كُـونـشِـرتُـو البـنـَاء للمَجهُول (2) / أنس الحجاجي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فيما يلي القسم الثاني من رواية “كُـونـشِـرتُـو البـنـَاء للمَجهُول”، التي خص مؤلفها أنس الحجاجي لغو بنشرها. القسم الثالث يتبع لاحقا.

 

 

القسم الثاني

 

تعاليم الأرض المحروقة

 

 

لا يوجد فن تشكيلي. هناك فقط لوحات.

صمويل بيكيت،

(العالم و السروال)

 

 

 

 

(٧)

لحظة تشبه النهاية

 

أَتَمَدَّدُ عَارِياً فِي الظَّلامِ

مَحْمُولاً بِحَرَارَةِ الحُدُودِ الخَائِنَةِ

فَأُدْرِكُ أَنَّ عَيْنِي تَحْتَاجُ أَكْثَرَ مِنَ الضَّوْءِ

لِتُسَيِّجَ فَرَاغَ هَذِهِ الزَّرِيبَةِ المَلْعُونَةِ الَّتِي

تَأْبَى السُّقُوطَ عَلَى رُؤُوسِ مَنْ فِيهَا.

لأنهم يكبرون في العجز لا يتصور أبناء الفقراء حياتهم إلا في أسلاك الدولة على اعتبار أنها تجسد قيمة القوة المطلقة.

حين يولد الإنسان تقام له حفلة العقيقة في اليوم السابع. يحتفل به الجميع و يفرحون لقدومه إلى هذا العالم. يضعونه في غربال و يبدؤون في تحريكه يمينا و يسارا مبتهجين. القاعدة العامة في العائلة هي أنهم يكونون كلهم فرحين إلا المولود الذي يبقى صامتا مذهولا و عيناه تحدقان في الفراغ الملون للبيت لا يدري ما يجري. يطوف حوله جمع من الناس جاعلين منه مركز التقاء نظراتهم التي تأخذ في خياله شكل أشباح مهرجة. حين يصير رجلا كبيرا أي وحدة إنتاجية في سلسلة المصانع الضخمة التي تسمى مجتمعا يدرك أن وجوده كله كان مجرد رمل في غربال و أن الزمن قد صادر حياته مسبقا، فإن كانت لديه إرادة قوية صنع لنفسه حلما لا يتقاسمه مع أحد. الأحلام ثمينة للغاية. أما إذا كان قد فقد حلمه فلا يتبقى له آنذاك سوى أنانيته يختبيء فيها. سهل أن نحكم على إنسان بأنه أناني، لكن صعب جدا أن نفهم أن الأنانيين هم في العمق أناس أضاعوا أحلامهم. و لأن الروح يثور سعارها إذا ما أحاط بها الفقدان من كل جانب فهي تحتاج دوما لأشياء تتملكها، إذ لا تطمئن الروح إلا في الأشياء.

كان جالسا قرب نافذة الشرفة ينظر إلى الشارع كعادته من خلال الفتحة التي تسمح بها الستائر المسدلة. الساعة تشير إلى حوالي السابعة و الربع صباحا. لا شيء يستحق الانتباه باستثناء هذا الكلب الذي يمر مرة كل يومين يفتش عما يقتاته من صفيحة الزبالة. على جانبه الأيمن مائدة صغيرة عليها كوب قهوة و منفضة نحاسية. أشعل سيجارة بعد أن أخذ رشفتين من القهوة السوداء التي عبقت رائحتها القوية حتى ملأت المكان. الشقة فضاء مغلق. لا تفتح النوافذ إلا نادرا فيما الستائر مسدلة على الدوام. الشيء الوحيد الذي يدل على وجود روح تتنفس بين هذه الجدران القديمة هو دخان السجائر الذي لا ينقطع أبدا تصاعده في الهواء. بالإضافة إلى الكرسي الذي يغير موقعه عند كل ظهيرة إلى حيث الظل حين تنفذ أشعة الشمس عبر خطوط رفيعة تصل إلى عمق الشقة. يبقى جالسا في الظل ينظر إلى الخارج و يدخن. لا يفعل أي شيء آخر. بين الفينة و الأخرى، يحب أن يرى أين وصل انعكاس الشمس على الأشياء. يستدير في مكانه فيتجمد لرؤية الشمس متركزة على إطار فارغ معلق على الحائط. كان هذا الإطار يحمل صورة، صورته. لم يحتمل صورته فنزعها، لكنه فضل الاحتفاظ بالإطار فارغا كأنه يشهد على شيء ما. ما الذي يدفع رجلا إلى تمزيق صورته من الوسط، رمي الوجه في سلة المهملات و الاحتفاظ بالنصف الأسفل الذي يظهر قميصه و ربطة عنقه في درج المكتب ؟ إلى جانب الإطار الفارغ كانت معلقة على الجدار لوحة زيتية تصور امرأة عارية تضع يديها تحت رأسها و فوق فرجها يقف عصفور صغير ينقبه. آه على هذه اللوحة !!!

سمع دقا على الباب. في البداية، كانت دقة واحدة لكن سرعان ما تسارعت وتيرتها و لم تتوقف إلا حين قام من على كرسيه بغتة محدثا بذلك ضجيجا خفيفا. توجه نحو الباب بخطى متعبة، فهو لم ينم طوال الليلة الماضية. و منذ أيام مضت تغيرت جدريا كل عاداته. لم يعد يأكل إلا قليلا و على فترات متفرقة غير منتظمة. حتى حين يحس بمغص الجوع يمزق أمعاءه يرفض أن يأكل. تكفي القهوة و السجائر. القهوة و السجائر و التفكير في لا شيء. كان يشعر و كأن رأسه تحول إلى طاحونة هوائية تدور في العدم مستهلكة كل طاقته عبثا. طاحونة مجنونة لا تنتج إلا المرارة. فتح الباب ببطء لأنه شعر بحموضة قاتلة تتصاعد من قلب معدته. أطل على حارس العمارة بوجه شاحب كجثة استخرجت لتوها من القبر. لم يقل له شيئا. أعطاه حارس العمارة جرائده التي اعتاد قراءتها كل صباح و هو يسأله عن صحته بنبرة متطفلة أزعجته. لم يجبه. أخذ الجرائد و رد الباب في وجهه بنفس السرعة البطيئة التي فتحه بها. ظل واقفا لبرهة متكئا بظهره على الباب حتى أيقن أن الحارس قد غادر الممر كليا آخذا معه كل كتلته الثرثارة التي ترهق الأعصاب. كل سكان العمارة يجمعون على أن الحارس شخص ثرثار و لذلك اتفقوا على أن يلقبوه بـ(الراديو). بحكم طبيعته البدوية وجد في انتقاله إلى المدينة فرصة لتعويض سنوات الصمت التي عاشها في القرية. و بحكم عمله وجد في ساعات اليوم منجما لا ينضب من القصص يحب أن يرويها لمن يجالسه، بل و يتفنن في سردها خصوصا إذا تعلق الأمر بامرأة. هنا، يبلغ أوج قوته في الوصف و التعليق إلى درجة يصعب فيها الفصل بين ما هو واقعي و ما هو من وحي خياله الجامح. لهذا السبب لا يجالسه إلا العجائز المتقاعدون الذين يقضون يومهم على عتبة الباب لا تسند عظامهم إلا العصا التي تخونهم بين حين و آخر و أشعة الشمس الدافئة التي تخفف عنهم آلام مفاصلهم المهترئة. لم ينزعج الحارس حين علم بأن لقبه الجديد هو (الراديو). على العكس من ذلك، أعجبه كثيرا و صار بالنسبة إليه منبع فخر و اعتزاز. رغم ثرثرته التي لا يستطيع وقفها فهو رجل طيب يتصرف دائما بتلقائية تكاد تكون طفولية. و عفويته هذه هي التي جعلت كل سكان العمارة يحبونه مفضلين الصبر على ثرثرته بدل المخاطر التي ينطوي عليها التفكير في تغييره بحارس آخر.

عاد إلى مكانه واضعا الجرائد على جانب المائدة التي تتوسط الصالة. قبل أن يجلس أشعل المسجلة الصوتية الموضوعة مباشرة تحت الإطار الفارغ و ضبط الموسيقى التي سيسمعها على سيمفونية (ألكسندر جلازونوف) “كونشرتو الكمان”، القطعة الموسيقية ٨٢. ضغط على زر الإعادة كي لا تتوقف أبدا معزوفته المفضلة عن الدوران. جلس على كرسيه بهدوء من لم تعد له قدرة على المواصلة. أخذ نفسا عميقا ثم أغمض عينيه فارتفع عزف الكمان الحزين حتى سيطر على كل أرجاء الشقة. هبت ريح خفيفة تراقصت على إثرها الستائر. هذه المعزوفة بالتحديد لا يجب سماعها بالأذن بل بالروح، و إغماض العينين طقس ضروري لتسهيل الأمر على الأنوار التي تتسلل خلسة إلى دهاليز النفس المظلمة. هو يعرف أنه ما عاد هناك شيء في روحه سوى الظلمة و البرودة، لكن هذه المعزوفة إنما صنعت ليعثر المرء على ما فقده في تعثره. هي أشياء تتمرد على قوانين المعرفة العقلية. هناك من يسميها إحساس و هناك من يحشرها في ركن الإيمان. هي أشياء تتمرد على التعريف. قوتها الساحرة تكمن في غموضها. يقبلها المرء كما هي أو يتركها. هي أشياء تتمرد على التجزيء. أغمض عينيه و استرخت كل أطرافه على الكرسي كمن خلد إلى النوم، لكنه لم ينم. بقي مستيقظا يفكر.

في الحياة، هناك أماكن نسكنها و هناك أماكن تسكننا!

لم يشعر بحرارة الجو الذي يخنق المدينة إلا حين اقترب من النافذة المغلقة و لفحت وجهه أشعة الشمس التي تنفذ عبر الزجاج كسهام شحذت رؤوسها بحدة. رغم أن المنظر الذي كان يطل عليه كان عاديا للغاية لأنه اعتاد على رؤيته منذ سنين طويلة إلا أنه اليوم لم يعرف لماذا انتابه شعور غريب بأن شيئا جديدا قد حدث أو سيحدث. العزلة. يقال إن العزلة المفرطة تؤدي إلى تشوهات ذهنية، فقط حين تكون مفروضة. أما حين يختارها المرء عن طواعية فإنها تفتح له مغالق عوالم لا يمكن لأي أحد غارق في بحر من الناس اكتشافها.

لم يقم اليوم بطقسه المعتاد، الكتابة. اكتفى بالنظر إلى حزمة الأوراق البيضاء التي تحركت منها الأوراق الأولى من مكانها بفعل الريح الذي هب على الغرفة من خلال النوافذ العلوية الصغيرة. كانت المرارة التي تتولد يوما بعد يوم من عدم قدرته على إعطاء قلمه الحرب التي يتعطش إليها تدفعه تدريجيا إلى تبني نمط جديد من السلوك لم يكن يعهده في نفسه من قبل، عدم الاكتراث. عدم الاكتراث بالأوراق أولا، بالقلم ثانيا، بغرفة الكتابة ثالثا، بالمنزل رابعا و بنفسه خامسا. لم يعد يكترث لأي شيء. ذلك لأن المرء حين يقع في حالة العجز عن الحركة يفقد بالضرورة شهية الحياة. هذا ما يفسر عدم تغييره لملابسه. واقف أمام الستائر بلباس النوم الذي لا يفارق جثته طوال اليوم. يضع يديه في جيب البيجامة كرجل كهل يتأمل ما مضى من العمر. يخرج علبة السجائر و الولاعة ثم يبادر إلى إشعال سيجارة. هكذا يبدأ يومه، بالسيجارة الأولى التي ما إن تشتعل حتى تسقط باقي السجائر تباعا كما يسقط جنود جيش ضعيف أمام قوة نارية مهولة. الدخان الذي يتصاعد بقوة في الفضاء من أثر النفس المسعور الذي يدخن به يجعله بعد زمن قصير يجلس على الكرسي المقابل للنافذة كي ينهي يومه عليه. لم يجلس هذه المرة. فضل البقاء واقفا و كأنه يحاول أن يثبت لنفسه أنه مازال قادرا على الصمود. و لكن، الصمود في وجه ماذا ؟ في وجه الفراغ الذي له على الروح نفس الأثر الذي يصنعه ماء النار.

هو يوم الأحد. الساعة المعلقة على الحائط تشير إلى تمام منتصف النهار. كالمصلوب جسده ممدد على سرير النوم الذي يتوسط الغرفة الصغيرة وسط فوضى عارمة اختلطت فيها كتب بملابس متسخة و أوراق كثيرة متناثرة، بعضها مكتوبة و بعضها الأخرى مازالت بيضاء. لا يفعل أي شيء سوى التحديق في عقارب الساعة. فكره مشغول بعمل جديد، مسرحية هذه المرة و ليست قصة أو قصيدة كما تعود على ذلك. مشروع جديد و إن اكتفى بمجرد مشهد واحد بدل الانكباب على كتابة فصول طويلة. لكن هاجسا داخليا كان يلح عليه بأن هناك شيئا ما بالغ الأهمية ينقص مشروعه. و لأنه لا يعرف ما هو بالضبط فإنه رمى بأوراقه بعيدا عنه لعل غياب الكلمات عن أنظاره يساعده على انتظام الأفكار و وضوح الصورة في ذهنه.

مسرحية من مشهد واحد بعنوان : “الكتف و النياشين”

العنوان مؤقت، لكنه نهائي !!!

(رجل نحيف البنية، أشعث الشعر و يجلل وجهه شارب كثيف يدخل إلى خشبة المسرح بملابسه الداخلية، فقط قميص و سروال قطنيين. يتوقف قليلا و هو يتحسس مكانه ثم يقترب بخطوات حذرة من ماسكة الملابس الخشبية التي تتوسط الخشبة تحت بؤرة ضوء قوية، معلقة عليها بذلة عسكرية. ينحني على البذلة متأملا النياشين التي تلمع على كتفيها. يمد يده نحو النياشين ثم يعدل عن الفكرة. يقف وقفة عسكرية منضبطة بعد أن استدار نحو الجمهور، حافي القدمين.) أنا جندي. هذه مهنتي. منذ أن بدأت أعي بنفسي لم أعرف مهنة أخرى غير التي مارستها بحزم و انضباط طوال سنوات عمري. أفتخر بملفي الذي يلمع. ليست فيه ملاحظة واحدة أو أي لفت نظر يوسخه. (صمت.) النظافة قاعدة مقدسة في الجيش. (صمت.) حتى حين تكون هناك حرب على الجندي أن يعتني دائما بنظافته. غير أن الأولويات يطرأ عليها بعض التعديل. نظافة السلاح تسبق نظافة الجسد. نعم، إذا لم يعتن الجندي بنظافة سلاحه قد تستعصي الرصاصة على الخروج فينفجر السلاح في وجهك. (صمت.) أنا لم أحارب قط في حياتي. لم أنل يوما هذا الشرف. من سبقوني وحدهم اللذين حاربوا. سادتنا القدامى هم اللذين كان لهم الشرف في استخدام السلاح و محاربة العدو. (صمت.) كنا نحن الشباب نجتمع بهم كل ليلة ليرووا لنا قصصهم في جبهات المعارك. كانوا يبدون في البداية ممتلئين بالحماس ثم سرعان ما تصير نبرتهم طافحة بإحساس عميق بالخيبة و المرارة. (صمت.) ليس مطلوبا من الجندي أن يفهم بل أن ينفذ الأوامر. (صمت.) و هذا في حد ذاته ليس عيبا. فقبل الفلاسفة كان هناك الجنود، و قبل الإدارة و الشركات حمل الإنسان السلاح و ذهب إلى الحرب. (صمت.) نحن الجنود أول من عمر الأرض. (صمت.) العلم المؤسس للبشرية هو الحرب. (يستدير نحو البذلة. ينظر إليها مليا ثم يعود للنظر إلى الجمهور.) هناك لحظة لا يمكن لأي جندي أن ينساها في حياته، يوم دخوله الخدمة العسكرية. هذا اليوم يعتبر بمثابة ولادة ثانية. مازلت أذكر اليوم الذي أرسلني فيه أبي إلى الجيش. لن أستطيع أن أنسى ذلك اليوم ما حييت. (صمت.) كان ذلك في يوم عيد. قال لي أرسلك يا بني إلى الجيش كي تصير رجلا. لم أقل شيئا و بقيت صامتا أمامه. استطرد بنبرة حادة ألا تريد أن تكون رجلا ؟ أجبته بلا و دخلت الجيش. (صمت.) بعد ذلك، أدركت أن أبي إنما أخذ ذلك القرار فكي يضمن لي مستقبلي. لكن الحقيقة تختفي دائما وراء الكلمات و قد عرفتها عند أول عشاء ساخن أكلته في الثكنة. أرسلني أبي إلى الجيش ليوفر وجبتي من الطعام. (يعانق بسرعة البذلة بحرارة مغمضا عينيه. بعد قليل، يرفع يديه عنها و هو يتأمل و يصحح الطيات التي سببتها معانقته.) أنا فقير. أسرتي فقيرة. و اليوم الذي كنا نفوز فيه بوجبة عشاء لائقة كنا نعتبره عيدا. قليلة هي الأعياد في حياتي، خصوصا قبل أن أصبح جنديا. لأنني بعد ذلك صرت أحفظ تواريخ الأعياد عن ظهر قلب. (صمت.) كان أبي يعطيني بيضة مسلوقة باردة متحجرة و يقول لي هذا هو عشاؤك. (يمد يده اليمنى إلى الأمام متظاهرا بإمساك البيضة ثم يجمع أصابعه حتى تشكل قبضة.) كنت آخذ البيضة و أعصرها في يدي حتى تنكسر. صلابتها التي كنت أحطمها من الغضب كانت تكفيني كي أشبع و أنام هانئا. (صمت.) لكنني لم أكن أبدا أستطيع النوم، كنت دائم التفكير. كنت أفكر في أشياء كثيرة دفعة واحدة. حين دخلت الخدمة العسكرية منعونا من التفكير فارتحت. (صمت.)الحياة بسيطة في الجيش: تنام، تستيقظ، تأكل، تعمل، تأكل، تعمل، تأكل ثم تنام. تعيش بلا أعداء، تعيش بلا خوف. (صمت.) يوم التحقنا بالخدمة قالوا لنا إننا الدرع الواقي و السيف الرادع ضد العدو. خفنا يومها كثيرا. (صمت.) لكن مع مرور الزمن، اختفى الخوف من العدو و صرنا نخاف أكثر على نظافة ملفنا. عدونا الحقيقي هو أنفسنا. (صمت.) عند طلوع كل يوم كانت في رؤوسنا فكرة واحدة : إنهاء اليوم دون خطأ يحسب علينا فيعطل تقدمنا في الرتبة. (صمت. يتوجه نحو البذلة و يدور حولها. يجر قطعة من قميصه القطني ليمسح بها النياشين بعد أن ينفخ عليها أنفاسا حارة.) هذه البذلة هي كل ما أملك في حياتي. هي ثروتي الوحيدة. ليست لدي ثروة مالية. ليست لدي عائلة. لم أتزوج و بالطبع لم أنجب أبناء. وحيد. ولدت وحيدا و سأموت وحيدا. مستعد في كل وقت للذهاب إلى الحرب و قتل العدو الذي سيكون بدوره وحيدا. (يتظاهر بحمل سلاح على كتفه ثم يمشي و يجيء فوق الخشبة أمام البذلة بخطى عسكرية واسعة.) احتراماتي سيدي القائد. (يتوقف عن الاستعراض. ينظر إلى البذلة. ينزل يديه حتى تلتصق بفخذيه. يجلس بعد ذلك على خشبة المسرح.) يكون دوما قائدك الذي يعطيك الأوامر أعلى رتبة منك. حين تقف أمامه لأول مرة تكون لا ترغب إلا في شيء واحد، هو أن تكون مثله. بعد كل هذه السنوات التي مرت لم أكن يوما أنا. (صمت.) فرحت كثيرا يوم لبست البذلة العسكرية. (يضع كوعيه على ركبتيه و يرتكز وجهه بيديه.) تفرح فقط في اليوم الأول لأنه فيما بعد تصير البذلة هي التي تلبسك. (صمت.) تصل إلى هذه الحقيقة حين تقضي حياتك في ثكنة تنفذ الأوامر بحركة ميكانيكية من يديك و رجليك. (صمت.) الجنود لا ينظرون إلى بعضهم البعض، بل ينظرون إلى الأكتاف. أقصد النياشين الموضوعة فوق الأكتاف. (صمت.) النياشين هي التي تحدد إن كان عليك أن تلقي التحية العسكرية أم تنتظر لتتلقاها. بعد التحية لا يهم الوجه. الجنود لا وجوه لهم (صمت.) لا نعرف قيمة الوجوه إلا حين نخرج في رخصة. نضيع وسط الناس كباقي الناس. كل أسبوع، ننتظر الرخصة لنخرج إلى الشارع نتجول في الزحام. نجمع الوجوه. نشعر بتلك اللذة الغريبة بأنك مثل الآخرين مع الاحتفاظ بالامتياز الذي نملكه على بقية الناس ألا و هو طبيعة مهنتنا التي أعدتنا للموت. (صمت.) في بعض الأحيان، كان يخيل إلينا أن كل هؤلاء الناس هم مجرد أشباح و أننا وحدنا الناس الحقيقيون. (يقف متوجها إلى حافة الخشبة و هو يفتح ذراعيه واسعا.) وجوه و أضواء و ضجيج لا تتوقف عن السير أو الدوران. مرات كثيرة كنت أفتح ذراعي حين أقترب من الناس لا لشيء سوى لأتحقق إن كانوا فعلا حقيقيين أم مجرد أشباح. (صمت.) أذكر في إحدى المرات أنني مددت يدي فلمست امرأة. استدارت نحوي متفاجئة. أنا أيضا تفاجأت. فاجأتني نظرتها الحادة. بقيت متسمرة في مكانها قبل أن تسألني “ماذا تريد ؟” طلبت منها كم الساعة. أجابتني بسرعة قلقة ثم انصرفت. انصرفت دون أن أشكرها و دون أن أطلب منها السماح. لا شكر في الجيش و لا اعتذار كذلك. (صمت.) الجيش دائما على حق، هو البند الأول من النظام العسكري. (يقترب من البذلة.) النظام العسكري. نعم. الجيش دائما على حق. (صمت.) أمر طبيعي. النظام الذي تم تصميمه كي يذهب إلى الموت لا يمكن أن يكون إلا على حق. الموت حق. الموت حقيقة. كيف يمكن للموت أن يخطيء ؟ لا يمكن. مستحيل. (صمت.) الخطأ اختصاص حصري للحياة. (يغادر خشبة المسرح بهيأة منهزمة مطأطيء الرأس و هو يردد حتى يغيب وراء الستار.) الخطأ اختصاص حصري للحياة. الخطأ اختصاص حصري للحياة. الخطأ اختصاص حصري للحياة. (ظلام)

 

(٨)

لا شيء في الروح

 

تعلن مصلحة الأرصاد الجوية عبر أمواج الإذاعة أن موجة من الحر ستجتاح البلاد ابتداء من يوم الغد و لا يعرف إلى متى ستستمر. سمع هذا النبأ من الراديو المعلق فوق النافذة الصغيرة و الذي يحرص دوما على تركه مشغلا لمؤانسته و كذلك ليبقى على اتصال دائم بالعالم الخارجي. رغم أنه يعتقد أن العالم مفهوم مجرد لأن الإنسان في نهاية المطاف يولد وحيدا و يموت وحيدا يحب أن يبقى صوت الراديو دائم الحضور في هذا الفضاء الذي حبس نفسه داخله عن طواعية. لم يحرك ساكنا حين سمع النبأ بل استمر في النظر إلى عقارب الساعة و هو يحسب في نفسه عدد الثواني قبل أن يمر العقرب إلى الدقيقة الموالية. لاحظ أنه في بعض المرات يعد الثواني بسرعة و في مرات أخرى ببطء، لكن أبدا لا يستطيع ضبط أنفاسه على حركة عقارب الساعة. لأن الغرفة تقع في عمارة قديمة مبنية على الطراز الفرنسي فإن النافذة الصغيرة نالت من الطول ما فقدته عرضا. كل نافذة تحتوي على ست مربعات صغيرة تجعل الشمس دوما وفية لموعدها مع زوايا الغرفة. شعاع يمر أمام عينيه كأنه سيف ضوئي يخترق الفراغ مركزا عناصر الدخان التي تتكشف له بوضوح. لا يدري إن كان بسبب الغبار لأنه قد مضى زمن طويل لم يغسل أرضية الغرفة أو هو دخان السجائر الذي يتصاعد كسولا متثاقلا من المنفضة الممتلئة و الموضوعة فوق رزمة كتب تكاد تنهار لعدم انتظامها. هرب بعينيه من الساعة ليحدق في السقف. هو أيضا متسخ. فكر في التحذير الذي بثته الإذاعة بخصوص الأشخاص المصابين بأمراض قلبية أو تنفسية و ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة لتفادي أشعة الشمس. بمعنى آخر، عليهم أن يبقوا في الظل يعدون دقات قلبهم كما يعد هو عقارب الساعة حتى تتوقف.

لَيْسَ الإِنْسَانُ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الحَرَكَةِ بَلِ المَوْقِفُ !!!

لِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى المَرْءِ أَنْ يَهْرُبَ دُونَ صُوفَةٍ تَحْجُبُ عَوْرَتَهُ.

إِذْ لا يَصِيرُ الإِنْسَانُ حُرّاً إِلاَّ إِذَا أَحْرَقَ الذَّبَائِحَ الَّتِي تَتَعَفَّنُ

دَاخِلَ رَأْسِهِ. آنَذَاكَ، يَخِفُّ وَزْنُ الجَسَدِ وَ يَصِيرُ الشِّعْرُ أَيْسَرَ.

الواحدة بعد الزوال. في الحانة. هي حانة بلا اسم و لا إنارة. كان جالسا وحيدا يشرب كأس ويسكي              و به قطع ثلج تذوب بسرعة. لا يحب الجعة لأنه تسبب له الانتفاخ و تجبره على الذهاب إلى المرحاض أكثر من مرة. لقد كذبت الإذاعة. موجة الحر ابتدأت اليوم. تأمل الثلج يذوب بعينين ذابلتين. استرعى انتباهه أن الذوبان يرفع منسوب المشروب في الكأس. أشعل سيجارة. على يمينه صديقان يشربان الجعة و يتحدثان. هو ليس من المتطفلين أو المهووسين بالتجسس على الآخرين. كل ما في الأمر أن صوتهما كان مرتفعا إلى درجة أنه كان يشعر بأن طبلة أذنه لا تستطيع صد تردده المرتفع. في هذا الحر الخانق تصير شهية النساء للجنس مفتوحة، لا أفهم لماذا ؟ مسألة هرمونات. و نحن الرجال أليس لدينا هرمونات ؟ المسألة عند النساء أكثر تعقيدا. كيف ؟ النساء ورود برية لا تتفتح و يعبق عطرها إلا تحت الشمس الحارقة. رمى نظرة إلى المقهى المقابل للحانة فرأى سائحة أجنبية بلباس خفيف موضوع على مائدتها كأس عصير البرتقال. ترفع رأسها إلى أعلى و كأنها تستمتع بحمام أشعة الشمس. هي شقراء و بشرتها ناصعة البياض احمر لونها من أثر الشمس. هي كذلك كانت جالسة لوحدها تضع رجلا فوق رجل مما سمح له برؤية نعومة رجليها اللتين أخذتا تلمعان بشكل غريب. شرب كأسه إلى النصف دون أن يفارق نظره هذه القطعة الفنية التي تتنفس شهوة. مررت يدها اليسرى على رقبتها ثم سحبتها على طول جادها الرفيع حتى إذا بلغت ما بين نهديها تناولت كأس العصير و رشفت منه رشفتين متتابعتين. في هذه اللحظة، أنزلت رجلها اليمنى من على اليسرى و تركت رجليها مفتوحتين قليلا و هي متكئة على ظهر الكرسي بطريقة تنم عن حالة ارتخاء شامل. بقي رأسها مرفوعا في مواجهة قرص الشمس. تركز كل تفكيره في هذه المرأة التي ما إن فتحت رجليها قليلا مرة أخرى حتى تراءى له تبانها الأبيض. تسمر في مكانه و شرب ما تبقى في كأسه دفعة واحدة قبل أن يطلب كأسا آخر. أشعل سيجارة أخرى. بدأت يده تتعرق. لم ينزعج. أخذ الولاعة في راحة يده و صار يمرر أصابعه عليها و عينه مركزة في تبانها الجميل. هي واحدة من تقنيات صناعة المتعة بالمجهودات الذاتية. بعد فترة قصيرة، حدث له انتصاب. فرح لأنه تأكد بأنه مازال رجلا منتجا. لكن في الوقت نفسه فكر بأنها فرحة ليس مقدر لها أن تكتمل. يحتاج الرجل دوما إلى جسد امرأة أما أن يبقى هكذا فلا شك أنه سينتهي به الأمر مهووسا جنسيا. أرجأ التفكير في هذا الموضوع و قرر أن يستهلك لحظة المتعة هاته إلى آخر وحدة حرارية في جسده. في مثل هذه المواقف، كثرة التفكير تصيب الرجل بالعطل. جاءه الكأس الثاني في الوقت الذي لمحت فيه عينه وردة صغيرة تزين تبانها. كانت وردة مطروزة على الجانب الأيمن. أغمض عينيه فانتابته رعشة لذيذة زحفت على طول ظهره. حين فتح عينيه وجد المرأة قد قامت من مكانها و انصرفت لحالها.

لا شيء في الشارع يسترعي الانتباه ما عدا فيالق الطلبة المعطلين الذين يستعدون للمظاهرة حول شجرة عجوز يستظلون بظلها. ترتيبات أمنية منتشرة كالعادة في مختلف مناطق الشارع الحساسة. على أهبة الاستعداد. توقف أمام شباك أوتوماتيكي ليس لسحب بعض المال و لكن ليراقب ما سيحدث. طال انتظاره. شعر بالملل قد تسلل إلى أعماق قلبه. و بما أنه لا يحب الملل و يعتبره من أخطر أنواع السموم أكمل سيره لا يعرف إلى أين. و لكن قبل ذلك، سحب بعض المال. هي الفكرة الوحيدة التي وجدها ذات جدوى. من بين مميزات شخصيته هو حرصه على أن تكون محفظته الجيبية ممتلئة على الدوام بالأوراق النقدية. هذا يمنحه شعورا بالأمان في مختلف تحركاته. المال يمنحه الشجاعة التي تميز كل رجل يستحق أن يسمى رجلا. مشى طول الشارع تحت الشمس و هو يفكر في أمر المظاهرة. الغضب الذي يبحث عن الظل و ينتظر غروب الشمس لينفجر لا يمكن أبدا أن ينجح. الغضب الحقيقي الذي يغير الأشياء هو ذاك الذي لا يخاف الشمس. الغضب هو الشمس. هل تخاف الشمس الشمس ؟ كان إسكندر الأكبر يقول إن الأرض لا تحتمل شمسين. غير أنه يرى الأمر من منظور آخر. هو يعتقد أن الشمس لا أهمية لها على الإطلاق لأن كل واحد يضم شمسا في قلبه بمقدورها إحراق كل الأرض و ما عليها. لكن، مادام الجبن صار عملة رائجة هذه الأيام و النذالة شريعة البهائم التي تمشي على اثنين فقد أطفؤوا الشمس التي كانت تنير وجوههم إلا هو فاستكبر على القطيع. هرب. حافظ على شمسه مشتعلة بين أضلاعه حتى أحرقت حلمه. الجنون هو الرماد الذي يبقى بعد احتراق الحلم و كلما كان الحلم كبيرا كلما كان الرماد كثيفا. مشى حتى بلغ محطة القطار. توقف طويلا وسط أمواج الركاب الذاهبين و الآتين ينظر إلى لوحة المواقيت و الوجهات. لأنه كاتب يحمل دائما معه حقيبة جلدية صغيرة يعلقها على كتفه اليمنى. كان ينظر إلى اللوحة الإلكترونية الكبيرة دون أن تكون له الرغبة في السفر إلى أي مكان. أخرج مسجلته الصوتية و أشعلها. كان يرغب في تسجيل أكبر كتلة صوتية ممكنة لعله يجد فيها ما يفك عقدة يده و يهبه موضوعا جديدا للكتابة. تستفيد المحطة من برودة نسبية. ربما هو الرخام ما يمنحها هذه البرودة. لكنه كان يظن أن السبب يرجع إلى الطبيعة الوظيفية للمحطة : المغادرة. لا تأتي الحرارة إلا من الاستقرار في المكان. وحدهم الذين يغادرون من يشعرون بالبرودة حتى و إن كان السفر في يوم ساخن. سجل هذا الكلام بصوته. فكر في أن يمسحه. تردد. ترك الكلام بالرغم من أنه اعتبره محض هذيان. أجمل ما في الكاتب لحظات هذيانه. الهذيان هو موطن الحقيقة في أبشع ألوانها يستمد جذوره من تشوهات ذهنية تشهد على ليال تمزق أوصال الوجود إلى قطع مجهرية متعفنة لا رابط منطقي بينها إلا العجز عن الكتابة. لهذا السبب يحمل معه مسجلته الصوتية. لا يعرف أبدا الكاتب متى يأتيه الوحي. يشتغل الصوت و تتجلى فائدته حين تعجز اليد و تصاب شرايينها بالشلل. كان بالكاد يستطيع الوقوف. لم يعرف إن كان ذلك بسبب الويسكي أم بسبب ضربة الشمس التي لم يتفادها في سيره أم هما معا. فكر في أن يسافر إلى مدينة ينعزل فيها. من الأفضل أن تكون مدينة بحرية لم يزرها من قبل و لم يسمع عنها في الإذاعة. تلفزته غير مشغلة على الدوام. ليست لأنها معطلة و لكن لأنه فضل أن يسحب منها التيار الكهربائي و يتركها منطفئة، منطفئة إلى الأبد. الأمر الذي يسمح له بأن يوفر من استهلاك الكهرباء. و لكن السبب الحقيقي وراء اختياره هذا هو اعتقاده أن الكاتب الحقيقي عليه ألا يدمن مشاهدة التلفاز. الصورة تقتل الكلمة و إدمان الكتابة لوحده يكفي. الكتابة مخدر صلب.

دخل إلى مرحاض المحطة على وجه السرعة. أغلق عليه الباب بإحكام. لم يكن هناك أناس كثيرون ينتظرون دورهم للدخول. كان هناك فقط رجل مسن يمشي بصعوبة بالغة فاتحا رجليه كأنه يحاول ضبط المسافة المطلوبة بينهما لحفظ توازنه. حين تأكد بأن لا أحد في المرحاض فتح أزرار سرواله استعدادا لممارسة عادته السرية. كان خياله يشتعل بصورة امرأة عارية تماما، تلك المرأة التي رأى تبانها. تخيل، بعد أن أغمض عينيه حالما، أنه قام من مقعده في الحانة و قطع الطريق حتى إذا وصل إليها انحنى على ركبتيه أمامها و أدخل رأسه بين فخذيها. فكر في قرارة نفسه أن فرجها يبعث مؤكدا عطرا بوسعه إرجاع الروح للأموات. تخيل أيضا أن فرجها محلوق بعناية فائقة أو هناك فقط بعض الشعر الأشقر الخفيف يمتد فوقه مما يجعله تحفة فنية تدفع الرجل إلى لعنة العالم بأسره. لا يحتاج الرجل في حياته البئيسة إلا إلى امرأة واحدة، و لكن ليس أية امرأة. امرأة مثل هذه. لا، ليست مثل هذه. هذه المرأة بعينها. يلحس فرجها بعد أن يزيح تبانها قليلا إلى اليمين و هو يضع عليه بين الفينة و الأخرى قبلات حارة. يتوقف لبرهة كي يعطي الشهوة فرصة الاشتعال أكثر. يمص شفتي فرجها محاولا استخلاص عذوبة هذه الفتحة الواعدة كواحة ضائعة وسط صحراء مترامية الأطراف. لا يشك و لو للحظة واحدة أن فرجها من النوع الصغير المختبيء داخلا كمحارة خليجية تحوي لؤلؤة نادرة. بدأت يده تسرع في الحركة. حرارته ترتفع بطريقة يصعب عليه السيطرة عليها فلم يجد من حل سوى خفض السرعة قصد إطالة أمد المتعة. تخيل أنه ينكحها في الشارع أمام المارة الذين يبدون امتعاضهم و يشتمونه باصقين على جهته. لا يهتم لأمرهم و يواصل عمله الذي يبدو أنه ينال كل رضى المرأة التي تتلوى بكامل جسدها على الكرسي كأفعى تحت أشعة الشمس من أثر اللذة الملتهبة. توقف قليلا عن الحركة ليصنع صورة في خياله تمنحه قوة دافعة لمواصلة فتحه المبين فتخيل أن رجال الشرطة يمرون من أمامه و يقولون له بصوت مشجع رافعين إبهمهم إلى أعلى من الإعجاب : “أنت رجل.” لم يحصل له القذف إلا حين هوى شرطي بعصاه على أحد المتظاهرين الذي تعثر أمامه فسقط أرضا. اتكأ على الحائط بجبهته و أخذ نفسا عميقا كمن انتهى لتوه من صراع شرس. استهلك البطارية الشهوانية و كعادته في مثل هذه المواقف، توجه تلقائيا إلى البحر.

وقف على صخرة كبيرة في مواجهة البحر. كان واقفا يتمايل إلى الأمام و الخلف كأنه سيلقي بنفسه في عمقه. كانت الأمواج قوية تتكسر على الصخرة. تبلل قليلا من أسفل السروال ثم سرعان ما جاءت موجة كبيرة ارتطمت به فبللته كاملا. لم تنكسر الموجة على الصخرة و إنما عليه لأنه هو الصخرة. تبللت كل أغراضه إلا علبة السجائر فبقيت سليمة لم يتسلل الماء إليها. جلس على الصخرة. حدق في السماء فوجد الشفق في أوج حمرته و كأنها ساحة معركة تجللها دماء من سقطوا. أراد أن يشهد الغروب التام للشمس. غربت الشمس فبدأت العتمة تزحف شيئا فشيئا إلى أن صار الظلام دامسا. أدرك أن عليه الذهاب الآن، لكن ليس إلى البيت. سيقضي الليلة في فندق صغير يطل على وسط المدينة. نسي أن يحضر معه أوراقه. لا يهم، فقد أحضر مسجلته الصوتية. من المحتمل ألا ينام الليلة. سيتكيء على شرفة النافذة يراقب عن كثب كل ما يجري و يسجل صوتيا ما يستحق أن يأخذ مكانه في فقرة ما من قصة ما عن موضوع ما. لحسن الحظ أن مسجلته محفوظة في غلاف بلاستيكي و إلا لقضى الماء عليها و أخرس صوتها غرقا. تذكر شيئا مهما، آلته المصورة التي لم يحملها معه. قد تكون هناك مناظر أو مشاهد إنسانية تستحق التصوير فتكون بداية قصة أو رواية كاملة، لم لا ؟ فأقوى التعابير تلك التي تمر كل يوم أمام الأعين دون أن يعيرها أحد أدنى اهتمام. هذا هو فضل الكاتب على بقية الناس. الكاتب يلتقط اللامرئي الذي يختبيء في المرئي. الباقي مجرد تقنيات و تفاصيل يتم تطويرها بالوصف أو بالسرد. فكر أن يشتري بعض الأوراق في طريقه إلى الفندق لكنه عدل عن الفكرة لأنه كان يشعر بتعب شديد يسيطر على أطرافه و أيضا بعجز مسموم يشل أصابع يده. الصوت يكفي. لم يرغب في الذهاب إلى البيت بل فضل أن يتوجه إلى الفندق الذي نزل فيه أول ليلة جاء فيها إلى هذه المدينة. تعجب موظف الاستقبالات حين رآه يقطر ماء لكنه لم يجرؤ على طرح أي سؤال عليه. تجمد في مكانه و وقف حين قال له إنه يريد غرفة. مد له المفتاح و كأنه يستجيب لأمر مبطن أصدرته عينه التي كساها التعب مسحة من الحدة لا يمكن مقاومتها. أخذ المفتاح و صعد إلى الغرفة دون أن يقول له أي شيء. ارتمى على الفراش بملابسه المبللة قصد أخذ قسط من الراحة استعدادا للمهمة التي تنتظره هذه الليلة. كانت الأصوات المختلطة في الشارع تتجمع في كتلة واحدة غير متجانسة تشق طريقها عبر الممر الضيق لأذنه فإذا صارت حبيسة رأسه أغمض عينيه محاولا فك رموزها و باحثا عن خيوط ظاهرة أو خفية تربط بينها. غلبه النوم و لم يستفق إلا عند الفجر. هرع إلى النافذة فلم يجد سوى العدم. انتظر قليلا لعل شيئا هاما يتجلى. لا شيء. أغلق النافذة. جر الستارة السوداء السميكة. عاد إلى الفراش يتقلب على جانبيه لما يناهز الساعة أو الساعتين بحثا عن النوم. أشعل مسجلته لكنه لم يقل شيئا. لم يسجل و لو كلمة واحدة. كان يفكر في صمت. كان يفكر في لا شيء.

 

 

(٩)

عطش يرتوي من السراب

 

حِينَ أَدْخُلُ إِلَى المِرْحَاضِ آخُذُ دَوْماً مَعِي تُفَّاحَةً

صَفْرَاءَ أَوْ خَضْرَاءَ أَوْ حَمْرَاءَ، لا يَهُمُّ. أُقَلِّبُهَا فِي يَدِي، أُمْعِنُ النَّظَرَ فِيهَا

وَ أَتَأَمَّلُ فِي أَدَقِّ تَفَاصِيلِهَا لَعَلَّنِي أَعْرِفُ لِمَاذَا كَانَتْ سَبَبَ

لَعْنَةِ آدَم. لا أَعْرِفُ الجَوَابَ إِلا حِينَ تَتَصَاعَدُ الرَّائِحَةُ الكَرِيهَةُ.

حين بدأ يفكر بارتياد الحانات و الملاهي الليلية لم تكن في نيته التعرف على نساء جديدات أو إقامة علاقة مع إحدى الغواني اللواتي يؤثثن فضاء هذه الصناعة المزدهرة ألا و هي الشهوة. كان قد انقطع عنه وحيه فعاد غير قادر على كتابة و لو سطر واحد في اليوم. ظن أنه ربما بتغيير المكان و مغادرة الجدران الأربعة التي يحبس نفسه داخلها سيتأتى له الوقوع على مواضيع جديدة و اصطياد مواقف و حالات إنسانية تفك عقدة عقله و يده. في البداية، قاوم هذا العجز الذي اجتاحه دون سابق إشعار. لكن سرعان ما بدأت أفكار سوداوية تعشش في رأسه و تنسج خيوطها في فكره كعنكبوت سمين إلى أن صار يشعر أن كل جسده لم تعد له أية وظيفة إبداعية. يضع أمام رأسه علبة أوراق بيضاء. يداعبها لساعات طويلة كأنها امرأة شبقية تتمنع قصد إعطاء الرغبة فرصا أكبر للانفجار الجارف. لا يحدث أي انفجار. لا يحدث أي شيء. يبقى في هذه الحالة التي تنعدم فيها قوانين الجاذبية إلى أن يؤلمه رأسه. رغم أنه اختار أن يعيش وحيدا في هذه الغرفة الجميلة إلا أن هناك من يتقاسم معه فضاء هذا الفراغ الذي لا يعد بأي شيء : صداع الرأس. في الأول كان يأتي و يذهب كضيف خفيف. فيما بعد، أعجبه المكان و طاب له المقام فاستقر فيه نهائيا. يقوم من فراشه عاريا كليا كعادته حين يكون يفكر في قصة جديدة. يتوجه إلى المطبخ الصغير بعد أن فتح درج مكتبه الصغير و أخذ حبة (أسبرين). ينحني على الثلاجة ليفتحها. فارغة. وحده الضباب البارد يملؤها. يخرج قنينة ماء باردة. يضعها على وجهه فيغمره إحساس جميل يشبه الخلاص إذا انفتح بابه بعد رحلة ضياع طويلة في صحراء قاحلة. يتأوه من أعماق قلبه قبل أن يسكب كوبا ليذيب فيه (الأسبرين). يتأمل بعينيه الفارغتين فوران القرص و كيف يقاوم نداء الأعالي إلى أن ينعدم وزنه فيصعد إلى السطح. جوانبه تتحلل بفعل الهجمة الشرسة للماء. حين يتأكد أن الفوران قد انتهى يشرب كوبه دفعة واحدة. تعلق بحنجرته المرارة فتنقبض تفاصيل وجهه محاولا بلعها. يشرب و هو يفكر في عدوه الحقيقي الذي يدفعه إلى التفسخ بهذا الشكل القاهر دون أن يمتلك القدرة على الدفاع أو الرد.لم يعرف لماذا. بل و لم يجد حتى بعض عناصر الإجابة التي بإمكانها أن تنير له الطريق إلى واحة تطمئن فيها روحه. عاد إلى فراشه بخطى متثاقلة و كأن جسده لم يعد يحتمل وزن عظامه. يجر قدميه فقط لأنهما اعتادا على الممر الرابط بين الفراش و الثلاجة. ينهار كتلة واحدة على جانب الفراش. يشعل سيجارة و يسقط رمادها مباشرة على الأرض رغم أن المنفضة الخزفية تقع قرب رأسه، فوق مكتبه الصغير الملتصق بالفراش. ليست له لا الرغبة و لا الإرادة في أن يطفيء سيجارته في مكانها الطبيعي لسبب بسيط هو حين يقزم الوجود الجسد إلى أن يصير مجموعة وظائف بدائية كالذهاب إلى المرحاض و التدخين و شرب الأسبرين تتحول الإرادة إلى مجرد مفهوم فلسفي غامض.

أخذ حماما ساخنا أعاد الدفء لشرايينه. حلق لحيته الكثيفة التي تشهد على رجل هجر الإنسانية و قرر العودة إلى أصوله الحيوانية. تعطر. أخرج من حقيبته الموضوعة وراء الباب أجمل ملابسه. أكثر من ذلك، ترك حذاءه البالي يستريح و انتعل حذاء جديدا كان مازال محفوظا في علبته. كان قد اشتراه قبل أكثر من سنة و خبأه لمناسبة تليق بكل ما هو جديد. و قد حانت هذه المناسبة. لأول مرة في حياته سيذهب إلى ملهى ليلي. و بعيدا عن الصور النمطية التي تصور هذا المكان كفضاء يتجمع فيه فقط البؤساء و المهزومون، الملهى الليلي، على العكس من ذلك، مكان محترم يلتقي فيه أناس محترمون، يشربون شرابا محترما و النساء فيه حتى و إن كن عاهرات فهن أيضا محترمات. لذلك يتوجب على من أراد اكتشاف هذا العالم أن يبدو بمظهر محترم. وقف طويلا أمام المرآة يبحث عن أصغر عيب فيه أو في هندامه. لم يجد أي شيء يستحق التعديل. جلس على كرسيه الهزاز و أشعل سيجارة كاستعداد نفسي من قبله و لما انتهى من التدخين خرج.

وقف أمام باب الملهى الذي اختاره لموقعه البعيد عن منزله و مقر عمله حتى لا يصادف أي أحد يعرفه فينغص عليه ليلته و يضيع عليه أجر المجتهد و لذة الاكتشاف، إذ أحسن طريقة لمعرفة عالم ما هو أن يضيع المرء فيه. و لم يفته أن يترك سيارته مركونة أمام البيت و يستقل سيارة أجرة كأي إنسان عادي. نعم، فالأمر يتعلق بعالم له قوانينه الخاصة التي تحكمه و الداخل إليه عليه أن يقبل مع نفسه الخضوع لأحكام الرموز التي تضبط سلوك الجالسين و الواقفين. وقف على الجانب الآخر من الرصيف ينظر مشدوها إلى جبلين من العضلات المنفوخة، هما حارسا المعبد و بدون إذنهما لا يمكن الولوج إلى الشهوة. قطع الطريق و هو يستجمع شجاعته.              و حين وصل إليهما لم يتردد و سلم عليهما بثقة بالغة في النفس صورت لهما أنه مسؤول كبير. فتحا له الباب مرحبين به. قبل أن يدخل أشعل سيجارة راقية لم يستطع ابتلاع دخانها لأن الجو كان حارا جدا. كان الهواء ثابتا لا يتحرك مما جعله يشعر بازدحام مزعج في صدره. حاول مرة ثانية أخذ نفس آخر عميق لكن دون جدوى. لم يقدر على ابتلاع الدخان. رمى السيجارة في فتحة بالوعة جنب الرصيف و دخل. فتح الباب في وجهه فصفعته موجة صخب عاتية آتية من قلب الداخل العميق. هو صخب اختلطت فيه الموسيقى بالقهقهات التي تضخم حجم المحادثات الجانبية. سحابة دخان كثيفة تخيم على المكان. الكل هنا يدخن. التدخين طقس أساسي في ديانة الجمع بين الأجساد. جلس في زاوية الملهى كي يتسنى له تتبع كل ما يجري بعين مرتاحة. لم يتأخر النادل في المجيء إليه مرحبا به كزبون جديد بابتسامة ميكانيكية و احترام زائف. كان يحمل في يده قائمة المأكولات و المشروبات التي أعطاها له. بقي واقفا متسمرا أمامه و عينه تحسب ثمن كل قطعة من ملابسه. رد إليه البطاقة طالبا منه قنينة ويسكي لأنه سبق له تناول وجبة العشاء قرب محطة القطار. سجل النادل طلبه على دفتر صغير الحجم مغلف بجلد أسود جميل ثم انصرف. كانت القاعة تموج بأجساد أنثوية كثيرة. لأنه التحق متأخرا نسبيا بالملهى كانت بعض النساء قد شرعن في الرقص بعد فترة من السكون و الثرثرة الغرض منهما إطالة زمن تشويق الحضور و الرفع من قيمة أسهمهن. فالتي تفقد صبرها و تقوم لترقص إنما تكون قد خسرت الحرب النفسية و ينتهي بها المطاف منسية على هامش اللعبة لا يعيرها أحد أي اهتمام. القويات هن أولئك اللواتي يبقين ثابتات في أماكنهن كشمس ذات سطوع حارقة تنتظم حولهن كل الكواكب.

الإنارة الخافتة تمنح تفاصيل الوجوه سحرا غريبا إذ تبدو الحركات و كأنها خطوط أولى للوحة زيتية كبيرة لم تكتمل بعد. أما الشفاه، فتصير تحت العتمة أكثر امتلاء. في الوقت الذي جاء فيه النادل بقنينة الويسكي كانت امرأة بفستان أسود شفاف ظهره عار تتمايل أمامه بكامل جسدها الممتليء على إيقاع موسيقى جاز حزينة. كانت من فصيلة النساء المفعمات بالحياة إلى درجة الهذيان. امرأة مثل هذه تحتاج إلى جرعة من الموت كي يحدث الكاتب التوازن المطلوب لولادة قصة. الكاتب ليس سوى قاتل متسلسل. لكن الأمر يصير مشكلة غاية في التعقيد حين يحب فعلا امرأة ثم يقرر بعد ذلك الكتابة عنها. هنا، تكون الكتابة انتحارا. فيما يخص شؤون الرجال، يقولون إنه يجب دوما البحث عن المرأة. ففي حياة كل رجل تختبيء امرأة كثعلب ماكر. حتى أولئك اللذين لم يعرفوا أبدا امرأة في حياتهم لهم نساؤهم اللواتي يداعبونهن في خلوتهم. فقبل أن تكون جسدا، المرأة صورة جميلة يشكلها كل واحد في خياله حسب الطلب. الجسد في حد ذاته مجرد تفاصيل هامشية يمكن تعديلها في كل آن، و هو كذلك سبب كل المآسي. الجسد أكبر جريمة كاملة.

سمعت لغة الاحترام الزائد التي يتحدث به النادل إلى ضيف المحل الجديد فاستدارت. وجدته يدخن سيجارته بأسلوب راق للغاية و عيناه لا تفارقان تفاصيل جسدها الذي بدأ يأخذ في خياله أشكالا و ألوانا لم يعرفها من قبل. ابتسم لها فردت عليه بمثلها و وجدت في ابتسامته مناسبة للتعرف عليه. كانت تحمل في يدها محفظة جلدية جميلة. أتت إليه بخطى متئدة و كأنها تضبط مشيتها على نوتات الموسيقى حتى إذا وصلت و وقفت قبالته افتتن نظره بهذا الجسم الفارع الطول و المتناسق الحدود. صدرها مكشوف تتدلى عليه سلسلة ذهبية بقلب صغير يختبيء ما بين نهديها. أخرجت علبة سجائرها و طلبت منه أن يشعل لها سيجارتها. رفع ولاعته الموضوعة قرب الويسكي في حين انحنت عليه قليلا. أشعل سيجارتها و هو يتأمل عينيها الواسعتين اللتين ضاقتا قليلا من أثر ابتسامة ناعمة ارتسمت على وجهها. بقيت منحنية و شكرته على لطفه بعد أن نفثت دخان أول نفس في وجهه. دعاها للجلوس معه. فكرت لبرهة قصيرة ثم قبلت. قليلون من يجرؤون على طلب قنينة ويسكي في أيام الأزمة الخانقة هذه. كان الكرسي المقابل له فارغا. جرته ببطء و فضلت الجلوس إلى جانبه بحيث يستطيعا رؤية العرض. تزحزح قليلا من مكانه ليفسح لها المجال فصارا جالسين على نفس المسافة من وسط المائدة. خيم صمت قصير بينهما قبل أن تبادر هي إلى الكلام و تسأله عن اسمه. لم يجبها في الحين. أخذ مهلة للتفكير بحجة أنه ينهي سيجارته فأعطاها اسما خاطئا، ذلك أنه لا يثق بالنساء بتاتا و خصوصا هذه المرأة. هي وردة قوية العطر. لم ينس أن الوردة قبل أن تبدأ في إرسال عطرها فإنها تصبر طويلا على نمو أشواكها. نعم، هي وردة قوية العطر لكن أشواكها أقوى. سألته عن مهنته فأجاب فورا : “كاتب.” جحظت عيناها و توقفت عن التدخين. لاحظ تعجبها فاستطرد قائلا : “نعم.. أنا كاتب.. أكتب قصصا و روايات.” كان لا يستطيع مقاومة هاته الشفاه اللذيذة المرسومة بإتقان. فمها صغير يتخذ شكلا مستديرا تقريبا مما يمنح الشفتين امتلاء من ناحية الوسط. حين تغلق فمها يخيل للمرء أنها ترسل قبلة حارة في الهواء. أعربت عن سعادتها و تشرفها بمعرفة كاتب. سألته عن الأعمال التي صدرت له فقال لها إنه لم ينشر بعد عمله الأول. تضاعفت حيرتها و بدأت تتساءل مع نفسها إن لم يكن مجرد محتال يتلاعب بها. اعتدلت في جلستها و نظرت إليه مقطبة جبينها علامة الجدية التي ستتحدث بها. قالت له بنبرة مباشرة : “أتعرف ما هي مهنتي ؟” صمت و خفض عينيه يفكر في جواب لائق. أجابته : “أنا عاهرة.” صدمته صراحتها حتى بدت على وجهه حمرة الخجل التي لم يستطع السيطرة عليها. واصلت المرأة تقدمها قائلة : “إذن، ما رأيك ؟” لم يكن أبدا يتخيل أن هناك امرأة على وجه الأرض بهذه الصراحة. ظل صامتا. سألته و قد استدارت نحوه لتتسنى لها رؤيته أحسن واضعة رجلا فوق رجل : “لماذا أتيت إلى هنا ؟.. قل لي بصراحة. إياك أن تكون من أولئك الذين لا يحبون النساء.” رد عليها مندفعا لأنه شعر برجولته على المحك : “لا.. لا.. في الحقيقة، جئت إلى هنا لأنني لم أعد أقدر على الكتابة.. أنا أبحث عن قصة.. قصة جديدة.” العفوية التي تكلم بها دفعتها لتصديقه. فكرت في أمره لمهلة و هي تدخن قبل أن تقول له : “ألهذا الحد الكتابة صعبة ؟!!” فتح قنينة الويسكي و سكب كأسا له و آخر لها. غرس أصابعه في إناء الثلج بعصبية بالغة فوضع ثلاثة قطع في كأسه، و سألها إن كانت ترغب في الثلج. أجابته بالنفي بحركة من يدها. شرب كأسه دفعة واحدة و هي تراقبه بعينيها اللتين جحظتا مرة أخرى للطريقة التي أفرغ بها الويسكي في حلقه. وضع الكأس بقوة على المائدة حتى ظنت أنه سينكسر. قال لها و هو يمرر يده على جبهته لمسح العرق الذي بدأ يخونه : “نعم.. الكتابة عذاب أليم لا يشعر به إلا من يرتمي في أحضانها.” كان يشعر و كأن غمامة سوداء تحجب عينيه فمرر يده مرة أخرى عليهما. أخذت ولاعته دون أن تستأذنه و أشعلت سيجارة أخرى. قالت له بنبرة متفلسفة :

“مشكلتكم أنتم الكتاب هي أنكم تحرقون أعصابكم بالتفكير في مواضيع كبيرة في حين تكفي أشياء بسيطة لكتابة قصة.”

“مثل ماذا ؟”

“لا أدري.. خذ مثلا هذه السيجارة.. يمكنك أن تكتب قصة انطلاقا من وصفها. أيمكنك وصف سيجارتي هذه ؟”

“السيجارة.. السيجارة.. حسنا يا سيدتي الجميلة.”

وَحِيدَةٌ مَلعُونَةٌ في عُزْلتِهَا

وَفِيةٌ للمَوعِدِ في زَمَنِ الخيَانَةِ

تَقِفُ إِجْلالاً تَنْتَظِرُ نِدَاءَ المعْرَكَةِ

الَّذِي أَبَداً لا يَدُقُّ طُبُولَهُ فِي زَمَنِ الظَّلامِ

بَيْضَاءَ شَقْرَاءَ مَمْشُوقَةَ القَوَامِ

تَحْتَرِقُ تَضْحِيَةً لِوَعْدِ الرَّجُلِ الَّذِي أَبَداً

لا يَمُوتُ تَنْتَحِرُ شَهْوَةً فِي صَمْتٍ فِي زَمَنِ الضَّجِيجِ.

كَمْ سَاعَةً مِنْ أَعْمَارِ السَّجَائِرِ الشَّقْرَاءِ

يُشْعِلُ دَقَائِقَهَا الرَّجُلُ كَي يُلَوِّنَ حُلْمَهُ

الأبْيَضَ دُخَّاناً حَتَّى إِذَا مَا اسْتَيْقَظَ مِن نَوْمِهِ

وَ رَأَى مِرْآةً سَوْدَاءَ تَعْكِسُ السَّوَادَ فِي السَّوَادِ

تَمَرَّدَ عَلَى سَوَادِهِ وَ انْعِكَاسِ سَوَادِهِ

تَمَرَّدَ عَلَى المِرْآةِ فَأَشْعَلَ سِيجَارَةً أُخْرَى.

“لا !!! حالتك حقا صعبة !.. طلبت منك أن تصف سيجارتي فكتبت عنها قصيدة كاملة ؟!!”

“لتعرفي فقط حجم مأساتي.”

“أنا أحب الرجال مثلك.. في الحقيقة، الرجال مثلك انقرضوا منذ القرن التاسع عشر.”

“و لماذا القرن التاسع عشر بالتحديد ؟”

“لأنه القرن الذي وقعت فيه الثورة الصناعية.”

“و ما العلاقة ؟”

“الصناعة قتلت الرجل.”

أدهشته إجابتها التي استحوذت على كل مناطق فكره. صمت. فجأة، أمسك بذراعها و سألها إن كان بإمكانهما الذهاب الآن. سحبت ذراعها بلطف و هي تسأل قائلة : “كم ستدفع لي ؟” سكب كأسا آخر      و لكن هذه المرة بدون ثلج شربه فقط إلى حد النصف. أجابها : “سأمنحك ما هو أهم من المال.. سأجعلك بطلة قصتي.” انفجرت بضحكة مسرحية رافعة رأسها قليلا إلى أعلى، الأمر الذي زادها غنجا و تألقا. بقيت تضحك و تقهقه مما أثار انتباه كل من كانوا جالسين قربهما. انتظرت حتى تستهلك ضحكتها بالكامل ثم قالت له ساخرة : “بطلة قصتك ؟!! و كيف ستدفع لي أجري ؟.. بحسب عدد الكلمات أم بحسب طول الجملة ؟” قالت العبارة الأخيرة “طول الجملة” و هي ترمي نظرة ماكرة إلى منطقة تحت حزامه. رفع يده مناديا النادل الذي أتى مسرعا. أمسك بذراعها بقوة و تحسس نعومة لحمها. أخرج محفظته و دفع ثمن الويسكي. لمحت أوراقا نقدية كثيرة منتظمة في الجيب الخلفي للمحفظة و سألته متعجبة : “هل أنت متأكد أنك كاتب ؟” رد عليها بعد أن ترك بقشيشا كبيرا للنادل الذي انصرف مغتبطا : “نعم.. لماذا؟” سألته في ذهول واضح : “من أين لك بكل هذا المال ؟!!” أعاد المحفظة إلى جيب سترته الداخلي ثم رد عليها قائلا : “لقد أخذت سلفة.. هيا بنا الآن.” وقف ساحبا إياها من تحت ذراعها متعجلا للمغادرة. وضعت بسرعة علبة سجائرها في محفظتها و قامت تتبعه قبل أن تعود إلى مائدتهما لأنها نسيت أمرا مهما. وقف ينتظرها. عادت إليه بعد زمن قصير و ذكرته أنه يجب أخذ قنينة الويسكي معهما التي مازالت شبه مملوءة. خرجا و النادل قرب الباب يتمنى لهما قضاء ليلة سعيدة و يطلب منه أن يعودا لزيارة المحل في أقرب فرصة. ابتسم له و المرأة تعانق ذراعه اليسرى بحميمية. جاد عليه بورقة نقدية كبيرة وضعها في جيب قميصه. انحنى النادل إجلالا من فرط فرحته. فتح الباب أمامهما و هي تقول في نفسها لكن بصوت مسموع متأبطة قنينة الويسكي : “الآن فقط أعرف لماذا الكتاب أناس مفلسون !!!” كان قد سمعها و بالرغم من ذلك، تفادى أن يفتح معها نقاشا جديدا و فضل أن يركز تفكيره كله في جسد هذه القصة الجديدة التي يشعر الآن بحرارتها و التي يبدو أنها ستفتح له مغالق عوالم لم يرها من قبل. كان يفكر مع نفسه: ترى ما هي أنسب صيغة لبداية قصة مع امرأة مثل هذه تجمع في جسد واحد حيوانين بعدة رؤوس، الحيوان الأول هو جمالها الفياض إلى درجة الشبق المجنون و الثاني ذكاؤها الحاد إلى درجة الدقة و الاقتصاد في الكلمات ؟ خرجا إلى الشارع. لأول مرة بدا له فسيحا بسبب المطر الذي تساقط و غسل الأزقة إلى أن صارت تلمع. لم يجدا سوى تاكسي صغير متوقف أمام الملهى اشرأب عنق سائقه و اتسعت عيناه كأنه يدعوهما لركوب سيارته. تحرر مؤقتا من ذراع المرأة و فتح ذراعيه واسعا لاستنشاق الرائحة القوية التي كانت تتصاعد في الهواء حتى ملأ بها صدره مغمضا عينيه بفعل النشوة. تراجعت المرأة خطوتين إلى الوراء تراقبه و هي تثبت قنينة الويسكي تحت إبطها. شعرت ببرد خفيف فأخذت تعانق نفسها بذراعيها محاولة صنع قليل من الدفء. لم ترغب في أن تقطع عليه انتشاءه لأنها هي أيضا أحبت هذه الرائحة التي اجتاحت كل حواسها. لم تقل له شيئا و اكتفت بإشعال سيجارة أخرجتها بصعوبة من حقيبتها كادت على إثرها أن تسقط القنينة أرضا. تراجعت أكثر إلى الخلف حتى بلغت الجدار الذي اتكأت عليه و صارت تسحب أنفاسا هادئة من سيجارتها. كان الصمت الليلي ثقيلا يخيم على الحي و لم يكن يكسره إلا صوت حفيف الأشجار التي أخذت أغصانها تتراقص على الريح إلى أن تساقطت منها بعض الأوراق. تطايرت ورقة على طول الرصيف. علقت برجلها و لم تتأخر في دوسها لتستمتع بالصوت الذي يحدثه الانكسار. التفت إليها كمن استفاق فجأة من حلم جميل. نظر إلى قدميها مليا ثم تقدم نحوها بخطى متئدة حتى إذا صار قريبا جدا منها مد لها ذراعه لتعانقه. ابتسمت له ابتسامة ناعمة و عانقت ذراعه واضعة رأسها على كتفه بدلال طفولي و انصرفا بعد ذلك مشيا على الأقدام دون أن ينبس أي واحد منهما ببنت شفة. كانت تهرول في مشيتها ثم ضبطت بعد ذلك خطاها على سرعته البطيئة. كان يمشي بخفة لم يعرفها من قبل و كأنه لا يرغب في الوصول بسرعة إلى البيت. كانا يمشيان و كأنهما لا يشبعان من هذه الرائحة القوية التي لم تكن سوى رائحة اختلاط الماء بالتراب و أوراق الأشجار المتساقطة.

لمح زقاقا ضيقا يمتد على ناصية الشارع الذي كانا يمشيان فيه. جرها بغتة حتى غابا في ظلمته. لم تفهم لماذا قام بهذا التصرف. فتح سلسلة سرواله و طلب منها أن تمص قضيبه. قالت له متعجبة :

“هل أنت مريض ؟ انتظر حتى نصل إلى البيت.”

رد عليها بعصبية و كأنه لا يحتمل الانتظار :

“لا، هنا.. انزلي و مصيه.”

بقيت واقفة مذهولة لا تعرف ما عليها فعله ثم استسلمت للأمر في نهاية المطاف. أمسكت بقضيبه، و قبل أن تضع عليه القبلة الأولى كي يستيقظ، رفعت عينيها قائلة له : “مثل هذه الأشياء أقبض ثمنها مسبقا.” أخرج محفظته دون أن ينظر إليها. سحب منها ورقة نقدية تلقفتها بسرعة خاطفة.

“تكفيك هذه ؟”

“نعم.. هل أنت مهووس بالجنس ؟”

“لقد قبضت الآن الثمن، إذن ابدئي عملك.. و بدون كلام.. اشتغلي في صمت، مفهوم ؟”

شرعت في مص قضيبه. كان متكئا على الجدار رافعا رأسه إلى أعلى محاولا استجماع أكبر حجم ممكن من اللذة. كانت أصابع يديه تداعب شعرها، لكن سرعان ما بدأت تغرق عميقا لتحكم القبضة على جانبي رأسها. قال لها و هو يأخذ نفسا عميقا :

“ببطء.. ببطء قلت لك.”

حين بلغ انتصابا كاملا صار يتعمد إدخال قضيبه في كامل فمها محاولا الوصول إلى فتحة حنجرتها. كان يتركه يشق طريقه لمدة نسبيا طويلة بالمقارنة مع سرعة تنفسها. كادت تختنق في إحدى المرات فأخرجه و لعابها يغطيه بكامل لزوجته. و لأنها قبضت مسبقا ثمن خدمتها فلم يكن هناك ما يهمها سوى أن تنصرف لحالها في أقرب وقت. بعد برهة، قالت له و هي تمد له قنينة الويسكي :

“أمسك هذه، إنها تضايقني.”

كان يشعر بأن دورته الدموية بلغت أقصى قوتها. كان يمرر أصابع يده اليمنى صعودا و نزولا على عنق القنينة التي اعتلتها طبقة ضبابية خفيفة من شدة حرارته و العرق المتصبب من سائر جسده. قال لها :

“ابلعيه كله.. لكن ببطء.. ببطء.”

كانت سيارة شرطة تقوم بجولتها الاستطلاعية المعتادة كل ليلة في المنطقة. لفت انتباهها ظلين يتحركان بطريقة غريبة عند مدخل الزقاق، الأمر الذي دفعها إلى التوجه نحوهما. رأت العاهرة الضوء مسلطا عليها فاستجمعت وقفتها بعد أن بصقت القضيب من فمها لتنطلق في الجري عبر الزقاق المظلم.

“تعالي.. تعالي.. اللعنة.”

كان على وشك القذف و توقفها المفاجيء جعله يشعر بألم حاد في خصيتيه و كأنهما حبتي بندق ستنكسران إلى نصفين. أمسك بقضيبه و هو يناديها أن تعود بسرعة بعد أن ثبت القنينة تحت إبطه. نزل الشرطيان تاركين ضوء السيارة مشتعلا لينير لهما الموقف. اقتربا منه فوجداه أشبه ما يكون برجل منهار بالكاد يستطيع الوقوف لا يسنده إلا الجدار.

“أوراقك.” قال له الشرطي الأول بنبرة حازمة فيما كان الثاني قد بدأ يسخر منه بابتسامة ارتسمت في زاوية شفتيه. اقترب منه و أخذ منه القنينة. دورها جهة الضوء ليرى بوضوح علامتها التجارية ثم أردف مستهزئا :

“ذوقك رفيع يا سيدي.”

كان الشرطي الأول يتفحص مختلف البطاقات التي تحملها محفظته باهتمام متقد. استرعى انتباهه المال الكثير المصطف في الجيب الخلفي. سأله :

“ما مهنتك ؟”

لم يجبه. ظل واقفا صامتا. بل و لم يبد أية مقاومة. لم يفكر حتى في الهرب على الرغم من أنه كان يعرف بأنها سيارة شرطة تلك التي كانت تقترب منهما. لم يقاوم. وحدها العاهرة التي لاذت بالفرار. كان الشرطي الثاني يدور حوله ساخرا و هو يرمي بين الفينة و الأخرى يده فوق سترته متظاهرا بطرد قذارة حطت على كتفه، قبل أن ينهره الشرطي الأول قائلا :

“توقف.. قلت لك توقف.”

“ماذا هناك سيدي ؟”

كان يمسك في يده ببطاقته المهنية. تقدم نحوه ثلاث خطوات و قال له و هو يلوح بالبطاقة في الهواء :

“أنت من العائلة إذن.”

انتاب الذهول الشرطي الثاني فتراجع خطوتين إلى الوراء محاولا إلقاء نظرة على بيانات البطاقة. لم يرد عليه. أدخل قضيبه بعناية في السروال ثم جر سلسلته و ملامح وجهه تعكس خليطا من التأثر و القهر الحزن و العار. كان ينظر إلى الأرض. اقترب منه الشرطي الأول أكثر و قال له بصوت هاديء :

“أتعرف العقوبة التي تنتظرك إذا ما قمنا بواجبنا الآن ؟ أنت شرطي و تعمل في الإدارة المركزية.”

لم يقل شيئا و لم يرفع بصره من على الأرض. كان يتأمل فقط الخط الفاصل بين الضوء و العتمة. هذا كل ما كان يفعله. كان لا يستطيع التفكير في أي شيء. لم يجد أية فكرة، مما جعل عقله يجر أمام عينيه ذكريات انفجرت دون سابق إشعار كبركان خامد.

 

(١٠)

أشياء طاغية مثل الطفولة

 

 

أَقْوَى الأَصْنَامِ تِلْكَ الَّتِي نَرْضَعُهَا مِنْ أَثْدَاءِ أُمَّهَاتِنَا.

حَاوِلْ أَنْ تُدَمِّرَ الأَصْنَامَ الَّتِي تَنْتَصِبُ فِيكَ دُونَ شَمْسٍ، سَتَكُونُ رَجُلاً وَاقِفاً.

لَكِنْ سَتَجِدُ نَفْسَكَ مُحَطَّماً إِلَى أَلْفِ قِطْعَةٍ وَ قِطْعَةٍ، لِتَنْطَلِقُ بَعْدَهَا

تَبْحَثُ عَنْ أَبٍ يُرَمِّمُكَ لأَنَّ وَحْدَهَا أَيْدِي الرِّجَالِ الَّتِي تَمْلِكُ الإِسْمَنْتَ.

لا يجب أبدا عصيان إرادة الأم، فالله شملها بقداسته و جعل جنته تحت قدميها.

حين جاء إلى الدنيا وجد نفسه محاطا بوالدين قررا من فرط فرحتهما و حبهما له أن يمنحاه تربية مثالية إلى درجة أنهما لم ينجبا له أخا أو أختا يزاحمانه. تعلم أن ينام لوحده في غرفة خاصة به. كانت أمه تروي له كل ليلة قصصا عجيبة لينام فيما كان أبوه يأخذه في نزهة كل يوم أحد.

و لأنه كان دائما الأول في ترتيب المدرسة كان هذا يجعله يستفيد أكثر من كرم أبيه. على العكس من باقي المراهقين لم يبد أية مقاومة أو تمرد على السلطة الأبوية. مطيع لوالديه، وجه كل طاقته العاطفية لدراسته الجامعية التي أنهاها بتفوق. و مثل أبيه الذي أنهى مشوار عمله كموظف في إحدى الوزارات، قرر الابن أن يعمل بدوره في الوظيفة العمومية بدل القطاع الخاص حيث كان بإمكانه أن يربح أكثر. لكن، حين يكون المرء ابن موظف فإنه يصير مسكونا بالسلطة و صورتها أكثر من المال. لهذا السبب، قرر أن يكون شرطيا.

منذ أول يوم تسلم فيه العمل قال له أبوه إن الوقت قد حان ليستقل بحياته و يخرج من بيت الأسرة الذي ظل يسكن فيه حتى و هو يقضي سنوات التكوين في مدرسة الشرطة. الاستقلالية مهمة في حياة كل موظف، فهي الأخت الصغرى لحس المسؤولية، خصوصا و أنه الآن يتلمس طريقه على سلم السلطة.

بفضل معارفه و علاقاته المتعددة التي أسدى لها خدمات جليلة في الماضي نجح الأب في إيجاد شقة لابنه تقع في وسط المدينة. لم تكن شقة جديدة و لكن في حالة جيدة، و أهم ميزة فيها قربها من مقر عمله و بيت الأسرة. ربع ساعة فقط مشيا على الأقدام تكفي للوالدين كي يزوراه. و هنا، ظهر جليا حس التنظيم الذي تشبع به الأب على مر سنوات خدمته : لا للزيارات الخاطفة و غير المرتقبة. أولا، يجب الاتصال قبل المجيء ؛ ثانيا، و هذا هو الأهم، تم الاتفاق على أن يأتي الابن أول كل شهر للغذاء.

فور تسلمه أجره الأول انتقل الابن إلى شقته الجديدة التي أخضعها لنظام مطلق. و أول شيء فعله، اشترى خمس ساعات منبهة : الأولى في الصالة، الثانية في المطبخ، الثالثة في غرفة النوم، الرابعة في الحمام و الخامسة في مواجهة الفراش. دون نسيان المنبه الموضوع أمام رأسه حين يكون نائما. ستة في المجموع. كلها مضبوطة بالثانية كي ترن في وقت واحد. قد يكون في هذا التصرف نوع من الهوس إلا أنه أراد أن يبدأ مشواره المهني بانضباط و دون تأخرات مجانية تحكم على مستقبله بالإقبار، فالانطباع الأول هو الذي يبقى.

باستثناء والديه و عمله، ليست له هواية تشغله سوى الكتابة التي يعتبرها طبيعته الثانية. شغوف بها بشكل يدفعه إلى إيلائها اهتماما بالغا يساوي أو يزيد عن ذلك الذي يخصصه لعمله. فالكتابة حرفة.

بعد أن ضمن وظيفة محترمة و صار رجلا تظهر على وجهه معالم الفحولة، صارت أمه تفكر جديا في إيجاد زوجة له. ففي زمن صار فيه عرض النساء أعلى بكثير من طلب الرجال، انتابتها مخاوف من أن ترى فلذة كبدها ينساق وراء الشهوة الرخيصة مضيعة بذلك سنوات طوال من التربية و المعاناة. و فيما يخص مسألة الزواج، لن تجد أحسن من بنت أختها. فهي جميلة، متعلمة، ما زالت في مقتبل العمر و أهم من هذا كله مطيعة. لن تشكل لها أي مصدر قلق. بزواجها من ابنها، تضمن الأم له امرأة تشاركه حياته، تساعده على مشاقها و تحافظ على وضعه الاجتماعي. فهي طالبة في كلية الحقوق و ستتخرج بعد سنوات قليلة.

بدأت الأم مشاوراتها السرية مع أختها. استقبلتها ذات يوم و لم يكن أحد في المنزل. كان الجو ملائما لطرح موضوع بهذه الخطورة للنقاش. استهلت الأم حديثها بالاطمئنان على صحة أختها ثم عرجت بعد ذلك على ابنتها لتقول لها :

“كيف حال عروستنا ؟”

باندهاش ممزوج بفرح خجول أجابتها أختها قائلة :

“بخير.. بخير.. بارك الله فيك.”

“طيب.. أود أن أحدثك في موضوع يخص ابنتك.”

“تعرفين جيدا أنها ابنتك كما هي ابنتي.”

“أعرف.. أعرف.. و يعلم الله أنها من غلاوة ابني تماما.. هذا سيسهل علي الأمر.”

“ماذا تقصدين ؟”

“بصراحة، أنا أطلب يد ابنتك لابني.”

“لكن يا أختي، هي مازالت تدرس.”

“و من قال إنها ستتخلى عن دراستها ؟.. سوف تكمل دراستها حتى تحصل على شهادتها الكبيرة.. أطلب من الله العلي القدير صباح مساء أن يوفقها.. كل ما في الأمر، و لا أخفيك سرا، أنني قلقة على ابني كثيرا.. أنت تعرفين بنات اليوم.. لا أريد لأي واحدة أن تلعب بعقله و تضيعه مني.”

“معك حق يا أختي.. في هذا الزمان، كل ما يطلبه المرء هو الستر.”

“ها قد فهمتني.. ما رأيك إذن يا أختي العزيزة ؟”

“في الحقيقة، ابنتي لن تجد زوجا أحسن من ابنك. من جانبي، أنا موافقة. أطلب منك فقط بعض الوقت لأفاتحها في الأمر و أجس نبضها.”

“خذي ما يكفيك من الوقت.. لكن حبذا لو أسرعت.”

“ما بك يا أختي ؟.. هذا زواج و ليس قلي بيض. و كما يقال، يتطلب زواج ليلة تحضير سنة.”

“أعرف.. أعرف.”

“علي أولا أن أحضرها نفسيا لمناقشة الموضوع.. المسكينة تقتل نفسها في الدراسة.. بدأت أخاف على صحتها التي تتدهور يوما بعد يوم.”

ردت عليها الأم و هي تشد على يدها للتأكيد فيما لمعت عيناها بقليل من المكر : “حين ستتزوج ستستعيد كل صحتها.” انفجرتا ضحكا متذكرتين الذي مضى قبل أن تقول لها أختها : “ما زلت كما أنت يا شيطانة.. لم تغير فيك السنوات شيئا.” استمرتا في الضحك إلى أن سمعتا الباب يفتح. دخل الأب و الابن. من الظاهر أنهما كانا يتحدثان في أمر ما لكنهما سكتا حين انتبها لوجود ضيوف في المنزل. توجه الابن رأسا إلى المطبخ كي يضع الأغراض التي اشترياها في حين كان الأب قد جلس إلى جانب الأم، بعد أن سلم على أختها، منتظرا قدوم ابنه الذي لم يتأخر في المجيء. سلم على خالته و سألها بحماسة زائدة و هو واقف عند مدخل الصالة دون أن يجلس عن حال بنت خالته. لم يرغب في الجلوس إلى جانب أمه رغم دعوتها له و إلحاحها عليه.

هو يحب الوقوف.

منذ وفاة زوج أختها، اعتادت الأم على دعوتها هي و ابنتها على الغذاء أول سبت من كل شهر. دعوة تكون فرصة لصلة الرحم و التخفيف من وطأة العزلة التي تعيش فيها الأم و ابنتها. اختيار يوم السبت ليس عبثا، فهو أول يوم في نهاية الأسبوع. كما أن أول كل شهر يجد تبريره في اعتبارات اقتصادية محضة. يكون رب الأسرة ما زال فرحا براتبه قبل بلوغ العشر الأواخر من الشهر، حيث لا يمكن برمجة أي شيء. كما يقول الموظفون، حين تقترب الميزانية من الصفر لا يمكن برمجة أي نشاط لأن المرء يصير نفسه مبرمجا. لكن دعوة هذه المرة تكتسي طابعا خاصا. فالأم تريد أن تربط خطا بين ابنها و بنت أختها. صحيح أنهما تربيا معا منذ صغرهما. لكن الأم لا ترغب في أن ينظر إليها كأخته التي لا يملك، بل كامرأة جذابة كي يكتب النجاح لما تخطط له ألا و هو أن تراه زوجا صالحا لامرأة صالحة. رغم أن الأم قد نالت قسطها من التعليم إلا أنها تؤمن إيمانا يقينيا بالعين و السحر. تقول دائما إن السحر و العين حق. و كي لا يجادلها أحد تستشهد بالرسول خاتم النبيئين الذي وقع عليه السحر. “ألا تعرفون ماذا فعل لبيد بن الأعصم بالنبي ؟!!” صارت هذه الجملة مع مرور الأيام أشبه بلازمة تلجأ إليها كلما شعرت أنها على وشك أن تفقد السيطرة على الموقف.

جاءت الخالة و ابنتها ساعة قبل الموعد المحدد. كانت الأم منشغلة في المطبخ. انضمت إليها أختها تساعدها بينما ظلت البنت واقفة عند مدخل المطبخ قبل أن تطلب منها الأم : “لا داعي يا ابنتي أن تظلي واقفة هنا.. اذهبي و اجلسي في الصالة.” ردت عليها و هي تحاول أن تجد لنفسها دورا : “هل أنت متأكدة يا خالتي أنك لست بحاجة إلي ؟” رفعت الأم غطاء الإناء لتطمئن على الأكل فهب في وجهها بخار كثيف أجبرها على إدارة وجهها إلى الناحية الأخرى. أجابتها مغمضة عينيها : “نعم يا ابنتي.. لا داعي أن تبقي هنا.. اذهبي              و ارتاحي.” انصرفت إلى الصالة و جلست على أريكة قرب النافذة. تأكدت الأختان أنها قد صارت بعيدة عن المطبخ. وضعت الأم غطاء الإناء و جرت إليها أختها بسرعة قائلة لها : “هل أتيت بالمعلوم ؟” أسقطت الخالة من يديها بعض الخضر المبللة التي كانت تقشرها. مسحت يديها بمنديل كان معلقا على الجدار. اعتدلت في وقفتها ثم ردت عليها و هي تدس يدها تحت إبطها لإخراج شيء ما : “طبعا.. طبعا.. ها هو.” أعطتها كيسا صغيرا معقودا بإحكام. تفحصته الأم جيدا و هي تقلبه في يدها. أثار استعجابها حجمه الصغير : “أهذا كل شيء ؟” طلبت منها الخالة أن تخفض صوتها. اشرأب عنقها تحاول أن تتأكد من أن البنت مازالت جالسة في الصالة لا تسمع ما يدور بينهما. همست لها بنبرة يقينية : “حجمه صغير لكن مفعوله أكيد.. لقد صنعه لي فقيه يقال إنه تعلم على يد حكيم يهودي.” استمرت الأم في التحديق في الكيس الصغير و لما حاولت فتحه، تدخلت أختها بقوة لتزجرها : “ماذا تفعلين أيتها البلهاء ؟.. هذا الكيس يجب أن يظل مغلقا.. ارميه تحت فراشه و سوف ترين المفعول بعينيك.” أردفت الأم و قد بدا عليها عدم اقتناعها بالأمر : “سنرى !!!” خيم صمت قصير بينهما إلى أن كسرته الخالة : “آه.. تذكرت أمرا هاما.. بعد أن تلقي بالكيس تحت فراشه، يجب عليه أن يغير ثيابه كلها.” في هذه اللحظة، رمت الأم أختها بنظرة ارتياب و قالت لها : “هل أنت متأكدة أن ليس في الأمر خطورة ؟.. لا أريد أن يصيب ابني أي مكروه.” أجابتها و هي تحرك رأسها للتأكيد : “لا تخافي.. المسألة غاية في الأمان.. الفقيه الذي صنع هذا العمل ليس أي فقيه.. أقول لك إنه تعلم على يد حكيم يهودي.. اذهبي الآن و ارمي الكيس تحت فراشه ما دام لم يعد بعد.. هيا اذهبي.” أحكمت الأم القبضة على الكيس و قالت لأختها :

“لكن لدي شرط.. اسمعي يا أختي.. حين يتزوجان إن شاء الله، إياك ثم إياك أن تستمري في هذه الأعمال.. لا أريد لابني أن ينتهي به المطاف تابعا لابنتك كالحمار.. عاهديني.”

“أعاهدك.. ثم إن أمرك عجيب، ألست أنت التي طلبت مني أن أفعل كل هذا ؟”

“نعم.. نعم.. لكن إلى أن يتزوجا فقط.”

“لن يكون إلا ما ترغبين فيه يا أختي العزيزة.. هيا اذهبي الآن.”

استجمعت الأم شجاعتها ثم أخذت نفسا عميقا و قبل أن تنطلق إلى غرفة ابنها قالت : “يا رب.. أنت أعلم بما في نيتي فلا تجعلني خائبة.. الأمر و كل الأمور بين يديك فدبرها بحكمتك يا أرحم الراحمين.” دفعتها أختها كي تتحرك و هي تلح عليها قائلة : “هيا اذهبي.. أهذا وقت الصلاة و الدعاء ؟”

تصادف خروج الأم من غرفة ابنها مع عودة الأب و ابنه إلى البيت. قال الأب مرحبا : “يا لها من صدفة جميلة.. لدينا ضيوف اليوم يا بني.” سلم الابن على خالته بالقبل فيما اكتفى بمصافحة ابنتها التي بادلته سلامه بابتسامة جميلة. ظلت الأم واقفة على باب غرفته. توجه نحوها ابنها و سألها في تعجب : “أمي !.. ما بك واقفة على باب الغرفة ؟!!” نجحت الأم في إخفاء دهشتها و طلبت منه أن يتبعها إلى داخل الغرفة. دخلا و أقفلت الأم الباب جيدا ثم قالت له :

“كما ترى، اليوم نستضيف خالتك و ابنتها.”

“أمر طبيعي، أقصد أمر معتاد.”

“طيب، عليك الآن أن تغير ملابسك هذه. لقد نظفت غرفتك و جمعت كل ملابسك المتسخة.”

“لكن ملابسي مازالت نظيفة.. لقد ارتديتها منذ يومين فقط.”

أمسكت الأم بياقة قميصه فتراءى لها بعض الوسخ من أثر الدخان و العرق.

“أترى ؟.. قميصك متسخ.. غير كل ملابسك.. أريدك أن تلبس ثيابا جديدة.”

“أغير كل ملابسي ؟”

“كلها.. هيا.. سأمر بعد قليل لآخذ ملابسك المتسخة.. لقد وضعت لك ملابسا جديدة على الفراش.”

رغم أنه تعجب للأمر لكنه أطاع أمه. خرجت من غرفته تاركة إياه يغير ملابسه. في طريقها إلى المطبخ، سلمت مرة أخرى على بنت أختها التي بدأت تتجاذب أطراف الحديث مع الأب. كان يسألها عن أحوال دراستها. كانت جالسة و كأنها في الفصل : منضبطة، ركبتاها ملتصقتان بعضهما ببعض، تجر عليهما، بين الفينة و الأخرى، أطراف تنورتها البيضاء، تتحدث باقتضاب دون أن ترفع عينيها من أثر الخجل و الاحترام الفائق الذي تكنه للأب الذي احتل طوال سنوات مضت مكان الأب. ليست الأم وحدها المعجبة بالبنت، الأب نفسه بدأ ينتبه لهذه المرأة التي لن يجد أحسن منها زوجة لابنه.

كانت الخالة تقطع بعض الفواكه في المطبخ حين وقفت أمامها أختها و قد انفرجت أساريرها فرحا. توقفت عن العمل و سألتها : “كل شيء على ما يرام ؟” وضعت يدها اليمنى على قلبها كأنها تقيس دقاته ثم أجابتها في ارتياح :

“الحمد لله.. نعم، كل شيء على ما يرام.. سأعود بعد قليل إلى غرفته لآتي بملابسه.”

“ممتاز.. إن شاء الله يوفقنا و نسمع أخبارا سارة عن قريب.”

“يا رب.”

من داخل غرفته، سمع أباه يناديه و يستعجله لينضم إليه. كان قد غير فقط ملابسه العلوية و تساءل في نفسه : هل حين قالت أمه كل الملابس كانت تقصد التبان أيضا ؟ بدأ يفكر في الأمر قليلا و قرر أن يغير حتى تبانه. جمع ملابسه كلها و وضعها على كرسي مكتبه ثم خرج. “ماذا تفعل وحدك في الغرفة ؟.. تعال و اجلس معنا.” قال له الأب فاتحا ذراعيه كمن يقدم عرضا مسرحيا. ارتبك قليلا في اختياره لموقعه. لكن، بما أن الأب جلس على الأريكة التي لا تتسع إلا لشخص واحد، وجد نفسه مضطرا أن يجلس قرب بنت خالته التي تزحزحت قليلا في مكانها جامعة ركبتيه بيديها التي شبكتهما. سألها بخجل و قد ارتسمت على محياه ابتسامة هادئة : “كيف حالك ؟” رمقته بطرف عينها ثم أجابته بصوت خافت :

“بخير الحمد لله.. و أنت ؟”

“بخير.. كل شيء بخير.. و دراستك ؟”

“تسير بخير.. شكرا.. و عملك ؟ كيف هو عملك ؟”

“بخير الحمد لله.. كل شيء بخير.”

تدخل الأب مقاطعا إياهما قائلا : “في أقل من دقيقة، تكررت كلمة خير ست مرات.” انفجر ضاحكا                و أكمل قوله : “أنا الآن متيقن من أن كل الخير سيأتي على يديكما.” شعرا بحرج دفعهما إلى السكوت            و الانطواء على نفسيهما خجلا. استمر الأب في الضحك قبل أن تبادر بنت الخالة بالوقوف و استئذانهما للذهاب إلى المطبخ كي تساعد خالتها في تحضير الغذاء. هز الأب رأسه موافقا و تتبع خطواتها بنظره قائلا : “فليباركك الله يا ابنتي.” نظر إلى ولده فوجده قد تقوقع على نفسه و تقاسيم وجهه تفضحه. تبسم الأب            و استدار في مجلسه يصيح لمن في المطبخ : “أكثرن من اللحم.. أكثرن من اللحم.” و انفجر مرة أخرى ضاحكا. طلب منه الابن أن يضبط نفسه بحركة من عينيه رد عليها الأب قائلا : “ما بك ؟!.. إنها نهاية الأسبوع و اليوم لدينا وليمة محضرة من طرف أمك و خالتك و بنت خالتك.” رفع عينيه إلى السقف كأنه يدعو الله و قال قبل أن ينفجر ضاحكا مرة ثالثة : “ربنا يستر !”لم يتمالك الابن نفسه أمام الموقف فانتابته نوبة ضحك جنونية لم يستطع السيطرة عليها. خرجت الأم من المطبخ تحمل إناء كبيرا، تتبعها أختها و في يدها سلة الخبز، تتبعها ابنتها التي كانت تحمل طبق الفواكه. لاحظت الأم زوجها و ابنها يضحكان بطريقة لم ترها من قبل و قالت : “ماذا جرى لكما ؟.. هل جننتما أم ماذا ؟.. هيا إلى المائدة.. لقد صار الغذاء جاهزا.” صمت الأب و ابنه برهة حتى أكملت الأم كلامها. و ما إن استدارت عائدة إلى المطبخ لإحضار ما تبقى من لوازم المائدة حتى عادا يقهقهان بجنون، الأمر الذي لفت انتباه البنت التي لم تكن ترى إلا ابن خالتها. شردت قليلا بذهنها، خصوصا أنه بدوره كان يبادلها نفس الاهتمام عبر نظرات كان يسترقها، من حين لآخر، و هي ترتب المائدة. لاحظت الخالة كل شيء و حين أيقنت أن ابنتها غابت في شرودها عن الواقع، أيقظتها بحنحنة مبالغة من صوتها لم توقفها إلا حين وجهت البنت نظرها إليها قبل أن تقول لها بصوت حاد لكن دون أن تحرجها :

“أمامي إلى المطبخ.”

عاد إلى وعيه قاطعا تسلسل الذكريات بعد أن سمع الشرطي الثاني يقول للأول متحمسا :

“إنه يعمل في الإدارة المركزية سيدي.. أظن أن علينا أن نأخذه و نقوم معه بالواجب لكي يعرف كل أولئك المحظوظون اللذين لا يبرعون سوى في تعطيل ملفاتنا ماذا يكابد الشرطي حقا في عمله.. كلهم نائمون الآن.. أنظر إلينا، وحدنا فقط مستيقظان في نحس هذا الليل.”

حول الشرطي الأول نظره إلى زميله يستمع إليه باهتمام حتى فرغ من كلامه. رد البطاقة المهنية إلى مكانها و جمع المحفظة ثم دسها في جيب سترته الداخلي و هو يقول له :

“نحن رجال و لسنا حقيرين.. احمد الله أنك سقطت بين أيدينا.. لو كان آخرون في مكاننا أقسم لك أن كل ما تسميه حياة مهنية يمكنك أن تشطبه من خيالك.. هيا، يمكنك الانصراف الآن.”

لم يجد سوى كلمة “شكرا.” قالها له بصوت خافت مخنوق، دائما دون أن يرفع عينيه من على الأرض. سأله الشرطي الأول :

“هل ستقدر على الذهاب إلى منزلك ؟”

“نعم.”

طلب الشرطي الأول من زميله أن يرجع له قنينة الويسكي ثم استدار في مكانه استعدادا للانصراف فيما كان الثاني لا يستوعب سلوك زميله. قال له معاتبا :

“لماذا تركته يذهب ؟”

“اخرس.. أنت مازلت صغيرا.”

ركبا السيارة و هما بالانطلاق يكملان عملهما. اقتربا منه و قال له الشرطي الأول من خلال النافذة التي فتحها ليسمعه :

“أتمنى حين نأتي يوما نسأل عن وضعيتنا الإدارية أو المالية أن تتذكر حسن صنيعنا معك.”

اشرأب الشرطي الثاني بعنقه ليقول أيضا كلمته :

“هل سمعت ؟.. تذكر.”

و انطلقت السيارة بعد ذلك يشق نورها ستار الظلام الذي هبط على المدينة. لم يسترجع وعيه تماما إلا حين تأكد من أن السيارة قد ابتعدت عنه. صمت مطلق. أغمض عينيه بقوة كمن يحاول مقاومة ضغط يعصر دماغه. حدق مليا في طول الزقاق حتى تراءى له منتهاه فلمح حذاءا نسويا بكعب عال مرمي على الأرض. لقد تخلصت منه العاهرة في ركضها. تقدم نحوه بخطى متثاقلة و انحنى يأخذ فردتي الحذاء. مازال الألم يخز خصيتيه. رفع رأسه نحو السماء فلم يجد إلا الظلام. تأوه عميقا و خرج من الزقاق متجها إلى بيته. قضى الليل كله جالسا على جانب الفراش يشرب مباشرة من قنينة الويسكي بيده اليمنى. و في يده اليسرى، يمسك بحذاء العاهرة الذي شبك خيوطه بين أصابعه. كان لم يتبق إلا القليل من الويسكي في قعر القنينة. لم يشربه. انهار إلى الخلف مستلقيا على ظهره، و نام.

 

(١١)

حين تأتي البشارة

 

أخيرا و بعد طول انتظار، تم استدعاؤه لمهمة. حلم حياته كان أن توكل إليه مهمة يستطيع من خلالها إظهار مهاراته و تسريع وتيرة ارتقائه في السلم الإداري. عشر سنوات مرت على تخرجه من مدرسة الشرطة التي تفوق في كل أطوار التكوين بها. عشر سنوات قضاها في القيام بأعمال روتينية و دوريات ليلية أدخلت الشك إلى قلبه فيما يتعلق بمآل مثلهالعليا التي كانت تغذي وجدانه و بما سيصير هو نفسه في المستقبل. اكتشف الواقع في أبشع صوره، ذلك الذي لا يتجلى إلا في الليل الدامس السواد. كل يوم و كل ليلة، تعلم أن حياة الناس مجرد وقائع يتم جمعها في ملف يحفظ مع ملفات كثيرة أخرى بعد أن يعطى له رقم. هذا كل شيء. بريق العوالم التي سحرته في قراءاته توارى إلى الخلف حتى انطفأ أمام القدرة الهائلة للنفس البشرية على إنتاج الشر. الدهشة أساس المعرفة. و أولى إشراقات هذه المعرفة علمته أن حتى الجريمة تخضع لقوانين التراتبية الاجتماعية. لصوص، محتالون، عاهرات، قوادون، شواذ، مغتصبون، متسولون و جيش عرمرم لا حصر له من الكائنات لا تعيش إلا في الظلام، تقتات من الظلام و تتوالد في الظلام. مخلوقات لا تملك من البشرية إلا الجسد و لا تعرف التعبير عن مشاعرها إلا بالدم.

ها هي إذن أول مهمة توكل إليه. في شقته، كان يغط في نوم عميق كأنه قتيل حين تلقى مكالمة هاتفية تطلب منه الالتحاق بالإدارة فورا. كان يوم أحد. رغم الإنهاك الشديد الذي سببته له حادثة ليلة الأمس قفز من فراشه كمن صعقه تيار كهربائي، غير ملابسه في دقيقة أو دقيقتين و انطلق في سيارته الصغيرة التي مازال يدفع أقساطها متوجها بسرعة غير اعتيادية إلى مقر العمل. لم ينس أن يأخذ معه قلمه الثمين الذي أهدته له أمه بمناسبة نجاحه. كان فكره مشتتا لا يعرف سبب هذه المكالمة المفاجئة. هل يكون زميلاه قد وشيا به ؟ لا يظن. لكنه يبقى احتمالا واردا. لا. لقد كان الشرطي يتحدث إليه و هو ينظر في عينيه. و هذا النوع من الرجال لا يخون أبدا. هل ارتكب خطأ ما ؟ لا يظن. فهو قرر العيش في عزلة تامة منذ أن قدر له النجاح في سلك الشرطة. ثم إن تعيينه في الإدارة المركزية نظرا للمكانة المشرفة التي حصل عليها في امتحانات التخرج دفعته إلى قطع علاقته كليا مع العالم الخارجي. فبحكم عمله الحساس كل علاقة مشبوهة ستدمر مستقبله المهني. و هو لا يرغب في أن يرى الدمار في مستقبله. على العكس من ذلك، يطمح أن يرتقي إلى أعلى الرتب. يظن أن له كل الحظوظ في النجاح. هو رجل يحب عمله. و زيادة على ذلك، لم يقحم نفسه في متاهات اجتماعية من قبيل الزواج أو تأسيس أسرة و إنجاب أولاد أو حتى إقامة علاقة عاطفية مع امرأة ما. كل طاقته يوجهها لعمله فقط. أكثر من الحب، هو الإيمان. يؤمن بعمله إلى درجة العبادة. في الطريق، استرجع شريط ذكرياته الذي توقف عند يوم اختبارات الولوج.كلما ضاق به الحال يتذكر ذلك اليوم و يتذكر الجواب الذي قاله للجنة التحكيم حين سألوهلماذا يريد أن يصبح شرطيا. قال لهم إن لديه مشروعا ألا و هو استرجاع قوة الدولة و هيبتها. ثم استرسل بعد ذلك في تفصيل مضامين مشروعه الطموح. كان أعضاء اللجنة منبهرين بهذا الشاب الذي يفكر بعقل من قضى أكثر من ثلاثين سنة في الخدمة. سألوه عن حالته الاجتماعية فانبهروا أكثر حين قال لهم إنه عازب و لا يرغب أبدا في الزواج. ضرب لهم مثال الإمبراطورية الرومانية و شرح كيف أن قوتها الضاربة كانت قائمة بالأساس على جنود فيالق روما الذي كان ممنوعا عليهم البتة أن يتزوجوا إذ الدولة لا يستقيم حالها و تبلغ أوج قوتها إلا بفضل رجال متفرغين تماما لخدمتها و تدبير شؤونها. أيكون الشرطيان قد أبلغا عنه ؟ لا يظن. لقد كانا غاية في الشهامة، خاصة الشرطي الأول الذي لم يكن يبدو عليه أنه ممن يخونون كلمتهم. ما الأمر إذن ؟

وصل إلى مقر الإدارة المركزية. وقف أمام المدخل الرئيسي الذي يحرسه شرطيان لا ينظران إلى بعضهما البعض. واقفان كصنمين قدا من حجر, نظرهما مثبت بعيدا في الفراغ الهوائي مما يمنح للمدخل هيبة و رهبة لا تقهران. أحس بقشعريرة باردة تجتاح صعودا كل ظهره. بخطى مسرعة و منضبطة قصد مكتب رئيسه الذي كان بانتظاره. لم يكن رئيسه المباشر و إنما من هو أعلى شأنا منه. على وجه الدقة، كان رئيس رئيس رئيس رئيسه المباشر. قمة الهرم الحادة. الرجل الذي لا يعرفه إلا بالاسم و ما يروى عنه في ردهات هذه البناية من قصص يتناقلها زملاؤه ساعة حدوثها، من دون تأخير. خطواته كانت تزداد عصبية كلما تقدم في الممر البارد. في الواقع، اعتاد برودة هذه الممرات، لكن هذه المرة، غياب الموظفين عن مكاتبهم و اختفاء كل الحيوية التي تربط بين مختلف المصالح حركيا و صوتيا دفعته إلى الشعور بغربة مقلقة. حين اقترب من مكتب المدير كادت ركبتاه تخونانه فقرر التوقف و أخذ نفس عميق كان الشيء الوحيد الدافيء الذي يخرج في هذا المكان. بيده اليمنى أمسك بمعصم الباب فيما دق بيده اليسرى على الباب دقتين متتابعتين. لم يدخل إلا حين سمع “أدخل.” ألقى عليه التحية “احتراماتي سيدي المدير.” و رأى الكم الهائل من الملفات التي تطوقه. طلب منه المدير أن يجلس دون أن ينظر إليه لأن عينيه كانتا منهمكتين في تفحص أوراق ملف استحوذ على كل اهتمامه. خيم صمت بارد زاد من ارتباك المستدعى. أخرج رئيسه سيجارة من العلبة الموضوعة قرب المصباح النحاسي المعقوف على وسط المكتب و أشعلها و هو يحلل أدق تفاصيل وجهه وراء نظارته السميكة التي لم تزده إلا هيبة و أحقية بالسلطة المعروفة عنه. بعد أن تأكد من أن المعني بالأمر يتحكم في انفعالاته أطفأ سيجارته التي لم يكن قد دخن منها سوى خمسة أنفاس في المنفضة المعدنية الممتلئة بأعقاب السجائر. ظل ينظر في عينيه دون أن ينبس ببنت شفة. لاحظ أن جبهته الناصعة البياض بدأت تتصبب عرقا إلى درجة أن قطرة عرق قد تدحرجت على طول وجهه من الجانب الأيمن، لكنه لم يحرك ساكنا. أخرج رئيسه ثلاثة مناديل ورقية تباعا من العلبة المحاذية لهاتفه الكبير المتعدد الخطوط و أعطاها له. قال له و هو يقلب أوراق الملف بروية :

“أتعرف لماذا استدعيتك ؟”

“لا سيدي.”

“ملفك يلمع.”

“شكرا سيدي.. أنا تلميذك سيدي.”

“هناك فقط نقطة وحيدة لا أدري إن كانت إيجابية أم سلبية.”

“ما هي سيدي ؟”

“أنت تملك خيالا جامحا.”

صمت كمن فقد فجأة ملكة النطق. ذهب فكره تلقائيا إلى الاحتمال السلبي. مهنته عودته على الاحتكاك السلبي بالمجرمين و المنحرفين ليل نهار. لهذا صار فكره مضبوطا على كل ما هو سلبي حتى لو كان الأمر يتعلق بشخصه. طبيعي، فعاجلا أم آجلا ينتهي المرء بالاندماج إلى حد الذوبان بوظيفته. أغلق رئيسه الملف. اتكأ على ظهر كرسيه الجلدي الفخم و عيناه تلمعان بابتسامة هادئة بددت نسبيا الجو المضغوط الذي يغرق فيه المكتب. قال له رئيسه واضعا يده اليمنى على اليسرى قبل أن يشبك أصابع يديه : “لنقل إن هناك عيوبا إذا ما تم تطبيقها فإنها تلمع أكثر من الفضائل نفسها، على رأي (لاروشفوكو).” أعجبته كثيرا المقولة و لم يستطع منع عينيه من النظر إلى المكتبة الكبيرة التي ترتفع وراء رئيسه. كانت مكتبة أنيقة لها بابان من الزجاج مصنوعة من خشب العرعار المدهون بصباغة بنية. تنتظم فيها الكتب حسب المواضيع التي يفصل بينها ببطاقات صغيرة ملصقة تحت كل رف.

“أنت تتعرق كثيرا.”

“نعم سيدي.. إنني أحاول الإقلاع عن التدخين، بدأت قبل أيام.”

“لا يجدر بك أن تقطع عادة تعود جسمك عليها.. عادات الرجل تساعده على التركيز.”

“نعم سيدي.. معك حق سيدي.”

“سيجارة ؟”

“نعم سيدي.. شكرا سيدي.”

مد له علبة سجائره فأخذ منها واحدة أشعلها بولاعته. راح يمرر المناديل الورقية على راحة يديه لتنشيف العرق. قام رئيسه من على الكرسي بعد أن أعطاه الملف الذي كان بصدد دراسته. طلب منه أن يلقي نظرة عليه. عدل ملابسه. هو رجل متوسط القامة. نحيل لكن قوي البنية. عمره تجاوز الخمسين و رغم ذلك يحافظ وجهه على شباب غريب. قليل من الشعر الأبيض بدأ يشتعل في رأسه من الجانبين. قصص كثيرة تلف شخصيته يصل بعضها إلى حد الأسطورة. لكن، الكل في الإدارة يتفق على أنه رجل غامض و غريب الأطوار لأنه قليلا ما يتكلم و حين يفعل، تكون دائما عباراته مقتضبة و في غالب الأحيان مقتبسة من كتاب أو من مقولة شخصية تاريخية. قوته و هيبته تكمنان في الفراغ الذي يحرص على أن يحيط نفسه به. فمكتبه يتوفر على كل ما يحتاج. أريكة طويلة يتمدد عليها ليرتاح أو ينام ساعة أو ساعتين. ثلاجة صغيرة. آلة قهوة رفيعة الطراز و مرحاض خاص به أحاط جدرانه برفوف خشبية جميلة يستعملها كمكتبة لمختلف كتبه التي لا يكف عن قراءتها. يقرأ كثيرا، بل يقرأ بدون توقف. حتى حين يكون يقضي حاجته فإن الكتاب دوما في يده. توجه نحو النافذة و ظل واقفا أمام الستار. و هنا، عنصر آخر مهم من تفاصيل حياته التي تميزه و تثير في نفس الوقت إعجاب و استغراب باقي زملائه. هو لا يحب الضوء. تسكن مكتبه عتمة ثقيلة و ستائر النوافذ لا ترفع أبدا. إنارة مصباح مكتبه نفسها ضعيفة، يتحكم في حجم قوتها بواسطة الزر اليدوي المتدلي من الخيط الكهربائي على جانب المكتب. أخذ ينظر من خلال شقة الستار إلى الخارج و فكره مسافر في تأملات عميقة. كانت خطوط الضوء المنعكسة على وجهه تجلله و تعطي لعينيه مسحة من الذكاء الثاقب. دون أن يستدير و ينظر إليه سأله : “ما رأيك ؟” كان الملف يحتوي على صور فوتوغرافية، كشوف حسابات بنكية و تقارير متنوعة عن شخص و علاقات رجل أعمال قرر دخول غمار السياسة فأسس حزبا و عددا من الجمعيات، بالإضافة إلى صحيفتين و مجلة. لم يجبه في الحين. انتظر حتى يفرغ من قراءة كل عناصر الملف الذي كان قد وصل إلى نهايته. طوى غلافه و قال : “أظن يا سيدي أنه رجل نزيه.” بقي رئيسه ثابتا في مكانه لا يحرك ساكنا و كأنه يستجمع آخر شذرات فكرته التي اكتمل تشكلها في ذهنه. قال له بنبرة هادئة : “كل واحد منا يحمل في نفسه حجرة عثرته.” وضع يديه على الملف و من أثر الحيرة، حدق في رئيسه ملء عينيه الذي استدار هذه المرة و ثبت نظره في وجهه بعد أن صحح وضع نظارته على أنفه مستطردا :

“(كلايست).. (هاينريش فون كلايست).. في “الجرة المكسورة”.”

عاد إلى مكتبه بخطى هادئة و ثابتة كفهد يمشي في حدود مملكته خافضا رأسه قليلا و هو يداعب في الأصبع الصغير ليده اليمنى خاتمه الذهبي الذي يرصعه فص أسود. قبل أن يجلس أشعل سيجارة و هو يقول له :

“أتعرف لماذا حياة الناس الخاصة و حميميتهم مقدسة و بقوة القانون صارت غير قابلة للانتهاك ؟”

“لا، سيدي.”

“لأنها مهد الشر.”

رفع نظره إلى فوق بعد أن استدار في كرسيه نصف دورة ناحية اليمين و هو يدخن أنفاسا متسارعة الوتيرة، ثم أكمل قائلا :

“المسألة ليست أخلاقية، نحن نعرف أنه رجل نزيه. لكن مادام قد قرر أن يصبح لاعبا سياسيا وجب علينا وضعه تحت المراقبة.. إن من يطمح في أن يصبح سياسيا إنما تكون له استيهامات تضخم أناته باستمرار لأنه في العمق يرغب في السيطرة على مصائر الناس.. السياسة رقعة شطرنج كبيرة و كل بيدق يجب عليه أن يقف في المربع المخصص له. السياسة مسألة أخطر من أن تترك لشطحات المزاج و الأهواء. علينا ضبط الرقعة و اللاعبين فوق الرقعة. مفهوم ؟”

“تطلب مني سيدي أن أجد حجرة عثرته ؟”

“بالضبط.. و بعد خمسة أيام، أريدك أن تأتيني بتصور واضح عن فرضيات عمل واقعية.”

“أيمكنني أخذ الملف معي قصد دراسته بشكل أعمق ؟”

“أجل.”

فهم أن المحادثة قد انتهت و ما عليه الآن إلا أن يعصر فكره و يركز كل قوة ذهنه في أدق تفاصيل الملف كي يكون في مستوى المهمة التي أوكلت إليه. نهض بطريقة منضبطة و يده اليسرى التي بها المناديل الورقية تكمش على الملف. استأذن رئيسه بالانصراف، وقبل أن يغادر قال له و هو يفتح ملفا جديدا : “لا تنس أبدا.. مهنتنا تشبه النبوءة.. و حين يتلقى نبي الرسالة فلا خلاص له إلا النجاح.” كانت يده قد أحكمت القبضة على معصم الباب و على وشك فتحه إلا أنه توقف ليستوعب كلام رئيسه. استدار ثم قال له : “نعم سيدي.” هم بفتح الباب لكن شيئا لم يعرف مصدره منعه من المواصلة. أحس في أعماقه بسيالة نارية تغلي و تتصاعد شاقة طريقها بقوة حارقة. كان سؤالا. تلمس جوانب الملف بطرف أصابع يده التي بدأت مجددا تتصبب عرقا. استدار و سأله قائلا :

“عفوا سيدي.. أيمكنني أن أسألك سؤالا ؟”

“تفضل.”

“لماذا سيدي تحب دوما أن تخيم على مكتبك هذه العتمة ؟”

و من دون أن يرفع رئيسه عينيه من على الملف الذي يبدو أنه انطلق في دراسته وفك أسراره بنفس الحيوية التي عالج بها الملف السابق رد عليه قائلا :

“في الظل تكون الرؤية أوضح. شيء آخر، ابتداء من اليوم لا داعي لأن تأتي إلى العمل و لا تحاول أن تتصل بي.. إنها مهمة سرية و يجب أن تظل سرية حتى النهاية.. سأجد وسيلة مناسبة لأتصل بك.. هل كلامي مفهوم ؟”

“نعم سيدي.. و لكن…”

“لا تأتي إلى العمل حتى إذا استدعاك رئيسك المباشر. من الآن فصاعدا عليك أن تكرس كل طاقتك لهذه المهمة فقط.”

فتح الباب ثم خرج. غادر مقر الإدارة و قلبه يضطرب بشعور و نقيضه. كان يشعر في الوقت نقسه بفرحة عارمة و بحزن أسود. كانت فرحة كبيرة إلى درجة أنه فضل عدم كشفها و الاحتفاظ بها حصريا لنفسه كي لا تظهر على وجهه فيشاركه إياها كل من رآه و كان حزنا أسودا لأن هذه المهمة زرعت في قلبه الخوف من الفشل. ركب سيارته قاصدا مقهى يطل على البحر يحب أن يرتاده حين يكون باله مشغولا بأمر غاية في الخطورة و يرغب في إراحة أعصابه. هو محتاج اليوم و أكثر من أي وقت مضى لكل طاقته للتركيز في المهمة التي أسندت إليه. بينما كان يسوق سيارته عبر الطريق البحري كانت عناصر الملف تتجمع في ذهنه بصفاء النجوم الصيفية و تلمع بوضوح أخاذ في ليلة اكتمل فيها البدر. البدر هو ابنة الشخص موضوع المهمة. كانت صورتها غاية في الجمال، وبقدر ما كان الطريق يمتد أمام عينيه طويلا فارغا بقدر ما كانت صورة وجهها تتسع في عينيه إلى أن تهيمن على ما بين السماء و الأرض. تساءل مع نفسه إن كان وجهها بهذا الجمال الملائكي ترى كيف يكون جسدها ؟!! و قبل أن يصل إلى المقهى كان قد أيقن أن هذه المرأة هي مفتاح الملف بأكمله. أما حين جلس في مكانه المعتاد قبالة البحر و وضع على الملف هاتفه النقال كي لا تذهب الريح بأوراقه في انتظار الانتهاء من احتساء قهوته و تدخين بعض السجائر التي اشتراها مباشرة بعد خروجه من عند رئيسه كان قد تجمد وجدانه حول حقيقة واحدة : إذا لم يجد حجرة العثرة فإنه سيصنعها.

 

 

(١٢)

ثبات الصياد

 

 

المهمة مثل المعركة، للانتصار فيها يتعين على المرء ضبط الخطوات التمهيدية و ربح الوقت.

_ عناصر أولية :وحيدة والدها. أمها توفيت في حادثة سير قبل سبع سنوات. تمتهن الفن التشكيلي. في عيد ميلادها الخامس و العشرين أهداها أبوها شقة في وسط المدينة تسكن فيها و تستعملها أيضا كمحترف لرسم لوحاتها. لم يسبق لها أن نظمت معرضا. لا تشوب سلوكها أية شائبة. مواعيدها اليومية مضبوطة بدقة كساعة سويسرية. محيط علاقاتها الاجتماعية محدود للغاية. تزور والدها مرتين في الأسبوع، الخميس و الأحد من الساعة الرابعة زوالا إلى حدود الساعة التاسعة مساء. سافرت أربع مرات إلى الخارج، إسبانيا و إيطاليا و فرنسا و ألمانيا في إطار تدريب نهاية كل سنة حين كانت تدرس في معهد الفنون الجميلة.

_ ملاحظة هامة: علاقتها بأبيها طبيعية لكن تعرف بعض التوتر بسبب إلحاحه المستمر عليها بضرورة زواجها في أقرب الآجال و تأسيس أسرة كي تنجب له من يرث ثروته. يبدو أن الفكرة لا تستهويها البتة، على الأقل في المرحلة الراهنة. لا يوجد أي رجل في حياتها و لم يسبق لها أن أقامت علاقة غرامية مع أحد. يمكن الجزم بأنها من فصيلة الناس اللذين وهبوا حياتهم للفن.

_ فرضية العمل : لأنها تحرص على ضبط علاقتها بالمجتمع من خلال العزلة التي تفرضها على نفسها              و تتقيد بها فإن كل محاولة لمقاربتها بطريقة مباشرة ستوقظ حذرها، الأمر الذي يهدد كل العملية بالفشل. لهذا السبب بالتحديد سيكون من الأجدى خلق رابط عاطفي اصطناعي معها، من الأفضل في إطار مناسبة عامة.

لا أَتَصَوَّرُ نَفْسِي يَوْماً مُرْتَبِطاً بِامْرَأَةٍ. ذَلِكَ أَنَّ المَرْأَةَ تُشْبِهُ المُنَشِّطَاتِ.

تُصَوِّرُ لَكَ فِي البِدَايَةِ أَنَّكَ إِلَهٌ يَجْرِي فِي الأرْضِ جَرْيَ الوُحُوشِ.

لَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَخُورُ قِوَاكَ وَ لا يَتَبَقَّى مِنْكَ إِلا حِذَاؤُكَ وَ رَبْطَةُ عُنُقِكَ وَ سَاعَتُكَ.

أَمَّا فِيمَا يَخُصُّ حَالَتِي بِالتَّحْدِيدِ، لا أَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَ العَيْشِ مَعَ امْرَأَةٍ تَمْشِي بِبُطْءٍ.

أَلا تَرْغَبُ فِي أَنْ يَكُونَ لَكَ أَبْنَاءٌ ؟

لا… أُفَضِّلُ أَنْ أَبْقَى إِبْنَ نَفْسِي.

بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، أَضْمَنُ أَنّهُ سَيَكُونُ بَارّاً بِأَبِيهِ !!!

نالت أخيرا فرصة عرض لوحاتها في رواق تابع لمؤسسة بنكية ضخمة. كان هناك حضور هام من الزوار ينتمي أغلبهم إلى الطبقة الرفيعة. بقي واقفا عند باب الرواق وحيدا يراقبها عن بعد و الفرحة تغمر قلبها. كانت تقف بين أبيها و المدير العام اللذين تربطهما صداقة قديمة و أعمال شتى. ليس من المستبعد أن يكون لأبيها دور في تنظيم هذا المعرض خصوصا و أنه يعتبر من الشركاء الأقوياء للبنك. أخذ المدير العام الميكروفون و رحب بالحضور متمنيا لهم الاستمتاع بأعمال بنت رجل الأعمال الذي هو في الأصل صديق قديم و زميل دراسة في الجامعة كان معروفا عنه دوما ميولاته الفنية التي و إن لم يخرجها يوما للوجود فقد تجسدت في ابنته. قال إننا اليوم لدينا الفرصة الذهبية لمشاهدة تحفتين فنيتين، اللوحات المعروضة و صاحبة هذه اللوحات. كانت كلمته مقتضبة لكنها جلبت تصفيقات حارة و طويلة لم تتوقف إلا حين وضع المدير العام الميكروفون على مائدة صغيرة كانت وراءه و فتح ذراعيه للحضور علامة الدعوة إلى الانطلاق في سفر تشكيلي قلما تتاح الفرصة للظفر به. تفرق الزوار إلى مجموعات كل واحدة منها تقف أمام لوحة تتأملها و تتبادل فيما بينها مختلف الآراء و التعليقات يحدد درجة نقدها القرب من الفنانة. كانت الانتقادات اللاذعة التي تصل إلى حد التجريح و المساس بشخصها هي تلك التي تصدر من اللذين يقفون بعيدا عنها. لا يمكنها أن تسمعهم فيطلقوا العنان للحقد الذي يعرف كيف يتجمل. بعد أن انتهى من استكشاف زوايا المكان و سماع بعض من هذه الانتقادات قرر الدخول و الغوص في هذا العالم الجديد كليا بالنسبة له. بابتسامة ناعمة بددت شعور الحرج الذي يلم بكل إنسان تطأ قدمه عتبة المجهول أعطته موظفة الاستقبالات كتيبا صغيرا فيه نبذة مختصرة عن حياة الرسامة و وصف تقني للوحاتها المعروضة. تقدم تلقائيا بخطوات حذرة إلى أقصى يسار القاعة حيث كانت اللوحة الأولى معلقة على الجدار يضيئها مصباح أنيق. هناك ظل متسمرا يتظاهر بدراسة أدق تفاصيلها. أخرج من جيب سترته العلوي نظارته التي يستعملها عادة في القراءة ثم عقد يديه. كانت عيناه غارقتين في خطوط و ألوان اللوحة فيما كانت أذناه في حالة استنفار قصوى تلتقط كل ذبذبات الأصوات التي تتردد بين جدران الرواق. سمع سيدتين واقفتين بجانبه تتحدثان بازدراء مسموم عن الأعمال المعروضة و مستواها الفني الضعيف. قالت المرأة الأولى لصاحبتها إنه لولا تدخل أبيها لما كانت لتحلم بمعرض كهذا. لم ترد عليها صاحبتها بأية كلمة و اكتفت بتحريك رأسها للتأكيد.

تذكر الأيام و الليالي التي كان يقبض فيها على مجرمين لا يطلبون من الدنيا سوى الاستمرار في العيش. استرجع في ذهنه بسرعة شريط اعترافات كل أولئك اللذين أرسلهم إلى غياهب السجن لا لشيء سوى لأنهم أخذوا حقهم من هذه الدنيا بأيديهم. أغمض عينيه لبرهة و كأنه يريد إيقاف تسلسل الذكريات السوداء هذه ثم فتحهما على فكرة جديدة حطت في عقله كطائرة كانت تائهة في السماء تبحث عن أرضية مطار: حتى هؤلاء الناس اللذين يعيشون في نعيم بعيدا عن ضجيج الحياة الداعرة لهم أسلوبهم الخاص في الجريمة، بل جرائمهم أكثر شراسة مما يمكن للمرء تصوره. غير أن الجريمة هنا تتم في صمت و الأجساد التي تسقط لا تحدث أي صوت لأنها تتهاوى على زرابي ناعمة. هكذا إذن يكون عالم الفنان، القريبون منه متملقون و البعيدون عنه يتميز قلبهم حقدا. العزلة شرط أساسي في حياة كل فنان، ليس بسبب الرومانسية التي تنطوي عليها و لكن لأن الآلة الجهنمية للإبداع تحشره في زاوية لا يبرحها محاطا فقط بمجموعة أقنعة بلا وجوه عالقة في الفراغ.

لم يعرف كم من الوقت بقي واقفا أمام اللوحة الأولى، و لم ينتقل إلى اللوحة الثانية إلا حين انتبه لغياب الزوجين اللذين كانا واقفين أمامها بعد أن علقا عليها بسلبية بالغة. كانا في عقدهما الخامس و من نظرة جانبية حذرة أدرك أنهما ينتميان إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى. قال الزوجان ممتعضين : “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.” و استطردت زوجته قائلة : “لا أعرف كيف يسمح أب لابنته برسم مثل هذا العري ؟.. لم تعد هناك تربية و لا أخلاق.” تعجب لصدور مثل هذا الكلام من امرأة تبالغ في التزين و لا تضع فوق ذلك حجابا. تبادرت إلى ذهنه أسئلة كثيرة لكنه فضل عدم التفكير فيها و مواصلة اكتشاف عالم هذه الفنانة. أخذ ينتقل من لوحة إلى أخرى بخطوات محسوبة، خطوتين بالضبط.لم يلاحظ انفضاض الجمهور من حوله إلا حين انتقل إلى الجدار الثاني. إذ ذاك، وجد الجميع قد تجمع حول مائدة فاخرة وضع عليها ما لذ و طاب من أكل خفيف و شراب. لم يلحق بهم و تابع قراءة اللوحات حتى انتهى منها كلها ليعود إلى اللوحة الأولى و يقف أمامها دون أن يحرك ساكنا. كانت اللوحة تصور امرأة عارية تضع يديها تحت رأسها مما يجعل مفاتنها تظهر أكثر جمالا و إثارة. غير أن ما جذبه أكثر لم تكن أعضاؤها و إنما وجهها الذي كان ممسوحا ببشاعة و كأن الرسامة مسحت خطوط و ألوان الوجه بيدها. باستثناء الوجه كل شيء كان مرسوما بدقة بارعة إلى درجة أنه من ينظر إلى اللوحة من بعيد يخالها صورة فوتوغرافية و ليست لوحة زيتية. بقي واقفا لوحده أمام اللوحة تسافر عيناه تارة على نهديها الممتلئين و تارة أخرى على فرجها الذي يغطيه شعر أشقر خفيف ينتظم في مثلث، يقف عليه عصفور صغير ينقبه. بقي واقفا حتى أتت الرسامة نفسها لتقف على يساره و هي تحمل في يدها كأس عصير. أعطته الكأس الذي أخذه منها دون أدنى تردد. كانت هي أيضا تنظر إلى اللوحة. قال لها بعد أن رشف من الكأس رشفة كبيرة روت عطشه :

“شكرا لك.”

سألته بمرح لذيذ ينم عن خفة و حلاوة روحها :

“هل أعجبتك هذه اللوحة ؟”

أجابها بعد فترة قصيرة من التفكير :

“نعم.. لقد أعجبتني للغاية. إنها حقا لوحة رائعة.”

“ما الذي أعجبك فيها ؟”

“يجدر بك أن تسأليني ما لم يعجبني فيها.”

“حسنا.. ما الذي لم يعجبك في اللوحة ؟”

“الوجه. نعم، الوجه.. لماذا وجهها ممسوح ؟”

“لأن الرجال مهووسون فقط بجسد المرأة و وجهها هو آخر شيء يعيرونه اهتماما.”

صمت و حول نظره من وجه الرسامة إلى اللوحة و هذه المرة، ركز نظره على بطن المرأة، المنطقة الوسطى بين النهدين و الفرج حتى لا يكرس فكرتها عن الرجال. واصلت كلامها قائلة :

“لقد تعمدت أن أمسح وجهها. بمسحي لوجه هذه المرأة أضع الرجل في مواجهة حقيقته أو ما يعتبره هو حقيقته عن المرأة، الأمر الذي يدفعه إلى الوقوع في الفخ الذي نصبه بنفسه.”

بدت جليا على وجهه آثار الحيرة و عدم الإدراك فرد عليها :

“لا أظن أنني فهمت جيدا ما قلته.”

“أقصد أن الرجل حين يرى في المرأة مجرد موضوع شهوة فهو في الحقيقة ينصب فخا لنفسه يقع فيه في الوقت الذي يذهب لاستهلاك هذه الشهوة. جسد المرأة ليس صفحة بيضاء بل عالم معقد من اللغات و الرموز. كي يستطيع الرجل الولوج إليه عليه أولا ألا يعتبر المرأة مجرد كائن حيواني وحيد الوظيفة، و لكن ككائن علوي روحه أسمى من جسده.”

“المرأة تُقرأ من فوق إلى تحت، و ليس العكس.”

“تماما، و مسح الوجه يشكل نوعا من الاحتجاج من قبلي على هذه النظرة الدونية السائدة التي تقرأ المرأة من تحت إلى فوق.”

“فهمت.”

“بصراحة، أنت تبدو أكثر ذكاء من كل هؤلاء المنافقين اللذين ما إن رؤوا الأكل و الشراب حتى نسوا الفن.”

“ماذا يمكنك أن تنتظري من أناس يقرؤون الإنسان من تحت إلى فوق ؟”

انفردت تفاصيل وجهها عن ابتسامة رائعة مسحت فجأة في خياله كل العالم المحيط بهما. انتفى الحضور                  و المعرض. كذلك صمت اختلاط الأصوات. انتفت الأضواء و تركزت بؤرة ضوء قوية عليهما. لم يبق إلا هو            و هي في عالم عذري لا يدري كيف دخله يتأمل هذه المرأة ذات مستوى ثقافي أعلى بكثير مما كان يتصوره. لم تكن ابنة رجل أعمال محظوظة المولد و النشأة فحسب، و لكن كانت امرأة ناضجة واعية تمام الوعي بقضايا مجتمعها الراهنة. لم يرجع إلى واقع الأشياء إلا حين سألته بإلحاح :

“إلى أين وصلت في شرودك ؟”

أخفى بسرعة حرجه برشفة من العصير ثم أجابها قائلا :

“كنت أفكر فقط في التيار الذي أنت متأثرة به أكثر.”

ردت عليه و هي تجمع يديها وراء ظهرها كطفلة صغيرة مستديرة نحو اللوحة :

“الانطباعية.. أنا متأثرة روحيا بالفن الانطباعي.”

تذكر مقطعا من كتاب “نظرية الفن الحديث” لـ(بول كلي) يتحدث عن الفن الانطباعي و ظن أنه يزيد من حظوظه في الاقتراب منها أكثر إذا قال لها : “الانطباعية تنفتح على الطبيعة بطريقة سلبية : تقاربها في حالة توفر بصري و تبحث عن معرفتها في آثارها البصرية.”

ارتسمت على وجهها آثار الإعجاب بلغ حد الانبهار دفعها إلى الاقتراب منه أكثر، خطوة واحدة، لتسأله قائلة :

“اعذرني إن كنت متطفلة، أيمكنني أن أعرف ماذا تعمل ؟”

و دون تفكير رد عليها في الحال :

“كاتب.. أنا كاتب.”

“حقا ؟”

“نعم، أنا كاتب. صحيح أنه لم ينشر لي بعد أي عمل لكنني أعتبر نفسي كاتبا.”

“و ماذا تكتب ؟”

“قصصا قصيرة و كذلك بعض القصائد بين الفينة و الأخرى. أحلم بكتابة رواية لكن الفكرة لم تختمر بعد جيدا في ذهني.”

“سألتك ماذا تعمل لأنني ظننت أنك ناقد تشكيلي.”

“و هل لدينا حقا نقاد تشكيليون ؟”

“(بول كلي) على حق فيما يخص رأيه عن الفن الانطباعي، و لكن في مجتمعنا هذا مشكلة الناس تكمن في كونهم حين يوجدون أمام ظاهرة تنفتح بوضوح للبصر، أي ما يسميه بطريقة سلبية، فإنهم لا يرونها بشكل صحيح. على الناس أن يتعلموا أولا الرؤية كي يستطيع الفن التشكيلي الارتقاء فيما بعد إلى مستويات عليا من التجريد. ذلك لأن الناس لا يفهمون الأمور إلا في درجتها الأولى. ما هو الفن الانطباعي في نهاية المطاف ؟ صورة مرسومة، أو لنقل صورة زائد رسالة. على العكس من ذلك، الفن التجريدي يقفز مباشرة إلى الدرجة المائة. الفنان كما أتصوره بكل تواضع هو نتاج مجتمعه و عليه أن يخدم مجتمعه هذا بشكل يستطيع به أن تفهمه أكبر شريحة ممكنة. أتعرف، أستحضر في ذهني دائما قول الله تعالى : (وَ لَقَد ذَرَأنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنِّ وَ الإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَ لَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أولَئِكَ كَالأَنعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ) صدق الله العظيم. أظن أن كل سر الفن يكمن في هذه الآية.”

رجعت إلى ذهنه لاإراديا كلمات الزوجين اللذين علقا قبل قليل على اللوحة و عاذا بالله من الشيطان الرجيم مستنكرين غياب التربية و الأخلاق. التفت إلى مائدة الطعام يبحث بعينيه عنهما فوجدهما منهمكين في الأكل بشراهة عالية بعد أن جمعا أصنافا متنوعة في صحن صغير و انزويا بعيدا عن الناس. لم يطل نظره إليهما لأن الاحتقار كان قد تشكل في قلبه تجاههما حتى لمع في عينيه. حول نظره نحو الرسامة و لم يجد ما يقوله لها سوى : “معك حق.” أعجبته كثيرا الابتسامة الهادئة التي ارتسمت على زاوية شفتيها و هي تنظر في عينيه عبر زجاج نظارته و كأنها تحاول قراءة نص مشفر.

“قلت لي إنك تكتب شعرا بين الفينة و الأخرى، أليس كذلك ؟”

“بلى.”

“أفكر أن أعقد معك صفقة.”

“صفقة ؟”

“إذا ارتجلت لي حالا قصيدة من وحي هذه اللوحة فزت بها.”

“اللوحة ؟ قصيدة مقابل هذه اللوحة ؟”

“تماما.. ما رأيك ؟ هل أنت قادر على رفع التحدي ؟ لا تنس أنك ستفوز بلوحة أخذت مني وقتا            و جهدا كبيرين، و هي بلا مبالغة أحب أعمالي إلى قلبي.”

“أقبل التحدي و أقبل الصفقة.”

بَيْنَ فَخِذَيْكِ..

يَمْتَدُّ العَالَمُ بِلا حُدُودٍ تَائِهٌ فِي مُدُنِ الظَّلامِ

بِلا شَمَالٍ لِلْعِشْقِ أَوْجُهٌ عَدِيدَةٌ

كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ قَامُوسُ مُتَشَابِهَاتٍ

لَكِنْ لَهُ مَحَجٌّ وَاحِدٌ أَوْحَدُ.

بَيْنَ فَخِذَيْكِ..

أَيْنَمَا وَلَّيْتُمْ فَثَمَّ وَجْهُ الشِّعْرِ

ذِي الجَلالِ وَ الإِكْرَامِ.

بَيْنَ فَخِذَيْكِ..

تَنْتَحِرُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَانِ

فِي صَلاتِهَا.

بَيْنَ فَخِذَيْكِ..

فِي بَدْءِ الخَلْقِ كَانَ الفَرَاغُ

يُجَلِّلُ الصَّمْتُ شَوَاطِئَ المَنْفَى

لأَنَّ الصَّمْتَ عِبَادَةٌ وَ قَدَاسَةٌ

دُعَاءُ الفَرَاغِ لِلْفَرَاغِ يَصْعَدُ السَّمَاءَ

يَمْلأُ الكَوْنَ فِرْدَوْساً مَوْعُوداً لِلشُّهَدَاءِ.

بَيْنَ فَخِذَيْكِ..

يُؤَذِّنُ الشَّبَقُ وَ النَّاسُ نِيَامٌ

صَلاةَ مُنْتَصَفِ لَيْلِ مَحَطَّةِ الزَّمَنِ الآتِي.

بَيْنَ فَخِذَيْكِ..

لِلْحُمْقِ مَوْعِدٌ مَعَ عَتْمَةِ الفَجْرِ

حَيْثُ الشَّيَاطِينُ مُكَبَّلَةٌ

وَ أَبْوَابُ الجَنَّةِ مُشْرَعَةٌ بِرِيَاحِ السَّفِينَةِ الآتِيَةِ.

بَيْنَ فَخِذَيْكِ..

إِذَا انْفَجَرَتِ الكَلِمَةُ دَماً

يَتَمَوْسَقُ نَهْدَاكِ عَرَقاً

يَتَبَعْثَرُ شَعْرُكِ نَثْراً

يَتَدَفَّقُ جَسَدُكِ شِعْراً

وَ إِذْ يَذُوبُ كُحْلُكِ دَمْعاً

أُدْرِكُ أَنَّ القَصِيدَةَ قَبَسٌ

هَوَى مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ

وَ أَنَّ جُنُونِي بَيْنَ ذِرَاعَيْكِ

إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى.

انتهى من القصيدة و توجها بالفوز. فاز باللوحة. هو نفسه لم يخضع لهذا النوع من التحدي من قبل في حياته. الارتجال. كان الشعر بالنسبة إليه يحتاج دوما للجلوس في المكتب و قضاء ساعات في كتابة و محو                و إعادة كتابة كلمات لا فرق بين معانيها سوى شعرة. و كان يجد صعوبة حارقة في بداية كما في إنهاء قصيدة. و اليوم، كان يكفي أن يقف أمامها لتنمحي كل الصعوبات و يتدفق الشعر كفعل إنساني نبيل من تلقاء نفسه بسهولة من يشرب كوب ماء ؟ ربما كان يحتاج في أيامه الماضية إلى صور تساعده على نظم قصائده. الشعر صور. و لو لم تكن هناك هذه اللوحة لما تيسر له الشعر، يجب الاعتراف بذلك. أخرجت من جيب قميصها بطاقة زيارة ناعمة الملمس كتبت بماء من ذهب و أعطتها له قائلة بنبرة من أصابته القصيدة في مقتل :

“متى يمكننا أن نلتقي لأعطيك اللوحة ؟”

“حيث و متى تحبين ؟”

“غدا.. غدا، العاشرة صباحا بمقهى (بيكاسو).. هل هذا يناسبك ؟”

“تماما.. شكرا جزيلا لك مرة أخرى.”

أخذ منها البطاقة و تعمد أن تلمس أطراف أصابعه أصابعها الرقيقة. استأذنها بأن يهاتفها ساعة قبل الموعد للتذكير أو للتأكيد. وعدها بأنه لن يتأخر في المجيء، بالضبط على الساعة العاشرة. لم تجد مانعا          و ابتسمت له ابتسامة مبهمة لم يستطع فهمها و كأن رموز وجهها انغلقت بعد أن كانت واضحة وضوح القمر في ليلة صيفية. لكنه أحب ابتسامتها الجديدة، بل أحبها أكثر من كل أنواع الابتسامات التي رآها منها إلى حد الآن. سألها بعد برهة إن كانت القصيدة قد أعجبتها. أجابته بنعم دون أن تنبس ببنت شفة، فقط بحركة من رأسها الذي هزته خفيفا علامة الإيجاب. ظن أنه ما من سبب يدعوه للبقاء واقفا إلى جانبها، خصوصا و أن الحضور كان قد فرغ من الأكل و الشرب و عاود الانتشار في القاعة. طلب منها أن تسمح له بالانصراف. وافقت. ناداها أبوها من بعيد لتلتحق به لأن كاميرا التلفزيون كانت قد وصلت لتوها قصد تغطية المعرض و أخذ تصريحاتها و انطباعاتها. ظل يراقبها تحفر مسارها وسط الناس اللذين ما إن رؤوا الكاميرا مشتعلة حتى صاروا يمرون أمامها و هم يتظاهرون بأنهم لم يروها، و منهم من كان يتعمد الوقوف وراءها لا لشيء سوى ليظفروا ببضع ثواني من الظهور على شاشة التلفاز، في نشرة الأخبار الأخيرة. أمعن النظر في بطاقة الزيارة الجميلة التي فضحت درجة الخشونة التي صارت عليه يده. لم يشبع من قراءة و إعادة قراءة كل الكلمات و الأرقام المطبوعة عليها. شعر بارتفاع الضجيج من حوله و أدرك أنه حان الوقت بالنسبة إليه ليذهب. وضع البطاقة في جيب قميصه. توجه ببطء نحو الباب الكبير الذي يفتح تلقائيا بالأشعة تحت الحمراء و هو لا يكف عن النظر إليها. و بقدر ما كان مغتبطا لفوزه باللوحة التي أسرته كجنية بحرية بقدر ما كان الألم يعتصر قلبه على فراقها. غير أن ما أعطاه الأمل المتجدد في توطيد علاقته بها أكثر هو موعده معها غدا. غدا قريب، خاصة حين يكون الموعد مضروبا في الصباح. خرج من المعرض إلى فناء ساحة كبيرة خالية تحيط بها مقاهي راقية. استدار ليراها مرة أخرى فوجدها أمام عدسة الكاميرا تتكلم بوجه ملائكي فتان، فيما توارى أبوها و صديقه مدير المؤسسة البنكية قليلا إلى الخلف كي لا تظهر في الشاشة إلا الرسامة التشكيلية الواعدة. انصرف لحاله لا يفكر إلا فيها. فيها و في القصيدة. و كلما تقدمت خطواته على الرصيف المتسخ كلما تصاعد صوت بعيد من أعماقه يؤكد له بأنه صار صريع هواها و يصرخ بأن ملهمته الحقيقية لم تكن اللوحة و إنما الأصل، هي.

 

(١٣)

الوجه و القناع

 

 

مقهى (بيكاسو).

لأنه مقهى مصمم بطريقة فنية بارعة فمعظم الفنانين بمختلف مشاربهم يرتادونه، لكن غالبا بعد الزوال           و في الليل. يلتقي فيه ممثلون مسرحيون يتخذون من زاوية المقهى نقطة تجمع لتبادل وجهات النظر حول عمل مسرحي قيد الإعداد، كما يأتي شعراء و كتاب إما لتنقيح قصائدهم و قصصهم و إذا جاء صحفي إلى المكان تركوا كلهم أعمالهم محاولين الظفر بوده لعله يتذكرهم بعمود أو اثنين في جريدته تساعدهم على اقتحام بؤرة الضوء قليلا بدلا من البقاء منفيين في المجهول المظلم.

حين أتى إلى المقهى كان فارغا تماما. لا أحد، باستثناء النادلة التي تنزل الكراسي من فوق المائدة بتثاقل بالغ و كأنها لم تستطع أن تتخلص بعد من كتلة النوم الغليظة في رأسها. أدرك بمجرد النظر إلى زوايا المقهى الفارغة أن الفنانين أناس كسالى بطبيعتهم، و هو أمر راجع ربما لساعات عملهم التي تنطلق غالبا في أوائل الليل و تستمر إلى ما بعد الفجر. الفنان كائن ليلي. سلم على النادلة بحركة من رأسه و توجه مباشرة إلى أقصى زاوية على يمين باب المقهى الأنيق الذي كتبت على زجاجه مقولة لـ(بابلو بيكاسو) بورق ذهبي رفيع : “الفن كذب يسمح بكشف الحقيقة.”

انتهت النادلة من وضع آخر كرسي أمام المائدة المخصصة له. أتت إليه بابتسامة خفيفة بالكاد تقدر على رسمها بشفتيها الرقيقتين لتطلب منه إن كان يرغب في وجبة فطور. رد عليها بسرعة و قال لها :

“لا، شكرا.. أحضري لي فقط قهوة سوداء.”

“حسنا سيدي.”

جاء ساعة قبل الموعد المحدد حاملا في يده ملفا يضم بعض آخر القصائد التي كتبها و فضل أن يستفيد من الفسحة التي تمنحها ساعة من الزمن قصد مراجعتها وسط هذا الفضاء الجميل الذي يكتشفه أول مرة. لم تتأخر النادلة بالقهوة و لم تستطع أن تقاوم فضولها و هي تضع الفنجان بعناية فائقة حين رأته يخرج أوراقه : “بصراحة سيدي، لأول مرة في حياتي أرى شاعرا يستيقظ باكرا !!!” لم يقل لها شيئا. ذهب نظره مباشرة إلى جانب الفنجان فوجد فقط قطعتين من السكر. طلب منها أن تأتيه بقطعتين إضافيتين، و هو يبتسم لها ابتسامة مشرقة زادتها أشعة الشمس التي تنفذ من الزجاج بريقا. ذهبت لتأتي بالسكر و هي تقول في نفسها بصوت مسموع :

“و كذلك لأول مرة أرى شاعرا يستهلك السكر بكثرة !!!”

لم يتضايق من ملاحظتيها، بل أعجب بهما و أعجب أكثر بشخصيتها التي تنتبه لأدق التفاصيل. لطالما أعجبه هذا النوع من الناس لأنهم يجعلونه يشعر بأنه ليس الوحيد المهووس بالدقة مما يخفف عن روحه ثقل العزلة. أخرج نظارته من جيب سترته العلوي و وضعها برفق على عينيه حتى اتضحت له صورة كتاباته.

لَمْ أَنْتَبِهْ لِوُجُودِ عُصْفُورٍ مَيِّتٍ فِي جَيْبِي إِلاَّ بَعْدَ

أَنْ غَادَرَتْنِي شَيَاطِينِي دَاهِسَةً فِي سَيْرِهَا كُلَّ المَلائِكَةِ المُتَقَاعِدَةِ.

بَقِيتُ إِطَاراً مَسْعُوراً مَنْزُوعَ الصُّورَةِ مَرْمِيّاً فَوْقَ هَذَا

السَّرِيرِ الضَّحْلِ لا أُفَكِّرُ فِي أَيِّ شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ القَصِيدَةِ

الَّتِي تَرْفُضُ النَّوْمَ مَعِي وَ الَّتِي لا تُحِبُّ الصُّوَرَ.

وَ لَكِنْ، مَنْ أَخَذَ الصُّورَةَ ؟ ثُمَّ كَيْفَ دَخَلَ هَذَا العُصْفُورُ

وَ أَنَا الَّذِي لا أَفْتَحُ أَبَداً البَابَ وَ النَّوَافِذَ ؟

حين رفع عينيه نحو الباب ليأخذ رشفة من فنجان قهوته و أيضا ليتأمل بعمق إن كانت القصيدة جيدة هكذا أم تحتاج بعض المقاطع فيها لإعادة صياغة أم أن كل القصيدة لا تستحق حتى أن تسمى قصيدة و عليه تمزيقها و إعادة كتابتها من جديد، كانت واقفة عند الباب تحمل في يدها اللوحة مغلفة بورق مقوى تنظر إليه              و كأنها تنتظر أن يعطيها الإذن بالالتحاق. قام من مكانه بحيوية عفوية فاتحا ذراعيه علامة الترحيب طالبا منها أن تجلس بعد أن أسرع بإمساك الكرسي المقابل له لتجلس عليه جلسة صحيحة. قالت له و هي تدفع اللوحة برفق إليه :

“همم… رجل لبق… قليلون هم الرجال اليوم اللذين يحسنون التعامل مع المرأة.”

رد عليها و هو يتحسس جوانب اللوحة قبل أن يسندها إلى جانب كرسيه جيدا حتى لا تسقط :

“هذا واجب يا سيدتي الجميلة… ألف شكر مرة أخرى على اللوحة.”

“لقد وعدتك بها و قد فزت بها عن جدارة و استحقاق.. ما هذا الذي تقرأ ؟”

حاول لملمة أوراقه بسرعة كطفل يخجل من رسوماته السيئة إلا أنها كانت قد سبقته و وضعت يدها على الملف قبل أن ينجح في غلقه. أجابها بنبرة مرتبكة :

“هي قصائد كتبتها مؤخرا غير أنني… لا أدري…”

“ماذا ؟.. هل يمكنني أن أقرأها.. أحب اكتشاف النصوص و هي في طور الكتابة. في هذه المرحلة بالتحديد يظهر جليا أسلوب الكاتب الحقيقي و طريقة اشتغاله.”

“أجدها و كأن شيئا ما ينقصها.”

“لهذا السبب أنا متأكدة بأنك شاعر كبير.”

“ماذا تقصدين ؟”

“الشاعر أو لنقل الفنان عموما، أعني الحقيقي، يعيش في حالة دائمة من عدم الرضى عن أعماله. و بقدر ما يذوب في عمل ما فإن هذا الشعور ينتقل إلى ذاته كوباء معد. لهذا تجد كبار الفنانين دوما منعزلين، مهمومين و غرباء الأطوار حين يتصلون بالمجتمع.. هذا هو قدر الفنان : محكوم عليه بألا تكون له حياة اجتماعية.”

رنت هذه الجملة الأخيرة في أذنيه قويا، و فكر أن ليس الفنان وحده الذي ليست له حياة اجتماعية. هناك أيضا وظيفته التي لا يعرف عنها الناس شيئا سوى ما يتسرب إلى الجرائد.

لحسن الحظ هناك الشعر !

شعر بانقباض قاهر في قلبه أراد أن يخرجه تأوهات حسرة، لكنه كتمه بكل ما أوتي من قوة. كان بمثابة اختبار إرادة بالنسبة إليه. ذلك لأنه لا يرغب في أن يكون، تحت أي ظرف من الظروف، موضع شفقة منها. هي واحدة من جروح الروح التي لا ينجح أبدا أبناء الفقراء مهما طالت حياتهم أو قصرت في معالجتها. لهذا السبب أرواح الفقراء أثقل من أجسادهم.

خيم صمت قصير بينهما لم يكن فيه أحدهما يدري على وجه التحديد ما يدور في خاطر الآخر. لكن، بعد أن صار الصمت طويلا إلى درجة محرجة لهما الاثنين بادرت إلى كسره قائلة :

“أتعرف من تكون المرأة التي في اللوحة ؟”

صحح وضع نظارته فوق أنفه حتى صارت مثبتة بإحكام بين عينيه ثم نظر مليا إلى كل تفاصيل وجهها الذي لم يكن يزداد إلا نضارة. بعد ذلك، حرك رأسه يمينا و يسارا علامة الاستسلام و رد عليها :

“لا.. لا أعرف من هي.”

قالت له بنبرة مباشرة صدمته :

“إنها حبيبتي.”

احمر وجهه في اللحظة التي نطقت فيها بهاتين الكلمتين، “إنها حبيبتي”. شعر بحلقه و قد زحف عليه الجفاف حتى أنه وجد صعوبة بالغة في صنع اللعاب و بلعه. حمل إلى فمه الفنجان الذي شرب كل القهوة المتبقية فيه دفعة واحدة و عينه لا تفارق عينيها. فكر في هذا الوجه الممسوح بطريقة عصبية بشعة و استخلص تحليلا سريعا مفاده أن الوجه الممسوح يؤشر على عقدة ذنب عند الرسامة يجد تفسيره في طبيعة هويتها الجنسية، بمعنى أنها سحاقية. أعادت مرة أخرى :

“إنها حبيبتي.”

رد عليها بانفعال لم يقدر أن يسيطر عليه :

“لقد سمعت.”

“ما بك ؟”

“لا شيء.”

“لا حقا.. ما بك ؟ تبدو منزعجا.”

رماها بنظرة حادة حتى أحس بكتلة دم كبيرة تتجمع في عينيه ثم قال لها و هو يعض بقوة على فكيه من الحزم :

“حبيبتك ؟.. إنها حبيبتك ؟”

“نعم.. ما المزعج في الأمر ؟”

عاد الصمت ليخيم ثانية بينهما انفجرت بعده بضحكة لم يكن صوتها مرتفعا كي لا تنتبه النادلة لأمرهما. ضربت كفا على كف كمن اكتشف حل لغز صعب ثم قالت له مستمرة في الضحك :

“آآآه.. ماذا فهمت ؟.. تقصد أنني ؟…”

بدأ يشعر بضغط الصدمة ينخفض و يخف من على قلبه حين رأى ضحكتها التي ما إن انتهت منها حتى قالت له :

“هذه المرأة هي أنا.”

كانت صدمة ثانية، أقوى من الأولى. جحظت عيناه و صار يحركهما بسرعة بين عينيها و شفتيها. كان الارتباك واضحا على كل تقاسيم وجهه. استقر في الأخير بعينه على وجه الرسامة كله بنظرة مبهمة و هو يسألها :

“أنت ؟”

“نعم.. أنا هي هذه المرأة.”

“و لكن كيف ؟”

“كيف ماذا ؟”

“أقصد كيف استطعت أن ترسمي نفسك هكذا، ممددة عارية ؟”

“بواسطة الصورة الفوتوغرافية الملتقطة لي.”

قوة الصدمة ضاعفها وعيه المرير بأن البحث الذي أجراه حول الرسامة فيه أخطاء فادحة. لأيام و ليال طويلة تتبع خطواتها واحدة بواحدة، رصد مختلف تحركاتها، عرف اللذين تجالسهم، عرف كل شيء عنها. لكن، إذا كانت قد رسمت هذه اللوحة كما تقول انطلاقا من صورة فمن إذن أخذ لها هذه الصورة ؟ و أين ؟ و متى ؟

“اسمحي لي بسؤال.”

“تفضل.”

“من أخذ لك الصورة التي على أساسها رسمت هذه اللوحة ؟”

“لا أحد.”

“عفوا ؟”

“لم يلتقط لي أي أحد هذه الصورة.. أخذتها أنا بنفسي.. ضبطت توقيت المصورة فكانت لي الصورة.

“و لكن حين أردت استخراجها ألم تفكري في كون صاحب الأستوديو قد يستعملها…”

قاطعته قائلة و هي تحدجه بنظرة مبتسمة، بقدر ما طمأنته نسبيا بقدر ما زادت من حيرته :

“استوديو ؟.. أي استوديو ؟.. اسمح لي أن أقول لك بأنك كلاسيكي جدا.. كل الصور التي ألتقطها لنفسي أستخرجها في شقتي.. لا أحتاج للذهاب إلى استوديو.. أربط المصورة بحاسوبي فأستخرج في آنها كل الصور التي ألتقطها.”

شعر براحة لم يعرفها قط في حياته تغمر كل مناطق قلبه، و في نفس الوقت، بإحساس عميق بالغباء لأنه لم ينتبه لهذا الاحتمال الذي يشكل تفصيلا دقيقا للغاية في ملف ضخم. الشيطان يختبيء في التفاصيل، كما يقال. لكن، تصرفه الطبيعي هذا دفعها للارتياح له أكثر و ما رآه إخفاقا كان في الحقيقة تقدما إيجابيا. لم ترتح له فقط، بل انتابها ذلك الشعور الذي تحبه كل امرأة من أي رجل ألا و هو الغيرة. رغم الزمن القصير الذي تعارفا فيه لم تمنع نفسها من الظن بأنه يغار عليها و إن لم يكن هناك رجل آخر. غار عليها من مجرد امرأة مرسومة. غار عليها من لوحة معلقة على جدار. غار عليها من امرأة مرسومة وجهها ممسوح. غار عليها من قطعة قماش ممدد على خشب و مغلف في ورق مقوى. لقد غار عليها منها. هكذا فكرت. و هذه البنية التي اتخذها مسار تفكيرها و حساسيتها جعلتها تشعر بمسؤولية كبيرة تجاهه. مادام قد نجحت في استفزازه إلى هذا الحد فعليها الآن أن تعلي من شأنه و تجعله يشعر برجولته، و خصوصا بنفعه. هو كاتب، فلتفتح له المجال إذن لاستعراض قوته :

“قل لي، عماذا تكتب بالتحديد ؟”

أخذ نفسا عميقا استجمع من خلاله تركيزه فأجابها قائلا :

“ليست لدي مواضيع محددة أكتب عنها. أكتب حين يأتيني الإلهام. لست من فصيلة أولئك الكتاب المحترفين اللذين بمقدورهم الكتابة عن أي شيء في زمن محدد. أنا طبعا لا أحط من قدرهم لسبب بسيط ألا و هو أنني لا أستطيع أن أكون مثلهم. كل ما في الأمر هو أن زمن الكتابة عندي طويل و يحتاج بالضرورة إلى اتحاد ظروف ذاتية و موضوعية معينة كي أحمل قلمي ثم أجلس في مكتبي في ليلة ما لا أتوقف حتى أنتهي من نصي الجديد. لا أخفيك سرا أنني حين أبدأ الكتابة لا أكون أعلم ماذا أكتب. لا أحبس نفسي داخل هذه القوالب و التصنيفات الجاهزة : رواية، قصة قصيرة، مسرحية، قصيدة. أكتب. أكتب محمولا فقط بأعصابي. أكتب و كأني أسابق الزمن كي لا تهرب مني الأفكار و تتخلى عني الكلمات. مرات عديدة خانتني الكلمات و تركتني وحيدا في منتصف الطريق لأنني كنت أكتب ببطء. لم أستسغ يوما فكرة الكتابة مباشرة على الحاسوب. أجد في هذه الطريقة برودة تقنية تقتل الإبداع. للقلم دائما قداسته كما للورقة البيضاء عذريتها الساحرة. صحيح أنه لم ينشر لي أي عمل لحد الآن، و لكن سبق لي أن نشرت بعض القصائد و القصص القصيرة في الجرائد. أظن أنه علي أن أفكر جديا في كتابة رواية. لم أجد الموضوع المناسب بعد، لكن على الأقل الرغبة حاضرة و هي كفيلة بأن تدفعني في يوم من الأيام لكتابة الرواية التي أحلم بها.”

انتهى من كلامه فيما استمرت هي منصتة إليه بانتباه عال ممزوج بالانبهار. كانت عيناها الساحرتان تتلألآن و فمها مفتوح قليلا مما أعطى شفتيها امتلاء مغريا. ظل صامتا ينتظر ردها الذي تأخر بعض الوقت قبل أن تقول له بنبرة متحمسة :

“أنا متأكدة بأنك ستكون كاتبا كبيرا ذات يوم.”

لأول مرة يجد أحدا يشجعه و يتنبأ له بمستقبل زاهر. لأول مرة في حياته تنهار في ضربة واحدة كل جدران العزلة التي بناها على نفسه و حبس وجوده داخلها. كلمات مثل هاته لم يكن يوما يحلم سماعها من أي كان. و جمالها المتدفق أنوثة كعين انفجر من قلب صخرة صماء دفعه إلى اكتشاف حدود وهم كان يعتقد أنه حقيقة راسخة. ما كان يعتبره قوة من طرفه كان مجرد هشاشة روح تخاف الخروج إلى العالم و مجابهة الواقع فقررت قطع كل اتصال به. يعيش لوحده. يعمل. يعود في آخر النهار أو آخر الليل إلى البيت. يقرأ أو يكتب ثم ينام. يعيش في سجن انفرادي دخله بإرادته و دون أن يقترف جريمة.

شكرها بحرارة. مد يده اليمنى ليصافحها. مدت هي كذلك يدها. تصافحا. كانت يده ساخنة جدا بينما يدها كانت باردة مثل قطعة الثلج. ألا يقال بأن اليد الباردة تعني قلبا دافئا ؟ ليست البرودة هي الصفة الوحيدة التي كانت يدها تتقاسمها مع الثلج، هناك أيضا بشرتها التي كانت ناعمة و ناصعة البياض و الصفاء. استمر في مصافحتها و كأنه ينتظر أن يكتمل انتقال الحرارة التي يغلي بها جسمه إليها. لم يكن قلبه دافئا فحسب، بل كان يشعر بأن نيرانا هوجاء لا يعرف مصدرها قد اندلعت بين ضلوعه و لا يدري كيف يخمدها. شعرت بحرج خفيف بعد أن طال تصافحهما. قالت له و عيناها تبتسمان :

“يوم تقرر نشر روايتك الأولى سيكون من دواعي فخري و اعتزازي أن أهديك لوحة الغلاف.”

“لك جزيل الشكر. تأكدي أن كل الفخر سيكون لي.”

“هل عليك أن تذهب الآن ؟”

“نعم.. يجب أن أذهب.”

أخفضت عينيها في تأثر واضح و هي تضع يدها اليمنى في راحة يدها اليسرى كأنها تحاول الحفاظ على تلك الحرارة من الضياع. سألها باهتمام :

“هل هناك من مشكلة ؟”

ظلت صامتة بعض الوقت قبل أن تجيبه قائلة :

_ “في الحقيقة، لدي دعوتان لحضور حفل موسيقي للأوركسترا السيمفونية هذه الليلة. أبي لا يستطيع الحضور معي كما أنه لا يسمح لي بالخروج ليلا لوحدي. بصراحة، لا أريد أن أضيع هذه الفرصة. لدي دعوتان من الدرجة الأولى.

“تقصدين إن كان بإمكاني حضور الحفلة معك ؟”

“إن لم يكن هناك ما يمنعك.”

“بالعكس، هو شرف لي. لا أعرف كيف أشكرك لأنك فكرت في دون سواي.”

انفرد وجهها عن ابتسامة لذيذة دفعته إلى تمثيل دور مسرحي أمامها. أمسك بجانبي سترته و رفع رأسه عاليا بعد أن أداره إلى الجهة الأخرى و هو يقول بصوت شخصية مهمة للغاية :

“ها ها ها… هو هو هو… أنا رجل مهم للغاية، لدي مسؤوليات كثيرة و لا أجد ساعة زمن واحدة كي أستريح فيها. و الدليل على ذلك، أنني الليلة مدعو لحضور حفل للأوركسترا السيمفونية. ها ها ها… هو هو هو…”

صارت تضحك أكثر فأكثر لهذا المشهد، و لمحاولة ضبط نفسها وضعت يديها على فمها. لكنها استمرت في الضحك و استمر هو في صنع حركات برأسه و ملامح وجهه حين رآها تضحك بهذا الشكل. تمنى في قرارة نفسه ألا تكف عن الضحك، لا لشيء سوى لتخزين هذه الصورة الجميلة لوجهها في ذاكرته بشكل يصعب على النسيان محوها. توقفت عن الضحك. ترك سترته و وضع يديه على المائدة. قال لها بعد صمت قصير :

“حقا، لا أعرف كيف أشكرك.”

قالت له و هي تجر قليلا ملفه نحوها دون أن تفارق نظراتها الحلوة عينيه :

“إن كنت حقا تريد أن تشكرني اترك لي قصائدك هذه أقرؤها.”

“في واقع الأمر، هذا الملف لا يضم مجموعة قصائد و إنما شذرات متفرقة لجسد قصيدة واحدة أريدها أن تكون مطولة شعرية.”

فجأة، اتسم صوتها بنبرة طفولية عنيدة و هي تحرك رأسها يمينا و يسارا :

“لا يهمني.. أريد أن أقرأها.”

لم يستطع مقاومة رغبتها. ظل صامتا أمام هذه المرأة الفاتنة التي تتقن الانتقال من حالة إلى أخرى دون نشاز. كل شيء فيها عزف على عدة أوتار تجرد من يقترب منها من كل أسلحته. تجرده من قدرته على المقاومة. تسمح له بالاحتفاظ بشيء واحد فقط، رجولته. و حتى هذه الرجولة فإنها لا ترحمها، تعريها. هكذا كان يرى نفسه أمامها، رجلا عاريا.

“حسنا.. مادمت تصرين فما علي إلا أن أخضع لرغبتك يا سيدتي الجميلة.”

“شكرا.”

“قبل أن أنصرف، هل لي أن أعرف متى نلتقي الليلة ؟”

“السابعة و النصف أمام مدخل المسرح الكبير. سيبدأ الحفل تمام الساعة الثامنة. إياك أن تتأخر، إنهم يغلقون أبواب جميع القاعات مع انطلاق العرض. تكفينا نصف ساعة لنستقر في مقاعدنا.”

“لا تقلقي، سآتي في الموعد المحدد.. هل تسمحين لي بالانصراف ؟”

“نعم.”

“و أنت ؟.. هل ستبقين هنا لوحدك ؟”

“نعم.. فأنا لم أتناول بعد وجبة فطوري.”

“آسف جدا.. نسيت أن أدعوك لشيء ما.”

“لا تبالي.”

حمل اللوحة تحت إبطه و هم بالخروج. كانت النادلة واقفة أمام الباب في انتظاره. أعطاها ورقة نقدية طالبا منها أن تقتطع ثمن قهوته و وجبة فطور صديقته مع الاحتفاظ بالباقي لنفسها. قال لها :

“أنت نادلة ممتازة.. تستحقين كل خير.”

خرج مسرعا. التقطت أذنه كلمات الشكر الحارة للنادلة و هي تدعو له بالتوفيق و التيسير في كل أموره. لم يلتفت وراءه. ابتسم. ابتسم فقط و أكمل سيره باتجاه وسط المدينة حيث الزحام يسمح للفرد بالاغتراب الخلاق شريطة أن يكون واعيا تمام الوعي بحدود غربته. فكر أن يدخل إلى مقهى محطة القطار لشرب قهوة أخرى. في مثل هذه الحالات التي يبلغ فيها أقصى درجات الفرح تصير رغبته في التدخين و القهوة بلا حدود. لم يفكر كثيرا. جلس قرب الزجاج المطل على سكة الحديد بحيث يستطيع التمتع بمنظر ذهاب و مجيء القطارات و هو يدخن سجائره الواحدة تلو الأخرى كأنه يسابق نفسه في جري محموم. حين حط النادل فنجان القهوة أمامه كان قد انتهى من التفكير فيما عليه أن يفعله قبل موعد الليلة. عليه أخذ حمام ساخن بعد أن يذهب عند أقرب حلاق. في الطريق، سيشتري ربطة عنق جديدة و كذلك جوارب جديدة. أحصى كل التفاصيل ليكون في مستوى الحدث. لم يترك أي شيء للصدفة. لكن الأهم من بين كل هذا هو قناعته التي استقرت في وجدانه : لن يغير كلمة واحدة في قصيدته التي تنعم الآن بدفء حضنها. لأنه كتبها دفعة واحدة في ليلة سعار أعزل فهي إذن أجمل ما كتب. كل مراجعة أو محاولة تصحيح أي مقطع كان فإنه سيكون كمن يبقر بطن امرأة حامل. و هذه القصيدة بالتحديد يعتبرها إلهة الخصب بالنسبة إليه. و بالتالي، كل مساس بجسدها سيوسخ روحها و يسقطها من المعبد الذي تتربع فيه. و لن يمكنه أبدا بعدها أن يسترجع هذه الروح كما كانت، تلك الشعلة المتقدة المتصاعدة إلى أعلى، حتى لو قضى ما لا نهاية من ليال السهاد. تكتب القصيدة إما دفعة واحدة أو لا تكتب البتة، هذه هي حقيقة الشعر.

 

(١٤)

كمان يقيس الزمان

 

 

توجه إلى منزله و هو يفكر في أشياء كثيرة. كان سائق التاكسي لا يستطيع منع نفسه من التساؤل لماذا يبتسم لوحده بين الفينة و الأخرى، لكنه لم يتجرأ على فتح باب الحوار معه لأنه أحس بضرورة تركه لسعادته التي ينعم بها. فقلما يجد المرء هذه الأيام أسبابا للسعادة.

حين وصل إلى العمارة التي يسكنها قصد رأسا شقته دون إلقاء التحية على حارس العمارة، (الراديو)، الذي ما إن رآه حتى بادر كعادته بالهرولة نحوه و السلام عليه متمنيا له كل النجاح في حياته و أشياء كثيرة أخرى لا تنتهي. هو هكذا، ما إن يفتح فمه بكلمة واحدة حتى ينطلق لسانه كرشاش آلي لا يتوقف إلا عندما يجد نفسه وحيدا محاطا بالصمت المطلق.

أغلق الباب وراءه جيدا ثم توجه إلى الجدار حيث معلقة عليه صورته ببذلته الرسمية. نزع الصورة من إطارها. مزقها إلى نصفين. مزق النصف الذي يظهر الوجه إلى عدة قطع جد صغيرة بعصبية بالغة فيما احتفظ بالنصف السفلي سليما، لكنه رماه في درج مكتبه متأففا و كأنه يتخلص من وساخة علقت بيده فلم ترغب أن تتركها. وقف ينظر إلى اللوحة و هي متكئة على الجدار يقول في نفسه إن الأمر يستحق سيجارة قبل نزع الورق المقوى الذي يغلفها و تعليقها في هذه المساحة الفارغة. المساحة التي كانت دائما فارغة. تأوه عميقا لما رأى أن اللوحة ستقع أمام الإطار الفارغ. على الرغم من أن هذا سيشوه جمالية اللوحة على الجدار إلا أنه قرر أن يبقى الحال على ما هو عليه. قرار نهائي. لا ينقصه الآن إلا أن يذهب للبحث عن مسامير مناسبة تستطيع تحمل وزن اللوحة و تنفذ بقوة راسخة في الجدار.

تراجع خطوتين إلى الوراء كي يستمتع بالجمالية التي أضفتها اللوحة ليس فقط على الجدار بل و على كل فضاء الشقة. كانت أشعة الشمس التي تخترق الستائر تمنح الألوان أبعادا جديدة يكتشفها لأول مرة. بقي واقفا زهاء النصف ساعة يحدق في كل تفصيل. كان يعرف أن عليه إتمام البرنامج الذي سطره لنفسه ليكون جاهزا الليلة في الموعد المحدد. لكن شيئا غريبا كان يشده للبقاء في مكانه و النظر أكثر إلى هذه المرأة الممددة الممسوحة الوجه التي جمعت يديها تحت رأسها و هذا العصفور الصغير الواقف على فرجها ينقبه.

دخل إلى الحمام و وقف تحت الرشاش المائي. تردد في أن يفتح الماء. نظر إلى أسفل ثم انتقل إلى المرآة ينظر إلى وجهه بعيون حادة. لأول مرة يلمح في وجهه بريقا لم يعرفه من قبل. و لأنه غالبا ما يجرح ذقنه أثناء الحلاقة و جد من الأحسن أن يحلق لحيته التي نمت بشكل لافت للانتباه قبل الاستحمام. بهذا الشكل، في حال كانت هناك جروح فسيبقى لها متسع من الوقت كي تلتئم، و يضمن أن ياقة قميصه لن تلطخها بقعة دم واحدة. موعد الليلة ليس ككل المواعيد، إنه من بين المناسبات التي لطالما كان يحلم بها. فهو يعتبر نفسه نخبويا بالفطرة. و أول شيء يميز النخبة عن الدهماء هو الذوق الموسيقي. و في النخبة نفسها توجد درجات تراتبية على الجميع احترامها و الخضوع لأحكامها الرمزية التي لا تحتاج إلى الكلام.

انتهى من الحلاقة و عاد ليقف تحت الرشاش المائي، لكنه أدار الصنبور ببطء لأن الماء الساخن يتأخر قليلا. أدار صنبور الماء البارد حتى حصل على التركيبة المناسبة التي تعطي ماء دافئا. ترك الماء ينهمر على رأسه و يجري بقوة على كامل جسده. أسند جبهته إلى الحائط في ارتياح و راح يتأمل بقعا زيتية تتجمع عند رجليه قبل أن يبتلعها ثقب الحمام. يعرف أن بشرته ذهنية، و كذلك شعره. و هو أمر تعود عليه منذ صباه و تعايش معه. لكن هذه المرة، كانت بقع الزيت سميكة بالمقارنة مع كل المرات السابقة. كأن جسده قفز إلى سرعة أعلى في إفراز السموم و الذهنيات. لم يكترث للأمر. ماذا سيفعل ؟ هو جسده، هو جلده. هل سيغير جلده كالأفعى ؟ أغمض عينيه و فضل التفكير فيما هو أهم.

قبل أن يتوجه إلى غرفته لتنشيف شعر رأسه عرج على المطبخ ليحضر قهوة سوداء تنعشه بعد هذا الحمام الذي جعله يشعر و كأنه يولد من جديد. عند أول رشفة تذكر أمرا هاما. كما مزق صورته و أخفاها في درج المكتب عليه أيضا أن يجمع أوراق الملف المتفرقة فوق مكتبه و يخفيه جيدا. بالرغم من أنه شخص فائق التنظيم ذهنيا فإنه يحتاج إلى نسبة من الفوضى كي يستطيع الاشتغال و يطلق العنان لكل طاقاته. هو لا يفصل حياته الإبداعية عن عمله، هما عالمان منصهران كليا في وحدة عقلية تغذي شرايين وجدانه. و إيمانه الراسخ بأن الشاعر الحقيقي فوضوي بالطبيعة هو الذي دفعه إلى بعثرة كل عناصر الملف. هذه الفوضى المقصودة توضح له الصورة، مما يعطيه الخيط الرفيع الواجب تتبعه بعد أن يمسك به. و الأهم بالنسبة إليه فوق كل اعتبار، تسمح له بوضع بصمته الشخصية غير القابلة للمسح على المهمة بأسرها. يقارب دوما عمله بطريقة فنية و يقارب إبداعه بطريقة عملية. و لأنها أول مهمة تسند إليه فقد اعتبرها قضية حياة أو موت، عليها يتقرر مصيره المهني الذي حلمه قطعة قطعة كما يحلم بقصيدة مطولة يعرف فقط كيف ستبتديء و كيف ستنتهي. أما جسدها، فهو ذلك المجهول المتعدد الرؤوس ما إن يقطع أحدها حتى ينمو مكانه رأسان أشد قوة و عنادا.

أخفى الملف بعناية في عمق درج المكتب و وضع عليه نصف الصورة الممزقة. أقفل الدرج بمفتاحه الصغير الذي لا يفارق أبدا جيبه. اعتدل في وقفته. أشعل سيجارة أخرى بعد أن انتقل تفكيره إلى الانطباع الذي ستتركه قصيدته المطولة في قلبها. بدأ القلق ينتابه حين شرع في تذكرها، لكن دون جدوى. لقد نسي القصيدة و انتابه الخوف أكثر من أن تفاجئه الليلة بردة فعل غير متوقعة تهدم كل ما بناه على مر الأسابيع الماضية، و يفقد بذلك مفتاح الملف.

تمدد على الفراش و لم يفته أن يضبط المنبه الموضوع أمام رأسه في حالة غلبه النوم. وضع المنفضة بعيدا عنه و قد كانت ممتلئة بأعقاب السجائر. تمدد بكامل جسده إلى أن سمع طرطقات مفاصله. لم يمض وقت طويل حتى كان قد خلد إلى النوم. لم تكن مجرد غفوة، بل كان نوما حقيقيا. نوما عميقا بلغ درجة صناعة الحلم.

استيقظ خمسة دقائق بالضبط قبل أن يرن المنبه. لم يتذكر من الحلم الذي سافر فيه إلا مشهد وجوده في غرفة تحت الأرض يطل من خلال شباك صغير على الخارج، في حين تتراجع نحوه شاحنة قلابة يطلب منها أن تفرغ شحنتها عليه. تواصل الشاحنة تراجعها حتى تلتصق مؤخرتها بالشباك فتتوقف. يجر بسرعة الفراش إلى جهة الشباك ثم يتمدد عليه عاريا فاتحا ذراعيه و هو يصرخ للسائق الذي لا يراه : “جيد، أفرغ الشحنة الآن.” يلاحظ ماءا كثيرا يغمر كل زوايا الغرفة. تبدأ الرافعات الأمامية بالصعود محدثة ضجيجا قويا. يلح على سائق الشاحنة أن يسرع في إفراغ الشحنة عليه، خصوصا و أن قضيبه كان قد انتصب بصلابة مما زاده تعجلا في الحفاظ على ذروة المتعة هاته. “أفرغ الشحنة الآن.” تتدلى الفتحة الخلفية لجسم التفريغ فتنهمر عليه مجموعة من النساء عاريات تماما يتنافسن فيما بينهن من لها الحق في الفوز بقضيبه. ما إن تنقض عليه واحدة تمصه حتى تدفعها أخرى لتنال نصيبها فيما تكتفي أخريات بملاعبته و تقبيله في مختلف مناطق جسده بحمى جنونية. و بقدر ما اندهش للأمر و أعجبه كثيرا بقدر ما لم يجد سوى كلمة واحدة على لسانه لم يكف عن ترديدها : “اللوحة.” في باديء الأمر، لم يميز بوضوح وجوههن، لكن حين وجد نفسه يسبح معهن في الماء الذي ملأ الغرفة التي صارت أشبه ما يكون بحوض أسماك تبين له أن كل هؤلاء النساء هن في الحقيقة نسخ متطابقة لامرأة واحدة، الرسامة. فصار يردد بصوت مرتفع أكثر : “اللوحة.” تمسك بذقنه و تقول له بنبرة شهية : “هل نسيت القصيدة ؟” يرد عليها للمرة الأخيرة : “اللوحة.. اللوحة.. اللوحة.”

رن المنبه. أطفأه بحركة خاطفة من يده. كان قضيبه منتصبا في كامل قوته، الأمر الذي منحه لذة غريبة. غير ملابسه بسرعة ثم خرج. لحسن حظه، لم يجد (الراديو) في باب العمارة. ربما ذهب لشراء بعض الأغراض لأحد الجيران. توقف أمام سيارته ينظر إليها إن كانت تستحق بالفعل أن تتخذ مكانا بين السيارات الفارهة التي ستكون حتما مركونة أمام المسرح الكبير. طال تفكيره و في نهاية المطاف، أشفق عليها و ركب فيها.

الطبقة المرموقة تحب أن تأتي متأخرة. هذا يمنحها سحرا لا ينافسها فيه إلا نجوم السينما. كلما تأخر نجم في الوصول إلا و ضمن فرصا أكبر في الاستفادة من حمام جماهير دافيء. غير أنه لا يهمه من هذا العالم المغلق سوى الرسامة. وجد بسهولة مكانا يركن فيه سيارته. و قبل أن ينزل منها لمحها واقفة لوحدها عند مدخل المسرح. هرع نحوه حارس السيارات الذي سلمه المفاتيح طالبا منه بلطف أن ينظفها. مشى بخطوات ثابتة و عينه لا تفارق جمالها الفتان الذي لم يزده الفستان الأسود سوى شهوة. كانت تضع على كتفيها شالا حريريا ينساب عليه بوداعة شعرها الأشقر. كان اختيارها موفقا. ليس هناك ما هو أفضل من الأسود ليلمع بياض بشرتها في هذا الليل الرحيم بالمدينة. كان من يعتبرون أنفسهم من النخبة يمرون من أمامها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السلام عليها. ميز وجوه عدد منهم كانوا حاضرين في معرضها الأخير. وحدهم الأجانب من كانوا يحيونها بلباقة طبيعية قبل أن يذوبوا في الجمع الذي تجمهر في بهو المسرح يتبادلون بعض الكلمات قبل ترك المجال للموسيقى لتقول كلمتها، في صمت. أسرع في خطواته حتى تفاجأت به واقفا أمامها. لم يكن يعرف كيف يسلم عليها، بالقبل أم بمجرد مصافحة اليد. و منعا لإحراجها و إحراج نفسه مد يده و صافحها بنعومة. كانت شفتاها في أبهى حمرتهما بهذا الأحمر الذي لا يقاوم.

“شكرا جزيلا على لوحتك، لقد أعطت الجدار روحا يحسده جسدي عليها.”

“و أنت أيضا شكرا جزيلا على قصيدتك.”

قاطعها مندفعا :

“هل أعجبتك ؟”

“لن أقول لك رأيي الآن، هيا بنا ندخل.”

و قبل أن يتوجها إلى الداخل اعترضت سبيلهما طفلة صغيرة تبيع الورود. “امنح حبيبتك وردة يا سيدي” قالت له و هي تمد له وردة حمراء ملفوفة في ورق بلاستيكي شفاف يحفظ عطرها. كانت ترنو إليه بعينين بريئتين. نظر إليها مندهشا ثم أخرج تلقائيا ورقة نقدية و أخذ منها الوردة. “آي.” صاح و هو يتحسس الشوك الذي وخز أصبعه حتى سال منه بعض الدم. استطردت الطفلة بنبرة تمزج بين الفرح و الطمأنينة :

“إنه فأل حسن يا سيدي أن تجرحك الوردة، يقال إنها علامة الحب الحقيقي.”

لم يرد عليها و كتم ألمه في صمت. ارتسمت على وجهه ابتسامة وديعة و هو يمد الوردة إلى حبيبته التي كانت قد أخفضت عينيها خجلا. أخرجت بعد ذلك منديلا من حقيبتها الجلدية و لفته حول أصبعه و هي تشكره. واصلت الطفلة قائلة : “زوجتك جميلة جدا يا سيدي.” حرك رأسه بعد أن حدجها بنظرات حادة كي تنصرف لحالها و تتركهما في سلام. ذهبت الطفلة تبحث عن زبناء جدد قبل أن يشرع حارس المسرح في نهيها و إبعادها مهددا إياها بطلب الأمن الذي لن يتردد في حشرها مع زمرة المتسولين.

ما إن تخطت قدماهما عتبة المسرح حتى أمسكت بذراعه و كأنها حقا زوجته. لم يبد مانعا. على العكس من ذلك، منحته حركتها جرعة زائدة من الفخر و الثقة وسط هذا العالم من الحيتان الضخمة التي تتقن فن تقمص عدة أدوار دون أن تفقد شهيتها لافتراس المصلحة الكامنة في أول شخص آت. كانت الدعوة لشخصين من الدرجة الممتازة. و هذا يعني أنهما سيجلسان لوحدهما في مضيفة خاصة و يغلق عليهما الباب الذي يحرسه حارس لا يفتحه إلا عند استراحة الجزء الأول و في ختام الحفل طبعا. صعدا درجات السلم المستديرة. عند الطابق الأول، كادت تسقط. تعثر كعبها العالي في إحدى الدرجات. مد يده اليمنى فتلقفها بسرعة. أمسك بخصرها بكل ما أوتيت ذراعه من قوة. أمسك بخصرها و جرها إليه حتى التصق نهدها بصدره. اجتاحته قشعريرة ارتفعت على إثرها درجة حرارته. اعتذرت في خجل ثم واصلا الصعود. وجدا حارس المضيفة في انتظارهما. رجل عجوز لكن مازال محافظا على قوته و ابتسامته.

أخذ منهما الدعوة و فتح لهما الباب. دخلا. كانت المضيفة غارقة في عتمة ساحرة. كرسيان أنيقان وضعا جنبا إلى جنب. انتظر حتى تجلس هي أولا قبل أن يتخذ مكانه بجانبها. أجمل ما في المضيفة هذه الرؤية التي تسمح بمراقبة كل الحاضرين من أعلى دون أن تكون لأي واحد منهم القدرة على رؤيتك، تماما مثل الله. كانت هذه أول فكرة تبادرت إلى ذهنه. و سرعان ما لحق بها سؤال دفعه إلى التفكير طويلا : و الشيطان ؟.. هل الشيطان يرى الله ؟

بدأ أعضاء الأوركسترا السيمفونية دخولهم إلى الخشبة تحت تصفيقات حارة بعد أن هدأ لغط الجمهور. جلس كل واحد منهم في كرسيه، أمام آلته. دخل بعد ذلك قائد الأوركسترا، المايسترو، رفقة عازفة أجنبية فازدادت حرارة التصفيقات التي استمرت إلى أن انتهيا من تحية الجمهور بانحناءة إجلال. أخذ المايسترو عصاه فيما أمسكت العازفة الأجنبية بكمانها. كان المايسترو قد شكر الحضور في كلمة مقتضبة منوها بجهود كل الراعين الرسميين الذين لم يبخلوا يوما في دعم هذا الفن الراقي ثم استعرض برنامج الليلة متمنيا، في الأخير، قضاء وقت ممتع. انطفأت الأضواء تباعا و تدريجيا حتى لم تبق إلا بؤرة ضوء قوية مسلطة على الأوركسترا. نظرت إليه فوجدته قد شبك أصابعه و المنديل يغطي أصبعه المجروح. سألته إن كان لا يزال يؤلمه. رد عليها مبتسما بالنفي، و اعتذر لها لأنه لطخ منديلها بالدم. أخذت نفسا عميقا بعد أن تململت قليلا في مكانها و كأنها تصحح جلستها ثم قالت له : “لا عليك.” كانت قد وضعت الوردة في حقيبتها. هز المايسترو عصاه إلى أعلى و لم يبدأ العرض إلا حين أيقن أن صمتا كاملا يخيم على كل المسرح. اقتربت من أذنه مما جعل حواسه تغرق في عطرها الساحر و همست له : “شكرا على وجبة الفطور.” انطلق إذن الحفل الموسيقي و كانت المعزوفة الأولى هي سيمفونية “كونشرتو الكمان” لـ(ألكسندر جلازونوف)، القطعة الموسيقية ٨٢.

أَجْمَلُ مَا فِي الأَرَقِ أَنَّ الغَدَ يَأتِي اللَّيْلَةَ.

حَزِينٌ

ذَلِكَ العَزْفُ المُنْفَرِدُ

إِذَا مَا انْشَقَّ كَمَانُهُ عَلَى شَمْعَةٍ تَنْقُصُهَا امْرَأَةٌ

هِيَ أَكْتَافُ الأشْجَارِ العَجُوزَةِ

الَّتِي تَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ العَصَافِيرِ الجَمِيلَةِ

رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ يَوْماً طِفْلاً

هَزَمَتْهُ نَوَايَاهُ الحَسَنَةُ

بَعْدَ أَنْ تَشَكَّلَ فِي رَحِمِ شَبَقٍ بِطَعْمِ الكَبْرِيتِ.

مَا المَأسَاةُ إِنْ لَمْ تَكُن نَتِيجَةَ :

(الإِنْسَانْ… نَاقِصْ… اللهْ)

مَضْرُوباً فِي العَالَمِ ؟؟؟

كَمْ يَكْفِي مِنَ السِّنِينِ

عُمْراً لِلرَّجُلِ كَيْ لاَ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ عِنْدَ شَاطِيءِ الحُطَامِ

حِينَ لا تَبْقَى إِلاَّ تَعَابِيرُ انْعِكَاسِ الوُجُوهِ

فِي زُجَاجِ نَوَافِذِ القِطَارِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ

وَ يَحْتَرِقُ الوُجُودُ أَسْئِلَةً تَتَعَثَّرُ فِي الظَّلامِ

تُحَاوِلُ القَبْضَ عَلَى الرُّوحِ العَارِيَةِ الهَارِبَةِ

تَصْرُخُ لِمَاذَا فِي الهَمَجِيَّةِ يَتَخَلَّفُ اللهُ دَوْماً عَنْ مَوْعِدِ

الإِنْسَانِ ؟؟؟

وَ كَمْ لَيْلَةً يَحْتَاجُ كَيْ

يَفْقِدَ بَعْدَ العَقْلِ وَعْيَ قَلْبٍ لَمْ يَقْذِفْهُ الشِّعْرُ بِنُورِهِ ؟

“أتعرفين لماذا أحب الكمان ؟”

“لا، لماذا ؟”

“من بين كل الآلات الموسيقية، الكمان هو الوحيد الذي يقدر أن يجعل النوتة تدوم طويلا. هذا يشعرني بالأمان. نعم، أشعر بالأمان حين يدوم الزمن طويلا.”

كانت غارقة في نوم عميق. مدت لاشعوريا يدها فانتبهت إلى أن المكان فارغ بجانبها. رفعت رأسها قليلا من على الوسادة ثم أخذت وقتا تبحث عنه بعينيها الناعستين في زوايا الغرفة. قامت بعد أن ارتدت قميصها التحتي الأبيض الحريري الذي كان مرميا على جانب الفراش. اتجهت حافية القدمين نحو الباب الذي اتكأت على جانبه حين رأته جالسا في كرسيه يستعذب السيمفونية التي مازالت تدور. كانت على وشك أن تناديه قبل أن تعدل عن الفكرة و تفضل مباغتته. مشت المسافة الفاصلة بين الباب و الكرسي و أشعة الشمس ترسم على جسدها خطوطا ضوئية زادت مفاتنها تألقا. أظهر قميصها التحتي الذي لم يكن يغطي إلا جزءا يسيرا تحت الخصرين نعومة فخذيها الذين كانا يبدوان كأنهما نحتا من رخام. وقفت وراءه مباشرة. بدأ شعرها الأشقر الذهبي يلمع. تأملت قليلا حالة الغياب التي جعلته لا يشعر بوجودها. لم يطل تفكيرها فيما عليها فعله فانحنت عليه و عانقته بنعومة حارة. كان شعرها قد انسكب على وجهه حتى غطاه تماما. فتح عينيه لأن ذراعيها المحيطين برقبته قد حررا كل ما يملك جسدها من عطر. أخذ نفسا عميقا. قالت له : “حبيبي، متى استيقظت ؟” أجابها أنه لم ينم الليلة. سألته إن كان يرغب في أن تحضر له الفطور. رد عليها بالنفي. بقيت معانقة له لبرهة ثم بعد ذلك همت بالقيام فتعلق بذراعيها كغريق وجد طوق نجاة قائلا : “ظلي معانقة لي.” نظرت عميقا في عينيه كأنها تبحث عن سبب مقنع لطلبه هذا. انحنت عليه مرة ثانية بعد أن جرت كرسيا من كراسي المائدة و صححت جلستها عليه. جلست على يساره و عانقته بقوة أكبر من المرة الأولى. غير أن المسافة التي تفصل بين الكرسيين كانت تمنعهما من الاستمرار في العناق بارتياح. لذلك فضلت أن تقوم و تجلس على فخذه الأيسر من دون أن تعيد الكرسي إلى مكانه. رفع نظره إليها و وضع على شفتيها قبلة حارة مغمضين عينيهما. لما فتح عينيه وجدها قد سبقته إلى فتح عينيها و هي تبتسم له بوداعة سائلة إياه : “لماذا تريدني أن أبقى معانقة لك ؟” أمسك خدها الناعم بيده اليمنى كمن يحاول تملك ماء أو رمل ينفلت من بين الأصابع. مرر إبهمه على وجنتها و شفتيها بلطف كأعمى يتلمس حدود و تضاريس وجه يسمع صوته لأول مرة. كان نظره لا يستطيع مفارقة زرقة المحيط التي تلون عينيها المتلألئتين في حين كانت المعزوفة قد انتهت و استغل الصمت الذي يسبق البداية ليرد عليها قائلا :

“بين ذراعيك فقط أعرف أنني لن أضيع طريقي.”

 

يتبع القسم الثالث من الرواية ….

 

 

 

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً