كُـونـشِـرتُـو البـنـَاء للمَجهُول (1) / أنس الحجاجي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فيما يلي القسم الأول من رواية “كُـونـشِـرتُـو البـنـَاء للمَجهُول”، التي خص مؤلفها أنس الحجاجي لغو بنشرها. القسمان الثاني والثالث يتبعان على حلقات.

 

إلى

سيمون بيير هاملان،

القديس الذي مجد الكلمة وسط صحراء الخراب

 

 

سنعرف من نحن حين سنرى ما فعلناه.

بيير دريو لاروشيل،

(الزعيم)

 

القسم الأول

 

سعار الشرايين العارية


مع الوعي بالذات، دخلنا إذن إلى أرض ميلاد الحقيقة.”

جيورج فيلهلم فريدريك هيجل،

(فينومينولوجيا الروح)

 

(١)

غربة (دوستويفسكي)

 

لا يحتاج المرء إلى أشياء كثيرة كي يكون حيا، لكنه يحتاج أشياء أكثر من الوجود كي يستحق أن يسمى حرا.

لم أجد سوى فكرة واحدة و أنا في مواجهة هذه الورقة البيضاء التي تسخر مني في خبث لعجزي عن إعطاء قلمي مهمته الطبيعية. فكرة واحدة خطرت ببالي فقررت أن تكون هي البداية، دون أن أعرف عبر أي منعرجات ستأخذني و لا إلى ما ستنتهي : أكثر كلمة أكرهها على الإطلاق في هذه الحياة السفلية هي “نحن”، خصوصا حين يقولها الآخر.

coffeeأصعب أمر في كتابة قصة ما هو البداية. و حين تتعلق المسألة بقصة صديق فإن الصعوبة تصير مضاعفة إلى درجة الاستحالة. البداية تحدد كل شيء، و بقدر ما يكون المرء مهووسا بالبقاء وفيا لصديقه بقدر ما تتفنن الكلمات في خيانته و تسقطه في فخاخ قاتلة. لهذا السبب، قررت أن أروي قصة صديقي الشيوعي وفاء مني لرجل قاسمني سنينا طويلة أفكاري و هواجسي. صديقي الذي كان يؤنس عزلتي بالمعارضة أيام كنت مجرد طالب في الجامعة أجد في الأفكار الكبيرة درعا يقيني مما تخبؤه لي الأيام. كنت على حق. لو لم تكن هناك الفلسفة لفقدت عقلي منذ زمن بعيد، حين اكتشفت أن الواقع لا تسيره الأفكار و لا حتى المصالح كما يروق لمن يسمون أنفسهم بالواقعيين الدفاع عن هذا التصور. في حقيقة الأمر، الواقع لا يسيره أي شيء. نعم، لا شيء. لا شيء، هذا هو ما يسير الواقع لأنه لو كانت المصالح هي التي تحدد شبكة العلاقات لكانت هناك على الأقل نسبة من العقلانية تحكم سلوك الناس. يكفي أن يجلس المرء في مقهى لمدة ساعة أو يتجول في الشارع مرهفا السمع لسحابة الأقوال التي تتجمع في الفضاء ليطرح على نفسه سؤالا بديهيا : ما هو الرابط المنطقي بين كل هذا ؟ إذا وجده فإني أعترف بخطئي و أسحب كل ما قلته. لأن الحياة في المدينة تقوم على ضبط سلوك المرء اليومي تصير الرتابة هي القانون الأسمى. و للرتابة مفعول مماثل لمفعول الماء على الحديد، الصدأ. لهذا، حين شعرت بأن روحي صارت ثقيلة إلى حد لم أعد فيه أقدر على فعل أي شيء انعزلت في بيتي كحيوان جريح لا أكف عن النظر إلى أوراقي التي لا تسود بحبري و إنما تزداد بياضا كل يوم. أفكر طويلا في جملة واحدة تساعدني في القبض على خيط يمنحني قصة، لكن دون جدوى. لم أتردد للحظة واحدة حين اتصل بي صديقي القديم يدعوني لشرب بعض الكؤوس في حانة تطل على البحر. انتظرته في مقهى صرت أتردد عليه في السنوات الأخيرة لما يحققه لي من سكون روحي و مسافة نقدية مع حركة الناس. من عادتي في آخر كل نهار أن أشرب قهوتي في هذا المقهى البسيط الذي يقاوم بكل قواه زحف الدمار الذي يسببه الهوس باستقطاب أكبر عدد ممكن من الزبناء قصد الرفع من المبيعات. و لعل السبب في شراسة هذه المقاومة يرجع إلى الإيمان القوي الذي يتحلى به صاحبه و يقينه بأن الرزاق هو الله وحده و هو على كل شيء قدير. أنا متأكد من أن هذا هو السبب. أقول إنني متأكد لأنني فتشت طويلا عن سبب مقنع و لم أجد. فصاحب المقهى لا يكف عن قراءة القرآن الكريم الذي لا يفارقه أبدا. و في كل مرة يقوم فيها من مكانه لغرض ما يحرص على تصحيح وضعية اللوحة العتيقة المعلقة فوق رأسه و التي كتب عليها بخط كوفي أنيق (فَسَيَكفِيكَهُمُ الله وَ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيم). زبناء المقهى يعدون على رؤوس الأصابع، و كل واحد منهم يعرف الآخر، بالوجه فقط، دون أن يغامر في السلام عليه مما قد يترتب عن ذلك فتح باب الحوار معه. هنا، لا يوجد الحوار. متوسط الأعمار خمسون سنة. و أنا، أشكل الاستثناء الوحيد لصغر سني بالرغم من أن شاربي و كذلك صلعتي الخفيفة توحي بأن عمري يتجاوز الأربعين. لا أجد في هذا أية مشكلة. فكما يقول المثل الفرنسي : العمر يبتديء من سن الأربعين. هذا يعني أنني لم أولد بعد.

هو فضاء يسمح لكل من يشعر بالغربة أن يعمق غربته أكثر. و ما أحبه في هذا المقهى هو أن كل من يجلس فيه لا يكتفي بشرب القهوة أو الشاي و إنما يقرأ بنهم كبير صحيفة أو كتابا. هناك على الأقل رجلان ما إن يجلسا في مكانهما المعتاد حتى يبادرا إلى فتح كتاب، من الصفحة التي توقفا عندها آخر مرة. هما لا يعرفان بعضهما، غير أن القراءة تبدو هي الرابط المشترك بين عالميهما المبني وفقا لضوابط يحرصان أشد الحرص على احترامها. و لأن موقعي يكون دائما في أقصى زاوية فهما يدخلان لا إراديا في حقل رؤيتي، و أشعر لمجرد رؤيتهما يقرآن أنني أقرأ معهما. يكفي أن أعرف عنوان الكتاب ثم أخمن محتواه لأطلق العنان لمخيلتي ترسم الفصول و تكتب الفقرات. هو تمرين ممتع أحب أن أخضع عقلي له عوض الاستسلام للشعور القاتل بالعجز. أنظر إليهما و لا أستطيع منع نفسي من حسدهما على قدرتهما الفائقة في التركيز وسط اللغط الذي لا يكف عن التعالي في الطابق العلوي، محمولا بالصوت البكائي لأم كلثوم أو محمد عبد الوهاب. هنا، لا توجد أغاني مصورة. و بالرغم من أن المقهى يتوفر على شاشة كبيرة مثبتة في أعلى زاوية الجدار فإنها منطفئة على الدوام. آخر مرة شغلها صاحب المقهى كانت بمناسبة إحدى مباريات كرة القدم. اجتاحت فيالق من الأوباش لا حصر لها كانوا يزايدون على بعضهم البعض في إظهار الإعجاب بالفريق إلى حد الذوبان. في ذلك اليوم، لم يجلس أحد من الزبناء المعتادين في مكانه. دخلوا، رأوا تلك الجموع تموج فوق الكراسي، طأطؤوا رؤوسهم، استداروا نصف دورة في مكانهم ثم خرجوا. و قد كنت واحدا منهم. لطالما كانت طبيعتي تنسجم مع العجزة أكثر من الشباب، ذلك لأنني أحمل في وجداني تصورا رومانسيا عن الشباب. ما أقصده، الشاب هو الذي يذهب إلى المكتبة، يقضي فيها ساعة أو ساعتين، يشتري ما استطاع من عناوين جديدة، يذهب بعد ذلك إلى مقهى لا يعرفه فيه أحد لينتشي بما اقتناه مدخنا سجائره المفضلة قبل أن يعود إلى بيته ليشرع في القراءة.          و بالإضافة إلى القراءة هناك الكتابة. الشباب هو زمن الكتابة، و الكتابة هي العبادة اليومية لكل شاب. من وجهة نظري، دائما. قبل أن أنسى، منذ يوم تلك المباراة، قرر صاحب المقهى ألا يتم إشعال جهاز التلفاز تحت أي ظرف من الظروف، و إلى الأبد. نبهه النادل إلى خطورة قراره هذا متذرعا باحتمال تأثر المداخيل فلم يتأخر رده الذي أتى في الحال و كأنه لم يكن يحتاج أن يفكر : “حفنة من النحل أفضل من قفة ذباب.”

حاولت مرات عديدة أن أقرأ في المقهى، لكنني لم أنجح. القراءة عندي مثل الكتابة بالضبط، تحتاج إلى صمت مطلق. فأنا لا أقرأ للاستئناس، و لكن أحب أن أستنزف النص من كل محتواه حتى آخر نقطة، و هذا يتطلب مني جهدا كبيرا. ثم أن القراءة كما أتصورها لا تستقيم إلا بواسطة مجموعة من الطقوس المرافقة للاحتفال بالنص : قهوة سوداء طرية تعبق رائحتها في كل أرجاء الغرفة، منفضة مغسولة و منشفة بعناية فائقة، علبة سجائر جديدة لم أفتض بعد بكارتها، رزمة أوراق موضوعة على يمين المكتب، قلمي (باركر) الذي لم            و لا و لن يفارقني ما حييت، و فوق هذا كله أهم ركن : الجلوس في المكتب قبالة صورة (فيودور دوستويفسكي). أملك صورة لهذا الكاتب الروسي الكبير محفوظة في إطار جميل. علي أن أكون دوما في مواجهته حين أكون أكتب أو أقرأ. ربما لأنني أتمنى في قرارة نفسي أن أبلغ قوته السردية. أعترف بذلك. لو قدر الله لي حياة أخرى لتمنيت أن أكون (دوستويفسكي). كل عمل لا يشبه عملا آخر، و كل عمل مكتوب بلغة بسيطة حاملة أفكارا قوية. كل عمل تحفة في حد ذاته. ليس مثل أدباء مثل هذا الزمان الذين ينفونك إلى مجاهل الإغراب بتكلفهم الأسلوبي المتصنع و يحملونك فوق ذلك عقدة ذنب مجانية بأنك لم تقدر على فهمهم. ماذا أفهم إذا كان الكاتب نفسه عاجزا عن فهم ما كتبه و شرحه و الدفاع عن فكرته، هذا إن كانت هناك أصلا فكرة ؟ القراء ليسوا قطيع دواب يعلفون كل ما يرمى لهم، و إنما فصيلة خاصة من الناس تملك حسا عاليا بالأشياء و ذكاء، قد يكون متخفيا، لكن يلمع عند أول فرصة يحتك فيها بموضوع. وحده (دوستويفسكي) علمني لماذا الناس يستمرون في قراءة الأعمال الكلاسيكية، في حين تجد الأدباء المعاصرين لا يقدرون على العيش لمدة أسبوع أو أسبوعين. أعوض عدم قدرتي على القراءة في المقهى بالتفكير، بالملاحظة و التفكير. أجعل عيني تلتقط أكبر عدد ممكن من اللوحات البشرية، لكن خلسة و من دون تطفل على الآخرين. أذكر، حين كنت صغيرا، كانت أمي تنهاني باستمرار عن تركيز نظري في الآخرين معللة ذلك بأن وحدهم قليلي الأدب من يحدقون في الناس. أنا أحترم الناس بنفس القدر الذي أحترم به نفسي. الاحترام عندي يحتل مرتبة متقدمة في سلم القيم. و هو نفسه الاحترام الذي يجعلني أتردد يوميا على هذا المقهى. فما إن تتخطى قدمك عتبة الباب حتى يستقبلك النادل بابتسامته الصادقة مرحبا بك، مطمئنا على صحتك و مستعجلا قهوتك المعتادة. أقول ابتسامته الصادقة لأن لي خبرة في النفاق الاجتماعي، فقد عملت لبضع سنوات كبائع. أستطيع إذن أن أميز بين مختلف أنواع الابتسامات و الضحكات. “تفضل يا أستاذي.” هكذا يقول لي النادل عند دخولي ملوحا بيده اليمنى إلى أعلى ليحضروا قهوتي كما أحبها. “أستاذي”، كلمة السر التي تجعل الإنسان يأمن على عيشه في زمن فقدت فيه المدرسة كل قدرة على الارتقاء بالبشر. ليست المدرسة وحدها التي صارت عاجزة عن إنتاج أناس يسمون إلى أعلى، المجتمع كله يعيش حالة إفلاس أخلاقي. و المقهى هو ترمومتر كل مجتمع. في أغلب المقاهي الأخرى، يضع النادل فنجان القهوة على مائدتك و هو يرميك بنظرة كره كأنك تنكح أمه أو قد نكحته هو دون أن تعطيه أجره. لا أفهم من أين أتى هذا الوباء الذي انتشر كالنار في الهشيم : لقد صار للناس بمختلف طبقاتهم استعداد وراثي للحقد. و لا أظن أن الفقر هو السبب، فقديما كان الناس أكثر فقرا و بالرغم من ذلك كانوا ودودين موقرين. لا أدري. بدل أن أفكر في هذه الإشكالية العويصة أفضل البحث في هذا الديكور المتحرك عن تفصيل لعلني أجد مفتاحا جديدا لباب نص جديد. قصة أو قصيدة، لا يهم. الأهم هو الكتابة. فكم من رواية هي في العمق قصيدة مطولة و كم من قصيدة هي في الحقيقة قصة قصيرة، لا يهم. الفخ الذي كنت دوما أسقط فيه هو أنني كنت أجبر نفسي على التفكير في قصيدة جديدة فأجدني لا شعوريا أكتب قصة، و العكس صحيح. و لأنني لا أستطيع الكتابة في المقهى كنت أنتظر عودتي إلى البيت. المشكلة، ما إن كنت أجلس لأكتب حتى أكتشف أنني قد نسيت كل شيء. يبقى عقلي يدور في الفراغ مثل طاحونة هوائية لا أجد أي شيء و أنا أحدق ملء العينين في (دوستويفسكي) الذي شبك أصابع يديه حول ركبته اليسرى بعد أن وضعها فوق رجله اليمنى متأملا بعينيه الغائرتين في شيء ما يراه هو و لا أراه أنا. أسأل نفسي : ترى فيم كان يفكر بالتحديد و هو ترسم له هذه اللوحة ؟ لو كانت ثمة وسيلة غير الخرافة للتحدث مع الأموات لكانت مشاكل كثيرة قد حلت. لهذا السبب، التاريخ ليس سوى سلسلة طويلة من سوء الفهم. الأموات لا يكملون أبدا ما شرعوا في إنجازه. و أولئك اللذين يخلفونهم يسارعون بطمس الإرث المتربع بين أيديهم، ليس لأنهم يرغبون في تشييد شيء جديد و لكن لأنهم يخافون الموت. أقول الخرافة. الخرافة التي تجعل الإنسان يستسلم للموت مقابل متعة الوهم التي تصور أن الحياة لا تستحق أن يحارب من أجلها. المنطق بطبيعته مرهق للعقل. أما الخرافة، فهي لا تحتاج لجهد كبير، يكفي أن تؤمن بها لتكون لها السيطرة المطلقة. ليس عجيبا إذن أن تكون الخرافة سابقة على العقل، فالبشرية آمنت قبل أن تفكر.

انتهت إذن سنوات الجامعة و انساق كل واحد منا وراء متطلبات عمله الذي اختاره أو لم يختره، تلك مسألة أخرى. المهم في الأمر هو أنه كان قد مضت سبع سنوات على آخر مرة التقينا فيها. سبع سنوات مرت في لمح البصر جعلتني أعي الوزن الحقيقي للزمن و تفاهة كل أولئك اللذين يركضون وراءه.

صديقي كان و مازال شيوعيا. اعتنق الشيوعية أولا عن حب ثم تبنى أطروحاتها عن إيمان. درس الفلسفة لأنه حقا أحبها في حين قرأتها أنا حبا في استكشاف مناطق فكرية جديدة لا غير. بحكم طبيعتي التي تحتاط من كل المنظومات التي تستحوذ على كيان الإنسان لم أغامر بالتعمق فيها خوفا من أن تسلبني أغلى ما أملك في هذه الحياة السفلية، حريتي. كانت دائما في ذهني فكرة راسخة بأن الفلسفة مثل الدين مع فرق بسيط بينهما. الفلسفة تخاطب العقل بينما الدين يخاطب الروح، لكنهما يلتقيان في قدرتهما السحرية على سلب الإرادة الضرورية لمواجهة العالم. و لأنني كنت محموما بطموحي في أن أصير رجل دولة عظيم يذكره التاريخ درست الحقوق ثم تخصصت في العلوم السياسية لعلني أتمكن من فهم و ضبط آليات دوران العجلة السياسية، غير أن واقع الحال كان صادما إلى درجة الكفر. و لأنني مؤمن جيد وجهت أشرعة سفينتي نحو الكتابة، أقصد الكتابة الأدبية. أعترف بأن وحده الأدب الذي أنقذني حين كان كل شيء يتهاوى من حولي و أنا مشلول عاجز. لم أؤمن يوما بجدوى السياسة و العمل الحزبي لأن (ماكس فيبير) كان قد علمني أن الحزب مجرد مجموعة أناس يدافعون عن مصالح خاصة. كنت أؤمن بالحكم و ضرورة إعادة بناء قوة الدولة كي تصبح قادرة على فرض قراراتها و الرقي بالمجتمع إلى مصاف الأمم المتقدمة عبر تنظيم الواقع بدل حالة الفوضى العامة التي يتخبط فيها الناس و التي تستهلك كل قواهم في لا شيء. أؤمن بالدولة. و لهذا، بدأت تكويني الذاتي بقراءة (نيكولو مكيافيللي). استوعبت دروسه الثمينة لكنني اصطدمت بعائق كبير ألا و هو إذا رغبت في تطبيق تعاليمه علي أولا أن أكون في السلطة. و بما أن هذه الأخيرة تظل حكرا على فئة محصورة من العائلات، و بما أنني لا أعرف التزلف للآخرين وجدت نفسي أمام طريق مسدود. لم أهول من الأمر و قررت مواصلة القراءة بنهم شديد مسافرا من السياسة إلى الفلسفة مرورا بالأدب و التاريخ. و لأنني سرت وحيدا في هذا الدرب الشاق من المعرفة الصلبة فقد كشف لي الطريق مع مرور الوقت فيما يشبه إشراقة ماورائية بأنني كنت مخطئا في هدفي الذي سطرته في البداية. ما معنى أن تكون رجل دولة في زمن استقالة السياسة من وظيفتها الحضارية في إعطاء معنى للناس، في زمن صار المال الهمجي يحكم كل شيء، في زمن أخصت فيه المنظمات الدولية الدولة ؟          و قلت في نفسي علي أن أصحح رؤيتي للأشياء : الأهم هو الصدى الذي سيبقى يتردد عبر الزمن إذا ما ذكر أحدهم اسمي. في جوهر الحقيقة، لم أكن أرغب في أن أصبح رجل دولة و لكن كنت أرغب في أن يذكرني التاريخ. و بما أن (فرانسيس فوكوياما) كان قد سبقني و أعلن نهاية التاريخ توجب علي إذن توجيه طاقتي إلى ما لا يموت أبدا، بل و يتحدى كل أشكال القتل : الأدب.

تعرفت أول مرة على صديقي الشيوعي في مطعم الحي الجامعي حيث كنا نقطن. اللذين قدرت لهم الحياة أن يعيشوا هذه التجربة الجميلة يعرفون أنه من بين أهم الأماكن التي تنصهر فيها كل الطبقات الاجتماعية هي المطعم، رغم وجود نوع من الطلبة كانوا يحرصون أشد الحرص على التميز عن باقي الطلبة              و أخذ وجباتهم خارج الحي الجامعي. كانت قوتهم تكمن في لامبالاتهم و كان سلاحنا الرادع ضدهم اللامبالاة أيضا، بالإضافة إلى شعور عميق بالاحتقار. ذلك الاحتقار الذي كان يتدفق من صخرة الفقر. كان كل واحد منا يجر في قلبه صخرة الحاجة و العوز في كل ساعة نعيشها. لكن، و لكي لا نفقد عقولنا و تلك البراءة التي حملناها معنا حين غادرنا بيوتنا خلقنا عالمنا الخاص بنا. لم يكن هناك عالم واحد فقط، بل كرنفال دائم لعوالم عدة تتداخل فيما بينها تارة و تتباعد تارة أخرى بحكم المكان و الزمان، بحكم درجة امتلاء و دفء جيوبنا، بحكم كتلة الدم التي تملأ وجوهنا. على العكس من أغلبية القاطنين اللذين يسكنون في غرف مزدوجة فضلت أن أقطن في غرفة انفرادية. تقدمت ذات صباح بطلب مكتوب للإدارة. ردوا علي بأن لا مانع هناك          و لفتوا انتباهي إلى أن الغرف الانفرادية دائمة الرطوبة و تقع على مقربة من المراحيض، في كل طابق من العمارة هناك غرفتان انفراديتان على جانبي باب المرحاض. صممت على طلبي فسألوني عن السبب وراء رغبتي في السكن لوحدي. أجبتهم بأنني أعاني من حساسية و أحتاج للعزلة. وافقوا في نهاية المطاف. قضيت في غرفتي الانفرادية كل سنوات الدراسة الجامعية. إلا أن السبب الحقيقي وراء رغبتي في العيش وحيدا بين أربعة جدران لم يكن الحساسية و إنما رغبتي في الفوز بعزلة خاصة بي، ذلك أنني أحب كثيرا القراءة في الليل. كيف سيتسنى لي هذا إذا كان من يشاركني الغرفة يرغب في إطفاء النور و النوم ؟ ليست القراءة وحدها التي أحب في الليل، هناك كذلك الكتابة. أحب دوما الكتابة في الليل، هي صلاتي اليومية التي لا أتأخر أبدا في أداء فرائضها. و في القراءة كما الكتابة لدي طقوس خاصة مازلت أمارسها إلى حد يومنا هذا. تبتديء بتحضير قهوة سوداء مع سكر زائد، و قبل ذلك، تنظيم مكتبي و توزيع الكتب و الأوراق حسب ترتيب معين ثم الجلوس بعد أن أطلق سيمفونية تؤنس برودة ليل طويل واعد بتخبطات الروح في صراعها مع المعنى و ما يمنح المعنى فرصة الوجود، الكلمات. سيمفونيتي المفضلة كانت الثالثة لـ(بيتهوفن)، المشهورة باسم “البطولية” و التي كان قد أهداها لـ(نابليون بونابرت). أحب مقطع إلى قلبي كان و لازال هو “المسيرة الجنائزية”. الكلمات. الكلمات الخائنة بطبيعتها. و لا أدري لماذا تلتصق الخيانة بكل ما هو مؤنث ؟ لا أنسى طبعا أن أفرغ المنفضة و أغسلها جيدا ثم أمسحها بخرقة كانت دائما معلقة وراء الباب لتصير قادرة على استقبال جثث السجائر التي ستسقط في معركة الكتابة و النار حتى مطلع الفجر.

للولوج إلى المطعم و الاستفادة من طبق اليوم يجب أن تكون للطالب تذكرة يقطعها من مكتب صغير يختبيء وراء شباك حديدي صغير بدوره. أولئك اللذين ليست لديهم تذكرة يقفون عند باب المطعم، باب الخروجو يشرعون في تحريك مفاتيحهم. فمن كانت له تذكرة زائدة يعطيها له، من دون مقابل. بهذه الطريقة تعرفت على صديقي الشيوعي. كنت قد أسرفت في شراء الكتب و السجائر و لم يبق لي درهم واحد يدور في جيبي الكبير. مازلت أذكر أنه كان يفصلني أسبوع كامل عن أول الشهر حين تتوجه جيوش الطلبة إلى مكتب البريد لاستلام الحوالات التي ترسلها عائلاتنا. في ذلك اليوم، لا أحد يتناول عشاءه في المطعم، أقصد مطعم الحي الجامعي. بل تكون ليلة احتفال عارمة. نقصد مطعما جميلا بعد أن نشتري علب السجائر ندخرها للمقبل من الأيام ثم ننزل بعد ذلك إلى المدينة لنكتشف عالما من الجمال الأنثوي لم نكن نعرفه إلا عبر القصص التي كانت تصلنا من زملائنا في الفصل. كنا نتسابق فيما بيننا في القدرة على معرفة إن كانت هذه المرأة عاهرة أم لا، متزوجة أم لا، عذراء أم لا، لها صديق أم لا. كان كل واحد منا يطلق العنان لخياله فيبدع في رسم بورتريهات النساء التي تدخل في نطاق الرؤية. مثلا، التي تمشي وفخذاها غير ملتصقين ليست عذراء. التي يكسو يديها شعر نسبيا كثيف تكون امرأة من النوع الساخن. التي تحمل في أصبعها خاتم زواج و حزن عميق يرتسم على وجهها يكون أداء زوجها الجنسي دون مستوى، أو معدوما تماما. التي تملك جسدا نحيلا يكون فرجها عميقا جدا وتحتمل عدة وضعيات مثيرة. التي تملك جسدا مكتنزا يكون فرجها قريبا غير أن ما يعيبها هو التعرق الكثير. باختصار، كنا نتحدث في شؤون النساء و كأننا خبراء، أو ليكون التعبير أكثر دقة، كنا نتحدث و كأننا أبطال عالميون لأفلام الخلاعة في حين كان كل واحد منا، بما فيهم أنا بطبيعة الحال، يخزن في عقله أكبر عدد ممكن من المؤخرات و النهود حتى إذا فاز بخلوة مع نفسه أغمض عينيه لينطلق عرض الفيلم المسجل في الذاكرة لا تضبط سرعة دوران الشريط إلا هذه اليد التي تتحول بدفئها إلى أجمل قطعة لحمية خلقت في هذا الكون. و هنا مزية أخرى في الظفر بغرفة انفرادية. من فضائل العزلة التشكيل الإرادي للمتعة متى شاء المرء ذلك. قمة الحرية. قمة المتعة و العطاء. حين أسمع قصص الزيجات التي انتهت بطلاق أو بمشاكل عالقة للأبد في المحاكم أو بصراعات طاحنة بين العائلات و ما إلى ذلك من مختلف أشكال تذويب الفرد في أنظمة اجتماعية مهترئة، أحمد الله أنني وأدت أولادي في صوفة الفراش الذي كنت أنام عليه. الفراش الذي اضطررت أن أنزع منه أعمدته الحديديةو إخراجها إلى بهو العمارة لأنها كانت تحدث أزيزا فاضحا، و أيضا لأن الأسلاك كانت متقادمة كنت أنام مكورا و كأن الفراش يبتلعني. لم أرتح في نومي إلا لما مددت الفراش الصوفي مباشرة على الأرض. لاحظت أن غرفتي اتسعت مساحتها و صارت أجمل للعيش، إذ كان كل شيء فيها بسيطا. لم تكن هناك سوى الكتب المتكدسة فوق الرفوف المخصصة للملابس و علبتين أو ثلاث من الورق التي تدل على نوع من البورجوازية. الملابس كنت أفضل إبقاءها في حقيبة السفر. بهذا الشكل، كنت أضمن أنها ستبقى نظيفة أطول مدة ممكنة و معطرة على الدوام بالعطر الذي ترشه أمي عليها كلما سافرت لزيارة عائلتي حاملا في يدي فقط ملابسي المتسخة و سحنتي الشاحبة. ما لم أستطع أبدا أن أجد تفسيرا له هو هذه القوة التي كنت أحاول بها الابتعاد قدر الإمكان عن حضن العائلة في الوقت الذي لم أكن أجد راحتي إلا في كنفها. العائلة هي أول ثكنة عسكرية يتعلم فيها الإنسان المقاومة.

كنت واقفا عند باب المطعم أحرك بعصبية مفاتيحي لعل أحدهم يمنحني تذكرة الغذاء. استيقظت كعادتي باكرا لحضور محاضراتي. دخنت كثيرا في الاستراحة و مع المجهود الذي يتطلبه التركيز و أخذ رؤوس الأقلام كنت قد استنفذت كل وحدات طاقتي. كانت أمعائي تعتصر من الجوع. غير أنه ما كان يزيد من عصبيتي هو اقتراب وقت إغلاق المطعم. كنت واقفا لوحدي لأن الثلاثة اللذين كانوا معي فازوا بتذكرة الدخول. بقيت وحدي أحرك المفاتيح غير آبه بنظرات بعض من يمرون و يرمونني بتلك النظرات المستهزئة. أكتفي بتثبيت النظر فيهم حتى يخفضوا رؤوسهم مستسلمين و ينصرفوا لحالهم. هناك فصيلة من الكائنات تنتمي إلى الإنسانية بمحض صدفة عبثية ليس إلا، تعتقد أنها إذا احتقرت أحدا إنما تكون قد حققت فتحا مبينا. و هذا النوع من الكائنات يحتاج إلى تعامل خاص. هم يبحثون عن السخرية مني، لذلك كنت لا أكتفي بالتحديق في عيونهم و لكن برمي نظرة خاطفة على مؤخرتهم ثم معاودة تثبيت نظري فيهم. هذه الحركة الخاطفة تزعزع من أعماقه استقرارهم النفسي. إذا كان هو يتباهى بوجبة الغذاء التي تناولها خارج الحي الجامعي فلينظر إلى مؤخرته كيف صارت ممتلئة. هذا بالطبع إن كانت له القدرة العقلية و الملكة الفكرية لفهم الرسالة. و علي هنا أن أحدد أنها ليست القراءة الوحيدة الممكنة. هناك عدة قراءات لنظرتي الخاطفة تلك، و له واسع النظر. كان اليأس قد بدأ يتسلل إلى قلبي من إمكانية تناول وجبة الغذاء حين رأيت صديقي الشيوعي يهرول نحو باب المطعم في سباق محموم مع الزمن.

كنت متكئا على سياج حديدي و لم أرغب في الجلوس كي لا أوسخ سروالي. لأنني لا أزور عائلتي إلا نادرا فعلى ملابسي التي أرتديها أن تظل نظيفة لثلاثة أسابيع على الأقل. رآني. لم تزدني أشعة شمس منتصف النهار العمودية إلا شحوبا. وقف في مكانه و هو ينظر إلي كمن لا يدري ما عليه فعله. كعادتي، لم أبال. لم أبال و ظننت أنه ينتظر صديقا له أو تذكر أمرا ما نسيه في غرفته. تقدم نحوي بخطى مسرعة و عيناه لا تفارقان باب المطعم. متوسط القامة، كان يمشي بطريقة غير منتظمة و حركات يديه غير متناسقة بتاتا مع باقي أعضاء جسمه النحيل. شعر رأسه كثيف و لحيته الغزيرة كانت تخفي حدود وجهه الحادة. غير أن أكثر ما أثار انتباهي فيه هو ابتسامته الطفولية التي لا تفارق وجهه رغم أن هناك قلق دائم في عينيه. وقف أمامي و سألني إن كنت أرغب في اقتسام وجبة الغذاء معه. تعجبت لهذه الإنسانية التي ظننت أنها ضاعت في عالمنا المعاصر إلى درجة أنني توقفت عن تحريك مفاتيحي. لم أعرف كيف أرد عليه، فقد كنت جائعا إلى حد الشعور بالدوار          و في نفس الوقت غير راغب في حرمانه من كل حصته في الطعام. بقيت صامتا ثم ألح علي بمرافقته و هو يتوجه نحو باب المطعم. وجدت نفسي أتبعه تلقائيا شاكرا إياه على حركته النبيلة.

دخلنا إلى المطعم فطلب مني أن أسبقه و أجلس في مكان ما حتى يأتي بالطعام. توجهت رأسا إلى أقصى زاوية المطعم حيث كانت هناك عدة مقاعد فارغة. جلست و أنا أعصر أصابع يدي فيما بينها في حين لم يتأخر في المجيء بالصحن المعدني ممتلئا بأكثر من حصتين. جلس قبالتي مباشرة. دفع الصحن بيديه حتى أصبح بيننا على نفس المسافة و طلب مني أن نبدأ في الأكل. شكرته مرة أخرى قبل أن أنطلق في عملية الالتهام. خيم صمت طويل بيننا. في الحقيقة، لم نتكلم طوال مدة الأكل. فهمت أنه تحدث مع عمال المطبخ ليعطوه حصة إضافية، و كنت أفكر جديا في طريقة مناسبة لرد جميله هذا. احترمته حين اقترح علي اقتسام وجبة الغذاء معه،          و قدرته أكثر حين رأيت الطريقة التي كان يأكل بها. لم يكن يتصنع أو يتظاهر بضبطه لآداب المائدة. كان يأكل بكل حواسه. أحيانا تسقط منه قطعة لحم، لا يتجاهلها بل يسارع بالتقاطها و رميها في فمه. كنت على وشك أن أضحك لكنني خشيت أن يشعر بإحراج، خصوصا و أننا لم نتعارف إلا قبل قليل. ضبطت نفسي إذن و لم أضحك. ضبطت نفسي و وجدت من المجدي أن أوجه كل تركيزي للأكل بدلا من مراقبة مختلف تصرفاته. على الرغم من أن العمال المكلفين بالنظافة كانوا قد بدؤوا يحومون حول الموائد يجمعون الصحون الفارغة و بقايا الطعام واصلنا نحن الأكل حتى لم يتبق فتات واحد يجمعوه. رفع نظره إلي و سألني إن كان بإمكاننا المغادرة الآن. أجبته: “نعم.” فوقفنا في وقت واحد، و بعد ذلك انصرفنا. تركته يسبقني احتراما له. الاحترام. الاحترام هو الشيء الوحيد الذي كان بمقدوري أن أقدمه له آنذاك.

بعد مرور خمسة أيام على لقائنا الأول، التقيت به مرة أخرى فيما كنت في طريقي إلى مطعم للوجبات السريعة حيث كنت أعمل في الليل. أعترف أنه كان عملا شاقا لأنني كنت أضطر إلى البقاء لساعات متأخرة من الليل، حتى الإغلاق. بعد ذلك، تبدأ عقوبة من نوع خاص. كان علينا أن نفسخ جميع قطع المطبخ المعدنية  و تنظيفها بعناية فائقة ليجد فريق الصباح كل شيء على ما يرام. عمل شاق و أكثر ما كنت أكرهه فيه هو المهمة التي كانت تسند إلي دائما ألا و هي تغيير زيت المقلاة. كان الوعاء ثقيلا جدا و حين يبرد الزيت فإنه يتصلب. أمر طبيعي، فالزيت المستعمل نوع من الزيوت النباتية التي يتم قطعها بسكين و وضعها في الإناء تحت درجة حرارة عالية حتى تذوب كليا. جودة الزيت هاته هي التي تمنح البطاطس المقلية الطعم السحري          و الصوت الجميل عند الانكسار في الفم. في إحدى الليالي، خطرت ببالي فكرة كنت أظن أنها ستعتقني من هذا العذاب. قررت أن أتظاهر بأن الوعاء قد سقط من يدي و بهذه الطريقة يوبخني رئيسي مستعرضا امتداد السلطة التي يملكها علي ثم يرسلني إلى مهمة أخرى. و هذا ما كان بالفعل، لكن رئيسي بعد أن وبخني و اتهمني بالغباء أمرني أن أمسح كل الزيت الذي انتشر على أرضية المطبخ. لا أذكر على وجه التحديد كم ساعة تطلب مني تجفيف كل بقعة الزيت تلك التي تجمدت بسرعة بفعل هبوب رياح الثلاجة الضخمة التي كانت أبوابها مفتوحة لتخزين المواد اللازمة. حين انتهيت و وقفت في مكاني أتمدد محاولا رد الحيوية إلى أطرافي وجدت رئيسي ينظر إلي و يخبرني أنه ابتداء من اليوم لن تكون لي مهمة أخرى بعد الإغلاق سوى تغيير الزيت. كنت أتصبب عرقا و أشعر أن الدم يغلي في عروقي. لم أنفجر في وجهه و تمالكت أعصابي، ليس بفضل قوة شخصيتي و إنما بفضل تلك الثلاجة الناعمة الحنونة التي كانت تغمرني بعطفها. كنت أحس أن كل برودة الريح التي تبعثها علي تتسلل مباشرة إلى الطابق السفلي من روحي. كان صديق لي يحصي داخل المطبخ قطع الدجاج المقلي التي تبقت. همس لي خلسة و رمى إلي قطعتين كانتا مازالتا ساخنتين بلعتهما في الحين. كنا جميعا نعمل في جو حميمي لأننا كنا واعين بأنه ما من أحد منا أحسن حالا من الآخر. هذا الوعي بالذات          و بالحال كان يولد لدينا شعورا غريبا بانسداد الأفق. لهذا كنا نستدير نحو أنفسنا لعلنا نجد في قرارتها ما يجعلنا نصبر على برودة الجدار ينتصب أمام وجوهنا. لكنها كانت حميمية سرية. هكذا ولدت و هكذا حرصنا على أن تبقى خوفا من إجهاضها من طرف رؤسائنا اللذين يرون في كل تقارب بين الرجال بذور نشأة عمل نقابي. التقيت بصديقي في الطريق المؤدي إلى العمل. كان الليل قد أرخى سدوله. توقف و سلم علي بحرارة في حين كانت الحقيبة التي أحملها على ظهري تزعجني و تمنعني من الرد على سلامه بشكل لائق. هي حقيبة كنت أحملها معي لأحفظ فيها ملابسي و أضع الزي الخاص بالعمل. كانوا يعطوننا قميصا و سروالا و قبعة عليها العلامة التجارية للمطعم. غير أن ما يسترعي الانتباه في هذا اللباس هو أن السروال ليس به جيوب، كانت مخيطة. هذا هو القانون، البقشيش ممنوع. و بما أن هذا الامتياز كان ممنوعا علينا فإننا أعطينا لأنفسنا الحق في الاستفادة عينا من خيرات المطبخ. لهذا، و قبل ساعة مرور المراقب المعتادة في المطبخ ليحصي ما يجب رميه من أطعمة، نكون قد مررنا كالجراد على كل ما تبقى في الرف، في الأدراج و في علب المكسرات التي كنا نفرغ قطع حلوياتها مباشرة في حلوقنا. يمر المراقب مزهوا بنفسه يطل من بعيد على كل وحدة إنتاجية فلا يجد سوى الفراغ. يكتفي بهز حاجبيه بطريقة لم نكن ندري إن كانت تنم عن الدهشة أم اللامبالاة ليسجل على لوحته الأنيقة “لا شيء.” نبقى نحن واقفين ننتظر حتى ينتهي من عمله و يغرب عنا. كانت شبكة نظراتنا التي نتبادلها فيما بيننا تمنحنا شعورا بالقوة و نشوة تشبه تلك التي تغمر القلب بعد النصر. في هذه اللحظة بالضبط، كنا نشعر بأن القوة الحقيقية نحن من نملكها لأنها تكمن فينا. نزعت بسرعة الحقيبة من على ظهري. رغم خفة وزنها كنت دائما أسميها صخرة سيزيف. أنا سيزيف و حقيبتي هي الصخرة. لا يهم الوزن بقدر ما يهم الموقف. عانقت صديقي بحرارة و سألته عن أحواله. سؤال روتيني من عادة الجميع أن يطرحه قبل فتح باب حديث يكون أكثر حميمية. أجابني بأن كل شيء على ما يرام و لم يكن يقدر منع عينيه من النظر إلى الحقيبة التي وضعتها أخيرا على الأرض، بين رجلي. بعد صمت قصير سألني إن كنت مشتركا في نادي لبناء الأجسام. انفجرت ضاحكا و أنا أربت فوق كتفيه قائلا : “بصراحة، انظر إلي… أهذه هيأة من يبني عضلاته ؟” ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة و استطردت : “لا.. لا.. لست مشتركا في نادي لبناء الأجسام. أنا ذاهب للعمل.. أعمل في مطعم.” سألني إن لم تكن لدي منحة دراسية فرددت عليه و أنا أعيد وضع صخرة سيزيف على ظهري استعدادا لإكمال الطريق : “لا، ليست لدي منحة. تقدمت بطلب للحصول عليهاو لكنهم لم يوافقوا.” وضع صديقي يديه الاثنتين في الجيب متعجبا و قال لي : “لماذا ؟” فتحت عيناي واسعا كأني أحاول استجماع كل الضوء المتوفر في الشارع ثم قلت له بنبرة لا تخلو من السخرية التي تجعلني دوما أهضم المواقف الصعبة : “يبدو أنهم يعتبرونني بورجوازيا.” انفرد وجهه عن ابتسامته الطفولية حتى ظهرت تقريبا كل أسنانه البيضاء التي كانت مسطرة بانتظام طبيعي دون أن ينخر السوس و لو واحدة منها. اعتذرت له بلباقة للوقت القصير الذي خصصته له و دعوته غدا إلى مقهى جميل كي نتحدث أكثر. لم يمانع. تبادلنا أرقام هواتفنا. سلمت عليه مرة أخرى و مضى إلى حال سبيله في حين كنت قد انطلقت أنا في الاتجاه المعاكس وحيدا إلى العمل. كنت فرحا إلى درجة الشعور بالخفة لفوزي بفرصة رد جميله. و في الوقت نفسه، كان فكري مشغولا بأفضل طريقة لتنظيف الزيت في أسرع وقت و بأقل مجهود ممكن. اللعنة، الزيت ثقيل.

 

 

(٢)

الحياة علامة تجارية

 

الشيء الوحيد الذي كنت متأكدا منه هو أن اتصاله أشعرني بفرح كدت أنسى طعمه. ذلك لأنني حكمت على نفسي بعزلة مطلقة عن كل ما يحيط بي، يسمونه المجتمع. أولئك اللذين يعرفونني لا يكفون عن تنبيهي لحالتي الصحية التي لا تتوقف عن التدهور. لا تبدو بحالة جيدة، هكذا يقولون كلما التقوا بي صدفة في الشارع أو لمحوني جالسا في زاوية بمقهى أدخن و أشرب قهوتي المفضلة و أنا غارق في تفكير عميق بقصة أو قصيدة جديدة. نعم، لا أبدو بحالة جيدة. يقولون هذا لأن هيأتي الخارجية توحي بذلك، و لكن لا يعرفون لماذا. لا أرد عليهم، أكتفي بابتسامة مبهمة ثم أنصرف لحالي متمنيا لهم يوما سعيدا. أجيبهم في قرارة نفسي دون أن يسمعوني قائلا : “لا أبدو بحالة جيدة لأنني أقاوم.” وحدهم المستسلمون ينعمون بعيشة هانئة أو هكذا يظنون. أقول المستسلمين و ليس المنهزمين لأن المنهزم نفسه يكون له شرف خوض معركة ما، الأمر الذي يجعله بشكل من الأشكال منتصرا معنويا، أما هؤلاء فهم مستسلمون. و لا يمكن أبدا لمن لم يحارب قط في حياته أن يفهم من مازال ينبعث من وجهه النار و الدخان. لا يمكن. لا يمكن لمن انتقل مباشرة من فراش أمه إلى فراش زوجته أن يعرف ما معنى أن يكون المرء رجلا. لا يمكن. الرجل هو الكائن الوحيد الذي بمقدوره أن يصنع و يعيد صنع نفسه بنفسه إلى ما لا نهاية. فكيف يتفاهم الذي لم يستطع بعد استهلاك الحياة الأولى مع ذلك الذي بلغ الحياة الألف في سفره الوجودي ؟ لا يمكن. لأنني لا أحب أن أتخلف عن مواعيدي أكون دائما في المكان المتفق عليه ربع ساعة قبل الموعد، و نصف ساعة إذا كانت المسافة بعيدة و يلزمني أخذ أكثر من وسيلة نقل. عند تدخيني لسيجارتي الثالثة دخل صديقي إلى المقهى يفتش عني بعينه الدائمة القلق. هي واحدة من عاداته التي لم يستطع أبدا معالجتها. و لكن، يمكن القول بأنها فضيلة خصوصا و أن عمله الآن في منظمة غير حكومية يفرض عليه الانتباه لكل شاردة و واردة. في حركة واحدة سلم علي و هو يجر كرسيا ليجلس إلى جانبي. وضع على المائدة هاتفيه النقالين فيما كان باله مشغولا للغاية بأمر ما. الفضول ليس من طبيعتي          و لكن هذه المرة أعطيت لنفسي الحق فسألته بعد أن أخذ سيجارة من علبتي بطريقة عصبية : “هل كل شيء بخير ؟ ماذا هناك ؟”

“لا شيء، قلق بعض الشيء.”

“لماذا ؟”

“مشاكل في العمل.”

“أية مشاكل ؟” أخذ نفسا عميقا بعد أن اتكأ بكامل ظهره على الكرسي مسترخيا و هو يتأمل إجابة مناسبة : “لا أستطيع أن أفهم هذه البلاد. هناك نوع من الناس، فقط لأنهم يعرفون فلانا أو فلانة، يعتقدون أن كل شيء مباح و أنك مجرد عبد في خدمتهم مهمته إرضاء نزواتهم الشاطحة.” دون أن يعرف من أين خرج وجد النادل واقفا عند رأسه يسأله ماذا يشرب. نظر صديقي مليا في وجهه و كأنه مشبوه ماثل أمام الشرطة ثم رد عليه بسرعة بأنه لن يشرب شيئا. انتظرني حتى أكملت سيجارتي ليسألني إن كان بإمكاننا الذهاب. شربت ما تبقى في كوبي من قهوة دفعة واحدة و قمنا بعد ذلك. كان قد ركن سيارته قرب المسرح. استغل زمن فتح الأبواب عن بعد بمفتاحه الأوتوماتيكي الأنيق ليسألني : “قل لي، هل ما زلت تكتب ؟”

“نعم، و لكنني في هذه الفترة أشعر بعجز غريب عن الكتابة.”

“لماذا ؟ لقد كنت في الجامعة أحسن واحد فينا له أسلوب جميل.”

“لا أنكر و لكن كانت تلك سنوات الجامعة. كنا مازلنا صغارا نسبيا و لم يكن بالنا مشغولا بأي شيء.”

“و بماذا بالك مشغول الآن ؟”

وضعت يدي على معصم باب السيارة و أجبته بعد أن ثبت نظري في عمق عينيه : “بلا شيء، هذا هو العذاب الحقيقي. حين يكون بالك مشغولا و لكن بلا شيء.” انفرد وجهه عن ابتسامة كدت أنساها نظرا لطول زمن الغياب بيننا و قال لي و هو يجلس في مقعده : “مازلت كما أنت يا صديقي، تحب أن تعطي دائما للأشياء أبعادا فلسفية يصعب إدراكها.” فتحت الباب دون أن أرد عليه أو أدافع عن فكرتي كما كنت أفعل دائما. فتحت الباب و جلست بجانبه. لم أقل شيئا. لقد فقدت القدرة على الرد. لقد تغيرت. هذا هو التفسير المناسب الذي وجدته. نعم، لقد تغيرت. صديقي كذلك تغير. هو مفعول الزمن. كلانا تغيرنا. غير أن فضلنا على باقي الناس هو أننا نعي درجة التغيير الذي طرأ لنا. يسمونه الوعي بالذات. لا تهم المسميات في مثل هذه المواقف. الأهم هو التقاط المؤشر الذي يدل على غربة الإنسان عن حاله، الخلود إلى الصمت. بقينا صامتين طول الطريق المؤدي إلى حانة تقع خارج المدينة على البحر. كنت أفكر في أشياء كثيرة مرة واحدة، دون رابط منطقي بينها. هو كذلك كان يفكر في أشياء كثيرة، الدليل على ذلك أنه طلب مني سيجارة. أشعلت له سيجارة و أعطيتها له. السرعة العالية التي كان يسوق بها جعلت الرماد الأول يتطاير بيننا. وصلنا إلى الحزام البحري فرميت بصري إلى منتهى البحر الذي كان يتلألأ على أشعة الشمس الآيلة للغروب. لأول مرة في حياتي أرى هذا اللون الفضي الذي يلبسه البحر كعروس فاتنة في حداد على زوجها الذي لم يقدر له أن يدخل بها. ليس نحن فقط من تغيرنا، البحر نفسه تغير. لم يعد هناك أصدقاء يمشون على طول الشاطيء أو عشاق جالسون على صخرة. لم يعد هناك صيادون يتحدون جبروت الزمن بصنارتهم التي تنتصب في الهواء كرماح جيش لا يقبل الهزيمة. لم يعد هناك أي شيء. الشاطيء فارغ. الصخور تعلوها طحالب خضراء تشهد على هزيمة معلنة. طحالب خضراء فوق الصخور و طحالب أخرى من نوع جديد غزت الشريط الذي يطل على البحر ألا و هي المقاهي الراقية التي لا يفصل بين كل واحد منها إلا ستار خشبي أبيض أو بني تسترخي فيها الأجساد المنهكة طيلة اليوم. إقامات جديدة طحنت في ليلة واحدة كل تلك المقاهي التي كانت محج الطلبة          و الشعراء. واحد يراجع محاضراته و آخر أمامه يعدل بيوت قصيدته أو ينقح قصته. صديقان يتجاذبان أطراف الحديث حول السياسة على مسافة قصيرة من مجموعة فتيات يتظاهرن بالتحضير للامتحانات و هن يرمين الشباب المحيطين بهن بنظرات شبقية تشعل النار في الجليد. فضلت أن أوفر على نفسي آثار شجون عبثية. لا أذكر على وجه التحديد آخر مرة جئنا إلى هنا. سبع سنوات. سبع سنوات أو أكثر مرت و ها أنا أمر مع صديقي على هذا المقهى الأدبي كما كنا نسميه. لقد اختفى كليا. احتل مكانه مطعم من الطراز الرفيع متخصص في طهي الأسماك و فواكه البحر. لا أستغرب إن كان مكاني في المقهى قد تحول إلى مرحاض. لا أستغرب. لقد فقدت القدرة على الاندهاش بأي شيء لسبب بسيط و هو أنه لم يعد هناك من أمر جديد يخطف العقل و القلب. القاعدة العامة صارت بسيطة : المال و لا شيء غير المال. كنت على وشك أن أسأل صديقي عن مصير صديقة قديمة كان يعاشرها، لكنني تراجعت عن الفكرة. ليس لأنني خشيت أن أوقظ جراحا أعرف أنها لم تندمل و لكن كي لا أفتح باب جهنم على نفسي و يسألني بدوره عن علاقتي بأول امرأة أحببتها. الحب الأول الذي لم أتردد في التضحية به في سبيل الكتابة، في سبيل أناتي. من محاسن الكتابة أو مساوئها، لا أدري، أنها تمنح صاحبها نوعا من الاكتفاء الذاتي. العائلة، العمل، المجتمع، المؤسسة بشكل عام تصير بلا معنى صلب و تتهاوى بسرعة أمام زحف القلم على الورقة. العالم بأسره يصير مجرد نص، و حين يأخذ الكاتب على عاتقه المهمة المقدسة لصياغة هذا النص ينتهي بالاستغناء عن هذا العالم. الكتابة في العمق قتل للعالم. كنت أظن في البداية أن العزلة الضرورية التي يتحدث عنها الكتاب هي نوع من الترف الهدف منه جلب الأنظار إليهم. لكن المسألة ليست بهذه السطحية. بدأت الكتابة و مع توالي الأيام و الصفحات المسودة أيقنت أن العزلة هي دين كل كاتب يحترم نفسه، تماما كما يختبيء كل مجرم في غابة موحشة بعد أن نفذ جريمته الوحشية أو يستعد للتخطيط لجريمة جديدة. سقط على زجاج السيارة براز غليظ. لم يقل صديقي شيئا، لكنني أخرجت رأسي من النافذة لأرى نوع هذا الطائر الذي لم يستطع ضبط نفسه. كان سرب حمام منتظم في مثلث مرسوم بدقة يحلق هاربا من المدينة باتجاه أفق البحر. تركت عيني تتبع سفر الطيور و سرعان ما ذكرني سقوط البراز بسقوط من نوع آخر.

booksحين سقط صرصار صغير فوق مكتبي الذي جلست فيه لأكتب أدركت أن عزلتي صارت بحرا ممتدا بلا قرار و بلا شاطيء يحده. و بما أنني لا أجيد السباحة فالغرق هو المعنى الوحيد الذي تبقى لي. الحياة الحقيقية هي تلك التي نقضيها وسط الكتب. و في بيتي، أو بمعنى أصح، الغرفة التي أسكنها هناك كتب في كل مكان. أينما وليت وجهي أراها مرتفعة بانتظام سهرت ليال طويلة على رصها وفق معيار أحتفظ به في ذهني. المكان الوحيد الذي يخلو من الكتب هو المرحاض، لسبب بسيط ألا و هو غياب الرفوف فيه. أعترف أنني بلغت درجات متقدمة من الهوس في اقتناء الكتب. حتى إن كنت لا أقرؤها، على الأقل في المرحلة الراهنة، فإنني متأكد أن وقتها سيحين عاجلا أو آجلا. ذلك أن الكتابة سيطرت على مساحة المعقول المتبقي في وجداني، فصار جنوني كاملا. قبل أن أكتب علي أن أتجرد من كل ملابسي. هو طقس ضروري بالنسبة إلي. أقف عاريا كمسيح ينتظر الصلب لا يخافه. و أول شيء فعله السيد المسيح قبل السير في درب الآلام هو تقبيل صليبه.        و أنا كذلك أقبل صليبي. قلمي هو صليبي. وحدي أعرف كم هو ثقيل على الكتف. سقط إذن صرصار صغير فوق مكتبي بعد أن كان تائها في متاهة الرف الأعلى بين جوانب الكتب. و لأنني لم أجد أي موضوع ينفع لنص جديد شرعت في ملاعبة هذا الصرصار بمحاصرته حيثما ذهب. لست من أولئك اللذين يخافون الصراصير، فهو خوف خاص بالنساء و أنا رجل. رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. و بعيدا عن التصورات البطولية التي تتبادر إلى الذهن، أقصد برجل كائنا لا تقرفه القذارة مادمت قد وضعت نفسي منذ زمن بعيد في مستوى عقلي يفلسف كل شيء. و حين أتعب من التفكير أرجع الأشياء إلى نسبيتها التي تربي المرء على نوع خاص من التواضع ينفعه كثيرا في زمن الأنا الطاغية. متعثرا في دهاليز الليل ها أنذا قد عثرت على رأس الخيط الذي سيقودني إلى بطن العاهرة الذي يجب تقبيله و لحس سرته كي تفتح فخذيها، الأنا الطاغية. كنت دوما أنظر إلى الناس بعين حذرة، خصوصا حين يهرعون إلى اقتناء كل ما هو جديد من العلامات التجارية التي اجتاحت الشوارع و الأبصار. ألاحظ هذا جيدا في الملابس. يكفي أن تراقب واجهة زجاجية لعلامة ما. ما إن يدخل منتوج جديد حتى ترى الناس يتسابقون يدفع بعضهم بعضا للحصول على قطعتهم قبل نفاذ المخزون. لا يهم الثمن، الأهم هو أن تكون الأول من يلبس. كنت في البداية أقاوم هذا الهوس الجارف لأنني كنت أضع الكتب في رأس لائحة الأولويات. لكن، حين حصلت على مبلغ مالي أردت أن أجرب أي شعور يتركه في نفس الإنسان الدخول إلى هذا العالم اللامع المعقم و اقتناء لباس يحمل توقيع دار أزياء عالمية. أول ما فكرت فيه كان قميصا. أردت أن أشتري قميصا. و فعلا اشتريته. عدت إلى بيتي، غرفتي، فرحا بعد أن دخنت علبة سجائر كاملة و شربت ثلاثة فناجين قهوة في ثلاثة مقاهي مختلفة. كانت مفاجأتي كبيرة بحجم السخط الذي تجمع في حلقي غصة حجرية و أنا أفتح الغلاف البلاستيكي الذي يلف القميص : اللعنة، قميص بدون جيب. أكثر شيء أكرهه في الملابس هو أن تكون بدون جيوب. صحيح أنني فقير، لكن الجيب، و إن كان فارغا، يمنحني إحساسا لذيذا بالملكية الخاصة. على الأقل، يمكنني أن أضع فيه قلمي بدل أن أرميه في جيب سترتي، فيفيض مداده و يوسخ كل السترة ببقعة كبيرة تستعصي على الغسل فأكون من الخاسرين. أنا خسرت فعلا خسارة فادحة بشرائي لهذا القميص. نسيت أن أسأل موظفة المحل إن كان لهذا القميص جيب. كنت منجذبا أكثر لألوانه البسيطة المتناسقة في مربعات تتماشى مع ربطة العنق السوداء التي أحمل دائما حول عنقي. هو قيدي و أحبه إلى درجة التقديس. مازلت أتذكر سنوات دراستي في الجامعة، كنت أحضر كل المحاضرات بربطة عنق، سوداء، و بنية حين كنت ألبس سترة سوداء و أحب أن أغير قليلا من مظهري. أنا أكره النمطية. المهم، الأسود دائما حاضر و له الغلبة. الأهم من كل هذا، هو أنني كنت منبهرا أكثر بتلك الموظفة و هي تشرح لي مختلف العلامات المتوفرة في المحل و تفسر لهذا الغريب الذي دخل عليها بشارب كث يسأل عن القميص المعلق في الواجهة الزجاجية. أستطيع أن أخمن فيما كانت تفكر فيه ساعتها. حتما كانت تقول بأنني من فصيلة الرجال اللذين سقطوا في هاوية المراهقة المتأخرة، و لكنني لست عجوزا إلى هذا الحد. معها حق، حين أرى الجيل الصاعد الذي يختزل الحياة في مجموعة وظائف مشغلة بأسلاك مربوطة فيما بينها أشعر في عمق نفسي بأنني صرت عجوزا. و حين أنظر ورائي لأبحث عن الجيل الذي سبقني أجده قد اختفى و لم يبق منه إلا الرماد الخشبي كشجرة كبيرة شقها الرعد في ليلة عاصفة. نعم، أنا أنتمي إلى الجيل الضائع في الوسط. موظفة المحل تنتمي لهذا الجيل الصاعد. مجرد نظرة على جسدها و الطريقة التي كانت تتحرك بها جعلتني أوقن أن كل وحدات بطارياتها ممتلئة عن آخرها. متوسطة القامة، مكتنزة الجسد، نهداها ممتلئان و مؤخرتها، لمحتها حين استدارت كانت أشبه ما يكون بكرة السلة، شعرها أسود غزير منهمر على جانبي وجهها الذي يشرق بتفاصيل مرسومة بإتقان. أظن أنهم يأخذون بعين الاعتبار هذه العناصر في امتحانات التشغيل. طبيعي، فالشراء هي غريزة بقاء الإنسان المعاصر يجب إرضاؤها كما يرضي غريزته الجنسية. كانت تارة تقف بجانبي وتارة أخرى تبتعد قليلا دون أن تفارقني بنظراتها الغامضة. كانت تتعمد الدوران حولي لكن دون أن تلمسني. إنها قوية. و دمارها الشامل لم أسلم منه حين تسلل عطرها إلى أنفي الذي تعود فقط على رائحة القهوة و التبغ القوي. كان عطرها يشبه مذاق حلوى لم أعد أتذكر اسمها. “ممنوع إرجاع الملابس بعد شرائها” هذا هو الشيء الوحيد الذي أتذكره. كان مكتوبا على قطعة خشبية أنيقة معلقة مباشرة فوق رأس المكلفة بقبض الثمن. تلك المرأة لا أحب أبدا تذكرها. كانت كئيبة بشكل مسرحي مبالغ فيه و لا تملك ذرة واحدة من الحس التجاري الذي يفرض على الأقل أن تبتسم في وجه الزبائن. كان يخيل إلي أنها من نوع البشر اللذين كان لهم الحظ أن يولدوا في الوفرة التي أشعرتهم بسرعة بالملل، و لإحداث التوازن المطلوب في الحياة الاجتماعية قرروا أن يبخلوا بمشاعرهم. منطق معقول، أليس كذلك ؟ ليس مثلي أنا، دخلي محدود و مشاعري بلا حدود. في وقت معين من الشروح الوافية التي كانت موظفة المحل تنيرني بها كنت أفكر في نفسي ماذا سيحصل لو دفعتها إلى مخدع تغيير الملابس و أفرغت بطارياتها ؟ فإذا كانت طاقتها كاملة فإن بطارياتي قد علاها الصدأ. ماذا كان سيحصل ؟ مؤكد أنها كانت ستبدأ بالصراخ متظاهرة بالشرف و العفة. ربما كانت لن تصرخ و لكن ستبادر إلى ذرف دموع على حياتها و حظها العاثر الذي أوصلها إلى ما هي فيه الآن، بهدف رفع الثمن. كنت أفكر أن أكتب لها رقم هاتفي. كانت ستقبل أن نلتقي، لكنها لن تتأخر في إرسال نفس الشريط في وجهي : الحالة الإجتماعية، هي منفتحة، لكن عندها مباديء و ستغرس المسمار أعمق و تقول لي و هي تريني الخط الفاصل بين نهديها أنها مازالت عذراء. و كأن الشرف لا يتوقف إلا على قطعة الجلد تلك ؟ باختصار، ستقهرك بأناتها الطاغية التي تجعل من التسول المقنع أداة لتركيعك كي أبدا لن تقوم لك قائمة. هذا هو روح الطغيان، أن تخضع و أنت تظن أنك واقف. و يوم تعي بخضوعك تكون قد أدمنت على معاشرتها أو تزوجتها، و بئس المصير. تجرعت الخسارة على مضض و قررت أن أخصص القميص لأيام النزهة فقط. على كل حال، قليلة هي أيام النزهة بالنسبة لي. في نهاية الأسبوع، أفضل أن أنام أطول مدة ممكنة. طبعا، بعد أن أشتري كل ما يلزمني لأستغني عن الخروج إلى الشارع الذي عادة ما يكون يغلي بالناس كالمرجل. و حين أقول ما يلزمني، أقصد السجائر و القهوة و السكر. يكفي. كان لزاما علي ألا أبرح غرفتي في نهاية الأسبوع لأسترجع التوازن في ميزانيتي المثقوبة، و هذا ما كان. قضيت يومين بين أربعة جدران أدخن و أشرب القهوة فنجانا بعد فنجان و أفكر بطبيعة الحال. أحتاج إلى كتابة قصة قصيرة و قصيدة. صحيح أنني أعتبر نفسي شاعرا و أول ما كتبته كانت قصيدة، لكن النثر له سحر لا يقاوم. لهذا السبب، حين أكتب قصيدة فإني أشتغل بعدها على قصة. يمشي الرجل على اثنين. و أنا أمشي على ثلاث لأنني أكتب أيضا مسرحيات من مشهد واحد. و ريثما أنتهي من روايتي الأولى سأصير أمشي على أربع. المسألة بسيطة في تصوري الخاص، فكرة تخطر ببالي ثم أتخيل قصة و أرويها بعد ذلك. أنا مؤمن أشد الإيمان بقوة السرد و فضائله. المشكلة، على الفكرة أن تكون جديدة. عامل الجدة هو الكفيل بجعل قصتي أو قصيدتي تخوض غمار معركة مفيدة، لأن هناك معارك غير مفيدة، عبر تجربة جمالية يستشفها القاريء كعطر يتصاعد من بين السطور. البحث عن هذه الفكرة الجديدة يأخذ مني وقتا طويلا و إنضاجها وقتا أطول. أما توليدها على بياض الورقة فيستنزف مني جهدا كبيرا. و الدليل على ما أقول هو أنني بعد أن أفرغ من كتابة نص جديد أنام لأكثر من أربعة عشر ساعة. نومي ثقيل بطبيعته، وبعد الكتابة يصير أشبه بالغرق في مياه سوداء. النوم. سمعت يوما بناءين شريفين كانا يشتغلان بتفان عال في تشييد جدار عال يتحدثان عن النوم. قال أحدهما لصاحبه إنه لم يحلم بأي شيء ليلة البارحة. رد عليه الثاني قائلا : “حين ينام الإنسان تصعد روحه إلى السماء لتلتقي بأختها.” أعجبتني الإجابة بقدر ما اندهش لها البناء الأول الذي يبدو أنه لم يجد في كلام صاحبه تفسيرا مقنعا لظاهرته. قال له : “و لكن، هذا لا يفسر غياب الأحلام في نومي.” كان صاحبه يقلب الإسمنت و دون أن يتوقف أو ينظر إليه قال له : “أضف الماء.. أضف الماء.. لقد كنت ميتا أيها الأبله.” و استمرا في عملهما دون أن ينبسا ببنت شفة. استطعت أن أسمع حوارهما القصير هذا لأن الجدار الذي كانا بصدد بنائه يرتفع قبالتي. كنت أراه من خلال نافذتي الصغيرة. جلست أكتب كلماتهما قبل أن أنساها. هما يبنيان و أنا أكتب. مكتبي يقع في مستوى أسفل بالمقارنة مع الأرض التي يقفان و يعملان عليها. هذا هو اللاوعي أو اللاشعور، حسب الترجمات. اللاوعي يقع في الأسفل في حين الوعي الذي يظهر للعيان و نتحرك به كل يوم في الشارع و العمل يقع في الأعلى. أتكون إذن الكتابة عملية لاشعورية ؟ الرجلان يبنيان تحت شمس منتصف النهار و أنا جالس في الظل أكتب. العمل في الضوء        و الكتابة في الظل. يداهما متسختان بالإسمنت و يدي نظيفة تمسك بالقلم. ألا يمكن أن تكون يدي أكثر اتساخا من يديهما ؟ أعني وساخة من نوع آخر، أكثر التصاقا بالروح لا ينفع معها أي مطهر. محتمل. لأن ما من أحد يتعاطى الكتابة إلا و هو يحاول التطهر من شيء ما. أتكون عقدة ذنب ؟ ربما. و لكن، ليست لدي أية عقدة ذنب تجاه أحد و لا تجاه نفسي، لسبب بسيط هو أنني قررت الانسحاب منذ زمن بعيد من المجتمع برمته. بين الجحيم و الجنة يمتد المطهر. أين أقف أنا ؟ في الجحيم أم في الجنة ؟ أعتقد أنني الآن في الجنة أنعم بسلامها لأن الكتابة هي الجحيم. و لكن، إذا كانت الكتابة هي الجحيم فأين يوجد المطهر و متى مررت منه ؟ حسنا، الكتابة هي المطهر و أنا أكتب. هذا يعني أنني لست في الجنة لأنني لو كنت في الجنة فلماذا أكتب إذن ؟ هذا يعني أنني لست لا في الجنة و لا في الجحيم. إذن، أنا أقف في المنطقة الحرة التي تنفي العالم. هذا هو بالتحديد. أنا أقف في المنطقة الحرة التي تنفي العالم. سئمت من محاصرة هذا الصرصار الصغير الذي يبدو أن مقاومته أكبر بكثير من مقاومتي. لذا، فكرت أن أبتدع لعبة جديدة تجعلنا نحن الاثنين نكتشف أبعادا جديدة لعلاقة نشأت صدفة بين كائنين، بين إرادتين. أشعلت ولاعتي. ما إن شعر بالحرارة حتى هرع يجري إلى منطقة الظل الباردة التي تؤمنها بعض الكتب الموضوعة فوق مكتبي. أستعين بأصبعي كي يعود إلى وسط الساحة. لم أفهم يوما لماذا يخاف الناس من الصراصير في حين هي التي تخاف من الناس. خوف متبادل يولد القرف. هكذا يولد الحقد. من هذه النقطة بالضبط يشتغل العقل فتندلع الحروب. الحرب أيا كان نوعها هي في الأصل منتوج عقلي. العقل، هذا اللقيط الذي لا ينجب إلا الأوهام. لأن كل حضارة لم تبن على أسطورة فهي فانية. فالزمن ولي العهد الشرعي للخرافة و الصور التي لا يكف العقل عن بصقها لا تصلح إلا للحرق. أشكال هندسية الأجمل فيها هو المربع، يملأ فراغ الإطارات الصدئة بعشب ينبت على جوانب الحجر. الإطارات الصدئة هي الإنسانية. انطفأت ولاعتي. لم أعرف السبب. ربما تعب إبهمي من ضبط البنزين الذي يجري في حلقها. أشعلتها ثانية. أشعلت سيجارة ثم أضرمت النار في الصرصار الصغير الذي لم يحتمل قوة اللهب فانقلب على ظهره. واصلت حرقه حتى تحول إلى ما يشبه نقطة متفحمة. اختفت أرجله كليا. أطفأت الولاعة و بقيت أدخن و أنا أتأمل هذه النقطة فوق المكتب. كل تاريخ البشرية يتلخص في هذا الصرصار المحروق. التاريخ لا يجد معناه إلا في الأفعال المجانية لأنها الوحيدة التي تحتمل تعدد القراءات، مما يضمن لها الاستمرارية الضرورية للرسوخ في العقول. فإذا غابت العقول هناك الأرواح، و إذا غابت الأرواح هناك الأجساد، و إذا غابت الأجساد تبقى الأصوات، و إذا غابت الأصوات هناك البصمات سواء كانت للأيدي أو للأقدام. هناك دائما شيء يبقى.      و لمعرفة الحقيقة يجب البحث عن الوهم. في القرون الوسطى، كان رجال الدين يعرفون الله بما ليس هو، أي بنفيه. و هي منهجية فعالة. بمعنى، لكي أعرف الله لا يجب علي أن أبحث عنه، و لكن أن أحدد ما الذي لا يشمل خصائصه. أما أن يبحث الإنسان عن الله في ذاته فهذا يعني شيئا واحدا : انفصام في الشخصية الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى التعصب. وحدها الدعاية تصور الحقيقة كاملة، فإذا آمن بها المرء كانت الحرب بين الخير و الشر. فكرة وحدانية الله مهمة للإنسان لأنها ترسم طريقا معبدة للخلاص. لكن الشيطان له أوجه عديدة، بل و هناك عدة شياطين، كل واحد منها له اسمه و مكلف بمهمة محددة. المشكلة الخطيرة في الدعاية هي أنها تعمد إلى خندقة الله. أمر طبيعي. مادام هناك عدو فهو الشيطان. و لمحاربته و هزمه، علينا أن نجعل الله في صفنا. و من هنا، يبدأ مسلسل تجزيء وحدانية الله إذ لا يجب نسيان أن العدو بدوره قد جعل الله في صفه. و من هذا المنطلق، تشرع الآلة الجهنمية في الاشتغال. نستنتج أن الشر يولد ليس من تصور أسطوري لعمل شيطاني ما، و لكن من فكرة تجزيئية لوحدانية الله. لأنه لا يمكن لذات واحدة أن تنتج الصراع. الصراع يتولد من عناصر مضادة تنتمي إلى ذوات متفرقة متضادة فيما بينها. هذا هو العمل السحري الذي تقوم به الدعاية، لكن أكثر الناس لا يعلمون : قم بتسويق منتوج متكامل في الظاهر ملصق عليه العلامة التجارية “الحقيقة” من إنتاج مصانع الله و سترى الناس يتبعونك حتى إلى العدم. و لأن كل عقيدة لا تستقيم إلا بمكافأة من يؤمن بها فقد صارت الديمقراطية هي العجل الذهبي للأزمنة الحديثة. الله بطبيعته سرمدي لا يحده زمان و لا مكان. تولد السياسة من حاجة البشر إلى إطار يسير موقفا يوجدون فيه. إطار محدود في الزمان و المكان. و كما لكل زمان دولة و رجال فلكل زمان كذلك أصنام. و هنا يدخل الشيطان خشبة المسرح ليلعب دوره الحقيقي. السياسة هي لعبة الشيطان بامتياز لأن نقطة قوته تكمن في قدرته على حلحلة الأزمات بالعناصر المتوفرة. أليست السياسة هي فن الممكن ؟ أليس الاقتصاد هو تسيير الندرة ؟ السياسة و الاقتصاد واحد. كلمة السر هي التسيير. و الأخلاق، التي هي عند الله كلا لا يتجزأ، تصبح عند الشيطان مجرد عنصر من بين عدة عناصر أخرى في علبة أدواته. و إذا اقتضت الضرورة تم إلغاؤها بالمرة. فإذا وجد المرء نفسه أمام اختيارين : إما أن يتبع مبدأ أخلاقيا سيؤدي حتما إلى هلاكه أو اللجوء إلى شر سيحفظ حياته، من المؤكد أنه سيختار الحل الثاني. يسمى هذا سلم أو هرم الأولويات. و تعود الآلة الجهنمية للاشتغال من جديد، إلى ما لا نهاية. و لكي لا تصاب هذه الآلة بأي عطل فيفقد الناس آنذاك عقولهم فإنهم يعمدون إلى بناء أصنام تكون هي شمال بوصلتهم في جريهم المحموم وراء الحياة. قبل أن تكون روحية، للصنم وظيفة سياسية غاية في الأهمية. الصنم يسمح بتثبيت نفسي للإنسان. القوة الهمجية التي تنطلق هوجاء في الجهات الأربع يتم تصريفها بالتفريغ ثم تعبئتها في اتجاه معين. تماما مثل علبة القهوة. نفس المبدأ. تذكرت أمرا مهما. أحتاج الآن أن أقوم لأصنع لنفسي كوب قهوة سوداء. فالليل مازال طويلا و مداد القلم لم ينته بعد. أكتب دائما بقلم (باركر) لأن تعبئته تدوم ألف متر، أي كيلومتر واحد. مكتوب هذا على ظهر الغلاف. طول الكتابة ألف متر. علامة تجارية راقية أحترمها لأنها لم تخيب يوما ظني. لم يتخل عني قلمي، في أي وقت من الأوقات، وسط نيران المعركة التي كنت أرتمي فيها عاريا. ليس مثل ذلك القميص اللعين بدون جيب. النزهة. قلت إنني سأخصصه فقط للنزهة. أية نزهة ؟ لقد وجدت له وظيفة أحسن بكثير و أعمق معنى. قميص بدون جيب لا يصلح إلا للحرق. و قد أحرقته فعلا. أشعلت فيه النار بعد أن سكبت عليه البنزين الذي لا يفارق حقيبتي. ذلك أن حقيبتي تحتوي على مذكرة سوداء لقصائدي، أوراق بيضاء، ملفات فارغة، قلم (باركر) آخر و قنينة بنزين لتعبئة ولاعتي إذا ما فرغت.

(٣)

مسمار مضروب في الكف

 

writeقال لي صديقي بنبرة مرحة : “إنه شرف للإنسان أن يكون له صديق كاتب.” رددت عليه بطريقة شبه ميكانيكية : “كل الشرف لي أيها الصديق الوفي.” كانت هناك جريدة مرمية بين مقعدينا. طلبت منه إن كان بإمكاني قراءتها. قال لي : “طبعا، طبعا. ما بك يا رجل، ألم تتخلص من خجلك رغم كل هذه السنين ؟ لا تكلف بيننا.” شكرته و أسرعت بفتح صفحات الجريدة التي علاها الغبار و تصلبت صفحاتها من شدة حرارة الشمس. لم أقرأ الصفحة الأولى و لم أكن مهتما بخبر معين. كانت عيناي تبحثان بقلق مهووس عن الصفحة الثقافية. أتذكر جيدا سنوات طفولتي و كيف كانت الجرائد تعج يوميا بإبداعات الشباب. كل يوم، يأخذ القاريء جرعة أدبية مع الطبق السياسي، سواء تعلق الأمر بقصة قصيرة أو قصيدة. ناهيك عن الملاحق الثقافية الأسبوعية. كان زمنا جميلا لأن الأعداء كانوا يعرفون بعضهم البعض. كان الصراع مفتوحا كل طرف فيه له تصوراته الخاصة عن العالم لا تهم صحتها بقدر ما تهم القدرة على تحقيقها في أرض الواقع. لم يكن الواقع كما هو اليوم، مسألة خبز فحسب. كان الواقع حلما للجميع، لذلك كانت الشراسة في الإرادة هي القانون الأسمى. انتصر الخبز في الأخير، و ما كان حلما تحول إلى كابوس لا يعرف الأبرياء كيف يستيقظون منه و هم يرزحون تحت ديكتاتورية فقهية تستثمر أسهمها في فروج النساء من جهة و نخبة مخنثة تعيد مضغ ما تقيأته البارحة من جهة أخرى. لم أجد ما كنت أفتش عنه في الصفحة الثقافية، فطويت الجريدة بلطف و أعدتها إلى مكانها. انتبه صديقي إلى امتعاضي فسألني بعد أن انتظر حتى يهدأ روعي : “قل لي، كيف تكتب نصوصك ؟” أشعلت سيجارة، الأمر الذي منحني مهلة للتفكير. لا أحب ألا أجيب عن سؤال تم توجيهه لي، كيفما كان. لا يحرجني أي سؤال. بالمقابل، ما يحرجني حقيقة هو ألا يكون جوابي ذكيا. عند النفس الثالث قلت له : “أتعرف، لا يوجد كاتب يحترم نفسه سيعطيك سر صنعته. ما يمكنني أن أقوله لك هو أنني أفكر كثيرا قبل            و أثناء الكتابة. و هذا يستنزف مني جهدا كبيرا. كل كلمة يجب أن تكون موضوعة في محلها لخدمة جملة مبنية بإحكام تنقل فكرة. الكتابة ليست بالنسبة لي مجرد لعبة أسلوبية، إنها أداة تفكير.” حرك رأسه في اهتمام و هو يقول : “كلام جميل، الكتابة أداة تفكير. و هل يمكنني أن أعرف على ماذا تشتغل الآن ؟” كان جوابي حاضرا هذه المرة لسبب بسيط هو أن ورش النص الجديد كان فعلا قد انطلق في رأسي : “أشتغل على قصة قصيرة موضوعها المركزي هو الكاتب.” قال مندفعا بحماسة عفوية : “هل كتبتها ؟” أدرت وجهي جهة البحر أحاول استجماع عناصر القصة في ذهني المشتت و رددت عليه قائلا : “مازلت أفكر فيها.”

(غرفة في حالة رثة يتوسطها مكتب صغير و كرسي. الجدران متسخة و مقشرة. ينبعث من النافذة الصغيرة التي تقع فوق السرير المنزوي في أقصى الغرفة ضوء أزرق خافت. ربما هو الليل أو الفجر، لا يهم. يجلس على الكرسي كمن يكتب أو يستعد للكتابة و حوله كتب كثيرة و أوراق مبعثرة على أرضية الغرفة. مصباح معلق في سقف الغرفة يرسل ضوءا شحيحا في البداية سرعان ما يصير قويا مسلطا عليه.) لم أستطع يوما أن أدرك لماذا تتفنن النساء في إهانة الرجال اللذين يصارحونهن بحبهم. و كأن الإعلان عن الحب يضغط على زر انفجار قنبلة مصنوعة من الحقد و الكراهية كانت مدفونة لسنوات طويلة في أعماق القلب. الحب قنبلة مضادة للأفراد لا تنفجر إلا في وجه البئيس الذي يتجرأ على الاعتقاد أن السعادة في الحياة تكمن في تقاسم الزمان و المكان مع امرأة. حين يجلس الرجل في زاوية الغرفة يجمع أشلاءه و يلعق جراحه يقيس بوضوح أن الحب مجرد وهم و أن الحقيقة هي العزلة. الرجال يمشون دوما وحيدين. فقط النساء من يحتجن إلى المرافقة. حقيبة يدوية أو كلب مربوط من عنقه يتبع بانضباط خطوات سيدته. باختصار، النساء يفضلن الأشياء على الرجال، و حبهن يقاس بقدرة الرجل على أن يتحول إلى شيء. اليوم، تركتني زوجتي، أو بمعنى أصح خليلتي. لم نتزوج. كانت رغبتها و قد احترمتها. احترمت رغبتها لأنها ناسبت فلسفتي العامة في الوجود. أعرف أنها لن تعود إلي. مع مرور الزمن، يصير الزوجان قادرين على فك شفرات سلوك كل واحد منهما. نوع من الآلية تستقر في الفراش، على المائدة، في الحوار، في برمجة الأسبوع، في برمجة نهاية الأسبوع، في الحياة كلها. أتعرفون لماذا لا يوجد هناك زواج سعيد ؟ لأن الأزواج يشعرون بأن الصدأ قد زحف على قلوبهم،           و حين يصدأ دولاب من دواليب الآلة فإن الحركة المقبلة تؤدي حتما إلى الانفجار فينهار كل شيء. مشكلتي مع خليلتي كانت دائما عدم استيعابها لوظيفتي في الحياة. أنا شاعر. كانت تقول لي باستمرار إن الشعر ليس مهنة، و أنا كنت أرد عليها بأن الشعر هو أب كل المهن. بل الشعر أقدم مهنة في التاريخ. (يمد يده اليمنى فوق المكتب متأثرا خافضا رأسه. بعد فترة صمت نسبيا طويلة يأخذ ورقة بيضاء ثم يرفعها أمام وجهه و هو يعصرها بعصبية بالغة.) أريد أن أكتب قصيدة. (يستمر في عصر الورقة حتى تصير متجمعة في راحة يده. بعد برهة، يأتيه صوت يقول له.) الشعر هو كل ما عشته و لم تكتبه بعد. (يستدير في مكانه مفزوعا بعد أن رمى الورقة بعيدا على الأرض.) أريد أن أكتب قصيدة. لن أبقى دائما معك. إلى أين ستذهب ؟ سأذهب لأحيي ميتا آخر. و لكنني لست ميتا. بلى، أنت ميت، أنت ميت و تجهل أنك ميت، مما يجعل ذنبك مضاعفا. (يقوم من مكانه بحيوية مفاجئة. يعدل ملابسه و يجري نحو وسط الخشبة. تتبعه بؤرة الضوء. يرفع رأسه إلى فوق صارخا.) أنا لست ميتا. و لماذا لا تستطيع إذن أن تكتب قصيدة ؟ (يستدير نحو الصوت و يرفع يده اليمنى مهددا.) لا تسخر مني. الأموات لا يستحقون السخرية. مازلت تصر على أنني ميت ؟ هي حقيقة يجب عليك أن تعترف بها. و إذا لم أعترف بها ؟ لن تكتب أبدا قصيدة. هكذا إذن ؟ نعم، ماذا تظن ؟ يكفي أن تأخذ قلما و تبدأ في تسويد الأوراق كي تسمى كاتبا ؟ و كيف يصير الإنسان كاتبا يا عالم زمانك ؟ هاأنت تسخر مني الآن. واحدة بواحدة. وحدهم الأطفال من يتصرفون هكذا. و ما العيب في ذلك ؟ الأطفال لا يكتبون القصائد. لكن عالمهم جميل، جميل للغاية، عالمهم بريء مثلهم. لا تنس أن الأطفال يمرضون كثيرا، هذا ما يجب أن تضعه في رأسك الكبير. بمعنى ؟ الشعراء رجال و ليسوا أطفالا، عليك أن تقتل الطفل الحي فيك. (يرد على الصوت مندفعا بنبرة مغتبطة متحمسة و هو يمسك بسترته.) لقد قتلت أبي. و تعتقد أنك بفعلتك هذه قد حققت إنجازا عظيما ؟ لم يكن لدي خيار آخر، إما أن أقتله أو أصير مثله. و يمكن الآن أن ترى بوضوح بأنك لم تصر لا مثل أبيك و لا مثل نفسك، كانت جريمة مجانية. كانت ضرورة لا محيد عنها. لماذا ؟ كي أستطيع أن أكتب قصيدة. و كم من قصيدة كتبت منذ تلك الليلة التي كنت فيها رجلا ؟ أحد عشر بالضبط.            و الشمس و القمر ؟ ما بهما الشمس و القمر ؟ ألم تكتبهما ؟ كيف و لماذا ؟ ليسجدا لك. الشمس و القمر طبيعتان ميتتان، أنا أكتب عن الحياة و للحياة. هذا ما تعلمته في مناهج الفن. ماذا تقصد ؟ الحياة الحقيقية يجب البحث عنها في الأشياء الميتة. إنس كل ما تعلمته و كل ما علموك إياه إذا أردت أن تصير كاتبا، حتى في الموت هناك حياة. (يصرخ.) أنا كاتب، أتسمعني ؟ أنا كاتب. حقا ؟ لقد كتبت المئات من الصفحات. و لماذا أنت قلق إذن ؟ لأن لا أحد يفهمني. أنت لست معلما تعطي درسا لأطفال صغار كي يكون الفهم همك الأكبر. و لماذا أكتب و أستمر في الكتابة إذن ؟ لتبدع، الإبداع يأتي من علاقتك بالعدم. يعني أنني أخلق  عوالما ؟ بالضبط، و عوالمك ليست من هذا العالم. لكن ما نفع هذه العوالم إذا لم يعمرها أحد ؟ لا تقل أبدا “ما نفع”، إنس أبجدية الاقتصاد، أنت مبدع و لست بقالا. و ماذا علي أن أقول إذن ؟ الإيمان، يجب عليك أن تؤمن بما تخلق. (تدخل امرأة مبالغة في التجمل بسرعة حاملة في يدها حقيبة يدوية أنيقة. تذهب و تجيء قلقة    و كأنها تبحث عن شيء ما ثم تتوقف قرب المكتب.) يا إلهي، الغرفة المزبلة. حبيبتي، لقد عدت إلي، كنت أعرف أنك لن تتركيني. توضيح من فضلك، اعتبارا من اليوم، من اللحظة التي أحدثك فيها، لا تقل لي أبدا “حبيبتي”. لماذا ؟ لأنني قررت أن أتركك نهائيا. لماذا ؟ ليست هناك امرأة تستطيع تحمل ما كابدته معك.              و لكنك تعرفين أنني أحبك. غلط، غلط يا حـ… بي… بي. أنت تحب نفسك أكثر مني و تحب الكلمات أكثر مني و من نفسك. قلت لك ألف مرة إنني شاعر، ألا تفهمين ؟ بعد مرور كل الوقت الذي عشناه معا صرت أشعر بالغيرة عليك من الكلمات، تخيل، أغار عليك من الكلمات، لو استمررت على هذا الحال سأصاب حتما بالجنون، و لا أخفيك سرا إذا قلت لك إنني مازلت محتاجة لعقلي و محتاجة أكثر لأن أعيش، وداعا. (تمشي و تجيء مرة أخرى ثم تغادر الغرفة و هو يتبعها متوسلا حتى يختفيا وراء الجدار.) أرجوك لا تتركيني، تعرفين أنني لا أستطيع العيش بدونك، أنا أحبك. (يعود إلى وسط الغرفة و يجلس على كرسي مكتبه الصغير واضعا يده على رأسه التي خفضها من أثر الصدمة. صمت قصير يليه الصوت قائلا بنبرة متهكمة.) أرجوك لا تتركيني، تعرفين أنني لا أستطيع العيش بدونك، أنا أحبك. لو كان أبوك يعلم أن ابنه سينتهي به الأمر متسولا لعطف امرأة لانتحر من تلقاء نفسه. (ينزل يده و يضعها بقوة على المكتب ثم يرفع نظره ناحية الصوت بحدة شديدة. صمت قصير.) عماذا تبحث الآن، أن تشكل لدي عقدة ذنب ؟ وحدهم الأحياء من يشعرون بالذنب. ثم ما أدراك أنت بالحب ؟ هل سبق لك أن أحببت امرأة في حياتك ؟ آه تذكرت، أنت مجرد صوت. لا أحتاج لحب امرأة لأدرك طبيعتها. (يلوح بيده اليسرى مستهزئا ثم يعود ليضعها على رأسه في انهزام.) انظر إلي حين أحدثك. (يقفز من مكانه و يقف قبالة الصوت منصتا إليه بانتباه بالغ.) قلت لك عليك أن تؤمن بما تخلق. حين أراد الله أن يخلق البشرية لم يحتج إلى أشياء كثيرة، بل فقط إلى بعض التراب. و لكنني لست الله. نعم أنت لست الله، و لكن حين تكتب تكون مثل الله. (يستدير في مكانه قليلا و هو يفكر عميقا في كلام الصوت ثم يتوجه نحو الكرسي ليجلس مرة أخرى. قبل أن يضع مؤخرته على الكرسي يقول له الصوت.) قلت لك قف و انظر إلي حين أحدثك. (يعاود الوقوف مرة أخرى و يتوجه إلى المكان الذي كان واقفا فيه. يمسك بسترته و ينظر إلى أعلى ناحية الصوت.) سبق لي أن قلت لك إنني لن أبقى دائما معك. لم أفكر يوما في أنني أكون مثل الله حين كنت أكتب. هذه هي الحقيقة. حين تخلق شخصيات من عدم، حين تسطر لها مصيرا محددا، حين تكافيء أحدا و تعاقب آخرا، حين تضع نقطة نهاية حيث و متى يحلو لك، ألا تكون مثل الله ؟ (تترك يده اليمنى السترة و يمدها متخوفا و كأنه يطلب من الصوت أن يهديء من روعه.) هنا أنت تذهب بعيدا. الإبداع يأتي من علاقتك بالعدم. (منزعجا.) فهمت، فهمت. إذا فهمت توجب علي أن أذهب. إلى أين ؟ لأحيي ميتا آخر. لا تتركني، لا يمكن أن تتركاني أنت و خليلتي في يوم واحد. خليلتك لم تكن يوما معك، كانت مجرد ديكور متحرك في غرفتك هذه. لكنني الآن أحتاج إليك أكثر منها. أنت الآن تحتاج لنفسك، لا يهم أن تتركك امرأة، لا يهم أن يخونك العالم بأسره، المهم هو ألا تخون أنت نفسك، إجلس. (يبقى واقفا مذهولا يحدق في اتجاه الصوت بوسع عينيه.) قلت لك إجلس. (يتوجه نحو المكتب بخطى حذرة و هو ينظر وراءه، دائما إلى أعلى ناحية الصوت، حتى يصل إلى الكرسي ثم يجلس.) خذ ورقة بيضاء. (يخرج ورقة بيضاء من رزمة أوراق مكومة فوق المكتب.) خذ قلما. (يخرج قلمه المثبت في جيب قميصه.) أكتب الآن، كل هذا يجب أن ينتهي. (يكتب بعصبية واضحة و مرددا بصوت مسموع “كل هذا يجب أن ينتهي” ثم يرفع رأسه إلى الصوت سائلا.) و ماذا بعد ؟ الآن، أنت تملك البداية. (تغرق الغرفة في ظلام كامل.)

هناك ما هو أقسى من العيش في عزلة مطلقة، العجز أمام الورقة البيضاء. و الأقسى من الأمرين، أن تتشنج أعصاب أصابعك فتتوقف عن الكتابة بعد أن كنت تظن أن كل عسير قد انهار و صارت الورقة لا تطلب إلا المداد مادام النص ينفجر في مساحة الضوء و لم يعد قابعا في صندوق مظلم بارد لا تعرف أين يوجد، و لا تملك حتى مفاتيحه.

أجمل ما في الشتاء أن الليل يأتي باكرا و يدوم طويلا.

كنت أعرف أن اليوم لن يكون مثل باقي الأيام. و السبب، عودتي من سفر طويل كنت في أمس الحاجة إليه كي ترتاح أعصابي من الضغط الذي أفرضه عليها. في أحد الأيام، طلب مني صديقي أن أصف نفسي في ثلاث كلمات فقط، فأجبته على الفور : “بطارية تحت التوتر.” كانت واحدة من لعبه المفضلة التي لا يتأخر عن ممارستها مع أصدقائه قصد المؤانسة و كذلك لسبر أغوار شخصياتهم. أجوبتي الفورية كانت تثير إعجابه لأنها كانت دليل صدق، إلا أنها لم تكن تمنعه من الاستمرار في الشك. ربما لأن محاولاته بالإمساك على نقطة ضعف مختبئة في إحدى مغارات روحي كانت تبوء دائما بالفشل. شخصيا، لم يقلقني أبدا تشككه، فهو من حيث المبدأ علامة على وعي متقد و عقل يعرف كيف يحتك بموضوعه.

أنا كاتب. و كل كاتب ليس سوى بطارية. درجة التوتر التي تخضع لها هي وحدها التي تحدد قوة مقاومتها و بالتالي، تمد من أمد حياتها. لكن، البطاريات الإنسانية لها منطق آخر. فبقدر ما تشعر بقوة لامتناهية على التحمل و اكتساح العالم المحيط بك بقدر ما تخونك دون سابق إشعار لتسقط في حالة من انعدام الوزن تجعلك لا تفكر في أي شيء أو في كل شيء، الأمر سيان مادامت الإرادة تصير عاجزة عن الفعل و الجسد لا يفعل شيئا سوى التحديق في الفراغ المزدحم بالصور.

حين فتحت باب غرفتي كنت متيقنا أنني لن أجد أحدا في انتظاري، باستثناء كتبي التي ترتفع في قمم شبه متساوية حول فراشي الذي يحتل المركز. كل شيء في مكانه تماما كما تركته. ذلك أن المرء حين يقرر فرض العزلة على نفسه فإنه يصاب، مع مرور الزمن، بمرضين يضطر إلى التعايش معهما كي لا يفقد عقله            و يخرج في يوم من الأيام يجري عاريا في الشارع : الهوس بالنظام و الارتياب. الخيط الرفيع الذي يربط بين هذين الشيطانين هو الأشياء. لا يمكن تصور ما قد يحدث لي إذا اكتشفت أن شيئا في عالمي المغلق هذا قد تغير مكانه أو تزحزح فقط عن وضعيته الأولية. المهم، لا شيء تغير.

للغياب رائحة الحب. احتجت وقتا لأملأ صدري بهذه الرائحة التي كانت تعبق بها الغرفة. ربما من يستنشقها لأول مرة يظن أنها عفن، لكنني أحبها. أحب هذه الرائحة لأنني وحدي أعرف من أين صنعت، هي خليط الرطوبة و عطر الكتب و دخان السجائر و عذرية الأوراق البيضاء المتفرقة فوق مكتبي الصغير. في حقيقة الأمر، أوراقي لم تكن كلها عذراء. كانت هناك قصة بدأت كتابتها أسابيع قبل السفر و لم أستطع أبدا أن أنهيها، أسميتها “عشاء العائد”.

…………………………

كان (غريب) نائما في كوخ أمه حين دخل عليه رجل عجوز بثياب رثة. كانت الشمس ترسل أشعتها عبر النافذة الصدئة، لكن رغم ذلك كان غريب مستغرقا في نوم عميق. يتقلب بين الفينة و الأخرى في مكانه إلى أن انتبه إلى وجود حاجز يحجب عنه الشمس فاستيقظ. فتح عينيه ببطء و كأنه يحاول الحفاظ على بقايا الحلم الذي كان مسافرا فيه. بقي متمددا على فراشه المصنوع من صناديق الخضر المغطاة بلحاف صوفي غليظ. نظر ملء عينيه إلى هذا الرجل العجوز الذي لم يسبق له أن رآه من قبل في حياته.

كانت ملامحه حادة و لحيته الكثيفة تمنح تجاعيد وجهه النحيف عمقا أكبر، فيما كانت ابتسامة خفيفة تظهر امتداد عينين مقهورتين. ظل متسمرا في مكانه ينظر إلى (غريب) الذي قام من فراشه و جلس على جانبه يعدل ملابسه و يخرج من تحت الفراش حذاءه. سأله مندهشا : “من أنت ؟” خيم صمت ثقيل على المكان مما جعل ضجيج الحي المكون من صياح الباعة المتجولين و أصوات السيارات يخترق أسماع الرجلين. رد عليه الرجل العجوز الذي لم يكن يحمل في يديه أي شيء : “أليس هذا بيت السيدة (عائشة) ؟” وقف (غريب)          و توجه نحو جرة كبيرة موضوعة أمام الباب ليشرب كوب ماء كعادته كل يوم حين يستيقظ من النوم. أجابه : “بلى، من أنت ؟” أخذ العجوز يتأمل في زوايا الكوخ كمن يبحث عن شيء ما قبل أن يسأله قائلا : “أين هي (عائشة) ؟” وضع (غريب) الكوب الطيني الفارغ على غطاء الجرة الخشبية ثم رد عليه بنبرة حادة : “قلت لك من أنت ؟ و كيف دخلت إلى هنا ؟” جلس الرجل العجوز على جانب الفراش في المكان نفسه الذي كان (غريب) جالسا فيه بطريقة مرتخية تنم عن تعب شديد. طأطأ رأسه فيما كانت يداه متدليتين منهزمتين بين رجليه، الأمر الذي سمح لـ(غريب) برؤية صلعته المحكمة الاستدارة كأنها قرص نور يجلل رأس ملاك. رفع عينيه بعد أن ملأ صدره بنفس جديد يساعده على مواصلة ما جاء من أجله ليجيبه : “أنا أبوك يا (غريب)، أبوك.” فجأة، ملامح وجه (غريب) التي كانت قد تقلصت من خليط الدهشة و الغضب على هذه المداهمة غير المتوقعة انفردت عن حيرة أظهرت طفولة وجه شوهت حدوده حتى انمحت أمواج الزمن القاسي. “آخر مرة رأيتك فيها كان عمرك لا يتجاوز السنة الواحدة.” قال له و هو يدقق الرؤية في تفاصيل وجهه بعد أن جلس إلى جانبه لا يدري ما عليه قوله أو فعله. استدار ناحيته و هو يقول له : “دعني أرى وجهك جيدا، وجهك مازال منتفخا بالنوم.” مرر أصابعه المرتعدة على جبهته و حواجبه و باقي مناطق وجهه في حين كان (غريب) صامتا يفكر في أمر هاتين اليدين اللتين كانتا تبدوان من شدة نحافتهما و كأن الجلد يتمدد بصعوبة مؤلمة فوق العظام. لم ينبس ببنت شفة و إنما اكتفى بشبك أصابع يديه بقوة عصبية حبست جريان الدم في شرايينها. لاحظ الأب أن أصابع ابنه قد بدأت تبيض فأمسك بيديه محاولا تخفيف أثر الصدمة عليه. سأله أين هي أمه فأجابه أنها تعمل في السوق الكبير بائعة النعناع. طلب منه أن يخرجا للتجول قليلا في المدينة و رؤية أمه غير أن (غريب) وافق فقط على النصف الأول من طلب أبيه، أما فيما يخص رؤية أمه فهو لا يحب أن يراها معقوفة على الأرض تبحث بين الأرجل اللامبالية عمن يشتري منها بضاعتها. تحجج بكون السوق يقع على مسافة بعيدة جدا، و من الأنسب أن يتجولا على مقربة من الدار حفاظا على جهد أبيه في انتظار عودة الأم عند الغروب.

…………………………

هناك قصص أجدها جميلة فقط في البداية، حين تكون في طور التخيل. و حين أشرع في كتابتها تنتصب أمامي جدران لا حصر لها لا أعرف من يبنيها. لم أكمل هذه القصة، تركت مسودتها تتنفس الغبار. و في مثل هذه المواقف، يكون رد فعلي بسيطا للغاية : أشعل سيجارة. لم أكلف نفسي حتى عناء إفراغ            و تنظيف المنفضة التي تركتها ممتلئة بأعقاب السجائر. أعتقد أن الكتابة لأنها تحصر الوجود في أبعاد لامادية فإنها تعلم نوعا من الكسل فيما يخص الأعمال المنزلية المعتادة. الإنسان بطبيعته غابة موحشة تحتاج أن تعانق الشمس الحارقة الأرض لتنير زواياها. طبعا، هذا من رابع المستحيلات. الكاتب وحده من له جنون وضع الشمس في قلب شخصياته. فبعد أن يولدها على الورقة و يبعث في شرايينها روحا من مداد تكون الشمس قد أحرقته هو الأول. لهذا السبب، من عادة الشخصيات أن تسخر باستمرار من كاتبها، تعلن العصيان عليه و تفر هاربة باتجاهات لامتناهية تتعدى حدود هذه الدولة الورقية التي لا يحكمها أي قانون و تصرخ بجنون محموم مطالبة بحريتها. لا يبقى للكاتب آنذاك سوى بياض الورقة و مرارة العجز التي تشبه طعم الوسام في الفم بعد أن علاه الصدأ.

أفتح النافذة الصغيرة لا لتهوية الغرفة و لكن لأنها الأنثى الوحيدة التي تعيش معي وفية لي رغم تقلبات مزاجي الطفولي. بدأ الظلام يسقط على المدينة محتشما في مكر كما يتسلل السيد إلى غرفة الخادمة التي يحبها. لا يطول تفكيري، أعرف ماذا علي أن أفعل الآن. سأخرج و أقضي الليل كله في المدينة. هو تمرين أفرضه على نفسي و يسمح لي بأن أقيس مدى قوة مقاومتي للزمن. فبين الفينة و الأخرى، تحتاج البطارية لنوع خاص من التوتر كي تستمر في أداء وظيفتها. كنت أحتاج إلى سيجارة و لكن ما كانت عندي ولاعة لأشعلها فقررت أن أتوجه رأسا إلى محطة القطار حيث تكون الأكشاك مازالت فاتحة لأبوابها. فرصة لأشتري ولاعة جديدة، علبة سجائر تكون سندي في هذا اليوم الذي يبدو أنه سيكون على غير عادته أو كعادته طويلا. و الأهم من كل هذا، لأشرب قهوتي الليلية المفضلة، الأولى و الأقوى على الإطلاق.

في ليل المحطة، ظل الرجال يشبه مشي القطط. تشوهات الصباغة فوق الموائد تشبه قطرات الماء. قطرات الندى فوق الزجاج تشبه خربشات القطط. تفاصيل كثيرة احتجت إلى ليال طويلة كي أستوعب أبجديتها. غير أن الأكيد في الأمر، هو أن وجهها لم يكن يشبه أحدا. وجهها لم يكن مألوفا في المكان و لم يسبق لي أن رأيتها في هذا المقهى. غير أن عينيها كانتا أكثر شيء شد انتباهي إليها. مثل بكاء الليل كانت عيناها منتفختين. حين حطتها سيارة فارهة على قارعة الطريق لم تجد مأوى تلجأ إليه سوى محطة القطار التي كانت أضواؤها القوية توحي بالدفء لمن ضلوا سبيلهم أو هم بانتظار القطار الآتي. هرعت إلى الضوء. كانت تلبس معطفا بنيا فوق سروال نوم وردي. الوشاح الأسود الذي كانت تحرص على لفه حول كتفيها ليستر صدرها المطل من فتحة المعطف هو الشيء الوحيد الذي ميزها وسط الجالسين نياما عن بقية الناس. حين وطأت قدماها عتبة المقهى لم تفكر طويلا أين تجلس، توجهت رأسا إلى أقصى زاوية تسبق عيناها سرعة خطواتها. جلست. حكت ذراعيها بعضهما ببعض. حكت ساقيها بعضهما ببعض. كانت ساقاها باردتين إلى درجة أنهما لم تستطيعا مقاومة وضعية الجلوس التي لا تزيد إلا من زحف البرد القاتل على جلدها الأبيض الناعم. عرفت ذلك لأنني استطعت رؤية أظافر بنانها إلى أي لون استحالت. كانت زرقاء كليا و كأنها أقدام جثة. “قهوة سوداء من فضلك.” قالت للنادلة التي رمتها بنظرة ريبة ممتزجة بالاحتقار الذي يكنه كل إنسان شريف لعاهرة. ذلك النوع من الاحتقار الذي لا يحتاج إلى الكلمات ليذبح ضحيته.

coffeeshopاعتادت النادلة هذه النماذج البشرية أثناء ساعات خدمتها الليلية. السكارى و العاهرات. طبقتان بشريتان لا تجدان مكانا تذهب إليه إلا مقهى محطة القطار. و هناك أيضا أنا، غير أنني لست بسكير محترف            و طبعا مازال بإمكاني الافتخار بأنني لست عاهرة. آتي في الليل المتأخر إلى هذا المقهى لأنني أجد فيه عرضا مفتوحا للوحات بشرية تستحق الرصد و الكتابة، خصوصا حين يخونني شيطاني تاركا إياي وسط الطريق بلا حول و لا قوة. الجمود أمام الورقة. أدخن. أشرب قهوتي السوداء. أدخن. أحضر قهوة أخرى. أدخن. ألاعب قلمي. أدخن. أطوي الورقة البيضاء. أدخن. لا شيء. لا أستمر في استنزاف قوى عقلي فأجمع أغراضي         و أخرج لا أحمل معي سوى قلمي المثبت بإحكام في جيب قميصي، مذكرة سوداء في جيب سترتي الأيمن، علبة سجائري و ولاعتي. كما في لعبة مصارعة الثيران، أخرج من بيتي، غرفتي، كالثور الهائج أبحث عن حمرة أمزقها بقلمي. لا أجد إلا سواد الليل الحالك. الليل الحالك و الفراغ الذي يمنح الشارع بهاء لا يتجلى إلا حين يختفي الممثلون كليا من فوق خشبته. لا أجد في طريقي إلى مقهى المحطة سوى بائع الجرائد الذي لطالما استغربت من أين يأتي بتلك القوة للعمل طوال اليوم و الليل. أكتفي بالسلام عليه لأنه ليست من عادتي أن أشتري منه الجرائد في هذه الساعة المتأخرة من الليل. عادة، آخذ كل جرائدي و أنا في طريق العودة إلى البيت في آخر النهار، على الساعة السابعة مساء بالضبط. لأنني على تمام الساعة الثامنة و النصف علي أن أكون قد فرغت من كل طقوسي اليومية من حمام و قهوة و تصفح للجرائد و الرد على مختلف الرسائل التي تكون قد حطت في علبتي البريدية. من بين أهم الميزات التي يستفيد منها المرء في اتخاذ العاصمة مسكنا له هو توفره على عناوين صحف الغد ليلة قبل توزيعها في باقي المدن. وصلت إذن إلى محطة القطار. نبهني جلوس بائع السجائر بالتقسيط إلى ضرورة التأكد إن كنت قد حملت علبة سجائري أم نسيتها. من طبيعتي أنني لا أنسى شيئا،            و لكن كان علي أن أتأكد كي يطمئن قلبي. عذاب مجاني أن تجلس و تأتي قهوتي المفضلة ثم أقوم لأبحث عن السجائر. و أنا لا أحب لا العذاب و لا المجانية. هذه المرة، وجدت المقهى ممتلئا نسبيا بالمقارنة مع الأيام السابقة. و بالرغم من أن مكاني المعتاد كان قد احتله سكير عجوز رفقة صديق له فإنني لم أتضايق رغم هوسي بالحرص على احترام عاداتي في أدق تفاصيلها. سأل العجوز الأول صديقه و هو يتثاءب في مكانه عن سبب غياب شخص ثالث. رد عليه صاحبه قائلا إنه مسكون بجني و قد ذهب لزيارة أحد أضرحة أولياء الله الصالحين. ارتسمت على وجه الرجل الأول تعابير توحي بالتفكير العميق الممزوج بالدهشة قبل أن يقول له : “غبي هذا الجني، ألم يجد غير ذلك المعدم ليسكنه ؟” جلست في مقعد فارغ ملوحا بيدي إلى كل العاملين خلف القمطر، من باب التحية و كذلك كي لا يتأخروا بإحضار قهوتي. أكره انتظار القهوة خصوصا حين تكون أعصابي مشدودة كشوك الصحراء. فعلا، جاءت القهوة في وقتها القياسي المعتاد تحملها النادلة التي نشأت بيننا ألفة جميلة تجعل من يرى الطريقة التي نضحك بها لبعضنا البعض يظن أننا على علاقة شديدة الحميمية. لا أنكر أن لها جسما جميلا لكنني لم أسمح أبدا لنفسي أن أخلط القيم و أتعدى في معاملتي معها حدود الاحترام لامرأة تكدح ليل نهار من أجل تأمين قوت عيشها. “كثيرا ما أتمنى أن أتزوج بأي رجل كيفما كان، فقط لأرتاح من عمل الليل.” تقول لي و هي تضع فنجان القهوة بعناية ناعمة أمام يدي التي أكون قد شبكت أصابعهما بقوة. أرفع نظري إليها و أبتسم لهذا الوجه الملائكي قائلا لها بنبرة ناهية :

“إياك أن تتزوجي، هي نصيحتي بل وصيتي لك فاحفظيها.”

“لماذا ؟”

“هناك نوعان من الناس في الدنيا، أولئك اللذين ولدوا كي ينجحوا و أولئك اللذين ولدوا كي يتزوجوا.”

تنفجر ضاحكة و هي ترفع رأسها قليلا إلى السماء بطريقة مسرحية تزيدها إغراء دون ابتذال مما يدفع مخيلتي في الحال إلى صنع صور ساخنة، لنا نحن الاثنين، إن كنت أعرف محتواها فإنني لا أقدر على ضبط عددها و لا سرعة تسلسلها نظرا للعدد الهائل من أجسام النساء العارية التي تعج بها رأسي. أقول لها مرة أخرى مؤكدا بحركة من أصبعي و كأنني حكيم ينير الطريق لمريده :

“إياك أن تتزوجي.”

“و لكنك متزوج، في أصبعك خاتم الزواج يلمع.”

أضع قطع السكر الأربعة في الفنجان و أنحني برأسي ناحيتها حتى أوشك على لمس بطنها بجبهتي            و أجيبها :

“سأبوح لك بسر، أنا لست متزوجا و هذا الخاتم إنما أضعه لأقطع الطريق على كل امرأة تشرع في بناء أحلام كبيرة انطلاقا من مقابلة واحدة بيننا.”

“من الواضح أن هناك امرأة ما قد جرحتك بعمق في حياتك لتكون زاهدا في الزواج بهذا الشكل.”

“لا، لم تجرحني أية امرأة في حياتي. كل ما في الأمر هو أن هناك نوعان من الناس في الدنيا.”

تعود لضحكتها اللذيذة و هي تهم بالانصراف قبل أن أطلب منها أن تنتظر حتى تقبض ثمن القهوة لأنني أحب دوما أن أدفع ثمن قهوتي مسبقا. تدس يدها في حفنة القطع النقدية التي تمتليء بها صرة زيها الرسمي. تنظر في عيني مليا و كأنها تبحث عن دليل إدانة. لا أخفض عيني، بل أثبتهما في قعر هاتين القطعتين العسليتين اللتين تلمعان على الحد الفاصل بين الضوء و العتمة. لا تجد دليل إدانتي، لكنني أجد أكثر من سبب مشروع أو غير مشروع، لا يهمني الأمر، لأجعلها جريمتي الكاملة. لا أعطي لحواسي الأمر بالتقدم رغم يقيني بالنصر. ليس ضعفا، بل تحديا لهذه النفس التي أقسمت أن أروضها كما تروض لبؤة شرسة. أقصى درجة يمكنها أن تبلغها الإرادة في مسيرتها نحو القوة هي حين تكون لها السيطرة المطلقة على الأهواء. هذا ما أقوله، لكن ما لا أبوح به هو أنني لا أتقدم نحوها بخطوة واحدة لمعرفتي الشفافة بأنني لست الشخص الذي يمكن أن تبني معه حياة،          و كذلك لأنني لا أتحمل وزن الحزن الذي يتبع كل فراق. هكذا أفضل. لقد أوجدنا لنفسينا منطقة عازلة تنتفي فيها قوانين الطبيعة و المجتمع لتحل مكانها مجرد ردود أفعال ميكانيكية بدون أية عواقب. أستحضر دوما في ذاكرتي درسا كنت قد تلقيته في مادة “علم الأحياء” يتعلق بدراسة ردات الانفعال عند ضفدعة مخربة الدماغ. كان الدرس الوحيد الذي أحببته و قررت ألا أنساه رغم ميولي الطبيعي و الجارف للآداب. الضفدعة المخربة الدماغ. كل إنسان يحترم نفسه لا يمكن أن يكون إلا ضفدعة مخربة الدماغ. الضفادع السليمة تقفز على سلالم المجتمع، تتوالد على إسفلت الدرجات و في كل مكان فيه رطوبة عالية، تأكل متى وجدت أكلا، لا تسأل أبدا نفسها إذا كان الأكل من حقها أم لا، تنقنق في مظاهرة حاشدة أو على شاشة التلفاز في برنامج يعده معوق ذهني لا يشغل باله سوى أمر واحد: لماذا تأخرت حوافزه في الوصول إلى حسابه البنكي ؟

ذهبت النادلة و هي تهمس بصوت بالكاد أسمعه : “هناك نوعان من الناس في الدنيا.” تركتني أتخبط في أمواج أفكار تتوالد كالأرانب البرية في وجداني. و كم هي عنيدة الأرانب في غريزة البقاء و الفرار. نعم، هناك نوعان من الناس في الدنيا، أولئك اللذين ولدوا كي ينجحوا و أولئك اللذين ولدوا كي يتزوجوا. أنا اخترت أن أكون من الفئة الأولى، و أتحمل بطبيعة الحال عواقب اختياري. بصراحة، لو كنت متزوجا هل كانت زوجتي ستسمح لي بالخروج هكذا في جنح الظلام و قضاء الليل في مقهى محطة القطار ؟ إنها واحدة من فضائل العزوبية التي لا تعد و لا تحصى. لو كنت متزوجا لما استطعت أن أحظى بهذه الجلسة وسط هؤلاء البسطاء اللذين لا يطلبون من الدنيا إلا أن تمنحهم يوما إضافيا تحتسبه من الدين الثقيل الذي كبلتهم به حتى زهدوا في كل شيء و هم أحياء. ذلك أنه لا يزهد في الحياة الدنيا إلا من يعجز على غزوها. و من يبحث عن الطهارة في هذه الدنيا فإنه لن يجدها إلا في بياض الكفن، هذا إذا كانت له أصلا القدرة على شراء كفن جديد. لو كنت متزوجا لما استطعت رؤية هذه العاهرة التي جلست لتوها في أقصى الزاوية تطلب قهوة سوداء بقلق العيون المرتجفة من البرد و الجوع و الخوف. نعم، هناك نوعان من الناس في ليالي مقهى محطة القطار : السكارى و العاهرات. و هناك فئة ثالثة تبحث في تربة العقم عن جذور لها : أنا.

شربت ما تبقى من قهوة في فنجاني دفعة واحدة و انصرفت لحالي لأنني كنت أشعر برغبة حارقة في الكتابة. عدت إلى البيت في زمن قياسي، لكنني لم أكتب شيئا. هذه هي الحقيقة و ليس من عادتي أن أكذب حتى في قصصي. الأدب مجال تخييل و ليس مجال كذب، لا يجب أبدا الخلط بين الأمرين. باختصار، ليس هذا مقاما مناسبا لأطور نظريتي العامة حول الأدب. دخنت عشرة سجائر متتابعة ثم غرقت في بعد ذلك في نوم عميق لم أستيقظ منه إلا في ساعة متأخرة من الزوال، حين اجتاح أذني خليط الأصوات البشرية و الميكانيكية الذي كان الشارع الكبير يغلي به. أقوم بنفس الشيء كل يوم. أغسل وجهي في حين تكون قهوتي السوداء تتقطر. أحدق في المرآة، لحيتي خفيفة. لا داعي لأحلقها اليوم، سأتركها إلى يوم غد. و رغم ذلك، سأحلقها. الآن. لماذا الانتظار إلى يوم غد ؟ ماذا سيتغير غدا بالمقارنة مع اليوم ؟ لا أدري. الجواب المناسب أيها الأبله هو لا شيء. لا شيء سيتغير غدا، هذا ما عليك أن تقوله. حسنا، لا شيء ستغير غدا. جيد، احلق لحيتك الآن.  و بعد ربع ساعة، كنت جالسا في مكتبي أشرب قهوتي و أدخن لا أفكر في أي شيء لأنني أعرف ما إن أنتهي من احتساء القهوة الطرية سأجمع أغراضي أي كل ما أحتاجه للكتابة في حقيبتي الجلدية و أخرج. و لكن، إلى أين سأذهب ؟ ليس هذا هو السؤال أيها الأبله، المهم هو أن تخرج و سيحملك ظلك إلى حيث تشتهي. سأطوف على المكتبات. مثلا، لم لا ؟ أنت تحب الكتب. أنت دائما عاشرت الكتب أكثر من الناس. لكن انتبه لمشترياتك، إياك أن تثقب ميزانية هذا الشهر. لا تخف.

قبل النوم، لا أنسى أبدا أن أضبط المنبه على الساعة الخامسة صباحا. هناك من يستيقظ في هذا الوقت ليقيم صلاة الفجر. أنا لا أصلي. أكتب. أقصد، أحاول أن أكتب. لكنني لا أكتب شيئا. خمس مائة ورقة بيضاء فوق مكتبي مازالت كلها بيضاء موضوعة بعناية في زاوية المكتب، بالضبط أمام المصباح. أحرص على أن تبقى الأوراق في موقعها ذلك، أحتاج مساحة فارغة في الوسط لأنني أكتب دائما بطريقة مائلة. أنا هو البرج المائل. هذه المساحة تحتلها رسائل بريدية آتية من أماكن مختلفة. الخيط الرابط بينها هو الرفض. هي أجوبة دور النشر التي أرسلت إليها أعمالي لدراسة إمكانية نشرها. الرفض. هناك من يرفض مباشرة، هناك من يرفض لأسباب تتعلق ببرمجة المنشورات اللاحقة و هناك من يتحلى بالأدب و اللباقة حيث يشرحون لي أولا أن عملي جيد لا يوجد فيه أي عيب قبل أن يعرجوا على الرفض متذرعين بعدم انسجام مخطوطتي مع الخط العام لدار النشر و متمنين لي، في النهاية، حظا موفقا مع ناشرين آخرين. المهم هو الرفض. مع توالي الأيام            و الخيبات، صرت أعرف الجواب قبل أن أفتح الظرف. أعرف الجواب فقط من وزن الرسالة. دائما، الرفض وزنه خفيف.

لم أستطع أبدا أن أستيقظ في الفجر. كان قد نصحني صديق قديم بأن أحاول، فهو الوقت المناسب للقراءة أو الكتابة. يكون العقل صافيا مثل مرآة بلا أخطاء صناعية بعد أن تخلص في الحلم من خزان الصور المشوهة. أعجبتني الفكرة كثيرا. أعجبتني ليس فقط من الناحية الأدبية و لكن لأنني وجدت فيها نوعا من القداسة يحتاجها الكاتب كي يعطي أعماله أبعادا جديدة غير تلك التي تعود على تكرارها بصيغ مختلفة. لم أستطع أبدا أن أستيقظ في الفجر. بالمقابل، ما كنت أفعله هو أنني كنت أعلن الحرب على النوم في إحدى الليالي التي أشعر فيها بقرب انفجار فكرة جديدة فأظل مستيقظا إلى أن يطلع علي نهار جديد. و أجمل ما في الفجر ذلك البرد الضبابي الذي يغلف شوارع المدينة و يجعل الناس يبدون و كأنهم أشباح. غير أن من يخرج في هذا الوقت بالتحديد هو الإنسان الحقيقي. العرق المجهول الذي يسري في عروق الوجود بلا أجر و بلا أدنى اعتراف بالجميل. تسنت لي إذن رؤية هذا العرق. كنت جالسا في مقهى قبالة محطة القطار أرمي بصري في الفراغ الجميل الذي تؤثثه أشجار النخيل العالية. و كما كان الزبالون يكنسون أرصفة وسط المدينة كانت أشجار النخيل تكنس الهواء. لم أستطع أبدا أن أستيقظ في الفجر. أحتاج أن أشعل سيجارتي الأولى لأتبين بوضوح ملامح الوجوه التي تنشط حولي. باستثناء نادل المقهى كلهم في شبه حالة نوم. أمر طبيعي جدا، فهم ينتظرون القطار. و الانتظار كتمرين روحي يعلم الإنسان أن يجد مقاومته في النوم. تكون الوجوه جميلة في الفجر. فيها نقاء لا يجده المرء حتى في صالات التجميل، و بخاصة وجوه الزبالين. يكنسون النفايات المبعثرة بأشطاب النخيل مطأطئين رؤوسهم. هو عمل نبيل يحتاج إلى روح تعرف كيف تسمو في التواضع. لكن من يقومون بأعمالهم بنبل لا يحصدون إلا الاحتقار أو اللامبالاة في أحسن الأحوال. هل يكلف الإنسان نفسه عناء أن ينظر في وجه الزبال و يلقي عليه التحية ؟ أنا أفعل ذلك. نعم، كلما سنحت لي الفرصة بمصادفة زبال أثناء القيام بعمله أنظر في وجهه و ألقي التحية عليه. أفعل ذلك لأنني أقول كل يوم في قرارة نفسي إذا لم أكن قد أكملت تعليمي و نجحت في الحصول على عمل فإنني سأكون مكان هذا الزبال. لا أحب الشفقة لأنها شعور حقير غالبا ما يخفي أناة مغرورة عاجزة عن الفعل. لا أشفق على الزبالين لأنني بدوري زبال. أنا كذلك أكنس النفايات، لكنها نفايات من نوع آخر. نفايات تستقر في الأذهان و تقاوم بكل شراسة حيوانية أية محاولة نظيفة. النفايات التي أكنسها ليست مبعثرة، بل منتظمة في قوالب جاهزة تم تصميمها حسب الطلب كي تلائم حجم العقول التي ستدخل فيها. فإذا دخلت شتتت طرق التفكير السيارة و أنتجت حجم العقول المتفق عليه في العقد. هذا ما يفسر حالة التبعثر التي يعيشها الإنسان اليوم. لم أستطع أبدا أن أستيقظ في الفجر.

الكاتب مثل الطفل، يحتاج باستمرار لانتباه الآخرين له. إذا تظاهروا أو تعمدوا تجاهله فإنه يترك كل شيء بين يديه و ينزوي وحيدا في العتمة ليبكي. أنا لا أبكي، أكتفي بالانزواء في العتمة لأفكر. أفكر طويلا            و عميقا في أشياء تتضارب في ذهني كأمواج الخريف و هي تنكسر على صخرة الشاطيء. أفكر و جسدي ممدد فوق الفراش المحادي لمكتبي الصغير. و لكي أستطيع التفكير جيدا أطفيء ضوء الغرفة و أشعل مصباح المكتب الذي أوجه نوره إلى أعلى، الأمر الذي يمنحني العتمة المناسبة لجمع شتات الأفكار و بناء فكرة جديدة تساعدني على المقاومة و بالتالي، الاستمرار فيما نذرت حياتي له. العتمة تريحني لأنها تجعل عيني تنعم براحة لذيذة. أكره الضوء القوي. أشعر و كأن سيوفا شحذت سنانها بإتقان تخترق بؤبؤ عيني فتمزق قشرة الرؤية الشفافة. ثم إن الضوء يدفعني باستمرار إلى تقطيب جبيني كي أضبط حجم الضوء الضروري الذي يجب أن ينفذ إلى عقلي. آه، عقلي. هذا المصنع الذي لا تهدأ سلسلة الإنتاج فيه ليل نهار. و حين يكون المرء مثلي مهووسا بالتدخين و شرب القهوة كل ساعة و على مدار الساعة فإن الجنون يصبح مجرد حافة هشة لا تكف عن التآكل. أنا الآن أقف على حد هذه الحافة المتآكلة، أعرف ذلك لأن أظافر بناني قد ازرقت من شدة البرد المتصاعد من الهوة السحيقة التي تناديني. مرت شهور و لم أكتب شيئا. لا أقول إنني آخذ رؤوس أقلام من خلال مشاهداتي اليومية على أمل استغلالها في عمل ما. حقا، لم أكتب شيئا. البياض يساوي الفراغ يساوي أنا. و لأنني لا أقدر على تحمل هذه الحالة من انعدام التوازن فكرت فيما يمكن أن يلهمني و يفك عقدة يدي. فكرت طويلا. و في الأخير، وجدت الخلاص في مؤخرات النساء. خاصة اللواتي يلبسن السروال. قررت إذن أن أشرع في الكتابة عن مؤخرات النساء اللواتي يلبسن السروال. ليس هناك ما هو أفضل من مؤخرة المرأة كنقطة بداية و كذلك كنقطة نهاية. المادة موجودة بوفرة عالية في كل مكان. كل ما علي أن أفعله هو أن أفتح عيني واسعا و أراقب عن كثب كل حركة، كبيرة أو صغيرة كانت، ثم بعد ذلك أطلق العنان لهذا القلم اللعين الذي يتشبث بجيب قميصي كأرضة حقيرة. ولى زمن انعزال الكاتب في برجه العاجي يتأمل كيمياء الطبيعة البشرية و محاولا لآلاف المرات كتابة أروع عمل لم تنتجه البشرية على الإطلاق. هذا لم يعد ممكنا لسبب بسيط هو أن أكبر انقلاب وجودي حققته الحضارة العصرية هي قدرتها الشيطانية على ملاحقة و محاصرة الإنسان أينما حل و ارتحل. وعيي بهذا المعطى هو الذي بلور فكرتي الخاصة بشأن الأدب : قبل أي اعتبار، على الكتابة أن تكون أداة للتفكير. وحده التفكير بواسطة الكتابة بإمكانه فك طلاسم و فهم نقط ضعف هذا الغول الذي يبتلعنا كل يوم لتركيعه أولا و الإجهاز عليه ثانيا للفوز بالحرية و استحقاق شرف الانتماء إلى الإنسانية ثالثا. صحيح أن الكتابة مسألة موهبة و إبداع، و لكن لا يجب نسيان أنها كذلك مجموعة تقنيات، يجب ضبطها و التلاعب بها بمهارة مع التركيز بكل ما أوتي العقل من قوة في بناء الموضوع. تتجلى براعة الكاتب في طريقة معالجة الموضوع، لا في السرد. الأسلوب. و الأسلوب يتقوى بالتركيز. و أهم وسيلة لتطوير ملكة التركيز الثمينة هذه هي النظر مليا إلى مؤخرات النساء. هذه هي نظريتي، و لا أقبل أية معارضة.

أنسب مكان لمراقبة حركة النساء من الخلف ليس الحمام طبعا لأنه عالم مغلق، ليس المقهى لأنهن يكن جالسات، ليس الشارع لأن حركة الناس الدءوبة تحرج كل فضول. أنسب مكان لاكتشاف هذا العالم الخفي هو الإدارة، خصوصا إذا كانت للمرء فرصة العمل في الطابق السفلي. ينعم آنذاك بالبرودة الضرورية لضبط أعصابه بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي الذي يجعله نقطة عبور لا مفر منها، الأمر الذي يسمح له بإحصاء شتى أنواع المؤخرات على اختلاف أشكالها و ألوانها. فيما يخص اللون، أعني لون السروال و ليس لون المؤخرة. فأولا و أخيرا، تتعلق التجربة بإدارة. و الإدارة بناء إنساني يقوم على الاحترام. هذا يعني أن المساحة الفارغة فوق سطح مكتبي غير موجودة. لكن، أنا موجود. هذا هو الأهم، أليس كذلك ؟ يقضي الموظف ثلثي يومه في مكتبه و الثلث الباقي في بيته. الحياة الحقيقية للموظف هي تلك التي يعيشها بين الملفات لأنه يعود إلى بيته في آخر النهار للنوم. في العمق، الموظف اختراع أسطوري يؤدي مهمة لاهوتية. رائحة الورق المتقادم            و الملفات المنتظمة في أدراجها هي عطر البخور المحترق في معبد القداسة. و بيانات الموظفين الراقدة في أرقام تسلسلية ما هي إلا الأضاحي التي تم تقديمها لهذا الإله الصامت الذي لا يعرف قلبه الرحمة بمن آمنوا به. يتحدث الكثيرون عن عدم جدوى الوظيفة مسلحين بالمصطلحات الرنانة لقاموس حسن التسيير الذي تحول في زمن قياسي إلى ما يشبه عقيدة جديدة. هناك من يدعو إلى تقليص حجم الموظفين و هناك من يطالب صراحة بإلغائهم مادام العالم الآن يعيش عهد الإدارة الإلكترونية. لكن، الموظف ليس فقط كرسيا و أجرا حكوميا، إنه رابط روحي بين المواطن و الدولة. لهذا، لا يمكن أبدا إلغاء الوظيفة لأن الدولة تحتاج دائما لخدام في معبدها كي يضمنوا لها استمرار الناس في الإيمان بها. لا يجب نسيان أن الدولة لا توجد إلا بدرجة الإيمان بها. إذا انعدم الإيمان انعدمت الدولة. هذا البعد الروحاني للأشياء لا يفهمه المحظوظون أبناء المحظوظين المتخرجين من أغلى المدارس الخاصة. و في الواقع، لا يحتاجون لفهمه مادامت المناصب تكون في انتظارهم بينما همهم الأكبر هو اختيار أين يذهبون، و بشروطهم الخاصة. لن تجدوا أبدا محظوظا ابن محظوظ في منصب حكومي يشغل باله بأمور من قبيل كيفية إعادة بناء قوة الدولة و الحفاظ على هيبتها. الأفق الذي يتوقف عنده تفكيره هو أجره زائد الحوافز و الزوجة بنت الحسب و النسب التي تكلفه غاليا، هذا كل شيء. و مع اقتراب فصل الصيف، يحتار أي دولة يقصد لقضاء إجازته السنوية. و إذا كان قد اختار هذا المنصب دون آخر فلا لشيء سوى ليكون قريبا من ضرع البقرة الحلوب. الدولة ليست قوة إمبراطورية تعمل على توسيع حدودها إلى أقصى مدى ممكن. أعتقد أنني الوحيد الذي أتشبث بهذه الصورة الخرافية. الدولة مجرد بقرة حلوب لا يرضع منها سوى المحظوظون أبناء المحظوظين. أما بالنسبة لغير المحظوظين أبناء غير المحظوظين، منتخب بقية العالم، فعليهم أن يبقوا واقفين بعيدا يراقبون المهرجان في خشوع. وحدهم الفقراء يعرفون قيمة الإيمان و قدرته على خلق الشيء من العدم. ليس إذن من قبيل الصدفة إن كانت الدولة تقوم على أكتاف الفقراء. قد يبدو كلامي هذا نوعا من المبالغة أو حتى الهذيان، لكن الإيمان لا يحتاج إلى العقل في أي شيء. تؤمن بشيء ما أو لا تؤمن به، بكل بساطة. هذه هي نظريتي، و لا أقبل أية معارضة.

طبعا، حالتي شديدة الخصوصية. أنا أقف في مفترق الطرق بين الإيمان و الشك. أظن أن المؤمن الحقيقي هو الذي يمر من فترات شك حارق لأن المتأكد من كل شيء على وجه الإطلاق لا يمكن أن يكون إلا متعصبا. و التاريخ يعج بنماذج متنوعة عن التعصب و ما هي قادرة على صنعه في الإنسان. لنقل إنني متصوف يبحث عن الحق عبر الإنصات للطريق الذي يسلكه في سفره الطويل. هكذا، نرضي جميع الأطراف. و إذا انزعج أحدهم فإنني لا أقدم له اعتذارات أو تفسيرات. عن ماذا أعتذر ؟ و ماذا أفسر ؟ الطريق الذي أسلكه كل يوم إلى عملي ليس طويلا. و رغم ذلك، لا أملك صبر المتصوفة على المشي فيه. روحي تحتاج إلى مزيد من التدريب كي تصبح أكثر تقشفا و طهارة. ما يدفعني للاستيقاظ في الصباح و الذهاب إلى العمل شيء واحد أوحد ألا و هو مؤخرات النساء اللواتي لا يتوقف ذهابهن و مجيئهن في باحة الطابق السفلي طيلة اليوم.    و كم تمنيت أن يبقين في العمل حتى إلى ساعات متأخرة من الليل. فقط أنا و هن، فأنا كائن ليلي بالطبيعة          و في الليل المتأخر أبلغ قمة قوتي. تفهمون الآن لماذا لا أستطيع أبدا أن أستيقظ على الساعة الخامسة صباحا رغم المنبه. أضع حقيبتي الممتلئة بالكتب و الأوراق البيضاء قرب كرسي مكتبي لأخرج بعد ذلك أشرب قهوتي المفضلة من الموزع الأوتوماتيكي. في اليوم الواحد، لا أشرب قهوة واحدة و لا اثنتين و لا حتى ثلاثة. أشرب قدر ما استطعت و أدخن قدر ما استطعت. بهذه الطريقة فقط أثبت لنفسي أنني بحالة صحية جيدة ثم أطمئن على درجة قوتي. ذلك أنني أعيش حالة دائمة من التحدي تجاه الذات لا يهدأ. هكذا أفهم إرادة القوة بالرغم من المخاطر التي ينطوي عليها هذا التصور. هذه هي نظريتي، و لا أقبل أية معارضة.

بالمقارنة مع السنوات الماضية جاء هذا العام باردا. أمطار و رياح قوية. الشمس تشرق خجولة في فتور              و كأنها عاهرة تتدلل بابتذال مفضوح قصد الرفع من أجرها. لا أحب الشمس. لكن، علي أن أعترف أنه حين يكون الجو حارا فإنني أستمتع بملابس النساء الخفيفة. فساتين بكل ألوان الحياة تتراقص مرحة على إيقاع نسيم خفيف. أما و الجو بارد، فاللوحة تكون قاتمة بشكل كئيب. إذا كان بإمكاني أن أختبيء في اللامبالاة التي طالما صنعت قوتي في مواجهة الرداءة فإن عيني لا تجد منفذا للهروب من منظر النساء و هن يلبسن السروال القطني تحت السروال تحت الجلباب، دون نسيان التبان طبعا. بمعنى آخر، توجد أربع طبقات جيولوجية تغطي بؤرة التوتر. أتخيل كم تبلغ درجة حرارة هذه البؤرة و هي ترزح تحت كل هذا الثقل. بركان يغلي، ما من شك في ذلك. و يا سعادة من كتبت له الأقدار بأن ينعم بالارتماء في عمقه. هناك أشكال من السقوط فيها حياة و متع لا تعد و لا تحصى. هذه هي نظريتي، و لا أقبل أية معارضة.

الأمر الجميل حين تلبس امرأة سروالا هو أنه يسمح بقياس استدارة مؤخرتها بشكل مضبوط، هذا من جهة. من جهة أخرى، طول خطوتها يحدد درجة ارتفاع و انخفاض خصريها. أحب هذا. بعد شهور من المراقبة، قررت أن أقترح على موظفة تعمل معي إن كانت ترغب في أن نذهب إلى السينما، طبعا ليس لمشاهدة فيلم، فالقرص الصلب لحاسوبي يضم مئات التحف السينمائية، و لكن للاستفادة من هامش الحرية الذي يوفره هذا الفضاء العام للقيام بنفس الشيء الذي يقوم به رجل و امرأة في غرفة النوم. نوع من الفضاء الخاص داخل الفضاء العام. هذه واحدة من أهم ميزات الديمقراطية حين تكون في مرحلتها الجنينية أي في طور البحث عن طريقها. عوض التطرق للحرية السياسية التي تفتح الباب لمشاكل بلا حدود من المحبذ و الأجدى إطلاق العنان للحرية الجنسية. في نهاية المطاف، حرية سياسية و حرية جنسية لهما نفس الوزن و القافية. و أنا أعيش وسط قوم يعبدون القوافي. كنت قد أشعلت سيجارة في انتظار خروج القهوة من البوابة الصغيرة للموزع الأوتوماتيكي. سألتني بسخرية ممزوجة بمكر لذيذ و هي تلاعب قطعتين نقديتين في يدها لأنها كانت تنتظر دورها لأخذ مشروبها : “من أين حصلت على كل هذه الشجاعة لتطلب مني أن نذهب إلى السينما ؟” بقيت صامتا بعض الوقت لأعرف إن كانت هناك تتمة لكلامها، و أيضا لأعثر على جواب مناسب. لم يطل صمتي و جاء جوابي : “نحن موظفون كما تعلمين، و الموظف لا يمكنه أن يعبر عن مشاعره إلا في أول الشهر.” عاد الصمت ليخيم بيننا من جديد، أطول هذه المرة. هي لا تشرب القهوة، تفضل الشاي. تهتم كثيرا بصحتها          و رشاقة قوامها و لهذا، فهي منخرطة في نادي رياضي. لا تفوت حصة واحدة من تمارينها. صحتها الجيدة تستمدها من هوسها بتناول المأكولات الطبيعية فقط و شرب بين الفينة و الأخرى خلطات متنوعة من الأعشاب. حين أراها تبدو لي كفرس جامحة تبحث عن خيال. لا أفهم صمت النساء لأنه يكون غالبا مصحوبا بلمعان غريب في العينين يتأرجح بين الموافقة و الرفض. و لأن النساء مثل سوق البورصة فعلى الرجل ألا يتهافت أبدا على سهم ما مخافة ارتفاع قيمته بشكل صاروخي. وحده الصبر يضمن استقرار الأسواق العالمية. ظلت تنظر إلي بوجه رخامي لا يعكس أي إحساس. خرجت القهوة. خلطت السكر جيدا. احتسيت قليلا من القهوة و أنا أجر أنفاسا عصبية من السيجارة. أحب ذلك المذاق الأول الذي يبقى في الفم، مزيج الرشفة الأولى و النفس الأول. كل شيء يكون جميلا في أوله، و إن كان عداوة لأنها تستفز قوة مقاومة حية تبث الطاقة في الروح كهرمون طبيعي أفرزته غدة سليمة. يأتي الوهن من لحظات السلام حين لا يجد الجسد شيئا يتحرك ضده. هذه هي نظريتي، و لا أقبل أية معارضة.

و بما أنني كنت أنتظر الجواب، فقد صرت أتأمل تفاصيل الجدران، لوح الزجاج المكسور للنافذة، شبكة العنكبوت الواهنة التي تقاوم مجرى الهواء، أعقاب السجائر المرمية على الأرض، رغوة القهوة في كأسي البلاستيكي. طال الصمت و نظرت في عينيها و أنا أعيد عليها نفس السؤال : “ما رأيك أن نذهب في نهاية هذا الأسبوع إلى السينما ؟” انتهت الآلة من تحضير مشروبها المفضل، الشاي الأسود. بعد ذلك، ردت علي بنبرة جافة : “لا.” كان هذا كل جوابها، “لا.” ثم صعدت بعدها إلى الطابق العلوي و هي تحرص على هز مؤخرتها بنفس الإيقاع المضبوط الذي دفعني إلى دعوتها لما كان يمكن اعتباره فاتحة خير و مقدمة للمجون. الغريب في الأمر هو أنني لم أتضايق من جوابها و لم أطلب منها حتى أن أعرف سبب رفضها. المرأة مثل دولة أجنبية، لكي تسمح لك بدخول أراضيها تحتاج إلى تأشيرة. الآن، إذا لم يحالفك الحظ و تحصل على التأشيرة هل تكلف أية قنصلية كانت نفسها عناء إبداء أسباب الرفض ؟ الجواب الصحيح هو “لا.” اعتبرت إذن رفضها مجرد رفض روتيني و أضفته إلى بقية أظرفة الرفض التي ترقد فوق المساحة الوسطى لمكتبي. بدوره كان رفضها خفيفا. الشيء الوحيد الذي كان ثقيلا عندها بمعنى له وزن يضرب له ألف حساب هو مؤخرتها التي أخذت تهزها بإغراء جارف و هي تصعد الأدراج إلى الطابق العلوي حيث يعمل الموظفون غير المحظوظين أبناء غير المحظوظين اللذين صاروا مع مرور الزمن محظوظين بمباركة الكهنوت. ظللت واقفا في مكاني أدخن و أشرب قهوتي في انتظار مرور دولة غنية بحاجة مستعجلة إلى يد عاملة. في الحقيقة، لا تحتاج الحياة إلى اجتياح الأشياء بالقوة. يكفي الانتظار. أجد الصبر في قوة إيماني رغم ثغاء الاحتضار لهذه البقرة المريضة العجفاء. هذه هي نظريتي، و لا أقبل أية معارضة.

(٤)

قصة خروج (آدم)

لم تكن لدي تلك القدرة التي يتحلى بها صديقي على تحمل الصمت البارد الذي خيم بيننا. أشعلت آخر سيجارتين كانتا باقيتين في علبتي. أعطيته واحدة فيما ثبت سيجارتي بين أسناني و أنا أحاول إخراج علبة سجائر جديدة من جيب سترتي. أحمل دائما معي علبة إضافية. ذخيرتي الحية كما يحلو لي أن أسميها. سألته : “كيف حال والدك ؟” رد علي بنبرة من يفكر عميقا و هو يجر من سيجارته نفسا قويا : “منذ أن ذهب إلى الحج على نفقة مصنع الأحذية الذي يشتغل فيه و صار ينادونه الحاج (آدم) لم يعد يهمه أي شيء في الحياة. العمل النقابي و الوقفات الاحتجاجية و المطالب الاجتماعية، كل شيء انتهى بالنسبة إليه. يبدو أنه لم يعد يهمه إلا لقاء ربه.” التفت إلي و استطرد قائلا مع ابتسامة خفيفة جعلت عينيه تلمعان بنوع من السخرية الممزوجة بالحسرة : “صار مواطنا صالحا.”

لم يكن (آدم) يتصور أن غضبة أبيه عليه لرفضه الزواج بابنة عمه ستصل إلى حد طرده من البيت، بل            و من كل الضيعة. جمع ملابسه في حقيبة خشبية يغطيها جلد بال تقشرت جوانبه بفعل السنوات تحت أنظار أمه التي كانت واقفة تبكي على باب غرفته. حاولت عدة مرات أن تصلح الأمر بين الأب وابنه، لكن من دون جدوى. الابن الصغير صار رجلا و الأب الذي كان رجلا حين ولده لم يزدد إلا صلابة مع تقدم العمر. كان الأب جالسا قرب المدفأة يدخن غليونه و هو يتأمل النار المستعرة التي تلتهم الحطب بدون رحمة. بقيت أخوات (آدم) الثلاث واقفات أمام باب البيت لا يدرين ما عليهن فعله في هذا الموقف الذي لم يتوقعن يوما حدوثه. ينظرن إلى بعضهن البعض دون النطق بكلمة واحدة و تفاصيل وجوههن لا تعبر عن أي شيء. وقفن تلقائيا أمام الباب ظنا منهن أن هذا ما يجب فعله استعدادا لتوديع الأخ الأكبر. حين فرغ (آدم) من جمع الحقيبة و هم بالخروج جرت نحوه أمه تعانقه. لم يقل لها أي شيء. الصمت. كانت وحدها شهقاتها التي ترتفع في فضاء الغرفة على إيقاع تدفق الدموع الحارة هي الدليل الوحيد على وجود حياة. عانقها (آدم) للمرة الأخيرة          و طلب منها أن تكف عن البكاء، فهو الآن رجل و قد حان الأوان لأن ينفذ ما يرغب فيه. لا داعي للقلق، سيكون على أحسن حال. يعيش الرجل حياة واحدة، فإذا لم يحقق فيها ما كان يطمح إليه فعلى الأقل يسعد باختياره الذي أخذه وحيدا. دست الأم في يده بعض النقود التي كانت قد وفرتها. لم يقبل (آدم) في باديء الأمر، لكنه أطاع أمه حين ألحت عليه و طمأنته بكون هذا المال إنما ادخرته ليوم زفافه. سواء تزوج أو لم يتزوج فالمال يعود إليه، هو من حقه. بقدر ما كان قلبه يعتصره الألم لفراق أمه و أخواته بقدر ما كان غير قادر على تحديد شعوره تجاه أبيه. مشاعر متناقضة كانت تخبط في أعماق وجدانه، لكن صوتا داخله لم يعرف مصدره كان يمنعه من أن يصل إلى حد الكراهية. في الفترة الزمنية القصيرة التي كان يجمع فيها أغراضه استرجع في ذهنه شريط حياته في البيت منذ أن بدأ يعي وجوده في هذا العالم و توقفت ذاكرته طويلا عند طقس يومي فرضه الأب على الأسرة خلال اللحظات التي تسبق وجبة العشاء. كان دائما يجلس على المائدة محاطا بأبنائه، (آدم) على يمينه، فيسرد لهم نفس القصة التي يرويها لهم في كل مرة. يحكي لهم كيف بنى هذا البيت حجرة حجرة حتى اكتمل و صار على هذا الشكل الذي يعرفونه، كيف حرث و زرع الأرض المحيطة بالبيت إلى أن حولها إلى أرض خصبة تعطي كل عام محصولا يكفي حاجات الأسرة لسنة كاملة و أكثر، فقط بمجهوده الفردي. توسع نشاطه بعد ذلك فاشترى أغناما و بقرة حلوب جعلت الأسرة تكتشف فوائد الحليب الطري كل صباح على قوة الإنسان و الرفع من مقاومته في الحقل حين تكون الشمس بلا رحمة و الأرض مستعصية على الحرث. لوحده فقط بنى كل هذا. لوحده بنى كل هذا و حافظ عليه. تعودت الأسرة على سماع هذه القصة كل ليلة. يستمعون إليه باهتمام بالغ دون أن يقاطعه أي أحد، بما في ذلك الأم التي كانت تجلس وراء الأب على كرسي قرب النافدة ترقع قميصا أو سروالا أو تكتفي فقط بوضع يدها اليمنى فوق اليد اليسرى تنتظره أن ينتهي لوضع العشاء على المائدة التي صنعها أيضا بنفسه. كل شيء في البيت صنعه الأب بنفسه ماعدا مستلزمات المطبخ التي اضطر لشرائها من المدينة، بالإضافة إلى التبغ الذييحرص دوما على أن يتزود منه بكميات زائدة. كثيرون من غادروا البلدة للاستقرار نهائيا في المدينة. يفتخر الأب بكونه أول من عمر هذه الأرض. أتى من بعده أناس يحصيهم بالاسم، لكنهم لم يستطيعوا الصبر على قسوة الأرض فهجروها. يحب أن يردد أنه إذا كانت الأرض تقسو عليك فتلك أكبر علامة على أنها تحبك، و بقدر ما تصبر أنت على قسوتها بقدر ما هي تجمع لك المكافأة الكبرى. هي لغة لا يفهمها إلا الرجال. الرجال الأنقياء. الأنقياء اللذين لم توسخهم المدينة. لا تنسوا أبدا يا أبنائي، المدينة أرض الشر. بهذه الكلمات كان الأب ينهي كلامه فتفهم الأم أن دورها قد حان لتقوم و تقدم الطعام. فكر (آدم) مليا في كلام أبيه و لماذا كان يصر على أن يعيده بالحرف في كل ليلة. لم يجد تفسيرا مقنعا غير كون الأب كان يبحث عن ترسيخ فكرة الامتنان لجميله في أذهان الجميع، و بالتالي ضرورة الطاعة المطلقة لإرادته. سألته أمه إلى أين سيذهب. رد عليها بابتسامته الخفيفة المعهودة أنه سيتوجه إلى المدينة بحثا عن عمل، و في نفسه أكمل قائلا بإصرار اللهفة الأولى إنه سيذهب لاكتشاف أرض الشر. خرج من الغرفة و كتفاه مرفوعتان بفخر يعرفه لأول مرة في حياته، و في نفس الوقت، كان ظهره مقوسا قليلا من أثر رأسه التي خفضها و هو يتلمس الطريق بخطواته التي أراد لكل واحدة منها أن تكون قوية تشهد على رغبته في ترك بصمته للزمن القصير الذي تبقى له قبل أن يسافر إلى عالمه الجديد الذي يتوق لرؤيته. ذلك أنه في مواجهة كل تجربة جديدة تمنح الرهبة القلب قوة دافعة. و هذه القوة كان قد بدأ يشعر بها في مفاصل ركبتيه التي كانت تنطوي عند كل درج ينزله باتجاه الباب. لمح أباه جالسا يدخن واضعا رجلا فوق رجل و ظهره العريض يحجب كليا نار المدفأة. توقف قليلا ثم واصل نزوله حتى بلغ أرضية البيت. توقف و نظر، هذه المرة، وراءه كمن يستعجل أمه بالنزول التي قصدت الأب رأسا ثم انحنت على ركبته تتوسل إليه أن يسامح ابنه و يعدل عن فكرة طرده. لكنه لم يكلف نفسه حتى عناء النظر إلى وجهها          و فضل متابعة احتراق الحطب. ظل ثابتا في مجلسه لا يحرك ساكنا يدخن و هو يعض بقوة على فكيه من الغضب و التحدي حتى غابت شفتاه تحت شاربه الكثيف. أدرك (آدم) أن أباه لن يعدل عن الفكرة إلا إذا انصاع لإرادته، و أدرك أيضا أنه لا فائدة في توديعه. رمى نظرة إلى أخواته محاولا التخفيف عليهن من وطأة الموقف. وجوههن الشاحبة انفردت بعد برهة عن ابتسامة بلهاء لم تكن تعني أي شيء بالنسبة لرجل طرده أبوه من البيت. يئست الأم من إمكانية الإبقاء على ابنها في البيت. تحجر الأب دفعها إلى الوقوف و مسح دموعها بيديها في حركة واحدة. تقدم (آدم) بضع خطوات نحو الباب فتجمعت أمه و أخواته عليه يعانقنه و يقبلنه للمرة الأخيرة. قبل يد أمه بحرارة استغرقت زمنا قصيرا ثم فتح الباب و خرج، من دون أن ينظر وراءه. كان الليل دامس السواد. القمر مكتمل و إضاءته الشاحبة كانت تنير له الطريق. مشى على حدود الضيعة يبحث عن الطريق الزراعي حيث تمر الشاحنات كل ليلة على أمل أن تتعطف عليه واحدة و تأخذه إلى المدينة أو تقربه فقط منها. كانت يده تمسك بقوة معصم الحقيبة فيما يده الأخرى تداعب ثوب السترة التي يلبسها لأول مرة. كانت هدية أبيه في أحد الأعياد. بما أن (آدم) لم يغادر الضيعة قط في حياته و لم يسبق له أن رأى المدينة لأن الأب كان دائما يفضل أن يذهب للتسوق وحيدا شعر بفرحة تغمر قلبه. كانت حياته مضبوطة على ساعة القيام في الفجر و ساعة النوم في الليل. نفس اللباس يصلح للعمل و النوم. هو لباس واحد حمله على بدنه و تعود عليه منذ أن بدأ يعمل في الحقل مع أبيه. الشيء الوحيد الذي كان يتغير هو الحذاء الذي كان ينزعه من رجليه في آخر النهار عند عودته إلى البيت و هو غارق في الوحل إلى النصف. يلبس نعله الخفيف، يتناول العشاء ثم ينام. يستيقظ في اليوم التالي على صوت أبيه الذي يستنفر الجميع و أول ما يفعله هو دس قدميه في الحذاء الذي تكون الأم قد نظفته بعناية و أزالت الأوحال من عليه قبل أن تجف حتى يبدو و كأنه جديد. لكن هذه المرة، لم يكن ينتعل حذاء العمل بل حذاء جميلا أهدته له أمه التي بدورها تلقته ضمن عدة هدايا من أخت زوجها في إحدى العطل التي قضتها في الضيعة. أخت زوجها تقيم في بلاد بعيدة مع زوجها و ولديها، و نادرا ما تزور أخاها. السفر مكلف للغاية و الإنسان يصير تحت ضغط متطلبات الحياة يحسب ألف حساب لكل حركة تترتب عنها مصاريف. كان (آدم) إذن في لباس جديد. لولا الحقيبة لظن المرء أنه خارج في نزهة. و لكن لا أحد يتنزه في هذا الليل، خصوصا و أن الكلاب لا تكف عن النباح في كل الأرجاء. الكلاب تنبح و تعوي. لأن (آدم) كان قد اقترب من الغابة ظن أن العواء صادر عن الذئاب التي تسكن الغابة. لم ير أبدا في حياته ذئبا و كل ما عرفه عن الذئاب تعلمه من القصص التي كان أبوه يرويها له          و هو صغير. الفرحة بالسترة الجديدة و الحذاء الجديد لم يكن يعكرها إلا تفكيره المستمر بالطريقة التي يجب عليه أن يصرف بها المال الذي أعطته له أمه. كم يوما من العيش اللائق ستكفيه هذه النقود ؟ اكتشف (آدم) بمرارة خسارة فادحة في حياته تتعلق بجهله الكلي بالمال و شؤونه. الوحيد في العائلة الذي كان يملك مالا هو الأب. بين يديه يتركز كل شيء. و لم يدر من أين أتت أمه بالمال. لا يذكر أن أباه أعطاه يوما مالا. بالمقابل، كان يكتفي بشراء سروال جديد أو قميص له. أما المال، أبدا. كان (آدم) يعرف الطريق عن ظهر قلب، لذلك كان يتفادى السير في الممرات الموحلة أو تلك التي تخرج منها أحجار مسننة و حادة بمقدورها أن تتلف حذاءه. استمر في المشي حتى بلغ الطريق الزراعي التي تفصل الضيعة عن الغابة. وقف على جانبه بعد أن وضع الحقيبة قرب قدميه. أخذ نفسا عميقا و حدق في البيت الذي صار الآن يبدو بعيدا. لأن (آدم) كان واقفا في الظلام ظهر له البيت مجرد نقطة ضوء. ليس الجهل بشؤون المال هو الخسارة الوحيدة في حياة (آدم)، هناك أيضا عدم استكمال دراسته. تعلم إلى حدود الابتدائية التي ما إن استوفى سنواتها حتى سارع أبوه بإلحاقه بالعمل لأن ذراعين لا تكفيان لحرث و زرع أرض مترامية الأطراف. كانت المدرسة تقع على مسافة بعيدة من البيت و العناء الذي كان يتكبده (آدم) كل يوم أعطى الأب مسوغا جاهزا لإقناعه بالعدول عن الدراسة        و مساعدته على مشاق الأرض التي لا تنتهي. أضاف قائلا يوم جاء يخبره بقراره إن المرء يذهب للمدرسة كي يتعلم القراءة و الكتابة، الشيء الذي نجح (آدم) في تحصيله. ما نفع أن يضيف المرء سنوات أخرى من       الدراسة ؟ كان منطقا بدائيا لم يجد من (آدم) أية مقاومة الذي كانت قواه منهكة بالكامل في آخر اليوم مما اضطره للقبول لا لشيء سوى ليتركه ينام في سلام. نباح و عواء يملآن الفضاء و لا يعلم (آدم) من أين يأتيان. الظلام يجعل الإنسان يشعر بحدود عزلته التي تتمرد هائجة و ترفض الخضوع لقوانين الرسم. ليس الظلام فقط، بل هناك البرد الذي يهب بين الفينة و الأخرى ليذكر أغصان الأشجار بدورها في الليل غير دور الظل الذي تلعبه في النهار. حفيف أوراق الأشجار كان قويا لدرجة أنه كان يستدير في مكانه لرؤية الأغصان و هي تتراقص على إيقاع الريح الآتية من بعيد. في هذا الوقت، يكون عادة قد خلد إلى النوم. من بين أهم ميزات العمل في الحقل الفوز بنوم عميق، بالإضافة إلى التمتع دوما بصحة جيدة لأن عضلات الجسم لا تتوقف عن الاشتغال طوال اليوم. بنية (آدم) القوية كانت تتجلى من خلال لباسه. السترة التي يرتديها كانت تبدو مشدودة بقوة عليه مما كان يعيق نسبيا حركته. غير أن القوة التي كان يشعر بها عند احتكاك ذراعيه بجانبيه كانت تدفعه للتفاؤل بخصوص فرصه في إيجاد عمل بسرعة. عمل جديد. لا يهم ما هو. عليه فقط أن يصل إلى المدينة و مؤكد أنه لن يتأخر في إيجاد مهنة تضمن له العيش و يكون بذلك قد طوى نهائيا صفحة أبيه. نعم، سيطوي نهائيا صفحة أبيه و إلى الأبد. ذلك لأنه يعلم إلى حد اليقين أن الأمور لن تعود كما كانت بينهما إلا إذا تنازل أحدهما للآخر، الأمر الذي لا يمكن أبدا أن يحدث حتى لو شاءا من أعماق قلبيهما أن يحدث. لم يتعلم (آدم) من أبيه العمل في الحقل و رعي الأغنام فحسب، بل أخذ عنه كل طباعه و أولها العناد. العناد تجاه كل شيء. العناد تجاه الأرض، تجاه الحياة و تجاه الذات نفسها. بالعناد وحده يستطيع المرء الصبر على قسوة الأرض. تمر السنون بأيامها و لياليها و لا يشعر المرء أنه صار صخرة صلبة لا ينفذ إلى قلبها أي شيء. لا يكتشف طبيعته المتحجرة إلا عندما ينزوي لوحده أمام حطب يحترق و يكون الجميع قد انفض من حوله. ساعتها، يعي بصفاء ليلة صيفية أن ما من شيء يصده في هذه الدنيا إلا الموت. و حتى هذا الموت نادرا ما يأتي. الموت يفضل الأبرياء اللذين لا حول لهم و لا قوة. أما المزارعون، فدائما في أيديهم سلاح يخيفون به العدو و كل غريب آت. لهذا السبب يعيش المزارعون طويلا، لأنهم يحملون دائما في أيديهم معولا، منجلا أو مذراة و لا يموتون إلا حين يفقدون القدرة على حملها. غالبا ما يفارقون الحياة في نومهم، من دون ضجيج و لا ألم مع ابتسامة غريبة في زاوية الشفتين. هو التحدي الساخر في وجه الموت الذي لم يجرؤ على التقدم و أخذ الروح إلا حين خلد الجسد إلى النوم. نذالة. و لمواجهة النذالة ليس هناك ما هو أقوى من السخرية التي تسرق النصر من يد القوي. السخرية، آخر رصاصة يطلقها المزارع الأعزل في وجه هذه الحياة الجاحدة التي لا تفترس إلا الطيبين، و في وجه الموت العاهر الذي يتعاقد دوما مع الحياة شفهيا، من دون حاجة إلى كتابة العقد. الموت. الموت العاهر.

سألني صديقي من دون حاجة إلى أن ينظر إلي بنبرة تنم عن اختبار النوايا : “لماذا لا تنضم إلى حزب سياسي ؟.. أنت تمتلك كل المؤهلات لتنجح في العمل السياسي. لا أقول هذا مجاملة، و لكن لأنني أعرفك جيدا.”

و لأنني مهووس على الدوام بالرجال العظماء اللذين حفروا أسماءهم في صخر التاريخ، أجبته قائلا : “كان (بيسمارك) يقول إن الأحزاب السياسية وباء وطني.” و هنا، باغتت تفكيري حلقة مهمة من حياة والده، الحاج (آدم)، جعلتني أعرف كيف يمكن، بحركة بسيطة، لحياة إنسان أن تنسف من قاعدتها.

إذا كان فقدان العائلة أول جرح في حياة (آدم) فإن الجرح الثاني الذي حطمه هو دخوله السجن، بعد أن لفق له صاحب المعمل تهمة باطلة بسبب نشاطه النقابي المحموم. رجل بحجم (بيسمارك) لا يمكنني إلا أن أكون متفقا معه، على طول الخط. إذا كانت الأحزاب وباء وطنيا فإن النقابات هي المستنقع الذي ينطلق منه هذا الوباء. تم إذن رمي (آدم) في غياهب السجن، و بقي صديقي و أمه لوحدهما في مواجهة حياة تقيس كل شيء بالمال. لم أرغب في أن أفتح معه هذا الموضوع نظرا لحساسية الأمر. أقول حساسية لأن شائعات كثيرة كانت تروج مفادها أن أمه كانت تضطر للنوم مع صاحب المعمل قصد توفير مصاريف تنشئة ابنها. و في مجتمع البهائم الهجينة لا تحتاج الشائعات إلى أدلة إثبات، تصير نفسها حقيقة مطلقة ابتداء من الأذن الثانية.

خرج (آدم) من السجن مثلما دخل إليه أول يوم، رجلا كاملا. رجلا كاملا مع الامتياز الذي تمنحه الحياة لكثير من الناس، الحقد. لم يكن أحد في انتظاره أمام الباب الحديدي الكبير. كل اللذين كان يعرفهم تخلوا عنه، فضلوا نسيانه. أمر طبيعي، فلا أحد يرغب في الاستمرار في ربط علاقة مع شخص انتهت مدة صلاحيته و لم يعد قادرا على الإنتاج. لا يلومهم، يفهمهم. صار قضية منتهية و حجم الفضيحة، أعني فضيحته، تتسع لقارة مهجورة لم يكتشفها أحد بعد. ملف مطوي إلى الأبد. من يجرؤ على الاستمرار في علاقة مع رجل لم يعرف كيف يحافظ على زوجته. و الحق أن هذا الشعب لا يجد حرجا في القيام بأحقر الأفعال، بل و أكثر من ذلك، تتفتق عبقريته في إيجاد ألف مبرر شرعي و مسوغ أخلاقي لها، لكن حين يتعلق الأمر بالفرج فإنه ينقلب إلى ملايين مجيشة من (عنترة بن شداد) على أهبة الاستعداد للبطولات.

(آدم) يأخذ الكلمة : الزمن يدوم طويلا داخل الزنزانة. وحيدا بين أربعة جدران و محمولا بأرضية تشبه قبرا لم يغلق جيدا بينما تربته ترفض بعناد أن تجف. و لكي لا يفقد المرء عقله وسط هذا الصمت الذي يستنفر شتى أنواع الشياطين يخترع وحدة القياس الخاصة به. كل ما يلزم هو توفر شيء له رأس حاد. لم أكن أملكه. كل ما كان لدي هو أظافري. علمتني الزنزانة الانتباه لظواهر الطبيعة التي كانت ترسلني باستمرار إلى نفسي، الأمر الذي كان يجعلني أحتفظ بالأمل رغم أن كل شيء كان قد ضاع نهائيا. علمتني الزنزانة شيئا آخر غاية في الأهمية ألا و هو في الحياة، لا يجب أبدا وضع الثقة في أي شخص كان. أجل، أيا كان حتى و لو كان الله. حين قلت هذا لصديق كنت قد تعرفت عليه في وجبة غذاء، نقل كلماتي بأمانة و سرعة فائقة لباقي السجناء و حراس العنابر. فعل ذلك ليس حبا في الوشاية و لكنه استشعر أنني قد بلغت أقصى درجات الإحباط              و خاف علي أن أقفز إلى المرحلة المقبلة، الانتحار. لكنني ما كنت لأنتحر. ليس لأنني لا أمتلك الشجاعة لوضع حد لحياتي و لكن لأنني لا أعتبر الانتحار حلا للحياة، خصوصا حين يكون المرء مثلي مناضلا أمامه مئات الرؤوس تنتظره كي يأتيها بحقوقها المشروعة و وراءه حياة، و إن ذهبت في مهب الريح، فإنها تنفع كخزان ذكريات تؤثث العزلة التي سأعود إليها قريبا. لا يجب وضع الثقة في أي شخص كان، حتى الله. اتفق بقية السجناء على مؤازرتي حين سمعوا كلماتي هذه. منهم من كان يهديني السجائر الشقراء التي كانت تدخل خلسة إلى السجن تحت الأعين المتسامحة للحراس و منهم من أخذ على عاتقه المهمة الصعبة على الإطلاق في هذا العالم الرمادي، إضحاكي. كان بطل العالم في النكت قد تحدى بقية السجناء بأن يضحكني من النكتة الأولى. قبلوا التحدي و إذا ضحكت فعليهم أن يحضروا له ما يطلب.

كان الوقت ليلا، بالتحديد ساعة وجبة العشاء. جلس قبالتي في هدوء و هو ينظر إلى صحني. لم تكن لدي شهية لأي شيء، لا للأكل و لا للتدخين و لا حتى لممارسة عادتي السرية. كان باقي السجناء يتبادلون النظرات فيما بينهم و هم يحثون البطل العالمي في النكت على البدء. بعد برهة من الصمت القصير، نظر إلي                و قال : “هذه قصة صديقين حميمين كانا يقتسمان كل شيء في السراء و الضراء. صديقان حقيقيان. في يوم من الأيام، تزوج أحدهما بامرأة و بطبيعة الحال عرفها على صديقه. مرت الأيام في سلام و انسجام و وئام.          و في أحد الأيام، كان الصديق المتزوج قد أنهى عمله باكرا و عاد إلى بيته فضبط زوجته تخونه مع صديقه. الصدمة. بقي واقفا ينظر إليهما ثم قال لصديقه : “أنا صديقك الوحيد، كيف سولت لك نفسك أن تفعل في هذا ؟” في هذه اللحظة، قفزت زوجته قائلة : “لماذا أنت منزعج هكذا ؟ صديقك لم يفعل فيك شيئا، إنه يفعل في أنا.”” و انفجر بعد ذلك كل السجناء مقهقهين و هم يضربون بأيديهم على المائدة من شدة الضحك. لم أستطع أن أتمالك نفسي و ضحكت بدوري. رفع بطل العالم في النكت يديه إلى فوق منتشيا بنصره كملاكم أردى خصمه قتيلا من الجولة الأولى. صار السجناء يرددون و هم يلوحون إلي بالمعالق : “لقد ضحك، لقد ضحك، لقد ضحك.” ضحك الجميع في تلك الليلة.

الحراس أيضا كان لهم نصيب من الضحك و هم يراقبون أدق ردات انفعالي بعين حذرة مخافة وقوع المأساة. و لهذا، قرروا أن يساعدوني بطريقتهم الخاصة و يساهموا في ترميم إيماني. أحضروا لي رجل دين صبيحة يوم الغد، قبل وجبة الإفطار. و في ذلك حكمة كبيرة، يكون المرء طيعا و هو جائع. دخل رجل الدين إلى زنزانتي. ظل واقفا إلى أن أحضروا له كرسيا نظيفا ليضع عليه مؤخرته. كان ينظر إلي مليا في صمت مع ابتسامة مبهمة أعطت نورا لوجهه. لم أعرف لماذا خيل إلي أنها ابتسامة احتقار قبل كل شيء. بعد ذلك، سألني إن كنت أؤمن بالله. أثار انتباهي يده اليمنى التي كانت ترتعش. أعاد سؤاله مرة أخرى. لم أرد عليه. لم أقل شيئا. قررت ألا أقول شيئا. بحكم شرطي الإنساني، هذا النوع من الأسئلة الميتافيزيقية يشكل ترفا بالنسبة لشخص لا يطلب من الحياة سوى أن تنشط دورته الدموية التي أصابها الشلل بفعل البرد و الرطوبة. أعاد طرح نفس السؤال و هو يركز نظراته، هذه المرة، في عيني. بقيت صامتا كالقبر. حين أدرك إلى حد اليقين بأنني لن أجيب و لن أتكلم بدأ عظته التي جاء من أجلها. تحدث عن أشياء كثيرة في نفس الوقت. كان يستعين بقصص الأنبياء ليضمن رابطا بين مختلف المعاني التي يحاول أن يمررها إلي. و لإعطاء نكهة واقعية لما كان يقوله أخذ يسرد لي بعضا من القصص و التجارب التي عايشها شخصيا. في الحقيقة، لم أكن أرغب في معرفة أي شيء. تساءلت في أعماق نفسي : “هذا الذي ينعم بتغذية جيدة و يعطيني دروسا و مواعظ من الكرسي الذي يهبه مرتبة أعلى مني، إذا خانه أقرب المقربين إليه، إذا تم رميه في السجن فقط لأنه لم يعرف كيف يثبت براءته، إذا خانته زوجته مع أعز صديق له، و في الأخير، إذا لم يجبه أحد في صلواته و هو يبكي متضرعا إلى العلي القدير، هل سيستمر في الحفاظ على إيمانه ؟ هذا هو قلب المسألة. اختزال الإنسان في مجرد سؤال سطحي إن كان يؤمن بالله أم لا لا ينفع في أي شيء بتاتا. كم من ملحد يضرب به المثل في حسن التعامل و مكارم الأخلاق و كم من متدين لا يفوت فرضا هو في الأصل أكبر حقير لم تنجبه البشرية على الإطلاق، على امتداد تاريخها الطويل. السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه حين ينتهي الأمر بإنسان في زنزانة هو كم من الوقت ستصمد الأعصاب و تغذي هذا الجسد الذي يفقد تدريجيا ظله في كل يوم يمر، في كل يوم يصنعه الله. يروي لي قصص الأنبياء. الأنبياء كان لهم امتياز الاستفادة من الوحي الذي يخفف من ثقل أعبائهم في ليالي آلامهم. كان هناك الوحي الذي يدفيء قلوبهم و يريهم طريق الخلاص. آلامهم كانت استثمارا مادام الله نفسه قد اصطفاهم من بين الخلق. و لكن أنا، أين أنا من كل هذا ؟ حتى و إن صليت ألف مرة في اليوم، حتى و إن ناديت الله بكل قوى حنجرتي، حتى و إن فتحت شراييني فلن يأتي أحد. لن يأتي أحد على الإطلاق باستثناء هؤلاء البؤساء الواقفين على باب زنزانتي. انتهت العظة. وضع يده اليمنى المرتعشة على رأسي و هو يتمتم بكلمات غير مسموعة. عرفت أنها آيات كريمات لأن أذني التقطت كلمة الله التي تكرر ذكرها مرة أو مرتين. قام من على الكرسي فلمح أظافري الطويلة المتسخة. قال لي إنه علي أن أقص أظافري و أنظفها من الوسخ لأن الشيطان يجلس على أطرافها. كان هذا آخر ما قاله لي. هل ضاق العالم بالشيطان لكي لا يجد أين يجلس سوى على أطراف أظافري ؟ لم يكلف نفسه حتى عناء توديعي. اعتدل في وقفته و نظر إن كانت ملابسه لم تتسخ بالكرسي ثم خرج. خرج و لم ينس أن يأخذ معه الكرسي. عاد الصمت الجنائزي ليخيم على الزنزانة. كان رجل الدين هذا هو آخر شخص رأيته قبل الخروج من السجن.

في تقدير إدارة السجن، هذه المقابلة كانت ضرورية لطرد الأفكار السوداء من رأسي و من قلبي.          و كانت كذلك نوعا من التحضير النفسي لمقابلة المدير شخصيا لأنه رغب في رؤيتي قبل أن أخلي المكان. قال لي إن المؤمن الحقيقي هو من يحمل الحب للجميع، حتى و لو كان عدوه اللدود. كنت أستمع إلى كلماته الموزونة الهادئة بانتباه بالغ. هذا الانتباه لم يكن هناك ما يبرره سوى رغبتي في إطفاء لهيب الانتقام الذي أتى على كل جدران و غرف قلبي. أعطاني مثال السيد المسيح الذي كان يواجه أعداءه بالحب. لكن مدير السجن نسي أن السيد المسيح، بتسامحه المثالي، أنهى مشواره المهني مصلوبا. سلم علي، باركني ثم خرجت من السجن وحيدا. أغلق الحراس الباب الحديدي الكبير ورائي معلنين لي بأنني ابتداء من هذه الساعة رجل حي عاد إلى الحياة. دسست يدي في جيب سترتي الأيمن لأرى إن كانت صورة زوجتي و ابني في مكانها. بالفعل، كانت موضوعة في الجيب تماما كما تركتها. أعدت حساب كم يبقى لي من المال، لدي ما يكفيني لثلاثة أسابيع أو شهر على أبعد تقدير. اليوم، لن أفعل أي شيء. سأذهب لشرب قهوة و أدخن علبة سجائر كاملة. سأقضي كل اليوم أتجول في المدينة غارقا في هذا البحر من الناس اللذين اشتقت إليهم و في نفس الوقت، يخلقون لدي شعورا قويا بالرغبة في التقيؤ. تحتاج قدمي أن تمشي لأطول مسافة ممكنة. و سأمشي هذه المسافة. سأمشي وحيدا. وحيدا. و مشيت.

لم أكن قادرا على العودة إلى بيتي و رؤية زوجتي و ولدي. لهذا السبب، قضيت الليل كله في مقهى شعبي محاطا بكائنات لا تربطها بالبشرية سوى الجسد. لم أنم تلك الليلة. كنت أفكر و أعيد التفكير مرة بعد مرة. كانت حرارتي مرتفعة، و لكي لا أصاب بانهيار قررت أن أذهب لرؤيتهما صبيحة يوم الغد. و هذا ما كان. كان مشغلي، صاحب معمل الأحذية، قد بلغ إلى علمه نبأ خروجي من السجن بفضل الجهود            و المساعي الحثيثة لأصحاب الحسنات اللذين يستأجرهم. وجدت أحد كلابه واقفا على باب البيت و أنا أتقدم نحوه مطأطيء الرأس أبحث عن الصيغة المناسبة للقاء أسرتي. كان الكلب يبتسم لي و الخسة تفيض من وجهه المتسخ. لم يتركني أدخل أسلم على عائلتي، بل أمسك بذراعي و اقتادني إلى صاحب المعمل. قاومت في البداية، غير أن إلحاحه و أيضا رغبتي الحارقة في رؤية العدو أفقدا كلمة “المقاومة” كل معنى. ما معنى أن أقاوم في حين كل شيء انتهى بالنسبة لي ؟

حين رآني صاحب المعمل أتخطى عتبة المكتب هرع يسلم علي و يعانقني بحرارة و هو يطلب مني أن أتفضل بالجلوس. و قبل أن يعود للجلوس على كرسيه الأثير، انتبه لسلسلة سرواله المفتوحة فأغلقها. كان يصحح مستوى حزام سرواله و هو يرميني بنظرات من يقول لي صراحة إنه هو الرجل بينما أنا مجرد كلب كان مسعورا و اليوم أصبح معافى. و لأن على السيد الحفاظ دوما على معنويات كلابه للاستمرار في خدمته على أحسن ما يرام، رمى لي بعظمة ألهو بها. كانت تذكرة ذهاب و إياب لأداء مناسك الحج، مع ظرف فيه مبلغ مالي لمختلف مصاريفي هناك. بقيت صامتا لأنني كنت أفكر في كلام مدير السجن عن السيد المسيح ثم قلت في نفسي : “حتى حين قام (يهوذا الإسخريوطي) بفعلته الدنيئة و خان السيد المسيح كان له على الأقل شرف تحمل مسؤولية تصرفه، فندم على فعلته أولا و أصيب بعد ذلك بالجنون ثم انتحر في النهاية.”

عندما خرجت من مكتبه، اضطررت أن أمشي وسط العمال المخدرين برائحة الجلد و اللصاق. بحثت في البداية عن نظرات صديقة، لكنني لم أجد. كانوا يخفضون أعينهم تباعا و هم يتهامسون فيما بينهم : “إنه الرجل الذي لم يعرف كيف يحافظ على شرف زوجته.” في هذه اللحظة بالذات، أيقنت أنني قد انهزمت فعلا و أن كل ما ناضلت من أجله كان مجرد غبار ذرته الريح. ماذا كان عساي أن أقول في هذا الموقف ؟ سامحهم يا رب فهم لا يعلمون ؟ لا. لا و لن أسامحهم ما حييت. أيكون هذا هو جزائي، أنا الذي تحملت الذل        و المهانة لسنوات في رحى الحروب الطاحنة من أجل حقوقهم ؟ اليوم، أجورهم ارتفعت قليلا، و لكنهم لا يقولون بأنها حقوقهم التي انتزعوها. لا، إنهم لا يقولون ذلك. ليست لديهم الشجاعة. بالمقابل، يحمدون الله على الخير الذي أتاهم من حيث لا يحتسبون و يدعون لصاحب المعمل صباح مساء لطيبوبته و العطف الأبوي الذي يحيطهم به. قمة فن السياسة أن تجعل صاحب الحق يعتقد أن ما اكتسبه لم يكن بقوة إرادته و إنما كان فضلا و منة سيده عليه.

آه يا ربي، لماذا لا ترفع في هذه الدنيا إلا من شأن أبناء القحبة ؟ لماذا يا ربي ؟ هذه هي الصخرة التي كانت تجثم على صدري، و هنا ينتهي كل كلامي.

 

(٥)

ليلة حب يحرسها الدخان

 

من عادة الناس أن يرددوا حديث الرسول القائل : “ما اختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.” و أنا أقول إذا التقى رجلان فإن المرأة تكون دائما هي الحاضر الغائب الأكبر. في زمن طغيان الشذوذ الجنسي            و السياسي، صار الرجل مجرد صفر على اليسار، لا قيمة له، لا صوت له، لا وزن له، لا شيء له. على الرغم من أن الشواذ يعيشون غالبا لوحدهم، فالحقيقة التي لا غبار عليها هي أن الرجال الحقيقيين هم من يعيشون في عزلة. حياة الشاذ حياة مؤثثة بلقاءات و اتصالات هاتفية و ليال معدة مسبقا للاحتفال بأنوثة مشوهة. الرجل الحقيقي، على العكس من ذلك، حياته سجينة خطوط رمادية سميكة تفرغ الزمان من طاقته الخلاقة و تعطي للمكان وظيفة واحدة : مراقبة هذا الجسد المتحلل لئلا يرتكب حماقة.

سألني صديقي : “منذ متى كانت آخر مرة نمت فيها مع امرأة ؟” لم أعرف سبب سؤاله. ربما مرورنا على امرأة جميلة في مقتبل العمر كانت تمارس الجري بسرعة خفيفة على الرصيف الذي يطل على البحر. كانت ترتدي بذلة رياضية وردية اللون تلتصق بجسدها اللين التصاقا كاملا. تذكرت صورة “كمان أنغر” للفنان (مان راي)، و كذلك كان جسدها الذي لم أفوت فرصة التملي في تقاسيمه المتقنة و السيارة تحرس على ألا تفوت موعد الحانة. و لأنني رجل يحترم الكلمات، أجبته بكل صراحة : “منذ زمن بعيد. لا أذكر التاريخ بالضبط، و لكنه زمن بعيد.”

cigaretteأجمل سيجارة هي التي يشعلها المرء مباشرة بعد الاستيقاظ من النوم و أجمل سيجارة أيضا هي التي يدخنها مباشرة قبل النوم. و ما بينهما، فإن الروح لا تصلح إلا لضخ النار في التبغ.قبل القيام من الفراش إيذانا بانطلاق يوم جديد أحتاج لمشاهدة دخان السيجارة الأولى و هو يتجمع في الخيط الضوئي الذي ينفذ عبر زجاج النافذة. أتأمل هذا المشهد و أسأل نفسي : ماذا أحتاج بالضبط كي أقدر على كتابة نص جديد في الليل ؟ لا أجد الجواب. أسحق سيجارتي وسط المنفضة منتبها إلى أن السيجارة الأولى تدوم أطول من بقية أخواتها. تنجلي السحابة الكثيفة التي تخيم على عقلي و عيني في حين تكون شرايين رأسي قد بدأت بالاشتغال بالحيوية المطلوبة، فقط لضخ الدم. أما حين يتعلق الأمر بإصدار أمر لأصابع يدي بالكتابة فإنها تتنصل من مسؤولياتها و تفضل الاختباء وراء البهاء الساحر الذي يمنحه الحياد السلبي. لكن أناقة البهاء لم تنفع يوما في الفوز بمعركة، تصلح فقط لالتقاط بعض الصور الملونة و نشرها في صفحة المنوعات. يحتاج النصر في الحروب إلى عقول مظلمة تعرف كيف تقسم العالم إلى نصفين و تفرض على الإنسان أن يختار موقعا له. يصير الاختيار سهلا في الحرب لأن الإرادة تعرف بوضوح في أي اتجاه تذهب. في السلام، تكون المسألة غاية في التعقيد. السلام يحفظ وحدة العالم لكنه يقسم الإنسان إلى نصفين أو أكثر. أستطيع الجزم بهذا الطرح، بل و الدفاع عنه لأنني أعرف جيدا ماذا يفعله السلام في روح حيوان ناري مثلي أنا. المسافة التي تفصل بين تقطر قهوتي السوداء و الانتهاء من الحلاقة الصباحية تقاس عندي بالصمت. لست من أولئك اللذين يحتاجون لمرافقة صوت إذاعي و هم يقومون بطقوسهم اليومية. الصمت. لا أحتاج إلى الدندنة كذلك. الصمت. التلفاز نفسه لا أشغله إلا نادرا. و حين أشعله فإنني أعمد دائما إلى كتم صوته. هذا يمنحني صفاء ذهن يساعدني على التركيز في حرب الأعصاب التي تجتاح أفكاري كفيالق جيش روماني. آه الرومان، أملك تمثالا نحاسيا لمحارب روماني يشهر رمحه بفخر ينتصب في زاوية المكتب. كثيرا ما أوحى لي ظله المنعكس على الورقة بأفكار جديدة، خصوصا في ساعات الليل المتأخرة. لكنني لا أدري ماذا حدث لي في الآونة الأخيرة حتى صرت عاجزا تماما عن الكتابة. ليست لدي أدنى فكرة. أعتقد أن السبب يعود إلى إنارة المكتب. ربما علي تغيير وجهة الضوء إلى الناحية الأخرى. و لكن بهذا الشكل، سيختفي كليا ظل المحارب الروماني و لن أجد ساعتها من يؤازرني في جريي المسعور وراء الكلمات. و ماذا بعد ؟ علي أن أكتب. سأكتب. أقول إنني سأكتب، و لكنني في النهاية لا أكتب سطرا واحدا. أقول هذا فقط لمواساة نفسي مادام ليس هناك من يواسيني.

كنت هائما كعادتي على وجهي في أزقة المدينة الرمادية بعد أن اقتنيت بعض الكتب. هو هوس يتملكني لا أستطيع معالجته و في واقع الأمر، لا أرغب في معالجته. أقل واجب تجاه كاتب أحرق أعصابه لسنوات ليكتب عملا هو أن يشترى كتابه. يسمى هذا الاعتراف بالجميل. فكيفما كان الأمر، يبقى ثمن الكتاب أقل بكثير من قيمته المعنوية. يتذرع أغلب الناس بغلاء ثمن الكتب. يجدون ثمن الكتاب غاليا و لكنهم لا يتأخرون عن صرف أضعافه على أدوات منزلية لن يستعملوها أبدا يشترونها فقط لأنها معروضة في تخفيضات الجملة. لمحتها و قد نزلت لتوها من سيارة كانت تقودها امرأة جميلة في الأربعين من عمرها أو أكثر، و لكن، أليست كل النساء جميلات ؟ كان الليل قد أرخى سدوله على كل المدينة. اقتربت منها بعد أن واصلت السيارة سيرها في اتجاه مباشر. ابتسمت لها و ردت علي بابتسامة أعذب من ابتسامتي. ما سرني أكثر هو أنها وفرت علي مشاق الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى التي اعتاد الغرباء أن يطرحوها على بعضهم البعض حين يتعارفون لأول مرة : من أنت ؟ من أين تأتي ؟ إلى أين كنت ذاهبا ؟ ما أصلك ؟ صحيح، الفلسفة الحقيقية توجد في الشارع. كل ما على المرء فعله هو أن يغسل أذنيه بانتظام كي يقدر على التقاط هذا النوع من الأسئلة. لمحتها إذن بعد أن نزلت من السيارة لتقف في مكانها على الرصيف تنظر يمينا و يسارا في قليل من الارتباك و كأنها لا تعرف أين تذهب. كانت تلبس سترة فوق قميص أزرق داكن و سروالا. و أكبر مزية يمنحها السروال للمرأة هي أنه يسمح للرجل و لكل مراقب حذر بقياس درجة امتلاء و استدارة المؤخرة بدقة. السروال كمنتوج صمم في البداية حصريا للرجل صار باب الدخول إلى عالم النساء و الاستقرار فيه براحة كبيرة، بالرغم من أن الراحة مفهوم مجرد و نسبي في زمن الملابس الجاهزة. شخصيا، لا أجد مشكلة في التواصل إلا مع النساء اللواتي يلبسن الفساتين. كما علمتني ذلك التجربة، يكن إما محافظات أو غير راضيات عن أجسامهن. و مع هذه الفصيلة من النساء لا يمكن بناء أي شيء صلب. لا يمكن فعل أي شيء معهن، حتى الجنس. التقدم يحتاج الانطلاق نحو المستقبل و حدا أدنى من الاعتزاز بالنفس. كل الأمم التي تقدمت في التاريخ بدأت مسيرتها بدمقرطة الجنس. يمكن العيش تحت ديكتاتورية مطلقة، لكن إذا كان الجنس متاحا للناس فستكون تلك الأمة قوة يحسب لها ألف حساب. لهذا، و لأنني كاتب يهتم بالأفكار و ليس فقط بالمراوغات الأسلوبية فقد قررت منذ زمن بعيد أن أعاشر بنات الهوى، خاصة أولئك اللواتي ينتمين إلى طبقة اجتماعية دنيا لأنهن دوما صادقات في مشاعرهن و أيضا، و هذا هو الأهم في المسألة، كمحاولة متواضعة مني للتخفيف من البؤس الاجتماعي. فأنا رجل له قلب رغم كل شيء. قلب ينبض بالحياة و يعرف كيف ينقل عدوى هذا النبض لمن فقدوا الأمل و الذوق في الحياة. أنا ممتاز في حل مشاكل الآخرين. لكن، حين آتي إلى حل مشاكلي يتملكني العجز الكامل و لا أجد ساعتها من سبيل للهروب إلا النوم. النوم العميق سلاح فعال للرفع من مقاومة الذات ضد محيطها الموبوء.

و بدل أن نبقى واقفين وسط الشارع نحصد نظرات المارة اقترحت عليها أن نذهب إلى مكان ما يسمح لنا باكتشاف ذواتنا بشكل أكثر عمقا و وضوحا فلم تتأخر عن ذكر ثمن قضاء الليلة معي. وافقت في الحال لأنني احترمت فيها صراحتها. بل و أكثر من ذلك، وعدتها بأن أعطيها أكثر من الثمن الذي حددته لي. ذلك لأنني أصير فارسا مغوارا ممتلئا بالبطولة حين تقف أمامي عاهرة تمارس مهنتها بشرف. لم يتبق أمامنا إذن سوى الذهاب إلى المنزل و وضع خزان بطولتي على المحك لأعرف إن كنت حقا فارسا أم مجرد فزاعة قماشية محشوة بالتبن. في مثل هذه المواقف، أعني ليلة حب كاملة، يصير الزمن طويلا بالمقارنة مع دوران عقارب الساعة في الأيام العادية. و لهذا، كان من الضروري أن نقتني عشاءنا بالإضافة إلى علبتين من العازل الطبي. كان طلبها، هذا ما قالته، حماية لها و حماية لي. هذا هو ما يسمى حقيقة بحس المسؤولية. زاد تقديري لها درجات أخرى عما كان في البداية. بينما كنا نقترب من الزقاق الذي يقع فيه منزلي لم تجد شيئا تقوله لتؤثث به الصمت الثقيل الذي خيم علينا سوى : “الفساد. ألا تلاحظ أن الفساد قد استفحل بين الناس؟” أدركت أنها عاهرة قد بدأت حديثا مشوارها المهني في هذا العالم الشبقي. كانت كل بطاريات تفكيري مركزة في شيء واحد أوحد ألا و هو الجنس، فهذه ليلة من ليالي العمر و علي أن أكون في مستوى الحدث. أجبتها قائلا : “حبيبتي، الأخلاق ليست شيئا معلقا في السماء، بل هي فعل اجتماعي. نحكم على أخلاق الإنسان فيما يخص معاملاته مع الآخرين. أما فيما يتعلق بما نحن على وشك أن نفعله فيسمى حرية فردية.” ارتاحت لإجابتي لأنني استشعرت أن وراء سؤالها عقدة ذنب ثقيلة. و أنا أكره كل أنواع العقد الموجودة بمختلف أوزانها. لقد قررت أن أعطيها أكثر من ثمنها المعتاد لأنه كان رخيصا مقارنة مع حياة إنسانية، على الرغم من أنني لست غنيا        و أنتمي إلى الشطر السفلي مما يسمى بالطبقة الوسطى. و لكن، حتى و إن كنت أتوفر على دخل قار و منتظم فهذا لا يجب أن يمنعني من الاستمرار في الحفاظ على إنسانيتي و خصوصا إنسانية التي ستقتسم معي مساحة فراشي، و لو لليلة واحدة. أظن أن هذا هو ما يمنع الطبقة الوسطى من الارتقاء الاجتماعي : الإحساس بالواجب تجاه الفقراء. إحساس بالواجب يجد جذوره في عقدة ذنب ثقيلة كذلك. حين يقف أمامك متسول فإنه يجعلك تشعر بأنك سبب كل المصائب التي حلت به، فتدس يدك لاشعوريا في جيبك لتعطيه مالا. الطبقة العليا، بالمقابل، تعيش في عالم نظيف و منظم و معقم كأنابيب المختبرات، تمرر الصفقات حصريا فيما بينها على اختلاف أنواعها، من شؤون المال و الأعمال إلى الزواج. سؤال مشروع، هل نجد متسولين موزعين في زوايا الأحياء الراقية ؟ الجواب، لا. و بما أنني لا أؤمن بالصدفة فإنني أعتقد قد وجدت تفسيرا مقنعا لهذه الظاهرة : الدولة تنهب الطبقة الوسطى بالمتسولين. ما هذا الهذيان ؟ و لكن، أليس الهذيان هو لحظة          الحقيقة ؟!!

(الإنسانية)، و أتعمد وضع كلمة الإنسانية بين قوسين، في حد ذاتها ليست فعلا حرا و لكن رد فعل تجاه موقف إنساني معين، تعيس و مزر في أغلب الأحيان. الفعل الحر بطبيعته يصبو إلى الهيمنة على الآخر عبر تشييئه الذي ما إن يصبح مكتسبا حتى يمر إلى المرحلة الثانية، و هي الأهم في مسلسل الإخضاع و الهيمنة، فيطلق العنان لما يسمى بالمشاعر الإنسانية بهدف الحفاظ على المكتسبات تحت السيطرة. من فضائل هذه المشاعر الإنسانية (النبيلة)، و أتعمد كذلك وضع كلمة النبيلة بين قوسين، أنها تنتزع من نفس الإنسان/الشيء كل فكرة حيوية قد تدفعه إلى أخذ حقه بذراعه و تؤدي، في نهاية المطاف، إلى زعزعة نظام الأشياء. هذا ما يفسر لماذا لا ينتفض الناس، بل و يجدون عاديا و يذهبون إلى حد التبرير المتواطيء، حين يختلس مسؤول كبير الملايير من المال العام. لا يشعرون بأي شيء لأنهم بالتحديد لم يعد يملكون شيئا في جيوبهم. لقد نهبتهم الدولة بواسطة جيشها العرمرم من المتسولين، و لجمت إرادتهم من كل إمكانية تحرك بواسطة جيش آخر مكون من أولئك اللذين يتظاهرون بالجنون في الشوارع طيلة اليوم مستحضرين باستمرار كأسطوانة غنائية مشروخة زوال هذه الحياة الدنيا و شدة الحساب و العقاب، غدا في يوم القيامة. كيف يمكن للإنسان أن يتحرك حين يجد نفسه محاصرا بالإفلاس المادي و الخرافة التي هي إفلاس عقلي ؟ و بطبيعة الحال، المال الذي ينهبه المتسولون من الطبقة الوسطى ينهبه أغنياء الطبقة العليا. يسمى هذا إعادة توزيع الثروات. تكتمل بهذا الشكل الدائرة الغذائية و يبقى الحال على ما هو عليه إلى أن يرث الله الأرض و ما عليها. هذا هو العالم الذي نعيش فيه.          و نار هذا الوعي بالواقع التي تشتعل بداخلي تحرقني دائما، في كل مرة أفتح حواسي على الوجود، و لكنها نفس النار التي تجعلني أتفاءل بالغد، غدي أنا، لأنها تعطيني كل يوم أستيقظ فيه سببا وجيها للاستقالة من المجتمع و احترام العاهرات.

رأت خاتمي الذهبي فسألتني إن كنت متزوجا. ابتسمت لها بالنفي و قلت : “لو كنت متزوجا لما وجدتني أتسكع في المدينة في هذا الوقت المتأخر من الليل.” ضمت ذراعي بحرارة ثم قالت لي و عيناها تلمعان بلؤم لذيذ : “أتعرف المثل القائل : من يهرب من الزواج إنما يهرب من الطاعة؟” استدرت ناحيتها و لم أستطع ضبط نفسي من الضحك بقوة : “نعم، هذا هو سر عزوفي عن الزواج. أنا أهرب من الطاعة.” أحكمت القبضة على ذراعي بقوة أكبر جعلت قشعريرة تغزو كل ظهري و همست : “سأفرض عليك أن تتزوج، سآتي بابنك و أرميه على فراشك.” سحبت يدي من جيبي لأنها كانت قد صارت دافئة و أمسكت بيدها الباردة : “حينئذ، لا يمكنني إلا أن أتحمل كامل مسؤولياتي. لكنني متأكد أن هذا لن يحصل أبدا لأنني أعرف كيف أتحكم في نفسي. الرجل الذي لا يستطيع ضبط نفسه ليس رجلا، بل بهيمة.” صمتت. ابتسمت ثم عادت لتتحصن خلف أسوار الصمت. أنا كذلك احتميت بالصمت، لكن صمتي كان بسبب بحثي عن سيجارة تائهة في جيب سترتي. وجدتها أخيرا و أشعلتها، في صمت. كان صمتا شبيها بذلك الذي يسبق أو يتبع إطلاق بالونات اختبار في سماء جيش العدو. انتبهت إلى ولاعتي الجميلة فطلبت أن تأخذها كتذكار مني. وافقت، شريطة أن يكون ذلك عند الصباح. أمامنا ليل طويل من الشهوة و النار.

في الفراش، لا تطرح المرأة على الرجل سوى الأسئلة التي تعرف أجوبتها مسبقا.

“منذ متى لم تمارس الجنس ؟” سألتني بعد أن نزعت ملابسها و تسللت إلى الفراش محتفظة بحزام مشدود بقوة حول بطنها الفائض الامتلاء. دائما أحببت النساء المكتنزات الجسد. حين أعانقهن أشعر أنني أمتلك العالم بأسره بين يدي. لا أحبذ النساء النحيفات جدا لأنهن يجعلنك تشعر و كأنك تنام مع رجل و ليس امرأة. نحن نعيش في زمن التقنية، هذه حقيقة لا جدال فيها. و جسد الإنسان يخضع لمنطق التقنية هذه أي أن المرأة كي تستحق أن تكون امرأة عليها أن تتوفر على مجموعة من الوظائف : مؤخرة كاملة التكور تحس بثقلها و أنت تمسك بها، نهدان من الأفضل أن يكونا باذخين ليسمحا لك بمص حلماتهما و عضهما متى شئت، دون نسيان الفخذين اللذين ما إن يلفا ساقيك حتى يستيقظ العصفور الصغير محتشما من عشه المعشوشب. هناك شيء آخر، على المرأة أن يكون لها شعر طويل قصد منح الأصابع التي تغرق فيه متعة قصوى. لكن عاهرتي هذه الليلة لم يكن لها شعر طويل، كانت قد قصته إلى حد العنق. لا يهم، فأنا رجل ديمقراطي و أؤمن بفضائل التغيير من حين لآخر بالنسبة للمرأة. أما فيما يخص الرجل فلا يجب عليه أن يتغير أبدا. الرجل لا يتغير مهما كانت الظروف. الرجل حيوان محافظ بالطبيعة.

“منذ أن خرج (آدم) من الجنة.” أجبتها و أنا أشعل سيجارة متمددا على جانب الفراش المحادي لمكتبي بعد أن فهمت أنها تلمح إلى تأخر انتصابي. و لم أعرف لماذا أشعلت تلك السيجارة ؟ كل ما كنت أفكر فيه هو كيفية بلوغ أقصى درجة من الشهوة، و لو تطلب مني الأمر أن أفني عضلة قلبي في هذا الفراش. ثم على المرء أن يكون واقعيا في هذه المسائل، أنا لم أعد ذلك المراهق الذي يشتعل فقط أمام صورة في مجلة أو لقطة في فيلم. أنا أكبرها بأكثر من ثلاثة عشر سنة، و هذا يعني أن عليها أن تفتح علبة أدواتها و تخرج كل معارفها المكتسبة إلى حيز التطبيق. حين يصير الرجل بالغا يقترب من المنطقة الحمراء بخطى حثيثة يتحول الجنس إلى أشبه ما يكون بإطلاق خردة صدئة نحو الفضاء. و الصواريخ المستعملة و المهترئة يجب التعامل معها بصبر كبير. مجرد مسألة تقنية أخرى. لأنني كنت كعادتي كل يوم قد استهلكت الكثير من القهوة فإن كليتي نشطتا بطريقة غير عادية مما دفع مثانتي إلى إطلاق جرس الإنذار. استسمحتها بأن أقوم لأتبول. لم تقل شيئا و اكتفت بتحريك رأسها علامة الموافقة بينما أصابعها كانت قد أخذت طريقها إلى علبة سجائري. حين أكون أتبول أحتاج دوما لأن أرى وجهي في المرآة، لا أعرف سبب ذلك و لكنه طقس ضروري بالنسبة إلي. أتبول و أنا أفكر إذا ما كنت سأقضي الليل كله لا أفعل شيئا سوى التدخين و التبول. و مثل هذه الأفكار المعطوبة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلني أحقق النتيجة التي أصبو إليها. إذن، وجب علي تغيير أفكاري و بالتالي اختيار منهجية جديدة. لقد سبق لي أن قلت بأن كل شيء في الحياة خاضع للتقنية التي تعلمنا التفكير و العمل وفق منهجية محددة للحصول على نتائج محددة. لكن هناك مشكلة، لأجد منهجية جديدة علي أن أتخيلها أولا و التقنية قتلت كل طاقة تخييل في الإنسان. هذا واضح بجلاء عندي على الأقل. قررت أن ألجأ إلى احتياطي الاستراتيجي من أفلام الخلاعة القابع في الفرشات السفلية من لاشعوري. هذا ما سأفعله. سأنظر إليها مليا، أداعبها لربح بعض الوقت، أقبلها بحرارة فيما عقلي يبحث عن الممثلة التي تشبه عاهرتي لينطلق عرض الفيلم        و أنطلق أنا بدوري. انتهيت من التبول. فتحت باب المرحاض و قدمي ترسم طريق عودتي إلى الفراش قبل أن توقفني قائلة بدعابة : “حبيبي، أيمكنك أن تعطيني أجري الآن ؟” لم أفكر طويلا في سؤالها و رددت عليها : “طبعا، طبعا، هذا من حقك.” الغريب في الأمر هو أنها حين تسلمت المبلغ من يدي لتدسه في حقيبتها الصغيرة المصنوعة من جلد مغشوش متآكل كليا انتابتني راحة نفسية جعلت كل أعضائي تعوم في جو من الارتخاء الواعد. و من دون حاجة إلى استنفار أفلام الخلاعة وجدته ينتصب من تلقاء نفسه. كانت كافية بعض القبلات الحارة حيث يتعانق اللسانان و يدي اليمنى التي أرسلتها في مهمة مستعجلة لاستكشاف مجاهل فرجها لأطمئن على رجولتي و قدرتي الإنتاجية. و يقولون إن الحب ليس له ثمن، يا للعجب !!! بالطبع الحب له ثمن. و في زمن التقنية مرة أخرى، الحب ثمنه رخيص.

بعد الانتهاء من المضاجعة الأولى، تقوم العاهرات غالبا بواحد من أمرين : إما حكاية نكتة أو فتح ملفها الاجتماعي قصد الحصول على المزيد من المال لأن الرجل يكون مرتاحا، الأمر الذي يجعله أكثر قابلية للموافقة على أي شيء يطلبنه. عاهرتي لم تقم لا بسرد نكتة و لا بتحليل وضعها المزري. صمتت، هذا كل ما فعلته. كانت عاهرة شريفة تحافظ على كبريائها. صمتت قليلا و مدت يدها إلى تحت الفراش تبحث عن كيس الحليب الذي اشتريناه في طريق عودتنا إلى البيت. لم أكلف نفسي عناء معرفة لماذا أرادت الحليب. قلت في نفسي ربما تحتاجه في الصباح للإفطار. قلت في نفسي هذا و صمت أيضا. اقترحت علي أن نقوم لنتناول العشاء. تمنيت لها شهية طيبة فأكلت لوحدها. كنت أنظر إليها و هي تأكل. وضعت الدجاجة في صحن      و قلبت على جوانبه البطاطس المقلية ثم شرعت في الأكل. كانت تأكل بجوع طفولي غلبها. أشعلت سيجارة. بين الفينة و الأخرى، تستدير ناحيتي لتطلب مني أن آخذ منها قطعة لكنني كنت أرفض. أولا، لأنني لم أكن جائعا أو لنقل بالأحرى أن جوعي كان من نوع آخر. و ثانيا، لأنني أردت ألا أفوت على نفسي مشاهدة هذه اللوحة البشرية المعقوفة على صحن بارد. لو كنا على دين النصارى لقلت إنها لم تأكل منذ موت السيد المسيح، لكننا كنا مسلمين. اشتعلت كل أعصاب حواسي لالتقاط أكبر عدد ممكن من التفاصيل. كان على عقلي ألا يخطيء في أي خط أو دائرة من هذا المجسم الذي ينتظم مكسورا في الفراغ. الموضوع أمامي. الكلمات أبحث عنها. سأجدها. الأوراق البيضاء موزعة على مكتبي. قلمي عالق في جيب قميصي. عيناي مثبتتان بإحكام في رأسي. كل ما علي أن أفعله هو أن أفتح هاتين العينين جيدا و أشاهد. و قد شاهدت. نعم، شاهدت كيف يحتاج الإنسان إلى أن يبيع جسده كل يوم فقط من أجل لقمة العيش.

انتهت من الأكل و قامت لتغسل يديها دون أن تجمع الصحن. ذلك أن الجوع يداهمها دائما في الليل، كانت كلماتها. لهذا تركت الأكل على مقربة من الفراش و عادت إلي تمشي على أربع كقطة لعوب. أدخلت رأسها تحت الغطاء ثم صعدت نحوي و هي تقبل مناطق معينة من جسمي. وضعت السيجارة المشتعلة في المنفضة و تركت خيط الدخان الرفيع يتصاعد متكاسلا. توقفت حين أخذت تلاعب قضيبي بلسانها بعد أن كانت قد ابتلعته. وضعت رأسي على الوسادة المتكئة تحت ظهري فاسترخيت إلى أن صار انتصابي كاملا. وضعت قبلة ناعمة على قمة القضيب و واصلت سيرها نحوي حتى وصلت إلى المساحة التي يوفرها صدري          و ذراعي. كان علي أن أشدها إلي كي تغرق في شعر صدري و أستطيع امتصاص كل هذه الحرارة المنبعثة منها. قبلتها طويلا ثم أمسكت بخدها الدافيء بيدي اليمنى فيما كانت عيناي تغرقان تدريجيا في سواد عينيها الناعستين. “لماذا تنظر إلي هكذا ؟” قالت لي و يدها تداعب قضيبي محاولة الحفاظ على الحياة فيه. “ألم يقل لك أحد من قبل إنك جميلة ؟” انفجرت ضاحكة إلى درجة أنها حولت رأسها إلى الناحية الأخرى. استمرت في الضحك و لم أجد بدا سوى أن أضحك معها و أنا أحاول أن أفهم : “لماذا ؟ هل قلت شيئا غريبا ؟” أمسكت بيديها الاثنتين وجهي ثم طبعت قبلة حارة على شفاهي لم تتركهما إلا بعد أن عضت شفتي السفلى عضة خفيفة. “أضحك لأنك تتكلم مثل أبطال الأفلام السينمائية.” عانقتها بقوة محاولا حمل جسدها فوقي            و أجبتها : “و ما العيب في ذلك ؟” أخذت أخيرا وضعية مرتاحة فوقي و صارت تتحرك ذهابا و مجيئا ببطء        و يداها تدعكان صدري بلطف. كانت تجمعهما ثم تفرقهما بدقة متناهية. كانت امرأة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. جسدها كان بمثابة مولد حراري، بالمعنى التقني الصرف أقصد. بعد برهة، صارت تسرع في حركتها و هي تطلق تأوهات ممتزجة بأوجاع اللذة. أحكمت القبضة على مؤخرتها لأضبط سرعة قضيبي. على المتعة أن تدوم أطول مدة ممكنة. بدأت ترفع رأسها إلى الخلف و هي تسند يديها اللتين تركتا صدري على مفاصل ركبتي. كانت بعض قطرات العرق قد استكملت تشكلها بين نهديها و وجهها صار أكثر نضارة بهذه الحمرة التي استقرت على وجنتيها. قالت لي فيما يشبه الهذيان : “حبيبي، علينا أن نأتي في وقت واحد. في وقت واحد، حبيبي.” أجبتها بابتسامة مبهمة حاولت من خلالها طمأنتها بأن تهتم فقط لشهوتها و ألا تكترث لأمري. على هذه الليلة أن تكون ليلتها بامتياز، هذا كان قراري. انحنت علي بكامل جسدها كمن سقط قتيلا. كان نفسها حارا يتصاعد من عمق الأحشاء و هو يلفح وجهي. “لا، لا، لا…” كانت تقول لي في أذني بعد أن استشعرت قرب انفجار الرعشة الكبرى. كان نصفي الأسفل مبتلا كليا، لكنه لم يكن سوى العرق. ظهري كذلك لم أعد أشعر به لأنه كان قد التصق بالفراش. كنت في أوج قوة إفرازي لكل سمومي. الشيء الوحيد الذي كنت أقاتل باستماتة من أجل التحكم فيه هو القذف. و لأنها استنفذت صبرها على هذه الشهوة التي تأخرت عن المجيء تماما كما تخلفت الحياة عن الوفاء بكل وعودها تجاهها صارت تستعجل الأمر بهياج إرادتها الجريحة. زادت سرعتها فوقي بدرجة غير معقولة فيما اضطرب تنفسي الذي كنت أقطعه كي أحافظ على صمودي. وجدت ليدي وظيفة جديدة فأمسكت بنهديها أعصرهما بهدوء ثم أتركهما ينهمران حتى تعلق حلماتهما في الفجوة ما بين الأصابع لأشد عليهما قويا و أنا أحملهما إلى فمي. كنت أعضهما و أجرهما كرضيع جائع يرفض أن تفطمه أمه، غير أن ثديها لم يكن فيه أي حليب و كنت أنا مجرد طفل يرفض أن يكبر. بجنون انتحاري مرت إلى السرعة النهائية بعد أن أقسمت على استهلاك الشهوة الملعونة عن آخرها. حاولت رفعها عني قليلا لأطيل عمر هذا الشبق المشتعل. قامت بصعوبة بالغة و هي في حالة مختلطة من غياب الوعي. أمسكت بعنقها و صرت أحكم القبضة عليه بالتدريج كأني أشرع في خنقها. في هذه اللحظة بالتحديد، فتحت فمها كمن ينتظر نزول الروح من السماء فيما كانت أصابعي تعد نبضات شرايينها المتمددة. صرخت بقوة : “لا.” ثم انهارت فوقي مطلقة زفيرا مخلصا من عذاب طويل و لم نقل شيئا. صمتنا و بعدها غرقننا في نوم عميق بلا أحلام.

فتحت عيني في جنح الظلام. نظرت إلى المنفضة بجانب رأسي فوجدت السيجارة قد انتهت و أصبحت مجرد عمود رماد انكسر فوق أعقاب السجائر المسحوقة. عدلت جلستي لأشعل سيجارة أخرى. لم يفتني أن أمرر يدي على شعرها الذي غطى كل وجهها و هي تغط في نوم عميق. كانت ذراعها تعانق بطني. تحركت بهدوء كي لا تستيقظ. ليس نومها ما أثار انتباهي و لكن الطريقة التي كانت تتخبط فيها أطرافها. كان جسدها يتأرجح بين السكون و الانتفاض و كأنها سقطت في مخالب كابوس مخيف. تغير وضعيتها باستمرار          و لا تستقر على أي واحدة منها. ترى، بماذا كانت تحلم ؟ أسندت رأسي إلى الحائط و قررت أن أدخن سيجارتي. لأن النوافذ كانت مغلقة فقد تجمع في فضاء الغرفة هواء من نوع آخر لم أعهده من قبل. كانت رائحة قوية اختلط فيها العطر بالدخان بالعرق بالأعضاء بالرطوبة. و رغم ذلك، كنت أحب هذه الرائحة. كنت أحبها بسبب القوة التي تمنحني و أنا أغمض عيني محاولا حصرها في أقاليم صدري. لا يتسنى للرجل كل يوم الحصول على مثل هذا العطر. كان عطر الأزهار الميتة. ربما دخان السيجارة استفز حواسها. لهذا تململت قليلا في مكانها و هي تمد يدها إلى قضيبي الذي كان يقف في منتصف الطريق بين الانتصاب و الاستسلام. احتضن كفها خصيتي و قالت بصوت ناعس يقاوم ليسترد وعيه : “حبيبي، أنت تدخن كثيرا.” لم أجبها. كانت سيجارتي في منتصف الطريق كذلك، و كما قررت هي أن تكمل مسيرة قضيبي حتى يصل إلى النصر قررت أنا بدوري أن أكمل سيجارتي حتى تصل إلى الاستسلام. على غير عادتي، لم أطفيء جيدا عقب السيجارة في المنفضة. رميتها فيها لأعود إلى خندقي الدافيء. سحبت الغطاء فوق رأسينا و صرنا نسبح جسدين بلا أعين في عتمة رحم شكلناه معا. لم تترك قضيبي. اقتربت مني أكثر لتلصق فرجها به. من بين فخذيها كانت تتصاعد رائحة الجبن. “تعال.” قالت لي بعد أن صار انتصابي قويا و يقيني شفافا كمرآة بلا خدوش بأن هذه المرة ستدوم الشهوة أطول من سابقتها. “تعال.” كررت ثانية و تفاصيل وجهها التي رأيتها مع انعكاس الضوء الخافت لمصباح المكتب الذي ظل مشتعلا طوال الليل و الذي كان يتسلل عبر ثغرات حجاب الغطاء حين كانت تتحرك تتخذ امتلاء جميلا كما هما ممتلئان الآن هذان النهدان اللذان يهتزان في يدي على إيقاع جسد يغلي أو يصلي أو يعلن العصيان. جسد جائع عطشان يحترق بلا نار يعرف أنه راغب في شيء واحد فقط، لذلك لم تتأخر عن فتح فخذيها. أولجه فيها ببطء و أنا أعض على شفتيها اللتين انتفختا إلى درجة الاستدارة من أثر الرغبة الجارفة. توقفت عن الحركة لما تأكدت أنه قد صار كله فيها ينعم بحرارة الجدران الداخلية. توقفت لأرى أي مفعول سيكون له عليها. توقفت لأن عينيها كانت مغمضتين و لم أكن أعرف إن كان ذلك بسبب النوم الذي هزمها أم لضرورات الشهوة. حركته فيها بقوة خاطفة ففتحت عينيها متأوهة لأعود بعد ذلك إلى سرعتي الطبيعية الهادئة. و لأضمن أنها لن تعود إلى النوم انقلبت بغتة على ظهري لتصبح فوقي من جديد. أحب هذه الوضعية لأنها لا تتطلب مني جهدا رياضيا كبيرا. و في نفس الوقت، تضمن متعة أكبر للطرفين، خاصة للمرأة التي تجعلها تتخيل و كأنها تمتطي صهوة جواد. لست شخصا رياضيا و لا أحب الرياضة، ممارسة أو متابعة. أفضل التدخين لأنه الوحيد الذي يسمح لي بمعرفة إلى أي حد قلبي هو قوي و شرايينه حديدية. يوم سيخونني قلبي سأسقط، بكل بساطة. هذه هي الحقيقة. لا يهمني كم سنة سأعيش بقدر ما يهمني كيف سأعيش. أعني، عمق التجارب التي أخوضها بكل حرارتها و جنونها. هذا هو الأهم. قد أنتصر و قد أنهزم، لا يهم. تقاس قوة الجندي بجاهزيته و قدرته على الذهاب إلى الحرب في كل آن. السجائر تقتل، هكذا يتكلم مشعوذو هذه الأيام. السجائر تقتل و الحياة أيضا تقتل مع مرور الزمن، هذا ما أقوله أنا.

“حبيبي، علي أن أذهب الآن.” قالت لي و هي تضع حمالة الصدر بينما كنت ممدا على الفراش أستجمع قواي أو ما تبقى منها لأقدر على مواجهة يوم آخر تنعم به الحياة علي. مررت يدي على ظهرها بعد أن طلبت مني أن أساعدها في ربط حمالتها. “حسنا.” رددت عليها و أنا أقفز من الفراش أبحث عن ملابسي. تركتها تدخل الحمام قبلي لأنني أعرف أن النساء يحتجن وقتا أطول من الرجال أمام المرآة. فكرت أن أجمع الأكل ثم سرعان ما عدلت عن الفكرة. انتعلت حذائي ولم يتبق لي سوى أن أدخل لأغسل وجهي. لم تتأخر في تعديل حالتها. و لم أتأخر أنا أيضا في غسل وجهي و مشط شعري أو ما بقي منه. سألتها إن لم تكن قد نسيت شيئا فأجابتني قائلة : “أيمكنني أخذ هذا الطعام معي ؟” هرعت إلى المطبخ أبحث عن كيس نظيف و وضعت فيه الأكل بعناية. قبل أن نخرج، طلبت منها رقم هاتفها. أعطتني إياه دون أن تأخذ رقمي متذرعا بأنه لم يعد في هاتفي رصيد لأكلمها. وعدتها بأن أرسل لها رقمي ما إن أقوم بتعبئة رصيدي. بقينا واقفين في مكاننا تماما كما كنا واقفين في الشارع حين التقينا. و لأن الصمت كان ثقيلا بيننا قبلتها بقوة بعد أن لففت يدي حول خصرها. كانت قبلة تشبه الوداع. لا، كانت حقا قبلة الوداع و خرجنا. يظن الناس أن الصباح هو بداية النهار و معه تشرق الشمس، لكنهم ينسون أن حتى الصباح له ليل يغرق فيه.عبرنا طول الزقاق الذي يفضي إلى الشارع الفسيح في صمت جنائزي. لم يكن هناك أي شيء تدب فيه الحياة باستثناء كلب نحيف أجرب يحاول التبرز أمام علامة “قف” بصعوبة بالغة. أمسكت بذراعي قائلة لي في توسل واضح : “حبيبي، أيمكنك أن تعطيني ثمن ركوب سيارة الأجرة.” أخرجت ما كان تائها في قعر جيبي من قطع نقدية و وضعتها في راحة يدها. ابتسمت راضية و هي تهز رأسها فرحة قبل أن تقول : “شكرا جزيلا.” كل المحلات كانت مقفلة. مررنا ببائع الجرائد. كان جالسا في مكانه لا يتحرك. ظننته ميتا من البرد لكنه سرعان ما نهض مسرعا ليحضر جرائد اليوم للشرطي الذي نزل من سيارته بعد أن توقف في زاوية الشارع. تبادلا بعض الكلمات ثم عاد لمكانه و هو يخرج من تحت كرسيه وجبة إفطاره. حينئذ، تذكرت كيس الحليب. قلت لها : “لقد اشترينا الحليب البارحة، كان علينا أن نفطر قبل أن نخرج.” مررت يدها على ذراعي و كأنها تحاول تدفئتي. قالت بنبرة هادئة ملؤها اليأس أو هكذا خيل إلي : “لا بأس، مرة أخرى إن شاء الله.” لتستطرد بعد ذلك : “في الحقيقة، لقد كذبت عليك ليلة البارحة. طلبت منك أن نشتري هذا الحليب لأنني أريد أن آخذه لابنتي. أرجوك أن تسامحني.” كنا قد وصلنا إلى مفترق الطرق. عانقتها كما لم أعانق شخصا من قبل في حياتي. “لا عليك، سامحتك.” هبت علينا ريح باردة جارحة اضطرتنا أن نحتمي في مدخل عمارة قديمة. تبادلنا خلف بابها آخر القبلات، كانت الشيء الوحيد الدافيء في هذا العالم. و قبل أن تهم بالذهاب طلبت منها أن تنتظر قليلا. تعجبت و سألتني : “لماذا ؟” دسست يدي في جيب سترتي و أخرجت الولاعة التي طلبت مني البارحة أن تأخذها كتذكار. أحكمت القبضة عليها و ابتسمت قائلة : “كنت قد نسيتها كليا، شكرا لك مرة أخرى على كل شيء. أنت رجل طيب و الله لن يخيب أبدا آمالك. لا تنس أن تتصل بي.” و ذهبت لحالها. كانت لا تستطيع منع نفسها من الالتفات بين الفينة و الأخرى لترى إن كنت مازلت واقفا في مكاني أم أنني قد انصرفت بدوري إلى حال سبيلي. بقيت واقفا أنظر إليها و هي تشد بكل ما أوتيت أصابع يدها من قوة على كيس الحليب. بقيت واقفا حتى غابت عن أنظاري بعد أن ابتلعها شارع طويل مظلم. ساعتها، أدركت شيئا واحدا تحول إلى ما يشبه عقيدة راسخة ألا و هو أنني لن أعاود الاتصال بها أبدا.

(٦)

الكرسي و الشمس

 

“إلى أين وصلت في شرودك ؟” سألني صديقي بعد أن لمح قمة الحانة التي كنا في طريقنا إليها. أخذت نفسا عميقا ثم أجبته : “تذكرت السيد (إبراهيم).” التفت إلي متعجبا و هو يخفض من سرعة السيارة قائلا : “ساعي إدارة الحي الجامعي ؟” فكرت في أن أشعل سيجارة أخرى لكن صدري كان قد تعب إلى حد الملل من زواج النار و التبغ فقررت أن أتركه يستريح قليلا. قلت له : “نعم، هو بعينه.” أردف صديقي بنبرة متأثرة : “كان رجلا طيبا. و لكن، ما الذي ذكرك به الآن ؟” كانت أصابع يدي تلاعب علبة السجائر و أنا أجيبه : “لا أدري.” صمت برهة قبل أن يقول : “ألا تدري ؟ لقد مات (إبراهيم). أتعرف كيف مات ؟ مات بطريقة غريبة لا تخطر على بال أحد.”

هناك أشخاص يقضون حياتهم كلها لا هم لهم سوى التقرب من الأشخاص المهمين و نيل رضاهم اعتقادا منهم أنهم بهذه الطريقة يصيرون بدورهم مهمين.

الإدارة كبناء هندسي للأجسام و العقول لا يستقيم العمل فيها إلا بواسطة نوع خاص من جيش الموظفين ألا و هم السعاة، مهمتهم نقل البريد من مكتب إلى آخر. و حين لا يكون هناك أي شيء يستحق التنقل فإنهم يكتفون بالجلوس على كراسيهم التي تقع غالبا عند مدخل كل بناية. ساعي الإدارة هو أبو هول العهد الحديث. على المرء أن يحسن الإجابة على سؤاله كي يتسنى له الولوج إلى العالم الداخلي لصناعة القرار و تجزيء المسؤولية. إجابة على سؤال واحد فقط تترتب عنها إما الموافقة أو الرفض.

على الساعة السادسة من كل صباح، يمتطي (إبراهيم) دراجته النارية متوجها إلى الإدارة التي يعمل فيها منذ أكثر من ثلاثين سنة. إنسان عادي للغاية. هو نموذج حي لفصيلة الناس التي لا تطلب من هذه الدنيا إلا العيش في سلام، مع امتياز الظفر بقليل من الاحترام الاجتماعي يخفي حقارة الحي الذي يقطن فيه. متزوج          و أب لبنتين عمرهما سبع و خمس سنوات. عند طلوع كل يوم، لا يشغل باله بحالة الجو أو إلى ماذا سينقلب، بل كل ما يهمه هو إنهاء عمله على أحسن وجه أي أن يكون واقفا بانضباط عند خروج المدير و هو يرميه بنظرة عطف و رضى على أدائه. هذا كل ما يهمه. نظرا لخبراته التي راكمها في الإدارة مع تعاقب المديرين كتعاقب فصول السنة صار (إبراهيم) خبيرا في نفسية الإنسان. نظرة واحدة تكفي ليدرك على وجه التحديد أي نوع من الرجال يشرف على خدمته. ابتداء من نوع الحذاء الذي ينتعله و انتهاء بطريقة جلوسه في مكتبه الفخم، مرورا بطريقة كلامه و حركات يديه. تم تعيين مدير جديد. و في مثل هذه المواقف، يعم القلق عموم الموظفين و يتسابقون في جمع أكبر كمية ممكنة من المعلومات عنه. من يمتلك المعلومة يمتلك السلطة. تكثر الاجتماعات في المكاتب لذكر مساويء المدير السابق و توسم الخير في المدير الجديد. أكثر من الاجتماعات، تندلع حمى المطالب التي يجب عرضها على المدير الجديد على أمل الفوز بتحقيقها، رغم أنهم يعرفون جيدا أن المطالب لا تتحقق أبدا كليا. لكن، الإدارة تعلم تكتيكا مهما ألا و هو يجب دائما رفع سقف المطالب إلى أعلى مستوى. بهذا الشكل، حتى و لو لم يتحقق منها إلا نزر يسير فإن المكتسب يعتبر نصرا في حد ذاته. و ها هو مدير جديد يحط رحاله بالمؤسسة. توجب إذن ضبطه في غمرة فرحته بالمنصب قبل أن تبتلعه مسؤولياته الجديدة و يصير كمن سبقوه كوكبا يدور في مجرة أخرى بعيدة بآلاف السنوات الضوئية عن عالم الموظفين السفليين. فكما يقال، يجب ضرب الحديد مادام ساخنا. (إبراهيم)، على عكس باقي الطاقم الإداري، لم يكن قلقا كثيرا. بحكم طبيعة عمله لا يتأثر موقعه بتغير المديرين، مما كان يمنحه نوعا من الراحة و الطمأنينة. كان يدرك أن عمله يشكل في جوهره طقسا و ليس وظيفة. اتحاد تدينه الشديد مع براءة فكرة الخدمة التي حملها في وجدانه منذ أول يوم اشتغل فيه جعله ينظر إلى الإدارة من زاوية القداسة. الإدارة، مهما كانت طبيعة عملها، هي في العمق معبد له كهنوت و خدام، أسرار لا تتكشف إلا بدرجة الاقتراب من الكهنة بعد أن يشملوا المرء بقداستهم. و الخدمة في المعبد تقوم على احترام صارم للطقوس و المراتب. الزمن في الإدارة غير الزمن خارجها، يمتد طويلا و ثقيلا قد يصل إلى حد الملل. قليلون من يستطيعون حقا تحمل زمن المعبد، و (إبراهيم) واحد من هؤلاء الخدام اللذين يجدون في كل يوم عمل متعة روحية تثير دهشة و استغراب أغلب الموظفين اللذين يلتحقون بمكاتبهم متبرمين من تردي أحوال المعيشة و مؤثثين أحاديثهم الصباحية بمختلف التعاليق حول عمل الحكومة المعطوبة التي لا تفلح إلا في حث الناس على شد الحزام أكثر قصد تخطي مرحلة الأزمة الاقتصادية بسلام. يرهف (إبراهيم) السمع لكل هذه الأحاديث و لا يجد ردا مناسبا عليها إلا الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لأن الناس ما عادوا يقنعون بشيء في حياتهم. لا يغامر أبدا بإقحام نفسه في مثل هذه النقاشات. كلماته معدودة في اليوم، لا تزيد على رد السلام و “احتراماتي” للسيد المدير. يفضل أن يجلس في كرسيه قرب الشباك الحديدي يستغفر الله دون أن يقدر على منع عقله من التفكير المتواصل في كيفية و طريقة تأمين تكلفة تربية بنتيه الصغيرتين. لقد تزوج متأخرا بالمقارنة مع زملائه. و السبب يعود إلى أنه قرر في شبابه ألا يتزوج حتى يبلغ أشده. لم يلتحق المدير الجديد بمكتبه في اليوم المقرر. أجل ذلك إلى اليوم الموالي حتى يفرغ عمال الصيانة و الكهرباء من آخر الترتيبات اللازمة ليصير المكتب لائقا بمستوى مدير من العيار الثقيل، اسمه يرن كالرعد في الآذان و سمعته تسبقه بأميال.

عاد (إبراهيم) إلى البيت في آخر النهار مهموما. ركن دراجته النارية وراء الأدراج بعد أن تأكد من ربط عجلتها بإحكام. فتح الباب و قد تملكت يده رعشة لم تنتبه قط في حياته. دخل فوجد زوجته و بنتيه متسمرات أمام التلفزيون يتابعن مسلسلا مدبلجا. لم يسلمن عليه و هو كذلك لم يكلف نفسه أن يسلم عليهن. كن جالسات و كأنهن في حصة للتنويم المغناطيسي. توجه مباشرة إلى غرفة النوم. جلس على جانب السرير. أطلق زفيرا عميقا حرره من الثقل الذي كان يجثم على قلبه. نظر في المرآة المقابلة للفراش فراح يمعن النظر في وجهه المتعب الذي كسته التجاعيد العميقة و لاحظ أنه متسخ بشكل غريب. ربما هو دخان السيارات الذي يغلف المدينة كسحابة كثيفة نزلت من السماء. لم يفكر طويلا. ظل صامتا ينظر في المرآة التي صار زجاجها أيضا متسخا. عقد كفيه بقوة كمن ينتظر حكم القاضي في بهو محكمة. بعد برهة، بعد أن اطمأن إلى أن دقات قلبه قد عادت لانتظامها من جديد، قام و فرش سجادته على الأرض ليصلي. دخلت زوجته في الوقت الذي فرغ فيه من أداء صلاته. طوى السجادة و وضعها بعناية فوق الكرسي الذي تجلس عليه زوجته لتتزين قبالة المرآة. سألته إن كان يرغب في أن تضع له العشاء. أجابها بأن لا شهية له هذه الليلة        و سألها إن كانت البنتان قد تناولتا وجبتهما. بنبرة واثقة ردت عليه بنعم و بأنهما الآن تنامان. شرع (إبراهيم) في نزع ملابسه استعدادا للنوم بعد أن جلس مرة ثانية على جانب الفراش. تمددت زوجته بجانبه. خيم صمت طويل بينهما قبل أن تبادر بالكلام لتقول له : “ألا تستطيع أن تحلق شاربك هذا ؟” استدار نحوها و حدجها بنظرة حادة لا تعرفها منه إلا حين يستشيط غضبا و رد عليها قائلا : “لماذا ؟ أيزعجك في شيء ؟ منذ تزوجنا و أنا لي شارب.” وضعت يدها اليسرى تحت رأسها فيما أطلقت يدها اليمنى على طول جسدها المكتنز الذي ظهرت مفاتنه دفعة واحدة. نظرا لضرورات الأعمال المنزلية التي لا تنتهي طوال اليوم تضطر لجمع شعرها. فكت رباط شعرها الأسود الغزير و هزت رأسها يمينا و يسارا بسرعة خاطفة لينساب بعد ذلك على جانبي وجهها إلى أن صار متدليا في كامل نعومته المغرية يغطي نهديها، ثم قالت له : “إنه يضايقني كثيرا حين تقبلني.” توقف (إبراهيم) عن نزع آخر قطعة من ملابسه و استغفر الله بكل ما أوتي قلبه من قوة. تسلل تحت غطاء الفراش و أخذ وقتا يفكر في التحضير لجواب مناسب : “هل قلت لك يوما إن لحية فرجك تضايقني ؟” اقتربت منه و مالت عليه و هي تداعب شعر صدره المختبيء تحت قميصه القطني الأبيض الذي صارت ياقته سوداء من أثر الأوساخ، و أجابته بغنج فيما ساقاها بدأتا تحتكان بساقيه و تصعدان تدريجيا باتجاه أغلى ما يملكه الرجال : “انظر، لقد حلقته اليوم. أرجوك، قم و احلق شاربك. على الأقل، أنقص منه كي نتلذذ بطعم القبلات. أنا أشعر الليلة برغبة حارقة فيك.” كان (إبراهيم) يثبت نظره في السقف المهتريء و كلماتها لا تحرك فيه ساكنا. عيناه مفتوحتان فقط لأن أذنيه لم تنتهيا بعد من التقاط كلماتها التي كانت تحرص على تغيير طبقاتها الصوتية لضمان إثارة أقوى، مما يضمن لهما، أو بالأحرى لها، ليلة من ليالي العمر. انتهت من كلامها. بقي صامتا ليعرف إن كانت هناك بقية للائحة مطالبها. صمتت صمت نهاية. حول نظره من السقف إلى وجهها و قال لها : “شاربي لن أحلقه ما حييت. و هذه الليلة بالخصوص، أنا متعب جدا و أحمد الله أنني استطعت نزع ملابسي. نامي يا امرأة، غدا ينتظرني يوم طويل و شاق.” جر الغطاء على رأسه و نام بعد أن أدار ظهره لها        و صارت عيناه في مواجهة الجدار المهتريء كذلك. كان يفكر إن كان الجدار متسخا فعلا أم هي مجرد تهيؤات يصورها له خياله على ضوء هذه الصباغة الرديئة التي تتقشر ملتوية بفعل الرطوبة. ليست الرطوبة وحدها، الرطوبة و الأوساخ. أغمض عينيه ثم نام.

صبيحة يوم الغد، التحق (إبراهيم) بمقر عمله فلفت انتباهه تجمهر الموظفين في باحة البناية. كانوا يحدقون في بعضهم البعض كنعاج خائفة و الأكثر شجاعة فيهم كانوا يتهامسون بصوت خفيض بكلمات تسمع بصعوبة. لم يلتحق بالجمع و إنما فضل البقاء واقفا يراقب الوضع عن كثب. لقد التحق المدير الجديد بمكتبه و أول قرار أخذه هو برمجة اجتماع مع كل الطاقم العامل بالإدارة، على اختلاف الدرجات و المهام. رغم تقدمه في السن يعتبر المدير الجديد شابا نسبيا بالمقارنة مع معدل الأعمار العام. و على عكس ما كان يتردد في الكواليس فإنه ليس بإطار غريب عن الإدارة العمومية، إذ بدأ مسيرته في أحد مكاتبها قبل أن يهاجر إلى مؤسسات أخرى و يشحذ أسلحته في عدة مقاولات كبرى منحته نضجا و خبرة أعمق و معرفة أوضح بتسيير شؤون المؤسسات، عامة كانت أم خاصة. إلا أن السبب الحقيقي وراء تعيينه في هذا المنصب يرجع إلى دوافع أمنية محضة. فمناخ الحرية الذي تنعم به البلاد جعل عدة فصائل سياسية تنشط أكثر فأكثر في أوساط الطلبة، الأمر الذي استلزم تعيين رجل يعرف كيف يدير دفة الخلافات بسلطة ناعمة و يبتعد قدر الإمكان عن المقاربة البوليسية السيئة الذكر. فاليوم، تحاول الدولة بكل قواها أن تكسب حب و احترام المواطن بدل الاتكال على فوائد السلبية التي يضمنها الخوف. كان كل موظف يخرج من مكتب المدير لا يخبر أصحابه بما دار بينهما و يتوجه رأسا إلى مكتبه دون أن ينبس ببنت شفة. فهم (إبراهيم) أن طبع المدير الجديد من النوع الصعب و صار يردد في نفسه آيات قرآنية تعينه على لقاء هذا القديس الجديد الذي يبدو أنه ارتأى أن يبدأ حياته الجديدة بتوزيع الأدوار على أتباعه، كل حسب موقعه في سلم المعبد. لم يطل لقاء (إبراهيم) مع المدير الجديد لأن هذا الأخير قال له شيئا واحدا فقط حين علم أنه الساعي الذي تحت إمرته : “مهمتك الوحيدة هي أن تجلس على كرسيك لا تبرحه تحت أي ظرف من الظروف، مفهوم ؟” خرج (إبراهيم) بعد أن قدم له فروض الطاعة و الولاء داعيا الله عز و جل بأن يجعل عهده زاهرا و ينصره على كل من عاداه. أول شيء فعله هو تغيير موقع الكرسي و تثبيته بشكل يكون مقابلا لباب مكتب المدير مباشرة. جلس عليه جلوسا تجريبيا فلاحظ أن الكرسي يقع مباشرة قبالة الشمس حين ينتصف النهار. لم ينزعج و هون من خطورة الأمر، خاصة أنه سيعمل ابتداء من اليوم في بناية جديدة غير تلك التي أفنى فيها حياته. تغيير أعطاه نفسا جديدا و كسر الرتابة القاتلة التي كان يشعر أنها ستقصف عمره لا محالة. بدأ (إبراهيم) حياته الجديدة في خدمة المدير الجديد. في الصباح الباكر قبل وصول سيده و باقي الموظفين يلتحق بكرسيه لا يقوم من عليه حتى ينصرف لحاله في ساعة متأخرة من الليل. احتجت عليه زوجته التي لم تشأ لا فهم طبيعة عمله الجديد و لا طبع مديره الجديد، و ظنت في قرارة نفسها أن الأمر يتعلق بامرأة أخرى أغوته و تهددها بتدمير كل ما بنته معه، لأن لا شيء في الكون يدمر امرأة غير امرأة أخرى. في إحدى الليالي، بينما كانت قد بلغت ذروة غضبها، لم يجد (إبراهيم) من وسيلة ليثبت لها العكس سوى مضاجعتها حتى تنطفيء نارها كليا. و هذا ما كان بالفعل. خمدت جمرة الغضب، لكن جمرة الشك لم ينجح في إطفائها بشكل جيد و ظلت مشتعلة تحت رماد كثيف. بعد مرور أربعين يوما، حفظ (إبراهيم) كل عادات سيده، الأمر الذي بدأ يسمح له بأخذ هامش من الحرية لنفسه كي يجد القدرة اللازمة على الاستمرار في خدمة المعبد. ما الذي يفسر التعب الشديد الذي يشعر به آخر كل نهار رغم أنه يقضي اليوم كله لا يفعل أي شيء ؟ ألهذا الحد يملك الفراغ هذه القوة القاهرة ؟ أم هي زوجته التي تستنزف قواه مرة كل ليلتين ؟ ربما لهذا السبب لا يتزوج خدام المعبد. تحتاج خدمة الفراغ كل ما يملك الرجل من قوة، و كلما كانت قواه متجمعة موجهة حصريا إلى مهمة واحدة كلما برع في القيام بها و أنهاها على أحسن وجه.

عند منتصف النهار، خرج الموظفون لتناول وجبة الغذاء. كانوا يتسللون من مكاتبهم منتظمين في سلسلة طويلة كأنهم نمل يزحف على الأرض. بقي (إبراهيم) جالسا لوحده يفكر في أمر هذا المدير الذي يعبد العمل و لا يتناول أبدا الغذاء. بعد فترة وجيزة، خيم صمت و سكون رهيبين على كل زوايا الإدارة. الشمس ترسل أشعتها الحارقة بعد أن صارت في كبد السماء. انطوى على نفسه عاقدا ذراعيه حوله كمن يحاول صنع الدفء في ليلة باردة. نظر إلى الأرض بعمق يحاول أن يجد سببا مقنعا لنفاذ صبره بسرعة. حتى الآيات التي كان يقرؤها في نفسه لم تعد تمنحه ذلك الصبر الذي كان يعتبره امتيازه على باقي الناس. ماذا يجري ؟ اعتدل في جلسته و أدخل يده اليمنى في جيب سترته الخارجي فأخرج علبة سجائر و ولاعة. (إبراهيم) ليس مدخنا بالمعنى الصحيح للكلمة، هو فقط يحب أن تكون دائما علبة سجائر و ولاعة في جيبه. و لم يسبق لأي أحد أن رآه يدخن سواء في العمل أو في البيت، بدليل أن علبة واحدة من السجائر تبقى مغلقة لشهور عديدة دون أن يدخن منها و لو واحدة. أشعل سيجارة بانتشاء بعد أن وقف و راح يمشي و يجيء في الممر المؤدي إلى مكتب المدير. توقف أمام كرسيه يتلذذ بآخر أنفاس الدخان. فجأة، فتح المدير باب مكتبه فوجد (إبراهيم) يدخن بمتعة عالية و هو في شبه حالة انقطاع عن الواقع. نادى عليه مرتين لكنه لم يجبه. انفجر المدير غضبا و علا صوته حتى رمى (إبراهيم) عقب السيجارة التي لم يكملها كمن صعق يده تيار كهربائي. لم ينفث الدخان الأخير في الهواء، بلعه و حبسه في صدره الذي أخذت ضلوعه تتقلص و تتمدد من أثر الصدمة. أنهى المدير عاصفة غضبه بنبرة تهديد و وعيد. أعلن لـ(إبراهيم) عن قراره بكتابة تقرير فيه مع توصية بتغييره بساع آخر أكثر انضباطا. دخل إلى مكتبه بعد أن صفع الباب وراءه بقوة فيما انهار (إبراهيم) بكامل جسده على الكرسي. ساع آخر أكثر انضباطا. و هل يوجد ساع آخر أحسن من (إبراهيم) الذي يضرب به المثل في الحزم و الانضباط بشهادة و إجماع كل السابقين ؟ رأى حياته كلها تتهاوى أمام عينيه بسبب سيجارة لعينة أشعلها كانت وجبة غذائه بدل الأكل الذي يفترسه الآن هؤلاء الأغبياء اللذين لا يملكون عشر حبه للعمل. ألا تشفع له كل هذه السنوات التي قضاها في الخدمة ؟ كل يوم، كان يقضي ستة عشر ساعة في الإدارة، مما يعني أنه وهب ثلثي حياته للخدمة و الثلث الباقي قضاه في غرفة النوم. حتى المقاهي لم يكن يرتادها اقتصادا لثمن القهوة و خوفا من الجواسيس اللذين يتربصون بالرجال مثله فيقع في فخهم و يجرون لسانه ليفضح ما خفي من الأمور. أكثر من الظلم، أحس بالغضب يغلي في قلبه كالمرجل. أحكم (إبراهيم) القبضة بيديه على جانبي الكرسي و اتكأ برأسه على الجدار. كانت الشمس تتركز في كل مناطق وجهه و الحرارة التي كان يشعر بها دفعته إلى رغبة لا تقاوم في الصراخ. رأى من بعيد ثلاثة موظفين يعودون إلى مكاتبهم، يتقدمون تحت الشمس بهيأة شاحبة دون أن يتبين وجوههم بوضوح. تردد في باديء الأمر، لكنه مادام قد فقد كل شيء الآن فإن لا أحد له لا الحق          و لا السلطة في أن يمنعه من الصراخ، و قبل أن يطلق صرخته المدوية بقي جامدا في مكانه على الكرسي. سلم عليه الموظفون و هم يمرون عليه لكنه لم يرد عليهم. انتبهوا للوضع الغريب الذي يجلس فيه (إبراهيم). سأله موظف مازحا إن كان يأخذ حمام شمس لكنه لم يرد عليه. تعجبوا للأمر حتى جحظت عيونهم قبل أن يقرروا الاقتراب منه و إيقاظه إن كان نائما. تطوع أحدهم فصار ينادي عليه باسمه و هو يربت على كتفه ثم يهزها، من دون فائدة. لاحظوا أن دخانا يتصاعد من فمه و أنفه فتراجعوا مفزوعين إلى الوراء و هم يبسملون. مات (إبراهيم). مات و حرر الدخان الذي كان حبيس صدره. مات و لم يحرر الصرخة التي كان على وشك أن يطلقها. التحق باقي الموظفين فعلموا بما جرى. لم يصدقوا في الأول قصة الدخان، لكن حين رؤوا الشهود الثلاثة يحلفون و يقسمون بكل شيء على أن الدخان حقيقي و كان فعلا يخرج من فمه و أنفه صدقوا. اختلطت الكلمات فيما بينها : “لا حول و لا قوة إلا بالله.” “إنا لله و إنا إليه راجعون.” “مات (إبراهيم).” “يرحمه الله.” “كان رجلا طيبا.” قال كل واحد منهم كلمته في تأثر ممزوج بالدهشة، و اتفقوا في الأخير على أنه شريف. “نعم، (إبراهيم) شريف من نسل الأشراف.” “ليس هناك من شك في هذه المسألة.” “لأن لا أحد يموت و الدخان يتصاعد من جوفه إلا إذا كان واحدا من أتقياء الله.” “سبحان الله العظيم.” “لقد كان قلبه يحترق و هو يموت.” “مؤكد أنه سيذهب الآن إلى الجنة، لقد تطهر قلبه في الدنيا قبل الآخرة.” و استرسل الجميع في تفسير الواقعة و محاولة تأويلها التأويل الصحيح. و في النهاية، تفرق الموظفون و دخل كل واحد منهم إلى مكتبه و أغلق عليه الباب لمواصلة النقاش مع زميله بشكل أعمق. عاد الصمت ليخيم من جديد على ممر الإدارة في حين بقي (إبراهيم) ميتا على الكرسي ممسكا بجانبيه و فاتحا فمه في مواجهة الشمس. و منذ ذلك اليوم، لم يعرف متى غادر المدير مكتبه و لا متى و أين تم دفن (إبراهيم).

وصلنا إلى الحانة حين تخضب الأفق بحمرة من سقط مهزوما و انحنت الشمس على البحر لتقبله. ركن صديقي سيارته بعيدا عن الحانة مما اضطرنا أن نمشي مسافة طويلة لنصل إلى المكان الموعود. من بين أهم ميزات شخصيته هذا النوع من جنون الإرتياب الذي يدفعه دوما إلى الأخذ بعين الاعتبار أدق التفاصيل كي لا يسمح لأي أحد بالوصول إلى مكانه و معرفة ما يفعله أو يفكر فيه. هي طبيعته. لم يبحث يوما عن سبيل ليغيرها لأنها تنسجم مع طريقة تفكيره و رؤيته الخاصة للعالم. كان يقول لي دائما إن الأصل في البشرية هو الشر و كل ما كان يروى لنا في المدارس عن كون الإنسان طيب بالفطرة إنما هي مجرد خزعبلات ملؤوا بها رؤوسنا لتحضيرنا للقطيع الكبير الذي ينتظر انضمامنا إلى صفوفه. كان يقوم بيننا جدال كبير حول هذه المسألة و مسائل فلسفية أخرى. لكنه حين وجد في الفيلسوف (فريدريك نيتشه) الشرعية التي كان يفتش عنها لدعم أطروحته لم أجد بدا من أن أوافق على رأيه. فـ(نيتشه) هو فيلسوفي المفضل بدون منازع، و قد كنت أنا من عرفت صديقي عليه. لقد وجه ضدي نفس سلاحي. لا بأس، فلم أعتبر يوما علاقتي معه علاقة حرب      و كل سجالاتنا التي كانت تدوم حتى مطلع الفجر إنما كانت نوعا من التعبير الخاص عن صداقة جد خاصة.

كان أيامها لا يستطيع أن يستوعب كيف يمكن لطالب فقير مثلي أن يدافع بحماسة حارقة عن الليبرالية الأمريكية في حين أن منطق الأشياء كان يفرض أن أكون في صفوف الجماهير المناضلة. كان يقول لي ساخرا : “و لكن أية ديمقراطية هذه التي تسمح بشن الحروب و غزو الشعوب ؟” كنت أستمع له بهدوء و أنا أحضر كوبين من القهوة في غرفتي الانفرادية، و حين ينتهي من عظته الساخطة التي تتنبأ بقرب انهيار النظام الأمريكي أمد له كوبه بهدوء و أجيبه قائلا : “أولا، الديمقراطية مسألة تتعلق بعلاقة حكومة مع شعبها. أما حين يتعلق الأمر بعلاقة دولة مع دولة أخرى فتلك مسألة أخرى تفرض حسابات خاصة. ثم تأكد أن النظام الأمريكي لا يمكنه أبدا أن ينهار لسبب بسيط هو أنه يستمد قوته من الفرد. الفرد قيمة تقدم في حد ذاته. لا يهم من أنت و من أين تأتي مادمت قوة فاعلة في المجتمع. العمل هو الذي يحدد قيمة الفرد. العمل فقط. عليك أن تعرف أنه في الألفية الثالثة مازال يوجد أشخاص يتفاخرون فيما بينهم مثل ديكة حبشية بنسبهم الشريف. هذا هو جذر المشكلة.”

“و لكن هناك فعلا أناس لهم نسب شريف.”

“صحيح، و لكنك لن تجدهم أبدا يتفاخرون بنسبهم أو يستغلون هذا المعطى للتلاعب بالضعفاء              و الاغتناء على ظهورهم. الرسول كان فقيرا، عاش فقيرا و مات فقيرا. الشرفاء الحقيقيون يفضلون أن يعطوا المثال بحسن أخلاقهم لأن الرسول نفسه على خلق عظيم. يتعقد الأمر و يصير مشكلة حقيقية حين يبدأ بعض الناس بادعاء القداسة. كيف أقبل بقداسة شخص في حين الرسول نفسه قال : “لا تقدسوني مثلما قدست النصارى عيسى بن مريم.” ؟ جوهر الإسلام هو حسن الأخلاق و ليس ضبط السجل المدني للأنساب.”

يخيم صمت قصير بيننا ريثما يحتسي قهوته و يسألني بعينين جاحظتين من أثر التعجب : “ماذا تقصد ؟” أشعل سيجارة بعد أن أفتح النافذة الصغيرة لتهوية الغرفة ثم أرد عليه قائلا : “أقصد أن مجتمعنا كله مبني على مبدأ النفع. ألم تلاحظ أنه في كلامنا العادي حين نرغب أن نحط من قدر أحد نقول له إنه لا نفع يرجى  منك ؟ و في مجتمع مثل هذا يكون لديك نوع خاص من الناس لا يفهم الحياة و لا يقاربها إلا من باب الانتهازية المحضة مستخدمين في ذلك كل الوسائل الممكنة و غير الممكنة لبلوغ أهدافهم الآنية. و أول هذه الوسائل و أخطرها على الإطلاق، الدين. تجد الإنسان يبرع في ذكر آية من هنا و حديث من هناك، دون نسيان آراء الفقهاء الأجلاء في المسألة مع أن كل هدفه هو إخضاعك لإرادته بعد أن يتأكد أنه قد نجح في تشكيل عقدة ذنب فيك ليتسنى له أخذ ما يريد منك فيما بعد. ثم لا تنس أنه في أزمنة الانحطاط، و هذا مثبت تاريخيا في حياة الأمم، يظهر دائما من يدعون النبؤة.” يطلب مني سيجارة بحركة من يده التي يمدها نحو علبتي دون أن يتكلم. أستطرد : “حين يكون لديك شعب انتهازي فإنه لا يمكنك أن تصنع به أي شيء. هذه هي الحقيقة الصادمة التي يجب مواجهتها بدل أن نعلق عجزنا على الآخرين مختبئين وراء تراثنا الزاخر من أدب الشتيمة : الإنسان عندنا لا يصلح لأي شيء.” بطبيعة الحال، كان صديقي لا يبقى مستسلما أمام كلامي و سرعان ما كان يخرج القنبلة النهائية : “أنت عدمي.” و ككل جندي يقف على الخطوط الأمامية للعدو آخذ الوقت الكافي لاستقبال نيرانه بصبر من يؤمن بعدالة قضيته. الصبر في لهب الجحيم يجعل كل جيش يعرف أي نوع من الأسلحة يمتلك عدوه. أقول له مبتسما في هدوء : “لا، أنا واقعي. (نيتشه) علمني كيف أكون واقعيا دون أن أخضع لمنطق الأشياء، يسمي هذا بالتفاؤل المأساوي.”

ما إن تخطت قدمانا عتبة باب الحانة حتى وجدنا النادل يسرع نحونا يرحب بنا و يقترح علينا الجلوس قبالة البحر. اقتراح رفضه صديقي في الحال و طلب منه أن يختار لنا مائدة منزوية بعيدة عن أعين الجالسين. هرع النادل يعدل منديل مائدة تقع في زاوية الحانة و تستفيد من امتياز الإضاءة الخافتة التي اشتعلت لتوها إيذانا بانتهاء النهار و انطلاق الليل بكل ما ينطوي عليه من طقوس خاصة تجلله و وجوه تؤثث الكؤوس التي لا يتوقف دورانها. جلسنا في حين بقي النادل واقفا يبتسم لصديقي لأنه أدرك بذكائه الحدسي بأنه هو من سيدفع الفاتورة. بعد أن وضع هاتفيه النقالين و مفاتيحه بعناية على المائدة، كان هادئا هذه المرة، و بدا أن عصبيته المعهودة قد اختفت كزبد بحر خفيف مسحته أول موجة، استدار في مكانه ناحيتي و سألني : “ماذا تحب أن تشرب ؟” و من دون حاجة لطول تفكير أجبته بكل تلقائية : “كأس ويسكي مع الصودا.” حول صديقي نظره إلى النادل و قال له مؤكدا على طلبه بحركة من أصابعه التي صنع منها تحية نضالية : “اثنان.”

حقا، غريب أمر الكتابة. قررت أن أروي قصة صديقي الشيوعي فوجدتني أكتب قصتي أنا. ألا يكون هذا هو ما يسمى بالجدلية ؟!! لا أدري، إلا أنني الآن لا يساورني أدنى شك بأن (لينين) كان على حق حين قال : “الوقائع عنيدة.”

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً