Articles Comments

» فكر » أفكار الفلسفة المعاصرة / جان ميشيل بسنيي

أفكار الفلسفة المعاصرة / جان ميشيل بسنيي

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



انفتحت الخمس وعشرون سنة الأخيرة، على أزمة شهدتها فلسفات التاريخ، وعلى مراجعة للعقل المعاصر، وعلى البحث عن حكمة. هي بالذات تلك المتعلقة بنزعة إنسانية متجذرة في الطبيعة، والتي أصبحت تيمات مركزية للتفكير المعاصر. إنها تيمات مهمة، ولكنها ليست بالضرورة متعارضة: فكل حكمة لا تؤدي بالضرورة إلى نزعة إنسانية، كما أن الطبيعة يمكن أن تكون أساسا للتأمل الميتافيزيقي.
لقد اعتقدنا طويلا أن الأفكار الفلسفية ترسم تاريخا منسجما، وقد عملت الفلسفة الهيجيلية على إضفاء النسقية على هذا المعتقد الذي لا زال يشكل اليوم أساسا للثقافة الجامعية. فحسب هيجل، تنخرط الأفكار في سيرورة أحادية تؤدي إلى الكشف عن المنطق الذي يحركها ويوحدها. وكل شيء يجري كما لو أن الإنسانية لم تفكر أبدا في ما لا يفيد في تحررها، ذلك أن الفكرة المطلقة تعبر أولا وقبل كل شيء عن الانعتاق من الحتميات الطبيعية وتنامي الوعي بالذات. وستعمل الثقافة الماركسية على نفي الطابع المستقل لتاريخ هذه الأفكار مختصرة الحياة الفكرية في كونها مجرد انعكاس للشروط المادية لوجود الإنسان. ولكن حتى بعد ذلك بقي الاعتقاد في نمو الفكر حاضرا. فبعد ماركس، لم تعد الأفكار تقود العالم، بل إنها أصبحت تنير له الطريق ليوم مناسب للفعل. فهم يدينون للنظرية الماركسية كونها كشفت للبروليتاريا مهمتها التاريخية.
فقد وجه الإحباط الذي نتج عن كوارث تاريخ القرن العشرين، ضربة قوية لثقة الفلاسفة في قوة الأفكار. مما جعل الفلسفة المعاصرة ملزمة بتبرير تقليدها المثالي، وذلك من أجل مراجعة أسسها. وقد أثار هيجل حول نفسه في سنوات ما بعد الحرب العالمية أهم المؤاخذات والتساؤلات. فمن ألكسندر كوجيف إلى بول ريكور وميشيل فوكو، كان الجميع يحاول تصفية الحساب مع هيجل. فأزمة المعنى التي تحاول الفلاسفة جاهدين تدبيرها اليوم، تبقى مرتبطة بالتعليق على مشروعه الذي يلبس أشكالا متعددة: فألكسندر كوجيف يدعونا إلى تبين هيجل وميشيل فوكو يدعونا إلى رفضه على شاكلة نيتشه، بينما يطلب منا بول ريكور أن ننساه بكل بساطة.
ويعلن أتباع كانط KANT وهوسرل HUSSERL أن من الواجب أن نكتشف الوعي المشترك وتوضيح قدرته على معرفة الأشياء. أما أتباع هيدجر HEIDEGGER فيجتهدون في الكشف عن طريقة جديدة للامساك بالكائن L’ETRE، والكينونة في العالم. أما المتحلقين حول موريس بلانشو MAURICE BLANCHOT وفيليب سوليرس PHILIPPE SOLLERS ، فيطمحون إلى تجاوز الفلسفة بالكتابة الأدبية أو بواسطة الالتزام الثوري. وأخيرا يعلن جاك دريدا JACQUES DERRIDA والأمبيريقية المنطقية، أن الساعة قد أزفت لتفكيك خطابات الميتافيزيقا، أو إخضاعها للتحليل المنطقي وإلزامات العلم. تلك كانت أهم التوجهات في الفلسفة المعاصرة.
نقد العقل
تحددت هذه الفلسفة أولا وقبل كل شيء تحت عنوان نقد العقل. وقد أرادت فلسفة هيجل أن تكون تتويجا للعقل، وتحملت بذلك مسؤولية العواقب الشاذة للعقلنة. فالعديد من المفكرين الذين تكونوا بحسب النسق المطلق عند هيجل HEGEL انتهوا إلى مواجهة هذه الحقيقة المتناقضة: فكلية العقل هي كذلك انتصار لللاعقل، ولم يفتقر القرن إلى مختصين لإثبات ذلك. وقد وصف بعض السوسيولوجيين مثل ميشيل كروزيي MICHEL CROISIER الآثار السلبية للإدارات المنظمة بشكل صارم. والتقط آخرون مثل ريمون بودون RAYMOND BOUDON العواقب التي يسببها علماء النفس المدافعون عن التربية المقننة جدا. وباختصار فإن ما تؤاخذ عليه النزعة الهيجيلية HEGELIANISME، هو تلك الأطروحة القائلة بأن أكثر الأخطار يمكن أن ينتج عن أعلى درجات العقلنة، وهي الأطروحة التي وجدت نفسها تتأكد بطرق مختلفة. وعلى هذا الأساس فإن الفلاسفة اليوم يشعرون بالحاجة لشرح الأسباب التي يملكونها للاستمرار في الثقة في العقل: فمن أين يأتي الاختيار الذي يلزمنا باعتماد المعالجة العقلانية للقيم التي تستهدف توجيه الفعل؟ وما مصدر إلزامية اختيار العقل؟
فقد ظهر نفي الكونية أيضا بوصفه برنامجا لعدد من مفكري اليوم، ويبقى حكم تيودور أدورنو THEODOR ADORNO (أحد أبرز ممثلي مدرسة فرانكفورت) بالفعل حيا في ذهن معاصرينا: ” الكل هو اللاحقيقي” LE TOUT EST LE NON-VRAI .
وبعبارة أخرى، ليس بإمكاننا إنتاج تصور شمولي لا يظلم الفرد. فالمثالية الهيجيلية التي كانت تدعي إغلاق كل واقع داخل نسق، تشهد في الحقيقة على نوع من “الهوس”، هوس تدمير الآخر، باستعادته ل”المثيل” (même)، وبإخضاعه لأطر المفهوم، إنه هوس يهدم كل اختلاف عن طريق إعلاء ما هو كوني بأي ثمن.
وعند انفجار عنف الحرب العالمية الثانية، وفي مقابل فظاعات معسكرات التصفية النازية، وأمام جنون الأنظمة الكليانية، أصبح إخضاع العقل عند الفلاسفة لنقد لاذع أمرا مستساغا. ولعل ذلك هو العنوان البارز للمرحلة التي تنتهي اليوم.
مفكر آخر لم يستسغ الفلاسفة الفرنسيون اعتباره واحدا منهم وهو جورج باطاي GEORGE BATAILLE يقدم لنا تجربة مماثلة: فبحسبه تصب المعرفة الكلية، في النهاية التي يرتبط بها المشروع الهيجيلي، في اللامعرفة المطلقة LE NON SAVOIR ABSOLU. فالادعاء بكشف المعنى كله والتعبير عن كل مفكر فيه، هو في الحقيقة بحسبه إرغام على صمت إجباري أو غرق في ليلة تكون فيها القطط رمادية بمعنى غياب الاختلافات، طالما أن كل شيء يعود إلى الوحدة.
وعلى هذا النحو نفهم أنه انطلاقا من الستينات عمل بعض المفكرين مثل ريمون آرون RAYMOND ARON وأندريه كلولكسمان ANDRE GLUCKSMAN مرورا ب أليكسيس فيلوننكو ALEXIS PHILONENKO على تنصيب هيغل كمنظر للعنف واعتبروا نسقه استباقا فكريا للأنظمة الكليانية.
هذه التيمة هي بالتأكيد كاريكاتورية، وتبقى مع ذلك ذات دلالة فيما يخص الطريقة التي يلصق بها فلاسفة هذا العصر التهمة بأنفسهم. منذئذ في تاريخ العالم، فالنسق الفلسفي يقدس في نظرهم انتصار “الواحد”، مثلما تعمل الكليانية على فرض التقليص العنيف للاختلافات داخل نظام نسقي إلى درجة الهوس بله الرعب. وعلى هذا النحو لم يعد هناك تردد بين من اعتبروا أواسط السبعينات “الفلاسفة الجدد” في تقديم النظم الكليانية (حمراء كانت أو بنية سوداء) باعتبارها “صيرورة العالم” للنسق الفلسفي الذي جعل منه هيجل والمثالية الألمانية موضوعهم الأوحد.
حاليا حصل رغم ذلك اعتراف بحق هيجل وتسليم بأنه لم يفكر قط في خنق الفرد داخل دولة يفترض أنها عقلانية، بل أنه كان يدافع على العكس من ذلك، على حتمية مجتمع مدني متحرر. كما تتم أيضا قراءة فلسفة ماركس، ورفض انتسابها دون فحص عميق لستالين أو ماوتسـي تونـغ. وبذلك فـإن عددا مـن المناقشات الفلسفية التي أنعشت الحياة الثقافيـة خلال الحـرب الباردة، استعـادت كـل ثقلهـا: ومن ضمنها على سبيل المثال النقاش الذي اصطـدم ريمون آرون وموريس ميرلوبونتي M. MERLEAU PONTY مع جـان بـول سارتـر J.P. SARTRE، بخصوص العنف الـذي يحـث عليـه تصـور ديالكتيكـي للتاريـخ؛ أو النقاش الذي نظمـه كـلـود لوفــورLEFORT CLAUDEوكـورنلـيـوس كاستـورياديــس CASTORIADIS CORNELIUS، داخل حركة ومجلة “اشتراكية أم بربرية” والتي كان مشروعها يستثني شيطنة العقل الهيجلي، على الرغم من أن هيجل وماركس لايخرجان بريئين تماما من إعادة قراءة تاريخ القرن هذه. وعلى أقل تقدير فإن حجم سوء الفهم وغياب العدل الذي كانا ضحية له داخل الصراعات الإيديولوجية، قد تمت إضاءته بقدر كاف.
من أجل حكمة بلا حدود
إن رفض المركزية الغربية – الذي اعتبر كلاسيكيا منذ التحرر من الاستعمار – أصبح يأخذ حاليا أشكالا أكثر حدة، تعبر بعمق عن إقصاء المثل الكونية العليا، وذلك لأن الفكر الفلسفي نفسه هو الذي ينتقد، ويتم إخضاعه إلى نسبية تاريخية – ثقافية. فالاستقبال المشجع لأعمال فرانسوا جوليان FRANÇOIS JULIEN عن الفكر الصيني، ولأعمال لويس غاردي LOUIS GARDET عن الفكر الإسلامي، خير شاهد على ذلك. وبالفعل من الواجب أن نتذكر الطريقة التي نسب بها هيجل الفلسفة إلى أصل غربي صرف؛ إذ أنها بحسبه ولدت في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد، مع سقراط، ومع اكتشاف الذاتية والحرية، فلا الصينيون، ولا الهنود، ولاالفـرس، ولا المصريون، كانوا قادرين على استشعارها. وذلك لأنهم كانوا كما يعتقد مفتونين بالوحدة لدرجة إنكار مفهوم الذات الحرة، والممتلكة لحقوقها، أو على العكس من ذلك كانوا يخضعون للاعتقاد الجامح بالاختلافات، وكانوا يضيعون في تقديس الطبيعة، ومن ثمة أثبتوا عدم جدارتهم بالنشاط المفهوماتي الذي يقتضي هيكلة الكوني والخاص، دون أن نتحدث عن الأفارقة الذين كان هيجل يشك حتى في خاصيتهم الآدمية.
وتعتبر عملية إعادة النظر في البديهية الهيجلية أحد أهم ما يميز النقاشات الفلسفية المعاصرة. فالفلسفة كما نعرفها ظهرت بدون شك متزامنة مع الديمقراطية الأثينية. ولعلها بلغت الذروة في ألمانيا في القرن 19. لكنها لم تكن قادرة على ممارسة هيمنة مطلقة على الحياة والعقل؛ فالحكمة التي يطمح إليها ورثة سقراط، لا يمكن إطلاقا اعتبارها ملكية خاصة للغرب. ولهذا نجد تعاليم البوذية تخترق حدودنا أكثر من أي وقت مضى، بينما يثير الفكر الصيني فضولا متزايدا.
إن إعادة اكتشاف حكمة بلا حدود هو علامة مميزة لعصرنا. فبعدما تخلصت الفلسفة من هوس التطور، اكتشفت الفلسفة نفسها معاصرة لأصولها، أي في صراع مع سؤالها الأول: كيف يجب أن نعيش؟ طالما اعتقدنا في تاريخ قادر على إنتاج تحقق المثل العليا للإنسانية. فقد نشأ الفيلسوف على منح موارده التأملية للعلوم والتقنيات المعاصرة. مثل كوندورسيه CONDORCET، الذي كان بمقدوره أن يتخيل أن الإنسانية تنعتق أكثر من الظلمات بفضل أنوار العقل.
غير أنه في نهاية هذا القرن، بعد أن استفاق من كثير من أوهامه نجده يطمح إلى المصالحة مع العالم، في ال “هنا” و”الآن”، ليس بإدارة ظهره لقوى التقدم، ولكن عن طريق إعادة استثمار التساؤل المفتوح من طرف أساطين التقاليد، تساؤل لا يمكن للعلوم أن تجد له جوابا.
وفضلا عن ذلك نجد من خلال قراءة المؤلفات الكلاسيكية أن الاهتمام قد تحول، ذلك أن النزعة الإنسانية التي انبثقت عن ديكارت وغاليلي تظهر اليوم ساذجة في نظر من شخصهم مونتيني MONTAIGNE وماكيافيللي Machiavelli، والذين لم يمنحوا لأنفسهم هدف السيطرة على الطبيعة.
وهكذا ففي مقابل الغرور البروميثيوسي المطروح على تصور ميكانيكي للكون، تحل محله اليوم تدريجيا دعوة للتحالف والتوافق مع الطبيعة، أو على الأقل إعطاءها حقها، ولا شك أن هناك طرقا عدة للاستجابة لهذه الدعوة، والتي يجسدها بعض من مفكرينا المعاصرين. وعلى هذا الأساس فإن رفض وهم خارجية الإنسان في علاقته بالطبيعة، وبالتالي إعلان نزعة إنسانية يتخللها التواضع والموافقة على نظام الأشياء، تلك هي صيغة النزعة الإنسانية التي يدافع عنها كلود ليفي ستراوس الذي ينسب نفسه اختياريا للبوذية التيبيتية TIBETAIN.
فأن نواجه مأساة الوجود الإنساني وتناقض وضعية يجد فيها الإنسان نفسه طبيعيا وأزليا محكوما عليه بالإنعتاق من الطبيعة وحتمياتها، تلك هي أطروحة جان بول سارتر وألبير كامو، الحاضرة مسبقا عند روسو. وختاما فإن محاولة إيضاح الطابع الصراعي العميق للعلاقات بين الناس، إضافة لسر تشكل التاريخ الذي يرسم مع ذلك بينهم فضاء مشتركا، ذلك هو طموح موريس ميرلوبونتي، الذي يثير مثال ماكيافيللي الذي يرى عنده علامات نزعة إنسانية بدون أوهام.
وفي كل الأحوال فإن النزعة الإنسانية تعترف بطريقة “لإعادة إدماج الإنسان في الطبيعة” بحسب تعبير نيتشه. ولهذا السبب نجد الفيلسوف مجبرا على إدخال قضية الشر الجذري، والضرورة، والنهائي.
وبعيدا عن الوعد بالشفافية والحقيقة وانتصار الخير، فانه يشجع حرية قول “لا” لما لا يمكن تجنبه، لدرجة الظهور بمظهر من يضمن مؤسسات استحقت وحدها ” بارود التشريف” وباختصار فإن النزعة الإنسانية ممزقة، حيث لم يتحقق ” إدماج الإنسان في الطبيعة” الذي تسمح به، وهو ما يمكن أن يلخص أغراض الأبحاث الفلسفية الأكثر تميزا في وقتنا الحاضر؛ والتي أسست البرنامج البنيوي سابقا، لما كان يتعارض مع محاولة إعطاء الأسبقية للإنسان ولوعيه. وبالتالي مع الهيرومينوطيقا ، ومع الشخصانية. فالمقصود إذن هو الدفاع عن قضية العلوم الإنسانية والاجتماعية ضد الفلسفة المهتمة بشكل تقليدي، بمواجهة التفسيرات العلية المستوحاة من علوم الطبيعة. وفي أيامنا هذه فإن مشروع وصف الظواهر الإنسانية بواسطة أدوات هذه العلوم، أصبح يتم تأكيده مرة أخرى وبقوة من طرف فلاسفة تكونوا في الغالب وفق التقاليد الأنكلوساكسونية، غير أنهم يستطيعون أن يكتشفوا أيضا تسلسلا مع حكمة اسبينوزا طالما بقي حاضرا لديهم رفض مركزية الإنسان ANTHROPOCENTRISME. ويمكن أن نأخذ مثال (فلسفة الروح) والتي أصبحت أعمالها معروفة أكثر فأكثر في فرنسا وبصورة خاصة أعمال دانيال دونيت DANIEL DENNETT وأعمال دونالد دافيدسون DONALD DAVIDSON وأعمال طوماس ناجيل THOMAS NAGEL. وتبدو فلسفة الروح مشدودة جدا إلى إذابة موضوعها. فالتحليل الذي تقوم به للوظائف العقلية تحركه نية القضاء على الأطروحة الديكارتية الثنائية لمادة لا مادية يفترض أن تتحكم في جسم الإنسان. هذا المشروع يلتقي مع مشروع ماديي القرن الثامن عشر الذين كانوا يطمحون إلى البرهنة على عدم وجود الروح. هذا التحليل يتطلب تعبئة معارف علمية وتقنية حول (دراسة كانت في الماضي منحصرة في الفلسفة) للمصادر والوسائل المشخصة للمعرفة. فالحذر النقدي ينقصها أحيانا كما سنرى ذلك.
فخاخ الاختزال
هناك بالفعل تناقض داخلي في المقاربة التي تستهدف خلق تماهي الميكانيزمات مع المشروع من وراء الكفايات المعرفية من كل نوع. انطلاقا من المدركات الأولية وصولا إلى البرهنة الرياضية الأكثر تطورا. فالعلوم المعرفية قوية بالفعل. بالنظر إلى قدرتها على الاستعانة بالاكتشافات الأكثر سلامة وصحة في البيولوجيا الجزيئية، وبيولوجيا الأعصاب، وعلم النفس الحيواني، والإثنولوجيا المقارنة. ولكنها أيضا قابلة للاختراق، لأنها لا تضع لنفسها أية حدود: وتستهدف كل المعارف الممكنة، فتعير خصرها للاستيهامات والأوهام التي شخصها كانط لما أشار إلى نقائض العقـل، حينما لا تشكل سريرا للأنساق الميتافيزيقية اللاعقلية في حقيقتها.
والمثال الصارخ هو المتعلق بالباحثين الذين يعتبرون على صواب أن الميكانيزم العصبي هو أساس كل نشاط معرفي، ولكنهم يركبون على أساس هذه القاعدة نظريات تفسيرية حول اشتغال الفكر، ودون كثير من الانتقادات الإضافية، يرجعون السلوكيات الأخلاقية والجمالية إلى الإنجازات المعرفية، مدعين على هذا النحو استخلاص أساسها البيولوجي، بينما نجد آخرين يمتنعون عن التقريب بين تجليات الذكاء الفردي وتجليات الذكاء الجمعي. وبذلك يعتبرون النشاطات الاجتماعية والإنتاجات الثقافية ذات أساس “طبيعي”. وعلى هذا النحو فإن أبحاث السوسيو-بيولوجيين أمثال إدوارد ويلسون EDWARDO – WILSON وريتشارد داوكينس RICHARD DAWKINS اكتسبت مصداقيـة كبيـرة، واستطـاع دان سبيربيـر DAN SPERBER كأنتروبولوجي أن يجد لديهما عناصر قاعـدة لعلـم أوبئة التمثلاتEPIDEMIOLOGIE DES REPRESENTATIONS.
وباختزال عمل العقل في كونه لا يتعدى عمل العصبونات. فإن هذه النظريات تحاول تجاوز الثنائية التقليدية المزعجة وهي ثنائية الجسد والفكر.
وباختصار فإن الخلاصة تفرض نفسها بسرعة: إن البيولوجيا الجزيئية، ونظريات التطور، وعلم النفس، واللسانيات، والمنطق، مطالبة بالمساهمة في اتجاه تمثل كلياني للعالم على النحو الذي حلم به الميتافيزيقيون دائما، وعلـى النحـو الذي لا زالت الروحانيات الشرقية تعلمه.
وعلى هذا النحو ففلسفة الروح تتجه رويدا رويدا إلى نفس ما كانت الوضعيات المنطقية تدعي حصر النشاط العلمي فيه: فيما لا يمكن التحقق منه وما لايقبل الوصف. وفي رأينا فإن الروح النقدية عند كانط يجب أن تستعيد منذ اليوم مكانتها في إطار مهمة تقييم أبعد للمقاربة الاختزالية المستخدمة في العلوم المعرفية. ولا يقتضي الأمر تحديد آثارها فقط، ولكن أيضا تجنب التعميمات الإيديولوجية التـي ترتبط بها بغير وجه حق.
وفي الميدان الذي استكشفته هذه العلوم المتنامية فإن تصور المعرفة لم يعد يظهر قط قياسا إلى التصور الذي قدمه فلاسفة الأنوار. لأن المعرفة لم تعد نتاجا للأنا الديكارتية الواعية بذاتها، والمتسيدة لمحيطها. إنها تظهر على العكس من ذلك غيرية غريبة، دينية وسحرية، ممتلئة بدورها باللاعقلي مثل تلك التي كان ينشدها الناس في عصر النهضة. إنها معرفة تعد بالتصالح مع الطبيعة والاندماج داخل الكل الكبير. بإمكاننا أن نشير إلى استئناف أعمال البيولوجي فرانسيسكو فاريلا FRANCISCO VARELA حول الإنتاج الذاتي (AUTOPOIESE)أو إلى أعمال إدغار موران EDGAR MORIN حول التركيب المعقد (LA COMPLEXITE) . بهذا الشكل يمكن للمثل العليا للحكمة أن تضمن ارتياحها من طرف الفلاسفة الذين تعتبر أبحاثهم بشكل قبلي بعيدة عن الهم الأخلاقي. وهذا ليس تناقضا بسيطا بالنسبة لملاحظ الأفكار المعاصرة أن يكون هذا التقارب غير مقصود بين تساؤلات متباينة: كيف يجب علينا أن نعيش؟ إلى أي حد يمكن أن نثق في العقل؟ و ما معنى أن نعرف؟ أي نموذج للإنسان يجب أن نجسده؟.

 

ترجمة حسن لشهب

* المقال مترجم عن PHILISOPHIE DE NOTRE TEMPS

منشورات SCIENCES HUMAINES  2000.

تنسيق: JEAN FRANÇOIS DORTIER

المؤلف جان مشيل بيسنيي JEAN MICHEL BESNIER: أستاذ بجامعة كومبين COMPIEGNE صدر له: تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة. غراسي GRASSET 1993. نظريات المعرفة، فلاماريون FLAMMARION 1996. تأملات في الحكمة لو بوميي LE POMMIER 1999.

 

 

Filed under: فكر

أضف تعليقاً

*