ونحن ايضا نحب كرة القدم / محمود درويش

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

Paolo Rossi… ونحن ايضا نحب كرة القدم، ونحن ايضا يحق لنا ان نحب كرة القدم. ويحق لنا ان نرى المباراة، لم لا؟ لم لا نخرج قليلا من روتين الموت؟.

في أحد الملاجىء* استطعنا استيراد الطاقة الكهربائية من بطارية سيارة. وسرعان ما نقلنا «باولو روسي» الى ما ليس فينا من فرح. رجل لا يرى في الملعب الا حيث ينبغي ان يرى. شيطان نحيل لا تراه الا بعد تسجيل الهدف، تماما كالطائرة القاذفة لا ترى الا بعد انفجار اهدافها.

وحيث يكون باولو روسي يكون الجوول، يكون الهتاف، ثم يختفي او يتلاشى ليفتح مسارب الهواء من أجل قدميه المشغولتين بطهو الفرص وانضاجها وايصالها الى أوج الرغبة المحققة. لا تعرف ان كان يلعب الكرة ام يلعب الحب مع الشبكة.

الشبكة تمنع، فيغويها ويغاويها بفروسية ايطالية أنيقة على ملعب اسباني حار. ويغريها بانزلاق القطط الهائجة المائجة على صراخ الشهوة. وعلى مرأى من حراس العرض المصون الذين يعيدون اغلاق بكارة الشبكة بغشاء من عشرة رجال. يتقدم باولو روسي بكامل الشبق، يتقدم لاختراق شبكة قابلة للنيل من عضلة هواء مرتخية عجزت عن المقاومة، فاستسلمت لاغتصاب جميل.

كرة القدم،
ما هذا الجنون الساحر، القادر على اعلان هدنة من أجل المتعة البريئة؟ ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ الى ذباب مزعج! وما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة، ويسري في الجسد والنفس كما لا تسري حماسة الشعر والنبيذ واللقاء الاول مع امرأة مجهولة..

وكرة القدم هي التي حققت المعجزة، خلف الحصار، حين حركت الحركة في شارع حسبناه مات من الخوف، ومن الضجر.

 

* من كتاب “ذاكرة للنسيان” : في هذا الكتاب نقرأ لمحمود درويش توصيفاً وتحليلاً أدبياً لما جرى ذات يوم من صيف 1982 في بيروت. يقول الناشر في الصفحة الأخيرة من الكتاب: كتب محمود درويش هذا النص الساخن  عن يوم طويل من أيام حصار بيروت عام 1982، بلغة متوترة، وبأسلوب يجمع بين السردي والشعري والقصصي والاختياري.

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً