Articles Comments

» أدب, مختارات » لا ذات لي/ جمال القواسمي

لا ذات لي/ جمال القواسمي

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



J Qawasmiأنا وحيد. ليس لي ذات. يعيبني الجميع أنني أنكر ان لي ذات. مجنون، ومعي وثيقة طبية تشير إلى جنوني. هذا ما يقوله عني الجميع: أبي وإخوي وأخواتي وجيراني وزملائي السابقون في عملي والدراسة وكذلك زوجتي. يقولون انني مجنون لأني لوحدي. اتلذذ بحقيقة انني الوحيد في مدينتي الذي هو لوحده تماماً. يعجبني الأمر لأنه يجعلني مختلفاً. ذات يوم، قلتُ في عيد ميلاد ابنتي الخامس: أنظروا، كم هي سعيدة وهي تلعب لوحدها. لم أقل شيئاً آخر. لم أقصد أن أقول شيئاً آخر. لكن الجميع وذواتهم غضبوا وخافوا وتوتروا وشتموني، وشنوا مظاهرة احتجاج ضدي. قال بعضهم ان ابنتي لن تكون مريضة مثلي أبداً، وشعرت ان زوجتي وعائلتي خاصة أبي وأخواتي وشقيقي بدأوا ينتبهون الى أهمية تهيئة ابنتي إلى الحياة الحقيقية التي ستعيشها قريباً. بل وقدَّمت زوجتي طلباً رسمياً لتقديم موعد لتبلغ السن القانوني لتصبح ابنتي مثلها. زوجتي دائماً تعاني من الضغوط الاجتماعية خاصة في المناسبات حين يراني الناس معها ومع ذواتها وحيداً، كأنني شهريار وهي شهرزاد ووصيفاتها. لم تعد زوجتي العاقلة التي أحبُّها تحتمل وجودي وحيدا. وكثيراً ما تقول لي: متى ستتوقف اسطوانة لا ذات أخرى لي، أنا ذاتي؟ لا يمكنك ان تكون ذاتك! كفى، مللت تفاهاتك الرتيبة: لا أحد آخر داخلي، ولا أحد آخر خارجي!؟ كفى، مللت، تعبت.

أذكر حين ذهبتُ مع زوجتي الى مدرسة ابنتي الوحيدة، وكان الاجتماع مزعجاً جداً مثله مثل أي اجتماع يكون بالأصل بين اثنين أو ثلاثة لكنه فعلياً يغدو بين عشرة أو عشرين شخصاً، ثلاثة أشخاص وذواتهم. واستلمتني المديرة وهنَّأتني ذواتها السبع بقراري الجريء بتقديم الطلب أنا وزوجتي وذواتها، وطمأنتنا ذوات المديرة بأن وزارة التربية والتعليم ووزارة الشؤون الاجتماعية والنفسية ودائرة الرقابة العامة وسجل الذوات الرسمي سيأخذون وضعنا الاجتماعي بعين الاعتبار وسيوصون لسجل الذوات ان يصرف قريباً ذوات لابنتي الصغيرة حتى قبل ان تبلغ ابنتي سنَّ السادسة، السنّ القانوني لمرافقة ذواتها. قالت لي ذات المديرة الرسمية: عقبال عندك تصير بن ذوات، خلي أملك بالله كتير. لم أجبها بشيء. ثم استلمتنا مربية الصف وشرحت لي ذواتها الثلاث ان ثمة تحسن في أداء ابنتي الدراسي. لم احتمل كثرة تعليقات ذوات زوجتي، وتطاوشنا أنا وزوجتي العاقلة وأفحمتها بضرورة أن تخرس ذواتها تماماً، خاصة ذاتها الخرساء، أم لسان الهَبَا الهَبَا. ثم اجتمعنا بلجنة الصحة النفسية التي ترأسها المرشدة الاجتماعية. قالت لنا المرشدة الاجتماعية وذواتها الأربع والأربعين انها تأمل بعد اجتماعنا معهم أنا وزوجتي وذواتها، أن تعود ابنتي بعد أسبوعين، إلى البيت مع ذاتين ترافقانها، وعلينا أنا وزوجتي وذواتها حسن استقبالهما ومعاملتهما. كانت زوجتي العاقلة غاضبة مني كثيراً لأنني تواقحتُ معها ومع ذواتها وأخرستهم، لكنها ذكرتني على مضض بضرورة ان نقيم وليمة كبيرة ندعو فيها العائلة والأصدقاء وزميلات ابنتي وبعض المعلمات، بتلك المناسبة، طبعاً وذواتهن جميعاً، فوافقت حالاً كي أكسب رضاها. ولا داعي أن أسرد ما جرى لاحقاً، وأظن ان بإمكانكم أن تتخيلوا كيف كانت الوليمة، فقد كانت مهرجاناً وطنياً، لا غير. وفي نهاية زيارة المدرسة، كالعادة، لم تسمح لي زوجتي العاقلة بسياقة السيارة متذرعة بطبيعتي الانفعالية، ميلي للانتحار، وجاذبيتي الكبيرة في استقطاب تحرُّشات الناس ومعاكساتهم أو على الأقل تعليقاتهم الجارحة. ولم تسمح لي ذاتها الرشيقة بالجلوس بدلاً منها في المقعد الأمامي.

أما ذاتا زوجتي الأخريان المجنونة والخرساء فلم تقبلا ان أجلس معهما في المقعد الخلفي، كما أفعل نادراً؛ قالتا انهما لا تريدان ان تريا خِلقتي. أخذت زوجتي وذواتها الثلاثة الغاضبات السيارة، وقالت لي ذاتها الأجنبية المجنونة ان عليّ ان أعود إلى البيت بالمواصلات العامة، وحدي. ذلك اليوم لم تأخذ اثنتان من ذوات زوجتي مهمة عبء مرافقتي في المواصلات العامة، متظاهرتين انهما ذاتاي الترانسجندريتين، على الأقل رداً لعيون الناس وقصَّاً لألسنتهم الطويلة. وحقيقة الأمر انني ندمت على انفعالي ضدهن في المدرسة. لولا إهانتي لهن جميعاً، لرافقتني احدى ذوات زوجتي. كنتُ أدرك ان متعددي الذوات في مجتمعي يتقبلون الذوات والاشخاص الترانسجندريين قبولاً حسناً، ولكنهم لا يقبلون أن يعيش بين ظهرانيهم شخص وحيد غير شيزوفراني، مثلي. كان ذلك اقتراح زوجتي ذات يوم لحل مشكلة وحدتي، لكنني رفضته، طبعاً. ذلك النهار عدتُ إلى البيت حيَّاً بمعجزة. كان من الصعب ركوب الحافلات العامة. كل الركاب مع ذوات إلا أنا. ورغم ان القانون صريح بهذا الخصوص ويجبر السائق بتسهيل ركوب الوحيد غير الشيزوفراني في الباص ومساعدته، مثلي ومثل الأجانب والسائحين وموظفي البعثات الدولية، لكني لم أجد سائقاً متفهماً واحدا يتفق هو وذواته على مساعدتي وحمايتي؛ وأخيراً توقَّف باص لي وقال السائق ان بإمكاني فقط ان أجلس في الكرسي الأخير وشرَّط عليَّ الا أظهر نفسي لأحد، وقد وافقته ذواته الخمسون في الحافلة، وقفوا ونظروا لي نظرة مش-ولا-بُدّ، فأحسستُ انهم يخططون لقتلي. رفضت طبعاً الجلوس والاختباء في الكرسي الأخير، فالأمر فيه مخاطرة مرعبة، وقد قرأتُ نواياهم في عيونهم الشهوانية ووقفاتهم الاستعراضية وحركات أياديهم السافلة وألسنتهم المدموغة باختام الرقابة العامة. في الطريق إلى البيت كثيراً ما ركلني أشخاص متعددو الذوات أو لكموني، ونعتني الكثيرون بأغنية : وحداني، وحداني، وحداني الحليوة. وعزمتُ أمري منذ ذلك اليوم انني لن أعيد الموقف مرة أخرى، وقررت انني في المستقبل لن أغضب زوجتي ولا ذواتها، وربما سأسرق مفاتيح السيارة واترك زوجتي وذواتها يعودون الى البيت بسيارة أجرة، وهو أمر ليس بوسعي كشخص وحيد أن اتجرَّأ وأفعله.

كلما تذكرت انني اشتغلت صحفياً، أعجب كيف كان باستطاعتي ان اتعامل مع الناس الشيزوفرانيين وأنا مختلف عنهم لهذه الدرجة!؟ لا أعمل الآن، هذا هو ثمن الاختلاف فلا أحد هذه الأيام يوظف أو يثق بنفسية صحفي وحده تماماً، صحفي له رأيه الواحد وموقفه الواحد وذاته الواحدة. لم يعد يهمني عملي، ولا الصحافة ولا صحيفة “المزدوج”، التي أعطيتُها أجمل وأفضل أيام مهنتي العتيدة وتحقيقاتي الصحفية ومقالاتي النارية. لا أحب الصحافة ولا اقرأ الصحف أبداً، ولا أطيق حتى رؤية الصحف ولا قراءة حقيقتها المُفبركة ودعاياتها النفسية. أنا الحقيقة. أنا الحقيقة التي لا محل لها في الصحيفة كمكان عمل وموطن للحقيقة. خاف مني الجميع ومن الحقيقة. لقاء صحفي واحد أجريته مع مجرم محكوم غيابياً عبر الهاتف جعلني أفقد عملي للأبد. اتصل بي القاتل ولم ينكر قيامه بالجريمة، وأسرَّ لي باعترافه. وقدَّمتُ التقرير إلى رئيس التحرير، مع اسم القاتل وسرد لملابسات الجريمة وأدواتها وموقعها والأهم من كل تلك التفاصيل سبب الجريمة. أذكر كلام القاتل لي عبر الهاتف: يا وحيد، لقد قتلت ذاتي لأثبت زيف الواقع، نحن لا نحتاج إلى ذوات، وأنا الدليل فها أنا حيٌّ أرزق، رغم انني قتلتُ ذاتي. قلتُ له: ليس بالضرورة ان تثبت ذلك بالقتل، فأنا وحيد وبلا ذوات. سألني: أحقاً؟ أحقاً أنت بلا ذوات بتاتاً؟ اللعنة، إن ذلك يجعلني قاتلاً سافلاً.
قلتُ له: للأسف، أثبتَ ذلك بالدم والروح..
فقال: ليس المتعددون من يفعلون الجريمة يا وحيد. أكتب ذلك في تقريرك ايها الصحفي النبيل الباحث عن الحقيقة مثلي، بل هم الأفراد، الفرد حين يكون واحداً أحداً فهو يقتل ويجرم!! تذكر ذلك!!
قلت له: لكنك مخطئ، ها أنا ذات واحدة ولستُ قاتلاً أبداً. المتعددون هم الميَّالون للقتل والإجرام.

كتبتُ كل اعترافه وحواراتنا وقدمتها لرئيس التحرير، فرفض نشرها بل اتهمني وكذلك نيابة الدولة بان القاتل هو ذاتي. إذا لم تخني ذاكرتي، نشرت صحيفة “المتعدد” المنافسة لصحيفة “المزدوج” التي اعمل فيها، خبراً عني وكذلك صورتي، وذكرت انني متهم بقتل ذاتي. للأسف، الحقيقة لا تعيش على صفحات الجرائد. هذا واضح تماماً. هل ترون ذلك؟ أم هل أنا حاقد على الصحف لأنني طُردتُ من العمل فيها؟ أنا لستُ مريضاً، يريحهم ان يجعلوا مني مريضاً. حين لم يستطيعوا إثبات علاقتي بجريمة القتل التي كتبت عنها تقريري الصحفي الأخير، أقالوني من عملي بحجة مرضي، بل وألغوا رخصة عملي بالصحافة، لكي يحجروا عليَّ في البيت ويُبقوني بعيداً عن الناس. أذكر جلسة المحكمة شبه العسكرية التي أقاموها على عجل؛ لحق بي أنئذ ضابط المباحث في النيابة العامة، وقال لي انه متأكد انني أنا الذي قتلتُ الضحية ذاتي.
في عينيه سحر غريب وقوة مرعبة؛ كل ثنائي الذوات يرعبونني. لقد توقعتُ بحدسي السحري ان الضابط ثنائي الذوات حتى قبل أن أرى ذاته المتشكك الغامض الصامت. كان يتهمني وأنا عيناي زائغتان تبحث عن ذاته الأخرى، فإذ بها تراقبني من خلف عمود رخامي منقوع بالعتمة. شعرتُ بظلاله تطالني وتغطيني وتحاول أن توثقني بالخوف والاستسلام واليأس. كم شعرتُ بأن لهما قوة تحمل وصبر على المعاناة والعذاب وسيطرة تامة على الآخرين وعلى نفسيهما وعليّ.
دافعتُ عن نفسي وأنكرت: أنا وحيد، لا ذات لي. لا ذات أخرى لي.
قال: كاذب، قاتل، لا تمثَّل عليَّ انك مجنون. لن تنجو بجلدك طويلاً. أنا وذاتي متأكدان ان ذاتك هي القاتلة، انها تختبىء في مكان ما. سأكتشفها.
وهكذا كان أسهل أمر يفعله أهلي أن يصدروا تقريراً طبياً يشير إلى إنني مريض عصبياً وانني أعاني من نكران لاواعي للذات. كثيراً ما أحلم أنني اقرأ صحيفة “المتعدد” الرسمية، صحيفة “المزدوج”، التي طُردتُ منها، وعليها صورة قديمة لي، تحتها اسمي، وصورة للضابط الثنائي. أحلم وأقول في نفسي: هل أنا فعلاً اقرا صحيفة؟ هل هذه صورتي؟ هل هو عدد قديم؟ بدت لغة الخبر إشاعة مُغرضة معجونة بالتحريض والعنصرية ضد الوحيدين من البشر مثلي، لكي يزيدوا بيع أعدادها. هل أبالغ في خوفي؟

حين أخرج من البيت أتخيل ثمة قتلة تجوب شوارع المدينة تستسرني باعترافاتها وضحايا تمشي إليَّ تسرد حكاياتها، لذلك لا أحب الخروج من البيت. أصبحتُ بيتوتي تماماً، كأنني رب بيت معدَّل. أحبُّ أن أبقى في البيت أكتب، اقرا واستمع للموسيقى، أطبخ، أنظف البيت وأكنسه، أعيد ترتيب الأثاث كلما مللت، أصون ما يحتاج إلى تصليح أو إضاءة أو سباكة وأطرش البيت وأدهن الأبواب. قليلاً ما أخرج من البيت لأرى أصدقائي أو أحبائي الشيزوفرانيين، ولا أحبُّ ذلك أيضاً، فحقيقة الأمر ان أصدقائي قلة قليلة، أحدهما أجنبي في بلده، يزور بلادنا كل بضعة أعوام، والثاني لديه حالة شيزوفرينيا مرضية ويخضع لعلاج في إصلاحية نفسية، وقد منعني أهله حتى من زيارته، والثالث بدأت مشاعره نحوي ونحو صداقتنا تفتر، وهو طبيب نفسي ابن ذوات، كان دائماً ينصحني باني احتاج إلى طبيب نفسي قبل فوات الآوان.

في حقيقة الأمر، كلَّما خرجتُ من البيت، أندم. آخر مرة خرجتُ من البيت كانت قبل ثلاثة أشهر، خرجتُ من البيت وندمت. زرتُ أخي في حانوته. اشتقت إليه رغم انني لا أطيقه وأخشى مما يفعله، فأنا لا آمن جانبه. وجدتُ حانوته مُغلقاً، وكنتُ على وشك أن أعود مع زوجتي إلى البيت حينما طلَّ بسيارته ومعه ثلاثة رجال، لا أذكر انني رأيتهم من قبل. قال لي انهم ليسوا اصدقاءه ولا زباءنه، بل انهم ذواته. الغريب بأمر أخي انه يغشُّ الجميع ويستبدل ذواته بين الفينة والأخرى بذوات أخريات، وهو أمر غير قانوني ويُعتبر تزويراً في الهوية الرسمية. في حانوته أدركت في دقائق معدودات انه صار يهرِّب إلى البلد غرباء بحجة انهم ذواته وبأوراق ثبوتية مزورة. انه يعمل في التهريب الآن. ولا استبعد انه يتاجر في الرقيق. قليلا ما تحدثنا.
سألني عما أحتاجه.
قلت له: فقط رؤيتك.
وقف حائراً يفكر بكلامي، وقال: ليس بوسعي ان ادبر لك وظيفة في صحيفة وأنت مريض هكذا، آسف.
هل هو الذي وظفني قبل سنوات؟ أم ذواته؟ أم واسطاته؟ أم عالمه التحتي!؟
طلبت منه – بعد ان استأذنتُ من ذواته المزيفين- ان يوصلني الى البيت. فقال حاضر.
سألته عن أختنا الصغيرة، فقال: أصبح لها عشرون ذاتاً وهي ناجحة ولها مكانتها في المجتمع. نصحته بالحذر، فقال لي بالحرف الواحد: يعجبني أن أكون ابن ذوات، هكذا بلا أصل فردي! اعمل معي. سأجعلك غنياً. قدم طلباً للسجل واطلب بضع ذوات كلَّ ستة اشهر.. مال كثير!!

في حقيقة الأمر أخي بلا ذات مثلي، لكنه لا يستطيع أن يتحمل أن يكون مختلفاً عن مجتمعه. قرفتُ من نفاق أخي وخداعه وفهلوته، جبنه وانتهازيته وإجرامه، وعدتُ الى البيت بسيارته مثقلاً بالحزن والكآبة.

حاولت أن أستفزَّ أبي رحمه الله ذات يوم، وهو على سرير المرض، ضدّ أخي وانتهازيته واخواتي الشيزوفرانيات ولكني لم انجح باستفزازه. طالما أحب أبي أخواتي أكثر مني ووقف أبي مع أخي وأحبه وأحب دهلسته وفهلوته أكثر مني. استفززته وطلبتُ منه أن يسرد لي كيف كانوا يعيشون قبل ان تنشأ الدولةُ دائرةَ الرقابة وسجلَ الذوات. لم يسمح ذوات أبي له بقول كلمة حق واحدة، وسخروا مني.

وحتى حين توفي أبي، قامت دائرة رقابة الدولة وسجل الذوات بسحب ذواته من البيت لإعادة جدولتها في مدن أخرى. والحقيقة انني كبرت ووعيتُ وأنا أرى ذوات أبي معه، وكنتُ في داخلي اعتبرهم جميعاً آبائي، وكان من الصعب عليَّ ان افترق عنهم. ليس الأمر هيناً، انهم ذاكرات حية تتنفس، وبوسعي أن أرى دموع اثنين منهم لوفاة أبي وعلى فجيعتي لاسترداد رقابة الدولة لهم وإعادة توزيعهم بعيداً عن حياتي كأنهم سيدفنون مع جثة أبي. لقد كنتُ أحبُّ ذوات أبي المزيفين أكثر مما أحبُّ أبي، هذه هي الحقيقة، لكن ليس بوسعي ان اكشف ذلك لأحد. كانت رائحة أبي متعلقة بأجسادهم وملابسهم ونظراتهم، وكنت اتظاهر انني أعانقهم لأشم رائحة أبي. كلا، عانقتهم لأنني أحبهم. عِشرة عمر، عِشرة عمر، كيف تحملوا ان يعيشوا معاً كل هذا العُمر ولم يفكروا بيوم الفراق ولم يثوروا يوماً!؟ كيف بنى أبي وذواته مشاعر الألفة التي تربطهم؟ كنتُ أحسدهم.

حين قابلتُ ذاتَيْ ابنتي الحبيبة، راودني شعور عميق بالفشل والانزعاج وحسدت أبي وذواته على ألفتهم. فذات يوم، عادت ابنتي إلى البيت بباص المدرسة، بينما كانت زوجتي في العمل في وزارة الشباب والرياضة. كنتُ قد طبختُ ونظفتُ البيت وجهزت غرفة ابنتي لاستقبال ضيفتي ابنتي الدائمتين. وعند الثالثة عصراً، عادت ابنتي الصغيرة البريئة إلى البيت ومعها طفلتان هما ذاتاها، كانتا تحملقان فيَّ كأنني الذئب الذي التهم جدة ليلى. احداهما قالت لي انها لا تريد ان تحادثني ذلك اليوم وانها لا تريدني أن أدعوها ابنتي أبداً، وهي لا تعتبرني أباً بتاتاً، بينما الأخرى كانت صامتة ومصدومة وظننتُ انها خرساء.
عادت زوجتي بعدهن بدقائق، وخلفها ذواتها الثلاث.
ضربتني زوجتي العاقلة سؤالها الأول: هل عادت لُجَين؟
قلت: عادت ومعها ذاتان.
سألتني: كل شي تمام؟
قلت لها: ماشي. تبدو سعيدة.
تركتني عند الباب هي وذواتها، وذهبت لتلقي نظرة على ابنتنا وذاتيها ‘الجديدتين لنچ’. ثم سُرعان ما رأيتُها تدعو ذواتها إليها بسبابتها، دنين منها فقالت لهن سعيدة، كأنني غير موجود: الحمدلله، ابنتنا تبدو شيزوفينية بأفضل شكل طبيعي ممكن! تتعامل مع ذاتيها بمنتهى القبول، أنظرن!! ثم تنهدت زوجتي الصُعداء، وكذلك تنفس ذواتها الصعداء. فتحت زوجتي باب غرفة ابنتي، وفوراً شاعت في البيت نوبات هيستيرية من الضحك والقرقرات والرقص، وأنا واقف أحملق بما يجري، لا أدري ماذا تكون تصرفاتي وماذا علي ان اشعر. وفي لحظة ما نظرت نحوي ذات زوجتي الرشيقة وقالت: عقبال عندك.
وقالت زوجتي العاقلة: سنحاول العثور على علاج لك ولو في آخر يوم في حياتي!
حالاً ابتعدتُ عنها، منزعجاً.

كثيراً ما رثوتُ لحال زوجتي ومختلف ألوان المحاولات العلاجية العبثية التي تحاول ان تفرضها عليّ. كلا، لستُ متعدداً، وليس لي ذات أخرى. أنا ذاتي، أنا حقيقة واحدة، أنا شخص واحد، أنا وحيد، اسمي وحيد، وهذا واقعي وليس خيالاً جامحاً، لماذا ليس بوسعهم أن يتخيلوا ذلك؟ رأيتُ الآخرين عاجزين، ومروضين ومُسيطَر عليهم وعليهن. ولأنهم متعددون فيسهل عليهم تفصيل الآخرين كما يريدون واقتراف الجرائم وإسالة الدم وهدر الأرواح وتبذير الأعمار. سأخطب فيهم ذات يوم، وأبشِّر بحكمتي المجنونة التي بلا أنياب، لماذا لا يسمعون!؟

هكذا عادت زوجتي إلى البيت مع ذواتها ومع ابنتي وذاتيها متأخرات جداً ذات مساء. قلتُ لها انني قلقت عليهم جميعاً، تنهَّدت آسفة وهي تقول ان السيارة تعطَّلت. وسدَّتْ زوجتي العاقلة باب البيت لثوانٍ بجسدها القصير ورأيتُ وراءها ذات زوجتي الطويلة، وسمعت أصوات أخرى. ثم تنهدت ذات زوجتي المجنونة، وقالت لي: مفاجأة!!

وأنا لا أحب المفاجآت، فالمفاجآت أحسن جوائز لتعزيز الشيزوفرانيا، وأنا لا أمتاز بها. لا تدهشني المفاجآت بل ولا تريحني ولا تسعدني أبداً. بل ان مفاجأتها كانت عذاباً قاتلاً. وكانت المفاجأة ان زوجتي عادت إلى البيت ومعها رجل غريب!! أية نكتة سمجة هذه المفاجأة؟ لم أطقه ولم أسمح له بدخول عتبة بيتي. وقفتُ أمامه بكل عدوانية وبكل وقاحة عند عتبة البيت فبقي في الخارج، محتاراً، مسالماً ومتردِّداً.
صرخت فيَّ زوجتي العاقلة: ما بك؟ فضحتنا.
وصرخت فيَّ زوجتي الطويلة الرشيقة: وبعدين معك، انا بعالج مشاكلك، وانت بتعقدها؟
سألتها: مين الرجل؟ هو ذاتك برضة أم تؤام روحك!
قالت زوجتي الأجنبية المجنونة: ناقصنا ذات ذكورية يا خبيبي!؟
قالت زوجتي العاقلة: انا بحاول اساعدك، حبيبي. أرجوك، استقبل الرجل كما يجب عليك.
قلتُ لزوجتي: مين الرجل، قولي لي؟ ذاتك؟
صرخت فيَّ زوجتي العاقلة: ذواتي ثلاث وبس، وها هن امامك، بتعرفهن منيح، على ما اعتقد.
قلت لزوجتي: مش شايف الخرسا، أم الشعر الألبينو، وينها!؟
سمعتُ صوت الخرساء وهي تبرطم بأصوات مبهمة مزعجة في مطلع الدرج.
قالت المجنونة: تعال، القي نظرة عليه، يسعد هالطلة! هاي الرجال ولا بلاش!!
قالت زوجتي الرشيقة: هدا الرجل راح يصير ذاتك.
قلتُ لزوجتي حالاً: ما بدي أكون بن ذوات، أنا. فرد، واحد، وحيد، لا غير.
قالت زوجتي الطويلة الرشيقة: والله شكله مش بطَّال.
قلت لزوجتي وذواتها: مائة مرة حكيت لك: أقبليني مثل ما أنا مشان الله. إزا العيشة هون صعبة عليك، بنقدر نهاجر ونعيش برة أحرار. يا الله انا تعبان.
قالت زوجتي الطويلة الرشيقة: يا حبيبي، كل الناس الها ذوات تانية، خليك زي الناس.
قلتُ لها: من وين جبتيه؟
قالت المجنونة: لقيته الخرسا لقية، كان متخبي في الباص.
سألتُها: في آخر كرسي في الباص؟
قالت ذات زوجتي الطويلة: كيف عرفت؟
قالت زوجتي العاقلة: وع فكرة هو زيك، وحيد.
قالت زوجتي المجنونة: قلت بحالي بنجيبه وبصير ذاتك، ولو بالكذب ولو بشكل غير قانوني. المهم يشوفوكم الناس وموظفي الحكومة ويحلُّوا عن سمانا.
قلتُ لها: أنا ما بكذب، مليون مرة قلت ما الي ذات تانيه غير ذاتي..
قالت زوجتي العاقلة: دخيلك، سيبك من خيالك الجامح، عشاني!! خليك زييَّك زينا..
قلتُ لها: ولا يمكن، ولا مرة، شو!؟ أنا مختلف، أنا مش قادر، نعسان..
قالت زوجتي الأجنبية المجنونة: اعتبره ذاتك بس قدام الناس وأهمله، والله خاسة راح تصيروا اصخاب سوا سوا..
قلتُ لزوجتي: ما بدي إيَّاه!! ما بدِّي أصير مثل أخي.
قالت زوجتي العاقلة: افتح الباب وشوفه على الأقل.. ممكن انك تغيَّر رأيك.
قلتُ لزوجتي: ما بدي إيَّاه.
قالت زوجتي الطويلة الرشيقة: حبيبي، انت بتعرف هدا نكران. انت بتعرف الحقيقة. انا بس بدي تكون انسان سويّ. لا اكتر ولا اقل. افتح الباب وشوفه.
فتحتُ الباب وألقيتُ نظرة على الرجل الذي في مطلع الدرج، حيث شبه أقعى مقعمزاً على قدميه ككلب ينتظر إشارة من سيده.
سألتُ زوجتي: بيحكي؟
قالت زوجتي الطويلة الرشيقة: قليل، حكيه نادر.
سألتُ زوجتي: بياكل؟ بيشخ؟
قالت زوجتي العاقلة: أكيد. طعميته حبة شوكولاطة.
سألتُ زوجتي: بنيك؟
قالت زوجتي الأجنبية المجنونة: شو بعرفني. بنعيش وبنشوف.
قلتُ لزوجتي: ما بدي إياه، خلي برَّة، كس امه! ع فكرة بشبهني.
قالت ذات زوجتي المجنونة: كيف بشبهك!! شو دخل طز بمرخبا.
قالت زوجتي العاقلة: انت حر.. اعمل اللي بدك اياه.. راح تموتني من خيالك الجامح.
قالت زوجتي الطويلة الرشيقة: بس ازا ما بدك اياه، قل له يروح يبحث عن ذات تانية. حرام يبقى هيك: لا معلَّق ولا مطلَّق.
سألتُ زوجتي: بفهم عليّ؟
قالت المجنونة: لعمره ما فهم عليك. مش ضروري حدا يفهم شي في الدنيا!
قالت العاقلة: قرِّر هلأ وانهي الموضوع، ع فكرة بشتغل صحفي، مثلك.
أما الرشيقة فقد نادت الذات الخرساء من مطلع الدرج: هَبَا هَبَا، فوتي يللا. مش وقته هلأ كلام الهَبَا الهَبَا.. فوتي، يسم بدنك شو لطعة وتقيلة.. صحفي وخرساء، جمَّع ووفَّق!
خرجتُ من الباب، وقفتُ متعباً شبه نعسان، أمام ذاتي المقترَحَة للدراسة والبحث، الرجل الآخر.
سألته: صحيح انك صحفي؟
هز رأسه بنعم.
سألته: بأية صحيفة؟ المزدوج؟ الثالوث!؟ الاثني عشر؟ الرقم الصعب؟ المتعدد؟
هزَّ رأسه نافياً إثر كل اسم صحيفة ما عدا الاسم الأخير فقد هزَّه بالإيجاب. صارحته بأن ليس لي ذات، دوناً عن البشر، وانني سوف أنكر أي رابط بيننا وأنكر انه ذاتي لو أكتشفت شرطة الرقابة العامة شخصيته الحقيقية.
سألته: هل تمانع لو أنكرتُك وأنكرت معرفتي فيك؟
هز رأسه نافياً.
سألته: ورغم ذلك، حابب تكون ذاتي؟
هز رأسه بنعم.
سألته: بجد، هل تحب تكونِّي؟ انت في منتهى الغرابة.
هز رأسه بنعم.
سألته: بتحبني؟
هز رأسه بنعم.
سألته: انت مين؟
أشار بيده إليّ، وقال بكل ثقة وغرور: أنتَ.
أقشعر بدني حالما سمعتُ صوته. بدا صوته مألوفاً.
سألته: هل تعرفني؟
ابتسم وقال: يخلق من الشبه ستاً وستين ذاتاً. بكل الأحوال، أنكر معرفتي السابقة بك.
ضحكت وهززتُ رأسي مستحسناً نكتته، ثم سألته: وين راح تنام، حضرتك؟
قال الرجل الآخر: في أية عتمة.
سألته: في أية عتمة؟
قال الرجل الآخر: عتمة بيت، عتمة سجن، عتمة قبر، عتمة مخك أو أية عتمة أخرى انت بتختارها.
سألته: بتطلب مني ايشي؟
قال: احكي معي دايماً، حتى وانت نايم مثل هلأ.
سألته: شايفني نايم هلأ؟
هز رأسه بنعم.
سألته: وليش أحكي معك؟
قال الرجل الآخر: عشان اعرف شو في براسك.
سألته: بتعرف هلأ شو في براسي؟
هز رأسه بنعم.
سألته: شو في براسي؟
قال: بدك إيَّاني أقتل زوجتك.

في الصباح، وقع عدد من صحيفة “المتعدد” الرسمية بين يدي، وعليها صورة قديمة لي، تحتها اسمي ونعت يصفني بالمجرم:
شهدت المدينة الكبيرة، التي لا يمشي فيها فرد واحد وحده، جريمةً هزّت كل البشر متعددي الذوات، فقد اتضح ان شخصاً واحداً غير شيزوفراني قد قتل زوجة بنت ذوات. كانت ذواتها قد دافعن عنها وعن انفسهن لكنهن جميعاً متن معها بسبب الرعب والروتين والخيال الجامح.

 

28-4-2014
جمال القواسمي

Filed under: أدب, مختارات

اترك تعليقاً

*