رشيد بوجدرة والخروج عن الجاهز

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

Rachid-Boudjedraيلقبوه بـ»الطفل الشقي للأدب الجزائري»، لكن الروائي المتمرد رشيد بوجدرة الذي أبدع باللغة الفرنسية بعدما هز قناعات كثيرة بالعربية يصر دوما على التأكيد أنه يكتب فقط بغرض «التنفيس»، مشيرا إلى أن القارىء قد يكون أذكى من الكاتب وبالتالي هو لا يحتاج أساسا لتلقي «رسائل» منه.
* لماذا تكتب؟
** أكتب لنفسي، للتنفيس عن النفس، وللمتعة لأنني أتمتع عندما أكتب وأسعى لنقل هذه المتعة إلى القارئ.
* هذا يعني أنك لا تملك رسالة تريد نقلها للقارئ
** نعم. ليست لدي رسالة أود نقلها إلى القارئ، وأنا ضد هذا الأمر، لأن القارىء ربما أذكى مني وأكثر تسيُّسا مني وليس في حاجة إلى أن يُلقن دروسا.
* لكن الكاتب، قبل أن كل شيء هو إنسان له موقف ووجهة نظر ورؤية، أليس كذلك؟
** هذا صحيح، أنا كمواطن جزائري وعربي لي موقف، لكنني أثناء الكتابة أتفادى التعبير عنه وخاصة إذا كان موقفا سياسيا، لكنني يمكن أن أعبر عن رأيي بشكل مباشر خارج إطار الرواية.
* هل لديك طقوس معينة في الكتابة، أم أنك تكتب بغض النظر عن الزمان والمكان؟
** أكتب في فترات معينة وقصيرة جدا، لكن على امتداد النهار والليل، حيث أبدأ عادة في الرابعة صباحا وأنتهي في العاشرة ليلا، لكن خلال مدة قصيرة (عدة أسابيع أو شهر على أكثر تقدير) فأضخم رواية وضعتها خلال شهر، ولكني أحمل الفكرة لعدة سنوات سنوات وأتركتها تختمر إلى أن ينضج في النهاية، وآنذاك تأتي الكتابة وتكون شبه تلقائية وميكانيكية.
* ما هي النصوص التي قرأتها بشغف في الطفولة والشباب ودفعتك لاحقا للخوض في عالم الرواية؟
** أهم نص أثر فيّ هو القرآن الكريم (كإعجاز أدبي لغوي عظيم) لأننا نتعلمه ونحن صغار، ثم كتاب «ألف ليلة وليلة» الذي قرأته عدة مرات وما زلت أقرأه بين الفينة والأخرى والشعر العربي (الجاهلي والإسلامي).
أضف إلى ذلك الأدب الفرنسي والأدب العالمي المترجم إلى اللغة الفرنسية كبلزاك وستندال ودوستويفسكيو وإميل زولا، وقد فضلت منذ البداية بلزاك على زولا بالرغم من أنني أشعر ببعض التعاطف مع زولا لأنه كاتب الفقراء والعمال، وأعتبر غوستاف فلوبير رمز الثورة الكبيرة في مجال الأدب وخاصة نصيه الرائعين «مدام بوفاري» و»بوفار وبكيشي» لأنهما يحتويان حداثة رهيبة.
* تشكل الهجرة جزءا كبيرا من حياتك، ماذا أفدت من إقامتك في فرنسا؟
** من الزاوية الأدبية لم أتعلم شيئا في فرنسا، ولكني تعلمت كثيرا من الفنون التشكيلية والمسرح والمتاحف وغيرها من الأشياء المفقودة في الجزائر، في فرنسا اكتشفت الفنون التشكيلية المعاصرة وشكلت صدمة كبيرة بالنسبة لي، وشاهدت مسرحيات وأفلاما كثيرة، وقبل ذلك كنت شبه أمي في مجال السينما، أما بالنسبة للكتب فلم أستفد كثيرا، لأنها متوفرة في كل مكان.
*ما الذي دفعك للكتابة باللغة الفرنسية في البداية، ومن ثم الانتقال إلى اللغة العربية؟
** بدأت الكتابة باللغة الفرنسية تحايلا على الرقابة الجزائرية والعربية عموما، فرواية «التطليق» التي كتبتها في البداية لم يكن بمقدور أي ناشر عربي (في الجزائر أو بيروت أو غيرها) نشرها، وانتقلت من الفرنسية إلى العربية بدافع «غريزي» لأن العربية لغتي الأم ولغة ثقافتي وحضارتي.
* كيف استقبلت دور النشر في فرنسا أعمالك التي تحوي قدرا كبيرا من الجرأة؟
**عندما بدأت الكتابة والنشر في فرنسا لم يكن ثمة رقابة باستثناء الرقابة السياسية، فعلى سبيل المثال عندما أردت نشرت رواية «الرعن» كان ثمة صفحتين في الرواية كتبتهما كتناصّ (تشابه) مع مذكرت جنيرال فرنسي قاد الحرب ضد الجزائر سنة عام 1830، ويذكر فيها كيف كان الجزائريون يُقتلون ويُعذبون، حيث رفضت دار النشر آنذاك نشر الصفحتين على اعتبار أن ما ورد فيها عنيف جدا، لكني رفضت حذفهما وفي النهاية قبلت الدار نشرهما ضمن الرواية.
بمعنى آخر: بالنسبة لدور النشر في فرنسا ليس هناك رقابة فيما يخص الجنس ولكن هناك رقابة سياسية ومواقفهم في هذا المجال متشددة جدا.
بالمقابل، حين عدت إلى الجزائر وبدأت الكتابة باللغة العربية، كنت مشهورا جدا حتى أن دور النشر لم تكن قادرة على رفض أي عمل لي، لأن ذلك قد يثير غضب السلطات والمثقفين، مع العلم أن كتاباتي باللغة العربية أكثر جنسية من كتاباتي بالفرنسية، لأنني عندما أكتب بالعربية أعمد إلى نوع من الاستفزاز حتى أبرهن أن هذه اللغة قادرة على إيصال كل المعاني والأشياء، فضلا عن قدرتها على الاستفزاز.
بل إنني عندما أستعمل اللغة السوقية الشعبية في النصوص العربية لا أجد نفس اللذة التي لمستها حين أدخلت نوعا من الروح الشعبية أو اللغة السوقية على النصوص التي كتبتها بالفرنسية، فالعربية الفصحى تصدم المتلقي أكثر لأننا لم نتعوّد على ذلك، فمنذ عصر الانحطاط توقفنا عن التواصل باللغة العربية، وهناك نقاد كثر بلومونني لأني أستعمل اللغة السوقية بكثرة، ولكنها في النهاية لغة الناس والشارع وهي تحتضن شعرية رهيبة.
* بالنسبة لموضوع «الاستفزاز»، أعتقد أنك تعمدت في رواية «التطليق» صدم المتلقي واستفزازه وتعرية الممارسات التي يغذيها النفاق الاجتماعي، ما سبب ذلك؟
** لأني عانيت كثيرا من موضوع النفاق الاجتماعي، بالنسبة لأبي ونموذج العائلة الإقطاعية التي تربيت في أحضانه، الناس يرتلون الآيات القرآنية ثم يزنون فيما بعد، بالرغم من أن الزنا في القرآن محرم، وعندما أناقش بعض الأصدقاء في هذه القضية يقولون «الزنا ليس عيبا.. للرجل الحق في الزنا!؟ لكنه حرام على المرأة!»، نفاق كبير، مدمر.
عندما بدأت أكتب كنت أعتبر أن الناس العاديين أو الشعب هو المتخلف ذهنيا، وهذا واقع ولكني لاحظت أن المثقفين ليسوا متقدمين في هذا المجال على الشعب، وهناك نقص كبير عند المثقفين في ممارسة النقد بالجرأة اللازمة في مجال الإبداع، والغريب أن الكتابات النسوية (عند آسيا جبار مثلا) تقول إن القرآن يساعد المرأة ويقف إلى جانبها، لكن هناك سور كثيرة تقول العكس، كما أن فاطمة المرنيسي تقول إن الدين الإسلامي متسامح جدا مع المرأة لكن قراءة القرآن من لدن الفقهاء والقضاة هي التي تجعل المرأة مظلومة.
* في رواية «التفتق» تسترجع ثورة التحرير وتبين الإيجابيات التي حققتها فيما يتعلق باستعادة الحرية، ولكنك تبرز أيضا خيانة الأجداد وروح الثورة، كأن الرواية تضع هذه اللحظة الأساسية في تاريخ الجزائر موضع تساؤل وليس موضع دفاع وتقديس مثلما فعل بعض الكتاب الجزائريين السابقين، كيف تفسر ذلك؟
** صحيح، هذا نوع من الخروج عن الجاهز، وبالنسبة لي أكبر رواية هي «نجمة»، وأكبر روائي في العالم العربي هو كاتب ياسين، هذه التحفة الحقيقية فشلت في القضية الأساسية لحرب التحرير (الاستعمار) وفي قضية معاملة الجزائري للمستعمر، وفشل كاتب ياسين عندما بيّن نوعا من تضخيم الوعي السياسي عند الشعب الجزائري آنذاك، عند وصول الجيش الفرنسي إلى بلادنا، وهو يعاني من تقديس الأسلاف والعظماء، وهو يرى أن «الأجداد يزدادون ضراوة».
لكن الأجداد لا يزدادون ضراوة لأنهم فشلوا واستُعمروا طيلة قرن ونيف، وهذا عنوان فشلهم، وكنت الأول الذي قال «عندما نضخم وعي الشعب بتقديس الأسلاف واعتبارهم أبطالا، فهذا نوع من الكذب والوطنية الفاشلة الزائفة».

 

عن القدس العربي
حوار: عبد العزيز جدير

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً