل. وهناك على طرفه، قرب شجيرات السريس، وجدوا بقايا الجثتين. لملموا البقايا بصمت، ودفنوا الدماء بالتراب الأحمر. حمّلوا حميرهم الأشلاء الممزقة من أجل أن يعودوا إلى القرية. وقبل أن يرحلوا، توقف واحدهم وأشار مدهوشا:
– انظروا!
– انظروا هناك!

نظروا كلهم معا، فرأوا نتوءا صخريا يلف الجبل المقابل على شكل حزام. لم يكونوا قد رأوا هذا من قبل، في الأرض التي يعرفونها كما يعرفون راحة أيديهم. نظروا، وصمتوا من الدهشة. كان الجبل أمامهم مزنّرا بزنار صخري طويل. وكان لون الزنار مختلفا عن لون الجبل. ولم يكن من شك لديهم في أن الصرخة الطويلة الدامية: يا بووووووي التي أطلقها حمدان كانت هي نفسها التي تحولت إلى حزام صخري حول الجبل. وفكروا أنها لو لم تلتصق هناك، لطارت مثل صفيحة حديدية جبارة وحطمت القرية وسوت سقوفها بالأرض.

حمد الحدّارة ربهم على أن الجبل تلقى الصرخة عنهم، مقتنعين أن ما سمعوه في الليل كان الصدى لا الصرخة الأصلية. وأطلقوا على الجبل أمامهم اسم جبل الصرخة. ثم عادوا بالجثث إلى القرية.

وهناك توقف الناس بصمت حول الجثث المدماة الممزقة. كانوا كثيرين. وكان شفيق يقف على بلكونته. كان يقف هناك قبل أن تصل الجثث المدماة، كأنما كان يحدس بالأمر. وقف صامتا ينظر نحو الجميع. ثم أخذ يهبط بطيئا بصندله الجلدي الذي كان يضرب على درجات الرخام. وحين وصل طاف بصمت حول السحاحير على ظهور الحمير، ورفع الأغطية عنها. رأى مزق اللحم المبتلة بالدم ولم يرتجف. ثم قال: عجلوا في دفنهم. ولم يضف كلمه أخرى. كانت هذه هي جملته الوحيدة التي يسمعها الناس منه منذ دهور. ثم عاد على مهل إلى عليته أمام الجامع. تابع الناس خطوته وهو يصعد الدرجات ببطء إلى أن دخل وأغلق باب عليته. كانت هذه هي المرة الوحيدة التي يراه فيها الناس منذ دهور. كان في عليته معتكفا, صامتا وغاضبا يعاقب أحدا ما على فعلته. وكان الجميع يفهم ذلك.
دفنت الجثث على عجل، وعاد الناس إلى أعمالهم.
عادوا كما لو أن ما حصل أمر صغير أو أنه قدر لا يمكن رده.
وصلت الشمس إلى كبد السماء. حلت الظهيرة، وتبدد رسوخ الصباح، فتموج الكون وعاد إلى لا واقعيتة. صار غامضا زلقا متهربا كأنما هو في لحظات خلقه الأولى. إذ تكفي لحظات من التحديق في حجر أو غصن كي يتبخر وتشك العين في وجوده.
وفي قطعة الأرض الصخرية التي يملكها أراد عثمان ابن عم أبي علي القتيل ان ينادي على ابنه كي يحضر له رشفة ماء. كان قد عطش وهو يصلح السلاسل الحجرية التي تمنع انجراف التربة. فتح فمه ونادى. نادى صوتين، ثم اتبعهما بثالث ورابع. وفجأة أحس أن هذا ربما ليس هو اسم ابنه. توقف كي يتأكد. ردد الاسم بينه وبين نفسه. كان الاسم غريبا وغير واقعي وغير مقبول. هذا الاسم ليس اسم ابنه بالتأكيد. ردده في نفسه من جديد مرات ولاكه. وكلما لاكه بدا أكثر غرابة. كان الاسم بلا معنى.
حاول ان يتذكر اسم ابنه الحقيقي فلم ينجح. ولم يعد يدري. كانت الأسماء كلها مثل بعضها غريبة وبلا معنى. شك ان لديه ولدا أصلا، فخاف من الفكرة. خاف. دارت الأرض به فجلس على الصخرة كي يستعيد نفسه. خشي ان تكون ذاكرته قد تشوشت. حاول ان يطمئن نفسه بالقول ان تكرار أمر يضيعه ويغربه. لكن الشك ظل يلاحقه. بدا له ان الأسماء عبث. وكان يظن، فيما مضى، ان الأسماء تشبه حبلا يقيد به بغلا أو حمارا كي لا يضيع. كان يلقي اسما على كل شيء يريد ان يثبته فيثبت ويقيد. يلقي الأسماء على كل معلم فيثبت ولا يفلت منه. هذه صخرة الشنارة، وتلك مغارة الحية، وهذه غرسة الغزالة. يطبق الاسم على معصم كل شيء وعلى ساقه ويثبته بقوة أمام العين والعقل. أما الآن فبدا له أن الأسماء لا تعلق ولا تشبك. وقال في نفسه: أيكون الاسم وهما؟ وأضاف: ليس ثمة علاقة بين الاسم والشيء. الاسم ضلال. وأن تسمى يعني أن تترك وتنسى. وأسرعت الأرض في دورانها، فهلل من على الصخرة: لا اله إلا الله، يوم يفر المرء من أخيه. يوم ينسى اسم ابنه وأبيه.

وكان أناس قليلون يمرون عنه: حمّارة ورعاة وسارحون. يحس هسفتهم حوله حين يطرحون السلام، فيجيبهم بيده وغمغمات فمه. كانوا مجرد هسفة لا غير. مرّ عنه شاكر وابنه بقطيع أغنامهما. كانا عائدين مبكرا إلى البيت مهمومين. أغنامهما تثغو عطشى أمامهما. أشارا بالسلام بيدهما ولم يتكلما. مضيا. مرّ جفال وإخوته والسكاكين في أيديهما. كانوا غاضبين. ضربوا الحجارة بأقدامهم ولعنوا. أحست حجارة السلاسل الحجرية بغضبهم، فانكمشت على ذاتها. بدت أصغر حجما وأقل رسوخا وكمالا مما بدت عليه قبل لحظات. كذلك ارتجفت أغصان غراس الزيتون التي تدلت على الأرض وانكمشت هي أيضا. لم تكن تعرف سبب الغضب، لكن السكاكين لمعت في خيالها فارتعشت وانكمشت.

مرت خديجة زوجة سلمان وعلى رأسها جونة من قش. قالت له: صح بدنك، فردد بيده وغمغم. ولكي لا يكون الكلام جفوة وعواء كعواء الذئاب، سألته: اليوم الخميس على علمك؟ فانتبه ووقف ورد: العلم عند الله انه الخميس. وانقطع الكلام مثل حبل قديم. ومضت خديجة. لم يكن حاسما ان يكون اليوم خميسا أو غيره. فالأيام تتشابه. وكان عثمان عطشا. والماء في الأعماق، أعماق الأرض. فهناك كانت المياه تتسرب. كانت تريد أن تنسى وأن تنقي نفسها وتستعيد طهارتها، بعد أن جرت في الطرقات والمنحدرات مخلوطة بالقذى والطين والأملاح. تدخل من شقوق الأرض وتنزل من طبقة إلى طبقة. وفي كل مرحلة تزداد نسيانا وطهارة، إلى أن تصل إلى بحيراتها المعتمة في الأعماق. وفي الأعماق تسكن وتكنّ بلا ذاكرة. تترهب وتسبح في طهارتها. وحين تحن، بعد زمن طويل، إلى الضوء الملوث والطين والغبار. سوف تفتق الصخور وتخرج بيضاء راعشة لكي تعيد دورة الرجس والطهارة التي لا تنتهي.
وكان كل شيء ينتظر هذه العودة.

***

بعد الظهر بساعتين بدأ الجميع يعودون من أشغالهم. أرسل الرجال دوابهم إلى منازلهم وعادوا إلى ساحة المسجد. وهناك أخذت التجمعات تنفرط وتنعقد تباعا. كان كل تجمع ينعقد حول واحد ما. وكان الأشد غضبا هو من يجمع حوله الرجال مبددا حلقات الآخرين. كانوا يخطبون بالإشارات والأيدي, والكلام أقل حضورا من الإشارات.
ترددت كلمه الماء كما لو كانت ثغاء ماعز: ماء. ماء. ماء. ماء.
قال واحد من إخوة جفال:
– نقتله. نقتله
ردد ابن شاكر وراءه:
– النجس.. النجس. نقتله.
وقال علاّم والزبد حول شفتيه:
– المحجر. في المحجر.
وأشار بيده باتجاه المحجر.
صاح جفال الذي دارت عينه في محجرها كما تدور عيون الوزغات:
– في المعصرة. في البد. نعصره في القفف.
وصاح أخوه:
– الخطيئة. سوف نمحوها.
أما الهدّاب الذي يشبه أنفه أنف طائر جارح، فصرخ:
– العين. العين الوقحة الآثمة.
كان هناك إضافة إلى جفال وأخويه وشاكر وابنه وعلام والهداب كل من كاظم، والنمر، وحمدان أخو الهداب، الذي ظن دوما أن طرود نحله ستحميه حتى من غضب الإله، وعساف وخضر وآخرون. كانت الحلقات تتشكل حول شاكر أو حول جفال. وكان النقاش يائسا، لكنه يتجه وجهة معلومة لا تخطئها الأذن. كان يتجه نحو المحجر الدوار والخشبة اللولبية في البد القديم.

وانفرط الناس. عادوا إلى بيوتهم حيث البهائم التي أضناها العطش فثغت ثغاء مرا. ثغت الأغنام وخارت الأبقار واضطربت. وقلّب الناس أفكارهم مضطربين.

***

حل الليل وانفجر البدر احمر مقضوما في الأفق الشرقي, وبدأ جريشه.
واحتلت الضباع القرية من جديد.
سارت في الشوارع بحدباتها الكريهة وأفخاذها الخلفية المخططة الخرقاء. كانت تدري أنهم يرجفون خلف الأبواب. وكان هذا يغيظها. لذا شنت هجمات صغيرة مفاجئة على البيوت التي أحست أن أحدا فيها يتلصص من الشقوق. كان الصمت في الداخل كاملا.
لكن الحيوانات المجترة وحدها، كانت تفعل شيئا ما. فقد رقدت كي تعيد مضغ ما أكلته بسرعة في النهار. كان المضيع يطلع في كرات صغيرة من المعدة إلى أنبوب العنق الطويل، ليصل بتريث إلى الأضراس التي تعيد طحنه وترجعه إلى المعدة من جديد. كانت الدواب تمضغ وتفكر وتعيد حسابها. مضغت وتوقفت كي تسمع. فقد كان صوت المضغ يشوش أسماعها. وهي تريد أن تعرف ما يحدث خارجا. كان مضغها هروبا من الخوف ومحاولة للتغلب عليه. كانت تمضغ وتصمت هنيهات ثم تعيد المضغ. لكن الحمير لم تعر كل ذلك انتباها. لذا رَمت بكرات روثها وراءها ورمّت من مذاودها بيأس.

وعلى أطراف القرية الشمالية تطلع سلمان زوج خديجة من شقوق الباب ليطمئن على حماره. فقد شك أنه لم يقفل باب سقيفته جيدا. ومن الشق رأى أن الباب مفتوح وأن الحمار نزع وتده وخرج. أخذه القلق على حماره الذي قاده، دائما، بيقين على المنحدرات الخطرة بين الليل والنهار. كان قد ربطه بوتد غرزه عميقا في الأرض. لكن الحمار سمع، في ما يبدو، أصوات أعماق الأرض المقرقرة تنتقل من طبقة إلى طبقة، مارة عبد حديد الوتد إلى الرسن، ومن الرسن إلى أضراسه إلى أذنيه فأثارته الحركة القلقة المضطربة فنزع الوتد وخرج من الباب الذي لم يكن مقفلا تماما.
قدر سلمان أنه لو أسرع وراءه لأمسك به في مكان قريب. شجعه على ذلك ان ضجة الضباع الغريبة أصبحت بعيدة عن بيته وعن الحارة كلها. سحب الرتاج، وفتح الباب وخرج حذرا. مضى نحو المنحدر الذي يوصل إلى الوادي أسفل بيته. كان يتوقع أن يجد حماره يقضم العشب الجاف هناك. قفز من حبلة إلى حبلة في المنحدر المتدرج. ومن بعيد رأى حماره في الحبلة الثالثة. لكن الليل جعله أصغر قليلا وأشد سوادا. تقدم نحوه من دون صوت. وحين وصل قربه صعد على حجر ثم قفز منه إلى ظهره.
لكن الحمار لم يكن حمارا
كان ذيخا ضخما مشعرا.
فوجئ الذيخ بمن يقفز على ظهره، فانطلقت الشياطين داخله. صاح صيحة ذعر وركض يقفز المدرجات لا يلوي على شيء. ومع القفزات الخائفة للضبع سقط سلمان عن ظهره بعد أن ابتل ببوله ذي الرائحة الخانقة.

كان الحمار ضبعا، إذن. هذا ما أدركه سلمان من صيحته ومن شعره الكثيف ورائحة بوله النفاذة. وحين أدرك ذلك تحامل على نفسه وحمل جسده المرضض ومضى نحو البيت.

كانت خديجة زوجته قد أفاقت على الصرخة وما تبعها من هياج عاصف للضباع، متأكدة أن زوجها المهووس بحماره غادر البيت بحثا عنه. إنها تكره هذا الحمار وتحدس أنه سيقود زوجها إلى الهلاك. وحين تحدق في عينه الطويلة وفي الشعرات البيض على مشفره الأسفل تنتابها الشكوك في أن يكون هذا الحمار حمارا. فهي تراه يتنصت ويملأ رأسه بأفكار خطرة، قاذفا كرات روثه في كل مكان فيزداد كرهها له.
ذهبت إلى الباب فوجدته دون رتاج. أرتجته بقوه. ثم اشتمت رائحة بول مقتربة. كانت خليطا من لبن حامض وقيء. فتأكدت أن زوجها قد هلك. تطلعت من شقوق الباب فرأته قادما.
وصل. ضرب على الباب بقبضته. سمعت هي ضرباته. لكن الوقت كان قد فات على فتح الأبواب. صاح زوجها: افتحي يا خديجة.. افتحي. لكنها لم تفتح. ضرب الباب بقدمه. لكنها لم تفتح. ضرب بقدمه وكتفه وقبضته معا وصرخ مثل ضبع: افتحي يا بنت الكلب يا خديجة. افتحي. وانهار على عتبة البيت باكيا ناشجا. لكن خديجة لم تفتح له. فقد أدركت بكل حواسها أن الرائحة قد استولت عليه وجعلته غريبا عنها. وضعت أصابعها في أذنيها وذهبت إلى الفراش. غطت نفسها باللحاف لكي لا تسمع. فلم يكن بالإمكان حصول مساومة هنا. لقد انتهى الأمر ولم يعد بالإمكان رفو ما انفتق من الأمر. لن تفتح الباب بعد. صار الوقت متأخرا. كان قلبها ينزف ويتساقط الحزن فيه مثل مطر أسود، لكنها لم تكن قادرة على فعل شيء آخر. سيظل الباب بينها وبين زوجها مغلقا إلى الأبد.
أما هو فبكى على الباب بصمت. وكانت هي تحت اللحاف تستعيد شريط حياتها معه. تزوجته ولم تكن تحبه. كان سمينا بنظر ضعيف. لكن العشرة الطويلة غيرت موقفها منه. تحول البغض إلى فضول. والفضول إلى إلفة، والإلفة إلى محبة. وها هو يذهب عنها إلى الأبد بحزامه الجلدي العريض.
حاولت أن تتذكر وجهه بأقصى ما يمكن من التفاصيل، لكنها فشلت. فقد كانت الشامة العريضة في عنقه تتضخم وتسيطر على دماغها. حاولت أن تمسك بالوجه لكن ذاكرتها هبطت، رغما عنها، إلى عنقه وإلى الشامة البارزة فيه. كانت الشامة البنية المحترقة تكبر وتأكل وجهه وجسده وكل شيء، وتحول الدنيا إلى ليل يضاعف الليل والعتمة تحت اللحاف.
ظل هو على الباب. وحين تعب من البكاء والنشيج، وتأكد أن الباب لن يفتح أبدا، نهض وغادر يائسا بلا هدف. لكن قدميه قادتاه أخيرا إلى المقبرة القديمة عند الخلوة عند النار التي تشتعل وتتراقص. وهناك رأى في العتمة حماره الحبيب يجمجم العشب الجاف ليس بعيدا عن فبر “المشلح”. وحين أحس به الحمار نهق نهقة فرح ورفع ذيله، وقفز قفرة صغيرة مرحبه. مسد سلمان بيده عنق الحمار. بدا له أن كل شيء محتمل ما دام حماره حيا. بل إنه فكر أن حماره كان يقوده إلى هنا. مشى إلى الخلوة. وقف ببابها ورمت النار المشتعلة ظله وراءه عندما وقف على بابها. سقط ظله على ظهر حماره فانتبه الحمار لحظة ثم واصل البحث عن العشب الجاف. وحول النار كان ابن الجنية وبشير الأعور وبلقيس وأبو صلاح، الذي هبط الليلة لكي يخرج الكلمات التي كادت تقتله.

***

كان أبو صلاح يجوس الجبال ويخوض حربه وحيدا فيها.
وحين يثقل الصمت عليه، حين يحن إلى الصوت البشري بين الحين والحين، يهبط لكي يقول ويسمع. لم يكن له بيت. كانت الخلوة بيته الأول قبل أن يصعد إلى الجبال لتصبح بيته. كانت له قبل ان يدخلها ابن الجنية. ولما حل بها ورآه، ورأى البرق يقدح من عقبيه والدم الجبار يدوّم خلف جلدته، أحس أنه يحبه. كان وحيدا مثله. فأبوه بشير أخذه الصمت وشغله أطفاله الحجريون. لذا أحبه وصار يأتيه بين الحين والحين. وحين يلتقي الثلاثة الأب وابنه وأبو صلاح تحت شجرة السدر الكبيرة يدور حوار بالأعين واللسان. الطفل يتأمل أباه، يتأمل عينه الوحيدة، ويود أن يصبح مثله بعين واحدة. يغمض إحدى عينيه وينظر. فهو يظن ان أباه منشغل عنه لأن له ثقبين مضيئين في وجهه. يراه الأب يفعل ذلك فيبسم. يقول لأبي صلاح: أنا حاولت أن أكرر عيني في وجهه وهو يحاول أن يفعل العكس، يحاول أن يلغي عينه لكي يشبهني. ثم ينظر الأب في عيني ابنه ويقتنع أنهما عيناه الاثنتان: التي ضاعت في البركة والتي بقيت مضيئة في وجهه. لكنه يهاب دم ابنه. يسمعه يدفق عنيفا في شرايينه مثل خرير نهر بعيد، فتنفتح ذكرى الهبوط في الأعماق والاحتراق في أرض الجحيم. دم ابنه يعيده إلى أيام التجربة والجنون. أما أبو صلاح فلم يكن يهاب الدم الأزرق، بل يهوى أن يستمع إلى خريره. لذا كان يأتي ليلا إلى الخلوة كي يتدفأ على بروق الفتى التي تقدح من عقبيه وكي يتحمم في نهره المخيف.
نما الطفل في حضنه. نمت معه بروقه، وصارت تشرخ السماء شمالا وجنوبا. كان يدري ان الطفل ثمرة عناد أبيه. كما يعلم أن عين الأب الوحيدة قد ركزت بصره ومنعت التشتت الملعون للعينين المزدوجتين. وكان يفكر ان الإنسان تكفيه عين واحده في جبينه لكي يتمكن من الثبات والتركيز والذهاب إلى الهدف. كان يمقت الانقسام الأبله للإنسان إلى قسمين: عينين، أذنين، منخرين، يدين، ساقين، قدمين .. إلخ. كان انشطارا بلا معنى، مربكا ومهلكا. يقول: أليس من الأفضل لو أن الله خلق الإنسان كتلة واحدة صماء لا تنكسر؟ وكان هذا غضبا على ضعفه وانقسامه المرير هو ذاته، فقد كان يرى بشيرا نقيضا لنفسه وروحه. لذا أحب ابنه، ابن الجنية، حبا لا يوصف، ورعى برقه ورآه وهو ينمو ويخصب ويتشرخ في الآفاق.

كان الحرف مهنة أبي صلاح. يحفر أساسات البيوت وحفر المراحيض. لكنه لم يحفر قبرا أبدا. فهو يحفر للأحياء لا للأموات. وبسبب ضعف بصره كانت يده تضرب مرة في الحجر ومرة في عظم ساقه. وقد أصابت الضربات غير الموفقة والحجارة المتساقطة عقلات عدد من أصابع يديه فقطعتها. كما أن عددا آخر من هذه العقلات تشنج وتوقف عن الحركة. فبنصر اليد اليمنى توقف عن الانثناء وابتعد عن إخوته مثل كبش ضال؟ أما اليد اليسرى فكانت مثل نجم بحر غريب. فهي التي تلقت الضربات من أختها اليمنى فقطعت منها العقلتان الأولى والثانية للسبابة. أما الإبهام فلم يبق منه سوى نتوء صغير يطل حذرا كراس سلحفاة من صدفتها الصلبة. وهكذا دُمر لديه سرج الشيطان تماما، أي تلك الزاوية الخطرة المنفرجة بين السبابة والإبهام. وكان لدمار السرج أثر شامل على شخصيته وحياته. فبدماره لم يعد قادرا على تدبير أية خطة انتقامية ضد أعدائه، أو الذين يؤذونه. فكلما آذاه احد ما ابتسم مرتبكا ومعتذرا كأنما هو المخطئ والمبادر بالأذى. كذلك لم يعد قادرا على تحويش النقود. فيداه المتشنجتان لم تمكناه من ذلك أبدا. لذا كان كل ما يكسبه من نقود يتطاير في الجو مثل تبن البيادر.

وفجأة أحسن أنه لم يعد يطيق ذلك، فصعد إلى الجبال. صعد لكي يخوض حربا لم تنتهي حتى اللحظة.
قال في نفسه: لا أريد بعد أن أكون خلدا حفارا، يحفر ويحفر بعينيه العمياوين. لا أريد أن أكون أبله ومربكا. ومضى إلى الجبال ليخوض حربا لم يخضها أحد من قبله. لبس جزمته وتقلد سلاحه ومضى إلى الحرب. وفي حربه الليلية، في الأرض الحرام، استعاد الثقة بنفسه وروحه. صار ضبعا من الضباع. وأخذ يهبط إلى الخلوة حين تلوح هدنة قصيرة، أو حين يتجمع الكلام في صدره ويوشك أن يتخثر. وكان هناك حين قادت سلمان خطاه إلى الخلوة لكي يتمالك ذاته. هناك جلس وتدفأ بنار ذياب وأكل من شوائه.

***

وفي دار عثمان، ابن عم أبي علي، وشريكه في البيت المقسوم بسلسلة من حجر لا تصل السقف، هزت صرخات سلمان ونشيجه وما تبع ذلك من هياج عاصف للضباع الأسرجة. ناست الأسرجة بقوة راسمة على الجدران ظلالا لكائنات خرافية لم تر من قبل. كانت الظلال تتمزق وتتلاقى، تترابط وتتقطع في رقصه شريرة لا ترحم. فقد كانت هناك في اليوم الأول وشهدت ما جرى في النصف الثاني من البيت وخبرت الرعب. كما أنها سمعت الصرخات المدوية للبومة على السطح الطيني التي دوت وضربت أجسادها الأثيرية:

قطقط ماو
قطقط ماو
قطقط ماو

وزاد الأمر سوءا أن الدجاجات النائمات على ساق واحدة فوق سلسلة الحجر صحت من نومها على الصرخات وقوقأت وتقافزت. ضاعفت الدجاجات برفيف أجنحتها نواس السراج، رافعة حد الجنون رقصه الظلال على الجدران. رقصت الظلال هائجة. رقصت من التوتر والقلق لما يجري. كانت تريد أن تعرف بالذي يحدث في الخارج تحت الضوء الطحيني للبدر. لذا مدت ألسنتها عبر الطاقة العالية وعبر شقوق الباب كي تستطلع الموقف. لكنها عادت بسرعة كما لو ضربت بعصا على رأسها، وتلوت فوق الجدران متهامسة مرتجفة.

ثم بدأت الوزغات عزيفهن الشائن الخائن:
تك.. تك.. تكتكتك.. تك
تك.. تك.. تكتكت.. تك
وكانت القرية كلها مكشوفة بفعل وشايتها الخائنة. فالأسرار جميعا تحت عيونها النافرة. صاحت الوزغات تك.. تك.. تك، وكانت وراء علاقات الملابس وفي الشقوق وعند الزوايا مطلة على المشهد كله.
أحست الظلال أن الضباع تتقدم على هدي عزيف الوزغات المحرض، وأن العزيف يأمرها ويقودها نحو بيت عثمان ابن عم أبي علي القتيل فجن جنونها. قفزت من مكان إلى مكان. لم تعد حركتها مرتبطة بحركة النور الواهن للسراج. أفلتت من سيطرة النور ولعبت وحدها. دخلت في الشقوق وخرجت منها. دخلت تحت الأغطية وأذعرت أهل البيت الخائفين. وبالفعل فقد كانت الضباع مقوده بعزيف الوزغات إلى بيت عثمان. كان العزيف يدفعها كما تدفع الرياح الغيم.

وصلت الضباع إلى البيت. صعدت إلى سطحه من السطوح المجاورة ورقصت وعوت. لقد أزمعت ان تقيم هنا وليمتها الدموية. لكن السطح الطيني المرقع بخليط الطين والتبن لم يحتمل كل هذا الحمل فارتجف تحتها. انفتح في السقف ثقب عريض هوت منه بضعة ضباع داخل البيت. سقطت الضباع على المصطبة فوق النائمين بعيونهم اليقظة. وفي العتمة والغبار والفوضى وانعدام الفهم، امتدت يد عثمان، دون إرادة منه، نحو الباب وفتحته. فانطلقت الضباع التي فاجأها سقوطها من السطح، هاربة إلى الخارج. خرجت الضباع مسرعة من الباب، وسبقتها الظلال، التي ما إن فتح الباب حتى اندفعت خارجه باحثة عن مأوى آخر.

وهكذا انقد القدر وحده دار عثمان، مفشلا المؤامرة المحكمة للوزغات. وحين صحا عثمان وأدرك ما حدث ورأى النجوم من ثقب السقف، تأكد له أنه مبارك وأن الله يرعاه.
ومن هذا الاستخلاص المتهور السريع، بدأ يعيد بناء ماضيه كله. تذكر حبات القمح السرطانية التي رماها عفوا بين الصخور فأنتجت كل حبة سبعين سنبلة في كل سنبلة خمسين حبة. كان قد أخذ قبضات قمح صغيرة في يده ورماها بين الصخور ثم نكشها بالفأس وزوجته تسخر منه. وعندما حان وقت الحصاد اكتشف أنه لا يستطيع وحده بكل قوته أن يقلع نبتة قمح واحدة بيديه. كان ذلك معجزة. وها هي المعجزات تتكرر من جديد. ربط كل ذلك بطوله العملاقي وشحمة أذنه المربوطة بقوه في خده، فتأكد له أن حياته كلها كانت معجزه أكثر منها حياة عادية. لكنه كان غاضبا على نفسه لأنه اكتشف هذه الحقيقة متأخرا. بحث عن السبب الذي جعل قدسية حياته تفلت من بين يديه إلى هذا الوقت. ثم تأكد له، أخيرا، أن حياة المباركين تجري هكذا دائما. فهم لا يفطنون إلى قدسيه حياتهم إلا عند حادث معين. ومن هذا الحادث يعيدون بناءها على ضوء جديد. وها هو يصل إلى هذا الحادث مكتشفا أن حياته كانت سلسلة رموز وإشارات ولطائف من عالم علوي. لقد تحولت حياته التي ظنها فاشلة، والتي امتازت بالتهور والهوس والانتقال من فكرة إلى فكره، إلى شيء مقدس مليء بالمعاني أخذ يستعيده في هذه الليلة الحاطمة.
أما الظلال التي لم نغادر البيت فقد راقبت الحدث مهتاجة، فقد هدأت وتكورت على نفسها، وغفت بين أقدام الدجاجات.

***

طلع النهار.
طلع بعد ليل طويل.
استغرق الناس وقتا كي يدركوا أن النهار قد طلع، وأن الشمس شطفت بضوئها طحين القمر عن العتبات. نهضوا وعيونهم محمره، كأنما بعد ليل سكر طويل. نظروا إلى جرارهم وأزيارهم وبراميلهم. كانت المياه قد نقصت بشكل مخيف. فما تبقى يكفي لبل الحلوق فقط. وزاد الأمر سوءا أن الريح الشرقية بدأت بالهبوب، جاعلة من النهار عذابا مضاعفا. لم يذهب الرجال إلى أعمالهم. كان ذهابهم مستحيلا، قبل أن يجدوا حلا لمعضلة المياه. وتكونت التجمعات في ساحة المسجد ودار الحديث المتوتر المتقطع إياه. كان ثغاء الدواب العطشى وخوارها يطغى على أصوات المتحدثين. لقد نفذ الماء أو كاد، ولا بد لأحد أن يحضره في الليلة القادمة تحت ضوء القمر المهلك. فعين الماء التي ضعف دفقها بعد شتاءات شحيحة لم تعد تكفي للقرية وجارتها. فقسمت بينهما: واحده تردها ليلا والأخرى نهارا. ولم يكن بالإمكان قلب القسمة وإعطاء الليل للقرية الأخرى. فدون ذلك كان الدم سيسيل، والحرب ستشعل نارها.

جاء الرجال واتسعت الحلقة. كان النقاش تقنيا صرفا. لم يشر أحد للضباع، وإنما كان الحديث عن الليل. قالوا: لا يستطيع أحد أن يذهب إلى العين في مثل هذه الليالي. ولم يقترح أحد منهم حلا. فسكان الخلوة وحدهم كانوا قادرين على التجوال ليلا. لكن أحدا لن يشرب ماءهم. فماؤهم دم نجس لا نفع فيه. كان هناك جفال القاتل وأخواه. وكان شاكر وابنه، والهداب أخو حمدان. كان علام وعساف، وعاصم، والنمر، وعطا الله، وأبو سريع، وآخرون كثيرون.
قال واحد من إخوة جفال:
– الماء. الليلة نريد الماء.
قال آخرون:
– الماء. الماء. الماء.
أضاف ابن شاكر:
– نغسل العار والخطيئة.
تتابعت الأصوات متقاطعة متداخلة:
– اللعنة على بشير
– اللعنة عليه
– سنقتله
– اقتلوه
– الأعور، النجس
– شفيق هو الصح
– شفيق هو الصح
– الخلوة والعهر
– سقوفكم… فراشكم

استمع الكل إلى الكل في نقاش صاخب مضطرب ومتقطع، ولم يكن هناك من قرار ولا نتيجة. كان المطلوب حلا عاجلا للعطش الذي هيمن على الأبدان والعقول، ولم يكن هناك من حل.
حومت الحيرة فوق الرؤوس. وقفت مثل كرة قطن في الحلوق. لقد حلت الكارثة ولن يستطيع أحد دفعها. هكذا فكر الجميع. ودار اليأس وطلا وجوه الكل بالسواد.

وفي لحظة اليأس المرة هذه، لحظة الخوف الأسود، رأوا رجلا يخرج من باب عليته أمام الجامع.
خرج من باب عليته ووقف في بلكونتها الصغيرة لحظة ثم هبط، عصاه في يده ويده الأخرى على حديد الدرابزين. هبط بعباءته البيضاء، أبيض صافيا. هبط كأنما الهبوط هو الحركة الممكنة الوحيدة في العالم، أو كأنه حركة التوازن التي لا مفر منها للكون المائل. كان هبوطه هبوط نبي من معتكفه: الدخان حول رأسه والوصايا بين يديه. رأوه يهبط هبوطه الثاني بعد دهور من الاعتكاف لكي يعاقبهم على شيء ما. وعندما رأوه يهبط تأكدوا أنه سيأتي لهم بالحل. لكنهم عرفوا أنه سيكون حلا لا مثيل له، قاسيا وعنيفا. وكان حدسهم سليما. فسوف يكون حلا تعزف فيه الوزغات عزيفهن الشائن الخائن، الذي سيدوي مثل رعود مكبوتة: تك.. تك.. تك.

كان شفيق هو الذي هبط من عليته بعدما وصلت القلوب الحناجر. وكان على علم بالمشكلة رغم أنه كان معتكفا في عليته. كان ذلك واضحا من نظرته النفاذة ومشيته الواثقة. بل إن الوميض الغامض في عينيه يوحي وكأن المأزق كله ربما كان من تدبير يديه، أو كأن إلها شارك في صنعه كي يرضيه ويعطيه الفرصة لحله. كان يهبط وسط الصمت. كان كل شيء صامتا حتى الريح الشرقية فقد هبت وطوت بصمت. وكانت الوزغات ترقب المشهد وتتلذذ بالصمت المتوتر الذي يتصاعد فاتحا الباب للأحداث كي تغلي وتفور، حيث ستعزف فيما بعد عزيفها الشامت الخائن.

الصوت الوحيد في هذا الصمت كان صوت صندله الذي هبط بتؤدة وثقل على بلاط الدرج النازل من العلية:
ترك.. ترك.. ترك
ترك.. ترك.. ترك

كان صوتا يملك بأس أن يزيح الأصوات الأخرى كلها. وكانت الوزغات تدري أنها لا تستطيع أن تنافس هذا الصوت بالذات، أو أنها لا تريد ذلك. فصوتها مشتق من صوت صندله. صوتها مجرد صدى لهذا الصوت المنذر الغاضب العادل المنتقم.
أطلت الوزغات صامتة على المشهد، واستمعت. كانت تمسك بحبات الكلس وتتسمع. هناك تقف على طرف المشهد كما تقف نساء على شباك مسجد لكي تستمع إلى خطبة واعظ عن الجحيم والعذاب. فهي تريد أن تحفظ النغمة الواثقة للصندل الهابط لكي تقلدها وتعزفها في حفل الختان الرهيب.
وصل إلى الجمع وكنسه بعينه. ثم نظر في عين كل واحد على حده. تلفت في الأعين بعمق. دخل من ثقوب عيونهم وتجول في أحشائهم. كان يفتح دربه في أعماقهم كما تفتح بلطة حادة طريقا في عتمة الغابات. تضرب بحدها القاطع اللامع الأغصان التي تقف في طريقها وتسقطها. تجول في الغابات العميقة للرجال، وعصر قلوبهم بين يديه. كان ذلك مؤلما حد أن الكثيرين تمنوا لو أنهم ولدوا عميا. فقد أحسوا، تلك اللحظة، أن العمى جدار حماية. لكن لم يكن من جدار.
كان على الأعين كلها أن تنكسر مثل زانية مفضوحة أمام عينة العاصفة.
عين واحده فقط لم تنكسر أمام عينيه. قالت: لا. فحدق فيها بكره وحقد. لكنها كانت عينا لا تشعر بالحرج ولا بالذنب. كانت عينا بلهاء، فتركها. كانت تلك عين رفعت المفتوق الذي لن تشترك نساؤه في حفل الختان الرهيب.

وحين انتهى من الجميع التفت بعينه الجبارة نحو الشرق ورفع عصاه وأشار إلى بيت “وردة”. وبيقين لا يعتريه الشك قال: “لا أحد بقادر على جلب الماء إلا مثل تلك المرأة”.
كانت وردة المرأة المختونة الوحيدة في القرية. أدرك الناس مقصده. أدركوه بعمق. ولم يكن بإمكانهم تجاهل هذا المقصد العادل من رجل حازم لا يرحم. فقد كان مستعدا للحكم بالموت حتى على جنين في بطن أمه، إن حاد عن الصراط المستقيم. وكان صراطه خيطا من فولاذ جارحا كالشفرة على الجميع أن يمشوا عليه.
لم يكن ليبسم أو يغضب. كان فوق ذلك كله. فقد وضعه الله هنا موقنا أنه سيقوم بكل شيء على أكمل وجه، حتى لو أدى ذلك إلى سفك الدم.
أدرك الجميع مغزى نظرته. أدركوا أن عليهم أن ينفذوا مطلبا وأن يؤدوا حقا. وأدرك هو أنه نال مبتغاه. أدرك أن الأذن التي لم تسمع كلماته أيام عاد بشير من الأعماق سوف تسمع هذه المرة. ثم استدار ليمضي. كانت جملة واحدة تكفي. بل إنها تزيد عن المطلوب. وقبل أن يمضي رأى رجلا يتقدم من بعيد نحو الجمع. كان يتقدم بعينه الوحيدة القوية، رغم أن جسده كان متعبا. يتقدم بشعره الأشيب وجسده المتعب وعينه الوحيدة. شعره طويل بلا غطاء يخفق في الريح. المطرقة في يده وغبار الحجارة على يديه وحاجبيه وملابسه. كان يتقدم كي يقول كلاما ما. كان هذا واضحا من مشيته ومن تركيز عينه الوحيدة، العين التي كانت سببا للزلازل والكوارث والبراكين. كان الجميع يعرفه. فهو بشير الأعور الذي فتح ثقب جهنم الواسع المخيف لتنهال حممه على رؤوسهم.
تقدم نحوهم، ووصل كي يقول كلامه. لكن الجميع أداروا له ظهورهم مرة واحده. رموه وراء ظهورهم كما ترمى نواة تمر لا حلاوة فيها. صار هناك خلفهم مطرودا منبوذا. لم يجد عينا لتحاوره. وحدها عين شفيق التي لا تقل بأسا عن عينه الوحيدة تلفتت نحوه. تلفتت بعمق وكره لا يوصف. قالت له: أنت هو السبب. إننا نتلقى العقاب على خطيئتك وثمرتها. ثم مضى وصعد بصندله درجات عليته: ترك.. ترك.. ترك. واختفى.
حاول بشير أن يقول شيئا. قال: أيها الناس… ولم يكمل جملته حتى تفرق المجتمعون دون أن ينظروا إلى وجهه. وحل الصمت حوله والفراغ.
وقف بشير والمطرقة في يده. وقف مهجورا وحيدا. ظلت كلماته في داخله. كانت ترمى في الموقد وتشوى مثل حبة كستناء ولا تمتد لها يد لكي تقشرها وتأكلها. كان يفكر، لكن أفكاره كانت تقوده باتجاه واحد: المحجر.

***

مضى القليل من الناس إلى أعمالهم. مضوا متأخرين. ذهبوا لأنه لم يكن بإمكانهم عمل شيء آخر. وخرجت نسوه كي يحضرن الحوّر لبناء طوابين جديدة بدل التي تحطمت في الليالي القاتمة. وكان بينهن خديجة زوجة سلمان التي حملت قفتها على رأسها ومشت. وفي طريقها مرت من بعيد بالخلوة. هناك رأت شبح زوجها بحزامه العريض. كانت الشامة المحترقة في عنقه تسيطر على عقلها وعلى الطريق والآفاق. وفي الطريق ذاتها سار شويكر بأغنامه يسن خنجرا بيده، ذاهبا ليقابل جفالا وراء أشجار الزيتون التي لم تنتبه لما يجري لأن العطش كان قد أهلكها وأرسل جذورها في رحلة لم تعتد عليها وراء الرطوبة في الأعماق. وإلى الأسفل من الطريق الوعرة قال بعض الرعاة باكرا بسبب الحر والجفاف وغفوا. وتجمعت خرافهم تحت الظل ورعت لحاهم وهم لا يشعرون.
وفوق المشهد كله كان طائر أبو زريق يطير من عشه كي يحضر الماء للفراخ. كانت الفراخ تشهق من الحر والجفاف. وعلى مبعدة دارت زوبعة جمعت حولها ذرات التراب الناعم من الدروب التي لبدتها الأقدام محاولة أن تتحول إلى زوبعة ذات شأن. شدت من دفعها ودارت على نفسها عدة دورات سريعة قي مكان واحد، ثم انطلقت آملة أن تصنع شيئا لم يصنعه أحد قبلها. لكنها ما إن وصلت إلى الصخرة الرمادية العريضة حتى تحطمت وانتهى أمرها قبل أن تكبر وتشتد. هكذا على الأرض المطروقة تولد الرغبات والأحلام، وعلى الصخور العارية تتحطم وتموت.
وتحت القيظ اللافح كانت نبتة الخرفيش بزهرتها الشوكية الزرقاء لا تزال حية ويقظة. كانت زرقتها زرقة الحياة لا زرقة الموت التي لزهرات “البُصليّ”. وكانت تحمي حياتها بأشواكها النجمية. أما الورود ذات البصيلات فقد غفت منذ زمن بعيد، محاولة في نومتها أن تتذكر صوت الريح وطعم المطر. لكن “اللوف” الزنبقي الذي تنشق زهرته عن قلم  أسود- بنفسجي غفا دون أن يفكر أو أن يتذكر. إنه مطمئن إلى أن زمن سواده الآسر سوف يأتي، وإلى أن أقلام زنابقه المخملية سوف تتفتح حين يجيء الأوان، وأنه سوف يكتب بها قرب الصخور ما شاء من كلمات.

وفي القرية مشت العجائز في ظلال البيوت. تلفتن في أعين القطط ذوات البؤبؤ الطولي. وتذكرن أنهن رأين هذه الكائنات في زمن ما لم يعد واضحا. مشين ثم استدرن إلى الخلف لعلهن يتذكرن من نظرة أخرى في هذه الأعين المبهمة. لكن القطط كن حريصات على أن يفتحن أعينهن ثم يضيّقنها حتى لا يعطينهن الفرصة للتذكر. فقد كن راغبات إخفاء في ماض ما. ماض لا يمكن لهن الافتخار به ولا يرغبن في نبشه وتذكره. فالذكرى قد تفتح أبواب الجحيم.

أما الوزغات بخصورهن المضطربة من التوتر والحر فقد كن عازمات على أن لا يعزفن في النهارات باستثناء نهار يوم واحد وحيد معلوم. يوم واحد فقط.
وقبل أن يأتي الليل بوقت طويل عاد الجميع إلى بيوتهم. ضروع الأغنام لم تمتلئ بالحليب. فالرعي كان خطفا ونتفا. لذلك لم تكن السخول راضية عندما عادت أمهاتها. ألقت السخول ركبها على الأرض ولعبت بأذيالها ودفعت بأخطامها ثدي ألام كي يشخب الحليب. لكن الحليب كان يقطر ولا يشخب، ولا يملأ البطون.
وقبل ان يحل الليل ذهبت جماعة من الرجال إلى وردة وقالت لها:
– أيتها المختونة، يا امرأة الليل التي لا رائحة لها، احملي الأباريق وبللي ريق أطفالنا.

وفي الليل حملت وردة الأباريق وذهبت إلى العين النزازة. ذهبت وعادت ثلاث مرات. رأتها الضباع ولم تكترث بها. فدمها البارد لم يطلق أية رائحة تهيجها هي التي تتحرق للدم الحار. كانت وردة خرقة بالية. أما الماء الذي أحضرته فلم يكف إلا لأفواه الأطفال.
غير أن الضباع التي لم تكترث بوردة أجج القمر دمها في شرايينها، فاجتاحت القرية، وشنت هجمات لا ترحم على بيوتها. وكان الناس وراء الأبواب يرجفون. كانت الضباع تبدو لهم كأنها أفكارهم السود أو لعنات الغولة المحترقة.

استقبلت الوزغات الضباع بالنشيد المحرض فزادها هذا جنونا على جنون. صاحت الوزغات تك.. تك.. تك.. تك، وقادت الضباع إلى بيت جمعة الجمّال. وبطريقة ما تمكنت من اصطياد جمله. أمسكت بحبله في أفواهها وصاحت كما يصيح الجمالة: إخ خ خ خ خ، فبرك الجمل خاضعا لأمرها. اعتلته وأكلت سنامه وعنقه الطويل. ومن شق الباب رأى جمعة جمله يقتل أمام عينيه. ولم يكن قادرا على فعل شيء فذهب وبكى تحت اللحاف. صعدت الضباع إلى عليّة الحاج إدريس التي تقع فوق البد. وهناك أبصرت الأسدين الحجريين على جانبي الشباك فعوت عليهما غاضبة وأسقطتهما.

***

وفجأة لألأت الأضواء على التلة الغربية المقابلة للقرية. فوجئت الضباع بالأضواء التي تلامعت واختفت تبعا لحركة أغصان الأشجار أمامها. حدقت في الضوء الجريء الوقح متسائلة وصامته. ثم قررت أن تستكشفه. انحدرت ثلة منها إلى هناك. ولم يكن في البيت الذي أضيء على التلة المقابلة سوى رجل وامرأة: الدكتور وزوجته. ولم يكن طبيبا. لكن هكذا سماه أهل القرية تهكما. فقد اعتاد أن يهتم بصحته وأن يتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليها. كما كان مهووسا بالنظافة وبالأعشاب. اختار الدكتور أن يقيم بيته على قمة التلة المقابلة للقرية. واستغرب كل أحد أن يبني بيته هناك بعيدا، في تلك البقعة الشرسة بالذات. لقد ظنوا أنه سيكون هناك لقمة للوحدة والكوابيس وكائنات الليل. غير أنه رمى كل ذلك وراء ظهره. كان يريد مكانا نظيفا هادئا لكي يتأمل النباتات والورود ويكتشف قواها. عمل هو وزوجته النحيلة التي ظنها الناس مصدورة، لكنها كانت أقوى من الصخر. عملا معا، بالفأس والمجرفة، وأقاما منزلا على الصخور. أقاماه من الحجر الغشيم. كان جميلا وأنيقا. وفي الدونمات الخمس أقاما سلاسل من حجر، ووازنا مستويات التربة، وزرعا الأشجار. والذين رأوا بعد شهور ما فعله الزوجان بالنقرة لم يصدقوا أعينهم. فالحجارة التي لم يعرها أحد أي اهتمام، الحجارة الرمادية والمخرمة، تحولت بين يديهما إلى حجارة كريمة. أما السلاسل فقد تدرجت كما تدرجت حدائق بابل. الأكثر إثارة كانت الزهور البرية. فهذه الزهور التي كانت طعاما للماشية تحولت حين زرعت في أحواض إلى نوع من أزهار الجنة.

وكان الدكتور وزوجته، في ما يبدو، يعلمان بالحرب التي ستقع. لم يكن اختيارهما للموقع مصادفة. لذا أعدا لها كما ينبغي. أقاما منزلهما على الصخر، وطوقاه بالمتاريس والحراسات. كانت متاريس وحراسات لم يفطن لها أحد من قبل. فقد زرعا نبتة الهالوك بأزهاره البيضاء والزرقاء على جانبي الطريق المؤدي إلى البيت وحول الدونمات الخمس في النقرة الصخرية. في البدء راقبا النبتة البرية وانتظرا حتى أزهرت وبزرت. ثم أخذا البذور واستنبتاها. وفي الربيع الثاني وقفت نبتات الهالوك، التي كثيرا ما عصفت بالفول والحمص والعدس، حول الدار بأعينها الزرق والبيض وجسدها العمودي وخضرتها الهندسية المتصاعدة، وراقبت كل حركة غريبة في الليل والنهار. وهكذا دجن الدكتور وزوجته النبتة المتوحشة وأطالا عمرها كي تحرس البيت. تحولت النبتة بين يديهما إلى كلب حراسة طيع. وحين جاءت الضباع, التي استفزها الضوء الوقح, هابطة تلة القرية صاعدة التلة المقابلة, ردها نبات الهالوك على أعقابها. فقد وقفت نبتاته، التي طالت، مثل حيات الكوبرا ونفخت في وجوه الضباع محدقة فيها بعيونها الزرق المخيفة. ففهمت الضباع أن عليها أن ترتد.
ارتدت الضباع وهرولت عائدة نحو القرية وهي تعض بأسنانها الحجارة لأنها لم تتمكن حتى من أن تبلل ببولها سلاسل الحجر التي تدور حول منزل الدكتور. بينما فتح الدكتور بابه وخرج هو وزوجته وتفقدا الحديقة. وكان سكان الخلوة يبصرونهم بوضوح. ولم يكن من شك لديهم أنهم سيأتون هذه الليلة إلى الخلوة.

ارتدت الضباع واتجه قسم منها إلى البد الذي ما زال حجره المستدير وخشبته الحلزونية يدوران في الفراغ، بانتظار أن يعصر، عما قريب، زيتا لا شبيه له. ومن هناك، من عند البد، صعدت، يدفعها عزيف الوزغات المحرض، إلى الطابون وارتقته إلى السياج الواطئ لدار البدوية ونزلت إلى حوشه. كانت الوزغات ترغمها على السير في الطريق الذي تريده تك.. تك.. تك.. تك. كان العزيف قاسيا يخرق طبلات الأذن ويربك العقول. فتحت الضباع برؤوسها باب البيت الذي لم يكن مقفلا تماما. وهناك كان الفتى ذو الخمسة عشر عاما نائما نوم الأطفال. كان جسده النحاسي عاريا وشعره مفلفلا. وكان ضوء البدر الذي دخل من الباب الموارب قد رمى طحينه على صدره وشعره. لم تفطن الضباع إلى الجسد العاري المذرور بالطحين القمري، فقد ظنته تمثالا من نحاس مهملا وملقى على الأرض.
دارت في الغرفة وعبثت بكل شيء، حتى عثرت على كيس جلدي، فأخذته بأنيابها إلى الحوش. مزقت الكيس ونثرت محتوياته. كان مملوءا بالعظام: جمجمة وعظام حوض وأمشاط أيد وأرجل. طرطقت العظام بين أقدام الضباع وأنيابها. وعلى صوت الطرطقة صحا نور ابن البدوية.
رأى الفتى في ضوء القمر الطحيني عظام أمه مبعثرة بين أقدام الضباع، فتولاه الجنون. جحظت عيناه، وتشنجت عضلاته وتقدم نحوها. كان احتكاك مفاصله يعطي صوت احتكاك المعادن. كما أن خبطات أقدامه رنت رنين النحاس والقصدير معا. لقد تحول إلى تمثال برونزي. وهناك، في الحوش، أمسك بيديه المعدنيتين عنق أحد الضباع وحطمه. كانت قوة لا تصدق قد وضعت بين يديه فجأة، قوة الشفقة والحب والإيمان، وقوة الخلق في أرحام الأمهات.
اشتبك نور مع الضباع. سال الدم المصهور من شرايينه وسال منها. وخلال ربع ساعة جندل ثلاثة ضباع. كانت مقتلة. وكان ضجيجها يجمع الضباع في الحوش وحول البد القريب وعند السياج. طوقته الضباع وتموجت مثلثاتها في الهواء. وكانت الأعين تقدح نارا.

ثم حلت لحظة من التوازن. كان هو وسط الضباع، وكانت هي تطوقه. جرى حوار بين الأعين الغاضبة.
قالت عين نور:
– كيف جرأتم على انتهاك عظام أمي التي ولدتني؟! كيف؟!
وقالت عيون الضباع:
–  يكفي ! لقد انتقمت بما يكفي.
أسفر الحوار الصامت، أخيرا، عن هدوء الموقف. فتراجعت الضباع وانسحبت إلى أماكن أخرى في القرية. وجمع نور عظام أمه التي أحبها حتى الموت، وعلقها دوما بعصبة على رأسه وأرسلها على ظهره، كما أشار إليه الهدهد ذات مرة.

***

كانت أمه قد جاءت أباه عروسا من البادية. كانت تصغره بعشرين عاما، وتقطر سذاجة وطيبة. وجهها ملوح ومشرق مثل نجمه الصبح. وحين ولدت نورا جنت به، وأرضعته سبع سنين كاملات. كان يذهب للعب في الحارة ويعود ليرضع من ثديها.
وفي عامه العاشر جاءها الموت. وحين جاءها أحست به. همس في أذنها: هيا بنا، لقد انتهى الوقت! كانت مرهقة كأن ألف سنه انهارت على كتفيها. لكنها لبت الأمر. نهضت بآخر ما تبقى في روحها وجسدها من قوة. حزمت حزامها على بطنها وذهبت كي تموت وحدها. الموت نجس وعلى الإنسان أن يرتكبه خفية. وهو كالولادة يجب أن يتم في العزلة.
هكذا فعلت يوم ولدت نورا. أحست به يخرج من رحمها فانحرفت عن الطريق وجلست على حجر وأسقطت وليدها. الموت يجب أن يتم في العزلة أيضا. الفرق أن الولادة تتم على حجر والموت تحت شجرة. مشت وراء الدار، وأمسكت بالغصن الكبير لشجرة الزيتون التي لا تثمر وأخرجت الحياة من جسدها. أسقطتها تحت الشجرة. رمتها كما ترمى المشيمة. أكملت دورة حياتها القصيرة، وانهارت رويدا رويدا على جذع الشجرة. كان المهم عندها ان لا يراها نور وهي تموت، لأنه سيذكرها وهي تموت إلى الأبد. لكن نورا كان هناك. كان مستلقيا ولم يكن نائما. كان يراها ويدري أنها ذهبت كي تموت، بعيدا، شفقة عليه.

لم يبك نور أمه. لكن الحزن نسفه من الداخل.
ثم جاء الناس. غسلوا جثمانها ولفوه بالكفن ووضعوه في التابوت كي يصلى عليه ويؤخذ للمقبرة. سار كل شيء كالمعتاد إلى أن حط هدهد على السياج الطيني.
لو لم يحط على السياج الطيني لما حصل ما حصل. لكنه حط هناك وهم على وشك أن يرفعوا التابوت. حط بمنقاره وتاجه وجسده النحيل الممشوق، وتلفت في عيني نور لفتة طويلة ثابتة. رأى الناس كيف التفت الهدهد، وكيف صمت نور كأنه تحت الوحي. رأوا، لكنهم لم يفهموا. أما نور فقد فهم. كانت لفتة الهدهد في عينه وحيا دخل إلى قلبه ودماغه، فانقلب كيانه. قال الهدهد في لفتته: عليك أن تحمل أمك الميتة على رأسك كما أفعل أنا. ثم طار ولم يعد. طار قبل أن يسأله نور: كيف؟ طار قبل أن يفهم تفاصيل الإشارة. تبعه نور بعينه حتى اختفى. ثم انتبه للناس حوله.
سأل نور المشيعين:
– إلى أين تأخذون أمي؟
سألهم كأنه لم يكن يدري. كأنه كان نائما ثم صحا.
قال أحد المشيعين:
* أمك ستذهب إلى الجنة، إلى السماء يا بني.
– لا. لن تأخذوها. أمي ستظل معي.
* كرامة الميت دفنه يا بني، يا حبيبي.
– أمي لن تدفن. ستظل معي هنا.

قرر نور أن يتبع الوحي. رفض أن تخرج أمه من البيت. حاولوا حمل التابوت بالقوة، فجن الطفل وصرخ وعض متحولا إلى ثور هائج. وبعد أخذ ورد اقتنع المشيعون أن الطفل قد جن فغادروه مع تابوت أمه التي نامت إلى الأبد.
رقد نور قرب التابوت. احتضنه، ونام. ظل معه ثلاثة أيام، إلى أن أخذت الجثة تتفسخ وخرجت رائحتها إلى الحارة. في اليوم الرابع جاءت أسراب الذباب الأزرق، ذباب الموت ودارت في السماء وملأت الأجواء. جاء إليه أهل الحارة وقالوا له بجفاء: إما أن تدفن أمك أو تخرج بها من هنا!
لم يناقشهم نور. أحضر الحمار وأمضى ساعة كاملة حتى وضع وحده التابوت فوق ظهره. شد الحمل ومضى به إلى الجبال. وتحت شجرة خروب ظليلة أناخ الحمل، وحط التابوت، وجلس قربه. ولأشهر طويلة ظل الطفل يبعد بمراوح من أغصان الأشجار وعصي من خشبها الهوام وحيوانات البر عن جثة أمه، التي نامت نومة لا صحوة بعدها.
وتحت شجرة الخروب قضى عامين يأكل من ثمارها القرنية ومن نبات الأرض وطيرها، ويحمي جثة أمه. وكلما غفا رأى الهدهد بعينه الحزينة يقول له: أمك.. أمك.. أمك.
وحين فتح التابوت بعدها وجد أن جسد أمه قد انتهى ولم يبق سوى العظام. لملم عظام أمه ووضعها في كيس جلدي وربطه مثل عصبة في رأسه وأرسله على ظهره، ومضى عائدا إلى القرية. وها هو بعد ثلاث سنين يفعل الشيء نفسه: يلم عظام أمه المبعثرة على الأرض ويعيدها إلى الكيس. يربطها برأسه، ويرسلها إلى ظهره، خارجا في الليل المقمر منسوفا من داخله.

وهناك، في الخلوة، كانت بضعة أشباح تنتظره وترقب مجيئه. كان هناك ولد الجنية وذياب الكردي وسلمان وبلقيس وأبو صلاح والدكتور وزوجته. وكانت النار تلعب بظلالهم على الجدران.

***

أطل الفجر بعتمته الخفيفة، عتمته البيضاء، قبل أن تطلع الشمس بوقت طويل. هبت الريح الشرقية، وعصفت على دفعات محملة برمال الصحراء الصفراء. هبت وطوت حصيرة الرطوبة من على الأرض كلها، فاردة حصيرة السموم والجفاف مكانها. وفي كل مكان في التلال سمعت أقدام حيوانات وزواحف تدوس العشب الجاف وتقصفه. فقد جعلت الريح كل شيء قابلا للانقصاف والانكسار. أحست الكائنات كلها بجفاف الريح وغرابة الأجواء. ومنذ اللحظات الأولى بعد الفجر تحركت مضطربة. كان كل كائن متعبا نافذ الصبر. الزواحف انتفضت خصورها من أنفاسها المضطربة. الأفاعي بدت راغبة في عض أي شيء يقف في طريقها. في حين خرجت العقارب التي افتقدت الرطوبة من تحت الحجارة رافعه زبنها كي تلسع وتدمي. أما الجنادب فضربت بأرجلها المنشارية الأرض قافزة وناشرة أجنحتها النارية الملتهبة. فيما أخذت الحراذين موقعها على الصخور الرمادية، وبدأت صلاتها لإله الشمس الغاضب باكرا جدا، قبل أن تطلع شمسه. صلّت على الصخور الرمادية. صلّت بلا أمل. صلّت لأنها لم تجد ما تفعله غير الصلوات التي لا تنفع.
وفي السماء حلقت طيور غريبة، ومزقت الفضاء بمناقيرها كما تمزق بطانة ساتان قوية. كانت تأتي من الشرق ثم تذهب نحو الغرب، فاتقة بمناقيرها القماش الأزرق لسماء النهار كما تفتق سكة حراثة الأرض بعد المطر. لم تكن تطير. كانت تحرث سماء لا تزرع من أجل بقل لن ينمو أبدا.

هكذا أعد كل شيء للأحداث التي ستأتي سريعا: الريح الشرقية، الجفاف، الطيور الغريبة، السكاكين، والعزيف الخائن للوزغات.

ومع طلوع الشمس كان بشير الأعور قد بدأ سيره المبكر للمحجر القديم. المطرقة في يده وشعره الأشيب يخفق في الريح الجافة، وهو يمشي على مهل.
وقبل أن يصل إلى البد، سمع وقع خطى تحفق خلفه. خطى مجتمعة كثيرة. لم يتلفت، رغم أنه أحس أن في الأمر شيئا. كان وقع الخطى في أذنه مثل وقع خطى كتيبة من جند تذهب إلى الحرب. اقتربت الخطى واشتد وقعها، فتوقف بشير واستدار ليرى. صوت الخطى قادم من منحدر الحارة الشمالية باتجاهه. كان يسمع صوت خفق الأقدام ولا يرى أصحابها.
لكنهم بدأوا يظهرون من المنحدر. ظهرت رؤوسهم أولا. بعضها عار، وبعضها بالحطّات. ثم ظهرت الأذرع والجذوع والركب والأقدام بأحذيتها العسكرية القديمة. كانت الأيدي تحمل سكاكين وبلطات. كانوا سبعة.. عرفهم من بعيد: جفال المخيف وأخواه، شاكر وابنه، الهداب أخو حمدان، والنمر. ووراءهم في البعيد كان عساف، ابن عم شفيق، يحمل شيئا بدا لبشير أنه كلاب حديد. كان عساف بعيدا عنهم يتقدم خارج الطابور.
أما السبعة الآخرون فكانوا يتقدمون نحو بشير كما يتقدم طابور عسكري. أربع عشرة فردة حذاء عسكري تضرب الأرض بانتظام وتتقدم نحوه، ويسمع صوتها الحازم: ترك.. ترك.. ترك.. ترك. سمع بشير صوت الأحذية ولمعت في ذهنه الأهلة النحاسية في أسفلها. هلال في المقدمة وهلال في الخلف يضربان على الأرض الصلبة ويعطيان نغمة الحرب.
ركز بشير على وجوههم بعينه الوحيدة وانتظر صامتا. كانوا يقتربون منه بسرعة مهددة. أدركت عينه الوحيدة أنها الحرب. أدرك منذ اللحظة الأولى أنها الحرب. لكنه كان يحاول أن يدرك مداها وآفاقها.
حدس باكرا أن الحرب ستأتي، فقد أحس بالخطر الذي كانت تذروه رحى البدر المخيف، لكنه لم يكن يدري متى ستندلع. كانت نذرها تتجمع فوق رأسه. تتجمع في عيون الكثيرين. في عكرتها. في أفواههم وصرخاتها.
لم يكن يريد هذه الحرب. غير أنه يعلم أنها ستأتي. وها هي تأتي مع طلوع الشمس. لم يعد من شك في ذلك عنده. لكنه يحاول أن يعرف المدى. ركز عينه الوحيدة على أعين القادمين ووجوههم فتأكد له أنها الحرب الفاصلة، وأن دورة حياته قد انتهت.
لم يعد لديه من شك في ذلك.
ولم يكن خائفا. كان حزينا حزنا لا يمكن البوح به. فالحزن يمكن في لحظة ما أن يوضع في خانة الخوف. لقد أكملت حياته دورتها، وهو يمضي الآن لحظاتها الأخيرة. وأخذ يستعيد شريط مغامرة حياته الكبرى. كان عقله يحاول أن يستعيدها كاملة في ما تبقى من زمن. كانت هذه الاستعادة حاسمة لكي يتمكن من التصرف. كانت عينه بحاجة إليها لكي تصمد ولا ترتجف.
عبرت حياته في ذهنه مثل بروق الشتاء. مرت بالصور لا بالكلمات. مرت سريعا كما تمر زوبعة. تساءل: هل هو أنا الذي قدت حياتي في الطريق الذي سارت فيه أم أن الله هو الذي قادني وقادها في هذا الممر الضيق؟ أم لعله الشيطان الذي نفخ في وجهي وضللني؟ أكنت على خطأ؟ أكان ما فعلته جريمة؟ هل أنا من أثار الحرب بين السماء والأرض؟ بين العالم السفلي وما فوقه؟ أم أنني ضحية هذه الحرب وكبش فداها؟ هل خطت ثقب في قلبي وفتقت ثقوبا في قلوب الآخرين؟
وأجاب من أعمق أعماقه: لا، لم أكن على خطأ. رأى بعينه الوحيدة أن المغامرة كانت قدرة، وأنه لم يكن بالإمكان الإفلات من هذا القدر. كان عليه أن يفتح الباب الذي وجده أمامه حتى لو اندلعت منه النيران وأحرقت الدنيا. لم يكن يتبع شهوة بل كان يفتتح تجربة. كان يرمي حجرا في الماء الراكد. كان يفتح الباب للكوابيس لكي تخرج. يفتح لها بابا لكي لا تخلع الأبواب كلها. وما كان بإمكان حياته أن تأخذ مجرى غير هذا المجرى حتى لو أراد. كان كل شيء في حياته يقود إلى كل شيء: عتمة عينه كانت قدرا. غرقه في الرمل الذي انهال في ثقبها كان قدرا. يده الملتاعة التي امتدت إلى يد الجنية كانت قدرا. انسحار الجنية بعتمة عينه كان قدرا. اغتصابها له كان قدرا. سقوطه في العالم السفلي، في أرض الجحيم، أرض الشموس الجبارة، كان قدرا. هروبه منها كان قدرا. ميلاد ولده الذي تشرخ البرق من عقبيه كان قدرا. كانت البراكين التي انفجرت قدرا. كان واثقا أنها سلسلة من قدر، وأن يده أرغمت على نزع الحجر الذي أدى إلى انهيار الجدار المائل. كان مقتنعا أن الجدار سينهار حتى لو قطعت يده. فالقرية منذورة للجحيم الذي عليها أن تصحو عليه وتحترق بناره. إنه يعلم هذا. يدريه. ويعلم أن دمه سيكون جزءا من المشهد الطويل.
لم يكن خائفا ولا آسفا ولا نادما.
كان حزينا حزنا لا يمكن وصفه. لكنه لم يكن مخطئا.

فكر بشير، في اللحظات الأخيرة، في ما سيخلفه وراءه: ابنا يتشرخ البرق من عقبيه، وأختا تهيم في العتمة كالأشباح، وخمسين تمثالا حجريا بأعضاء ذكرية طويلة، وطريقا أسود بنفثات من دخان كبريتي. هذا هو كل شيء. هذا هو ما سيتركه خلفه. البرق والحجر والدخان والكبريت. وابتسم في سره: يا لها من تركة! يا لها من تركة!
وقال لنفسه: هل يكفي الدم المدوم الهدار في عروق ابني لكي يبرر حياتي وخطاياها؟ أتكفي البروق لكي يتدفأ اليوم الجديد عليها؟ لقد كان يأمل أن تكون تركته أفضل من هذا لكن الأمور جرت على هذا النحو. جرت كما هو مخطط لها، أو كما هو غير مخطط لها. ولم يكن لديه الوقت لكي يغير مجراها الذي أخذته.
كان يعرض شريط حياته ومغامرته على وقع الأقدام التي تقترب. كانت أربع عشرة فردة حذاء تتقدم منه. وحين صارت الأقدام على مسافة أمتار منه دخل إلى ساحة البد. ولم يكن بإمكانه أن يفعل غير ذلك.

دخلوا وراءه، بينما انفصل عساف عنهم، وصعد إلى سطح البد.
طوقوه وحدقوا فيه بأعينهم المكررة الحاقدة البلهاء. حدق فيهم بعينه الوحيد التي لا تكرار لها. اشتبكت عينه بأعينهم. كان صوت اشتباك الأعين مثل صوت اشتباك المُدى الحديدية. قالت عينه: الحمقى يخوضون الحرب الخطأ ضد العدو الخطأ. أما أعينهم فقالت: سوف نمسح الذنب والخطيئة ونعود طهارى عراة كما نزلنا من أرحام أمهاتنا. كان لا أمل في أن تتصالح عينه مع أعينهم.
لوح بشير بمطرقته في وجوههم صانعا دائرة كاملة. لوح بها بقوة من يعتقد أن حياته قد انتهت وأنه لا خوف عليها بعد. قال لهم: ابتعدوا. لا أريد حربكم. لست عدوكم. من يقترب سأرسله إلى الجحيم.
اقترب منه ابن شويكر دون حذر. كان بشير يعلم أنه قادر على ضربه إن أراد. فكر: أيضربه، أم يتراجع أمامه ويتركه يناله؟ فكر بألم: آه، أية حرب أخوض وضد من؟! وابتسم. رأت بسمته العيون المكررة كلها فظنته يسخر منها. لكنه كان يسخر من نفسه حين ظن أنه قال في نفسه كلمة: أهلي. ثم ردد: “أنا لا أهل لي. أهلي هم البرق والرعد. أهلي هم السقوط والصعود. هم العطش والتجربة. أهلي هم اللعنة”.
تقدم ابن شويكر فضربه بشير بالمطرقة على ذراعه، فأنّ وتراجع. تراجعوا. لم يكن هجومهم الأول موفقا. داروا حوله، ودار هو وسطهم. ثم أخذوا شكل نصف دائرة. ظهورهم إلى الغرب ووجوههم إلى الشرق في ساحة البد المكشوفة على الشمس.
ثم تناول جفال مرآة من عبه ووضعها أمام بشير. عكست المرآة ضوء الشمس الذي رسخ وثبت في عين بشير. لم يفهم الأمر. ما الذي يقصدونه بلعبة المرايا؟ أيريدون أن يطفئوا نور عينه الوحيدة بلهب الشمس، أم يريدون تشتيت تركيزها؟ أخرج ابن جفال الثاني مرآة أخرى. ثم أخرج كل واحد منهم مرآة وسلطها على وجهه. كان ضوء الشمس في المرايا يضرب عينه. لكن المرايا كانت تكرره. صار موجودا في كل مرآة. صار سبعة أشخاص في مراياهم. ضحك في نفسه، وقال: لقد تعادلت القوى. سبعة ضد سبعة. ولم يكن يرى الثامن بالكلاب على سطح البد. وأضاف: ها إنني أتكرر في المرايا من جديد. قدري أن أتكرر في المرايا. غير أنها ستكون المرة الأخيرة التي أتضاعف فيها في المرايا. وضع كفه فوق حاجبيه لكي يتقي الشمس التي تلمع في عينيه.
لم يكن يفهم بعد حقيقة ما يريدون. كان يتكرر في المرايا ولا يدري المغزى. اقتربوا منه والمرايا في أيديهم. اقتربوا كثيرا. ثم اقترب أحدهم أكثر من اللازم ووضع المرآة أمام وجهه تماما، ففهم الأمر. أبعده بالمطرقة. كانوا يريدون أن يكرروا عينه في المرآة لكي يفقد سحره وقوته. كانوا يرغبون أن يصنعوا له عينا ثانية في المرآة. يريدون أن يجعلوه مثلهم بعينين اثنتين غبيتين لكي ينتصروا عليه. عينه الوحيدة هي السبب. إنها الخطيئة ذاتها. وكان يجب الخلاص من الخطيئة بتشبيهها وتكرارها. فهم الأمر وابتسم في سره وقال : يا للحمقى! سوف أترك لهم عيني مضاعفة بإثمها في وجه ولدي الذي ستحرقه بروقهم. لقد تكررتُ هناك. تكررتُ على أشد ما يكون. تكررت بشكل لم يخطر ببالهم. تكررتُ كما تتكرر الجحيم في أحلام الخطاة.
هجم عليهم فارتدوا عنه. لم تنفع مراياهم إلا في إعطائه الشعور بالكثرة. رموا المرايا. وقفوا أمامه في نصف دائرة. لوح كل واحد منه ببلطته وسكينه. ضيقوا عليه. نظر وراءه إلى كومة الحجار. تناول حجرا وقذف به نحوهم. ابتعدوا. تناول حجرا آخر ورماه، فأصاب واحدا من أبناء جفال في صدره فصرخ. لم يكن يعرف أسماءه أبناء جفال. كانوا تكرارا مملا لشيء واحد. وهو يكره التكرار الممل. وإذ رأى ابن جفال أخاه يصاب فقد نظر إلى عساف على سطح البد وأعطاه إشارة. لوح عساف بالكلاب تلويحات قوية وسريعة سمع لها أزيز ناشف. ثم أفلت الحبل وقذفه. علق الكلاّب بقميص بشير من عند الصدر. جرحه في عنقه وعلق بقميصه. شده عسال. أمسكوا بالحبل وشدوا معه. حاول بشير ان يفلت، لكنه لم يقدر. رمى بمطرقته باتجاههم فأصابت أحدهم. أوقعه الشد على ركبتيه. اقتربوا منه بحذر ثم كتفوه.
داروا حوله. داروا يتأملونه متجنبين عينه الوحيدة. ثم بدأوا بالضرب. ضربوا بالبلطات. ضربوا بالسكاكين. لم يعد قادرا على الصمود. ترنح وهو على ركبتيه. لكن عينه الوحيدة ظلت تحدق فيهم من دون أن يرف لها جفن. أغاظهم هذا. انتهى. نظروا في عينه التي سال الدم فوقها وتحتها. كانت عينا لا تطلب الرحمة. ثم جاءت ضربة بلطة عنيفة وفلقت جبهته. جاءت من يد واحد من آل جفال. سقط على الأرض. لكن عينه ظلت تحدق فيهم. تأكدوا أنه قد انتهى وظلوا يتجنبون التحديق في العين المدماة.

فتحوا البد وحملوا الجثة الممزقة. قطعوها بالبلطات ووضعوها في حوض الدرس تحت الحجر الدائري الضخم، وأداروا المحور. دار الحجر الدائري الأصم الهائل فوق جسد بشير الممزق، فتحطمت العظام وسمع صوت طحينها. ظلوا يديرون حتى صار الجسد والعظم عجينة واحدة. لكن عين بشير الوحيدة ظلت سليمة. فقد انزلقت وابتعدت عن ضغط الرحى الحجرية.
ظلت هناك مفتوحة بين الدم والحطام
كانت تتلفت في وجوههم دون وجل!

جاءوا بالقفف الليفية، ودفعوا بعجينة اللحم والعظم إلى دواخلها. ووضعوها من ثقوبها في اسطوانة المكبس. ثم أداروا الخشبة الحلزونية. دارت الخشبة وضغطت بالذراع على الصفيحة الحديدية فوق القفف. انضغطت عجينة لحم بشير. سال ما تبقى فيها من دم مخلوطا بالسوائل ومخ العظام. سال الخليط الغريب، وانهدر في القناة التي توصل إلى البركة.
وكان زيتا لا يشبهه زيت.
كان يقطر منتظرا الخبز الذي يغمس فيه.
وتوقفوا.
كان هذا كافيا كي يغسل الذنب وتمحى الخطيئة.
توقفوا وغادروا والشمس توشك أن تضع نفسها في السمت.
ومن الخلوة البعيدة جاء صوت هياج وارتفع عمود نار وعمود دخان.

***
وصلت شمس الله إلى كبد السماء
وقفت هناك لكي تمحو الظلال
صار ظل كل كائن تحت قدميه
داس عليه وأضاعه.
دلقت الشمس ضوءها على سطوح المنازل وعلى رؤوس الأشجار العالية، كما يدلق مربى ساخن، أو كما يسكب صهير ذهب ونحاس معا. ثم أطل شفيق من عليته. أطل كما يطل بدر والتمع وجهه. التمع النور في عينيه. كانت إطلالته في هذا الوقت أمرا جديدا. لكنه أطل مع الريح الشرقية. خفقت عباءته الخفيفة في الريح. خفقت كالراية، راية جيش منتصر عظيم.
وفجأة، وكأنما بترتيب مسبق، فتحت كل البيوت أبوابها دفعة واحده. فتحت هكذا بضربة واحدة. كأن الكل كان ينتظر الخروج البهي العظيم للرجل من عليته. كأن صوت صندله كان إشارة البدء للحدث العظيم. خفق صندله على الرخام الأملس للعلية:

ترك.. ترك.. ترك
ترك.. ترك.. ترك

سمع خفق الصندل. ومن كل باب خرجت نسوة بالعباءات. خرجت جدات وأمهات وصبايا وبنات صغيرات. تدفقت الإناث في الأزقة وسيطرن على الشوارع. لم يكن من ذكر في الشوارع كلها. سيطرت الإناث على الشوارع والطرقات. لكنها كانت سيطرة أسرى على أرض ساحة أسرهم. أمسكت الجدات بأيدي الصغيرات اللواتي نظرن خلفهن خائفات وراغبات في العودة. لكن السيل الدافق للعباءات السوداء كان يأخذهن في طريقه راغمات إلى بيت الحلاق.
وصلت أوائلهن إلى هناك، ووقفن أمام البيت الخشبي العريض المغلق. ثم أخذ يتكون خلفهن طابور طويل.
كان الواصل من الإناث يأخذ دوره حتى تشكل خط أسود طويل يذهب من بيت الحلاق إلى ساحة المسجد. كان نهرا اسود صامتا. حبلا من ليل في وضح النهار.

وكان الحلاق قد حدس بالذي سيحدث منذ الأمس. فقد رأى الهبوط الحازم الرهيب لصندل شفيق وسمع ضرباته على البلاط:

ترك..ترك.. ترك
ترك.. ترك.. ترك

لذا جلخ موساه، وأمضى مقصاته بسير الجلد وحجر الماء. وقص بالمقصات الهواء ليجربها. ضرب المقص الهواء الذي جف كعيدان القمح، فصاح المقص مثل صياح الوزغات:

شك.. شك.. شكشكشك.. شك
شك.. شك.. شكشكشك.. شك

وكان وراء الباب ينتظر. وحين تأكد له أن كل أنثى قد حضرت أمر بفتح الباب.

فتح الباب واندفع النهر الأسود إلى الحوش. دخلت النسوة وجلسن على الحصر المعدة. ثم بدأ العزيف الشامت للوزغات وطغى على كل شي. عزفت الوزغات عزيفا منظما وحشيا. عزفت دون رحمه. وكان عزيفها إشارة البدء للحفل الرهيب:

تك.. تك.. تكتكتك.. تك
تك.. تك.. تكتكتك.. تك

أخذت زوجة الحلاق المقص وابنته الموس وبدأ حفل الختان الطويل.
كان المقص يصعد ضاربا الهواء ثم يهبط كي يضرب اللحم الحي مسيلا الدم الذي تصاعد منه البخار في الصبيحة المسمومة. والحلاق يصيح من بعيد موجها زوجته وابنته: كثّري… كثّري. وكان يقصد أن تنزع البظر من جذوره. كثّرت زوجته. كثّرت ابنته. وسال الدم، وغاض في المصارف والبواليع. وارتفع العزيف الخائن للوزغات فوق صراخ الصبايا والبنات الصغيرات. بنى العزيف نفسه خيمة تحت خيمة الله الزرقاء تك.. تك.. تك. وارتفع فوق بكاء الصبايا والبنات الخائفات، وردد كل شيء النشيد الأصم المتشفي. رددت المقصات. رددت الصخور. رددت الطيور في الجو. رددت ألواح الزينكو. ردد الخشب المنخور للأبواب. رددت المصاطب. رددت الريح. رددت سيقان القمح الجافة. رددت المقصات: شك.. .. شك.. شك.

قطعت المرآة وابنتها الأبظار ورمين بها في الحوش. وفي السماء حلقت طيور غريبة قادمة من الصحاري وحطت فوق الأسطح بعد أن جذبتها رائحة الدم المرعبة. وعلى الأسطح كانت القطط توشك أن تشتبك مع الطيور.
ثم اعتمت الدنيا وانتهى اليوم الطويل
خمدت أصوات المقصات
خمد بكاء الصغيرات
خمدت ضجة النسور والقطط
وحل المساء.

***

وفي منصف الليل ذهبت النسوة فاكحات إلى العين النزازة. ملأن الجرار وعدن من دون أن تعترضهن الضباع.
وأخذ الهجوم على القرية يخفت. فقد خسر القمر كثيرا من دائرته. ولم يحدث سوى هجوم واحد على بيت رفعت المفتوق، الذي كانت عينه قد صمدت أمام عين شفيق. هاجمت الضباع المشتاقة إلى الدم الحار وحملت عليه حملات متتالية. وكان هو جالسا مطمئنا، يحاول أن يطمئن زوجته وابنته بهدوئه. فقد كان يحمل في عنقه ثقل الدين الذي عليه أن يدفعه لهما. وكان مستعدا للدفع من أجل تلك السنة التي ما زال طعمها الحلو في حلقه.

ففي تلك السنة علمت زوجته أنه إن مات قبل أبيه فلن ترث لا هي ولا ابنتها شيئا. وكان لهذا وقع الصاعقة عليها. نظرت إلى جسد زوجها المحطم القذر الذي كانت تكرهه. نظرت إلى كرة فتقه أسفل بطنه، ثم أدارت نظرها إلى وجه ابنتها الأبيض النحيل وإلى أذنها الطويلة الرقيقة الشفافة، فقررت ان هذا لن يحدث أبدا. لن يموت زوجها قبل أبيه، وسترث ابنتها حقه من ملك أبيها.

وفي الصباح أخذته وخاطت له فتقه وعادت به إلى البيت. ألبسته ملابسه الجديدة وأطعمته. أنامته على فراش دفيء ونظيف. راقبت كل حركة من حركاته. منعته من الخروج إلا بإذنها. لم تسمح له بحمل الأشياء الثقيلة. اشترت له العسل وغذاء ملكاته. وطوال سنة كاملة عاش رفعت في جنات النعيم. تفتح وجهه وقوي بصره، واختفت كرة الفتق أسف بطنه. لكن هذا لم يدم طويلا. فمع نهاية العام مات والده المعمر وضمنت زوجته إرث ابنتها، ولم تعد تهتم بزوجها ولا بفتقه. وعاد إلى سيرته الأولى قذرا جوالا ينام في كل مكان. وعادت كرة فتقه تتدلى أسف بطنه. لقد انتهى عام الخصب.
لكنه لم ينس ذلك العام أبدا. وكان يريد أن يكافئ زوجته وابنته عليه. فقد كان حياته التي تكثفت في اثني عشر شهرا. كان دينا في عنقه. لذا قرر أن يقول: لا، عندما نظرت عين شفيق في عينه. وقد قالها حقا، ونجت امرأته وابنته من حفل الختان الرهيب.

كانت الضباع تضرب على باب بيته وكأنها على وشك أن تطيح به. وإذ أحس بذلك قرر أن يفعل شيئا. تناول شيئا وفتح الباب وخرج للضباع. ولحسن حظه فقد كان ما أمسك به قطعه من خشب الزيتون الرطب. رمى بالقطعة نحو الضباع. فاستعرضت في فم واحد منها، فعضها بغيظ فالتصقت بأنيابه، ولم يقدر على لفظها. وإذ شعر الضبع بورطته صرخ صراخا مبحوحا مخيفا. سمعت الضباع صراخه، ورأت الخشبة في شدقه، فارتدت خائفة.
وهكذا أنقذ عناد رفعت المفتوق نساءه من حفل الختان، فيما تقدم حظه لينقذه من الهجمة الأخيرة للضباع قبل أن تنسحب على أبواب الفجر.
وكانوا هناك في الخلوة يرقبون انكسار الهجمة على بيته البعيد، وينتظرون قدومه.

***

وعلى التلتين تقابلت قريتان: قرية الدم والختان، وقرية الإثم والنار الداعرة.
وسوف تدور الحرب بين التلتين. ستكون حربا طويلة وقاسية، حربا ينهدر فيها الدم، وتبسم السكاكين، وتنفلت الأقمار والأزمان والعقول.

زكريا محمد : شاعر وروائي فلسطيني 

*عن موقع فيصل –  الطبعة الأولى، اتحاد كتاب فلسطين، رام الله، 1996

 اللوحة: Ken Browne

Filed under: أدب, مختارات

أضف تعليقاً

*