Articles Comments

» فكر, مختارات » الشجاعة والوجود الجديد / عبد الله القصيمي

الشجاعة والوجود الجديد / عبد الله القصيمي

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



alqasimyالأفكار الصعبة المقاتلة هي أعلى مراحل الإنسان، والذين لا يفكرون أفكارا صعبة، هل يعطون أعمالا صعبة؟. إن الأفكار القتالية هي التفسير الكبير الصعب للإنسان. لقد قاتل الإنسان بأفكاره أكثر مما قاتل بأسلحته المختلفة في مستوياتها الحضارية. ومهما احتاج البشر إلى السلام وقاوموا بالحروب، فسيظلون أبدا محتاجين إلى الأفكار المقاتلة.

نحن اليوم نبحث عن أفكار جديدة، نحن اليوم نواجه كينونة جديدة، وكل كينونة محتوم عليها أن تحمل مزاياها وأخطارها، إنها لا تستطيع غير ذلك.

إنه لا كينونة عظيمة بلا شجاعة.
وأية شجاعة ..؟

هناك شجاعة الوجود والحياة .. هناك شجاعة الصيرورة والبقاء .. هناك شجاعة التغير. إن كل وجود حتى الجماد، حتى كل شيء محتاج إلى هذه الشجاعة … إنه محكوم عليه بها، وإلا لماتت الشموس والأقمار ذعرا، وإلا لماتت الشموس والأقمار من هول الوحشة، والضلال والعبث.

إن النبتة تحت الصقيع والهجير والإعصار المميت لشجاعة تطاول شجاعة الأنهار والجبال والنجوم في مقاومة الهزيمة والفناء. إنها، وهي تتحدى عوامل الطبيعة المفترسة بدون أن تستسلم أو تهون، لتلقن البشر أقوى المواقف، وتسخر ممن يجبنون ويضعفون ، دون أن يضعوا لجبنهم وضعفهم مدى أو ثمنا.

ولكن الإنسان الذي يحتاج إلى كل هذه الألوان من الشجاعات، محتاج أيضا إلى شجاعات أخرى … محتاج إلى شجاعات خاصة بالإنسان، تلك هي شجاعة التفكير والنقد، والشك والتكذيب … تلك هي شجاعة الرفض والخروج على جميع اللغات التي تتكلمها جميع المحاريب والمنابر، والتي تعلم الصلاة بها جميع الآلهة والمعلمين.

إن شجاعة التكذيب هي أخطر وأفضل شجاعات النفس الإنسانية. لقد كان التصديق عدوا عالميا متوحشا، يقتات بالإنسان … لقد ظل التصديق أضخم سجن عاش فيه التاريخ، عاشت فيه مواهب البشر.

إن شجاعة أي مجتمع هي مضمون. وهذا المضمون لا بد أن يكون أعمالا وأفكارا وأخلاقا صعبة. إن الوجود الجديد القوي لا يمكن أن يعيش في أكواخ الخصائص الفكرية والنفسية والأخلاقية القديمة السهلة؛ التي كان يعيش بها الوجود القديم الضعيف السهل.

إن الحياة والتطور خطر … إننا محكوم علينا بتقبل الخطر بكل ما فيه من آلام، وآثام، وجنون وخوف. وكما أننا لا نفر من لقاء الطبيعة المتوحشة، بل نواجهها ونتحداها ونتعامل معها، فكذلك يجب علينا ألا نفر من لقاء الأفكار المتوحشة، بل علينا أن نواجهها بالأسلوب الذي نواجه به الطبيعة، وأخطارها وجنونها.

 

عبد الله القصيمي (1907 – 9 يناير 1996) مفكر سعودي يُعتبر من أكثر المفكرين العرب إثارة للجدل بسبب انقلابه من موقع النصير والمدافع عن السلفية إلى نقد الممارسة الدينية والرجعية الفكرية وبسبب مؤلفاته المثير للجدل ومن أشهرها “العرب ظاهرة صوتية”.

عن كتاب “صحراء بلا أبعاد” – دار الإنتشار العربي 2003  

Filed under: فكر, مختارات

اترك تعليقاً

*