الطابور / جمال القواسمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

J Qawasmiأكتب ربما لتقرأني. هل لديك وقت للقراءة، يا عليّ؟ هل تحبها؟
لطالما ككاتب أعتبرتُ نفسي عميلاً مرحلياً لأفكاري وموظفها المؤقت، لطالما شعرتُ إني عبدٌ للفكرة التي في رأسي حتى تنهي تكوينها في خلال فترة حملي بها واتبنى فكرة أخرى، لطالما آمنتُ إني تجسيد لحظي لطينة تتشكل وتأخذ شكلها النهائي، كينونة لحظية تحترق داخلي، مطار مؤقت للفكرة. لطالما اعتبرت الكتابة قطة بسبع ارواح، ارواحها قصصي، انتهت أرواحها جميعاً وبقيتُ وحدي سَبْعاً أقتات على عظام كهفي.
بعد عرسي بعام، قرع رجل جرس البيت وفتحت أمك الباب، وقالت ان رجلاً يريدني. لم أره في حياتي من قبل، وأدعى ان حياته قصة يجب علي أن أكتبها لأعلِّم الناس درساً عن الأخلاق، ظننتُ انه وسيلة جديدة للشحدة، لكنه أبى ذلك. بقي ينتظرني عند الباب يومين ثم اختفى. كانت أمك في البدء معجبة بأفكاري وتشجعني على الكتابة والاستماع للناس والخروج من قوقعة البيت.
كم بحثت وكم تمنيتُ لو أنني أجد عملاً!
بعد أسابيع لمحتُ بضعة جيران من البلد يقفون بصبر وأدب عند باب البيت. أهلت بهم وسهَّلت، لكنهم رفضوا، وطلب مني الأبن ان أكتب لهم عريضة لوزير الشؤون الدينية بإعادة رسوم الحج إلى الجارة أمه ومقدارها خمسمئة دينار بعد أن استشهد أخوه وتستحق العائلة حجة ببلاش مدفوعة الأجر كهدية من ملوك المسلمين.
قال والده: أكتبها قصة حتى نشلّ عرضهم.
فقلتُ لهم: سأكتب العريضة وأصغر حجم الوزير حتى نفرجيه حجمه الحقيقي!
قالت الأم: بلاش يا بني، احنا بدنا حقنا ولا نقاتل الغفير؟
سألني جدك ذات يوم أمام أمك: كيف تأتيك أفكار قصصك؟
قلت له: الفكرة تأتي وحدها وعلى قدميها وأحياناً تنتظرني خارج البيت، الفكرة لا تحتاج إلى امكنة خاصة، بل احياناً تدخل دون ان تقرع بابي، وانا كل ما افعله هو ان البسها ملابس تليق بها واتركها تخرج الى حيث تريد.
سألتني أمك: قالت لك فكرة من الأفكار أن عليك أن تهتم بي أكتر شوي؟
قلتُ لهما: سأكتب كتاباً يوماً ما سيكسِّر الدنيا ويجعلني أهتم بك بأفضل صورة.
زوجتي وعائلتي وحياتي وأنا نفسي وحتى أنتَ أفكار رتيبة، بوضوح أراها مصطفة في رفوف العادية والمتوقع، باهتة، معروفة، مألوفة ومملة. اؤمن أنني خُلقت لغاية أسمى. الفكرة رذاذ المقدس، الفكرة نسيم عابر ، وعليّ ان انتظر هبوب النسيم وأطلقه لصاريات نصوصي. لطالما كان عقلي يزدحم بكثير من الأفكار، أفكار تحتلني وتحتل ذهني وبيتي وهوائي وتجعلني كسولاً في كل شيء، مُتأمِّلاً الحياة اليومية وحياة الأبد. انا اعاني من مرض لم انجح في يوم في تشخيصه. ماذا بي؟ ما علتي؟ لا أعلم. أحياناً اضطر الى طرد افكاري بكل دكتاتورية، خارج عقلي وخارج البيت. لا احتملها ولا احتمل هيمنتها على نسق حياتي. لا بد من مسافة بيني وبين الأفكار، وكذلك بيني وبين المجتمع. ثمة نهر دائم من الافكار حولي اغرف منه واتطهر منه، أحياناً يصيبني أرق، وأكاد لا أنام لأن عقلي يستمر في العمل وانا نائم فاتعب أكثر. بعض الناس يحبون أن يكونوا هواجس وكوابيس، مثل أمك، لكنني لدي اسلحة كثيرة منها النسيان ومنها ان اقلب الصفحة ومقدرتي المتعسفة في ان ادير ظهري لأي شيء ولا اتردد في نتائجه.
بعد سنتين من زواجنا، قلتُ لأمك انه من الصعب ان نعتاش من كتاب أكتبه يوماً ما، كما وعدتها. كنتُ صريحاً معها، صريحاً جداً حتى انني صارحتها بعدم قدرتي على العمل بشكل دائم ولا أريد أن يكون لي ذرية اتحمل وزرهم في هذه الحياة. لا تظن يا عليّ أنني كنت لا أحبك ولا أحب أن تأتي لهذا العالم ولا تكون ابني، بل كنت أخاف من الفشل بتربيتك كما يجب. ربما كان عليَّ أن أتخلى عن الكتابة، أو أن أبيع، مثلاً، الكعك بالسمسم كما اقترحت علي، ذاتَ طوشة، أمُّك التي كانت تحب أن تحضُّني دائماً على البحث عن العمل. وقبل ان نكتشف ان زوجتي حامل بك، صدِّقني: أوشكنا أن نتفق على الطلاق. الحمل بك أنساها إياي وبطالتي وقرفي ومرضي. وهكذا مرَّت سبع سنوات من البؤس بنا في بيوت كثيرة. كثيراً ما حردت أمُّك، ليس لأنني باطل عن العمل، وليس لأنني رفضت فرص العمل فيما بعد، بل لأنَّها أدَّعت انني كنت اختفي من البيت وأندس في طوابير البلد ألتقي بأناس اتسمَّع قصصهم الشخصية أو ان لي حياة ليلية غير تلك التي في البيت مع زوجتي. وهذا غير صحيح وغير معقول بتاتاً. كانت تعود من العمل وتجدني في البيت وتتهمني انني لم أكن في البيت حين استيقظتْ صباحاً وذهبتْ للعمل. لم أعرف بالضبط إلى أي حد تقول الصدق، وصرتُ أشكُّ بنفسي وحرارة إنكاري خاصة بعد ان انهارت زوجتي عصبياً وبدأت تأخذ علاجاً نفسياً، وطبعاً كنت أنكر كل إدعاءاتها.
كثيراً ما وجدتُ، عند ذهابي في الصباح لأوصلك يا عليّ إلى الروضة، طابور الناس الصبورين، ومن مختلف الاوساط الاجتماعية، فقد ظهر ذلك في ازيائهم، ينتظرون كالعادة عند باب بيتي في المصرارة. كثيراً ما ذكرتُ الأمر لأمك لأشعرها بأهميتي ككاتب وثقة الناس بقدراتي. لكنها أنكرت انها رأت بحياتها ذلك الطابور الغريب صباحاً، أو حتى عند عودتها إلى البيت. أرجوها أحيانا أن تراه عبر النافذة وترفض.
سخرت مني ذات مرة وقالت: ممكن طابور تكية؟ ممكن فاتح قلبك تكية إنسانية من ورا ظهري.
كانت سخريتها سكينةً في صدري.
قالت ضاحكة: أقصد من الأرجح انهم عمال مياومة.
قلتُ لها: بس ملابس بعضهم أنيقة وغالية. واضح انهم مش عمال.
حتى حين عقدتُ العزم على أن أصبح متفرغاً للكتابة ولا أعمل شيئاً، كنتُ واضحاً مع أمك. قلت لها ان عملي أن أحرث مخي وانتظر غيوماً تمطرني أفكاراً، وأن وضعي يائس وخاسر وعُضال لا شفاء له. وحين كانت تطالبني أن أكون واقعياً وأعطي دروساً خاصة أو ترجمة صحفية أو دورات تعليم كتابة وتحليل أدبي، واضطررت لذلك كثيراً، كان يحلو لي أن أصف لها كل الطوابير التي تنتظرني في المدينة كي أكتبها.
ولكني كنتُ انزعج من ذلك الطابور شبه الدائم الذي بات ينتظرني صباحاً كل يوم عند بيتي، وشككت يوماً بقوة تركيزي الإدراكي ورؤيتي البصرية حتى فتحت الباب وسألتُ شاباً من الطابور ومعه ملف أزرق عما يريد. همس في أذني لي انه شخصية يريدني أن أكتبه في قصة من قصصي، أبوه عميل وهو يعاني من رفض المجتمع له؛ ثمة امرأة شابة قالت لي وهي تبكي ان حماها يغتصبها وحماتها تعلم وزوجها يعلم وانها لا تريد ان تُجن؛ حتى رأيتُ في الطابور حماي واقفاً بصبر ينتظرني وثمار فضفضته توشك أن تتساقط من فمه. قال انه يشعر بالملل وبلاجدوى حياته، الجميع يريد أن يرثه حياً وهو يبحث عن سبب ليحيا.

لم أقل لها عن تفاصيل الطابور عند البيت. لم أقل لها أن أباها كان فيه، وأننا صرنا نقضي بعض الوقت معاً نشرب القهوة في مقاهي البلد ونلعب أحياناً الشيش بيش أو المحبوسة. لاحظت مع الوقت، كلما عدتُ إلى البيت بعد أن أوصلك إلى المدرسة، إنَّ الطابور يزداد طولاً: جميعهم ينتظرني بصبر وهداة. قلت ذلك لأمك: ألقِ نظرة عبر الشباك، هل ترين الطابور؟ ها؟
قالت: ممكن في عيادة جديدة لطبيب نفسي، أو محامي طلاق، أو ممكن بفكروا بيتنا فرن للكعك بالسمسم؟
سخرية في الصميم. وقفتُ مخروساً أبحث عن نفسي.

صباح اليوم الذي انفصلنا فيه، أيقظني رنين الهاتف. كانت أمك. كنتُ وكانت غرفة النوم غارقة في ذلك البحر المتلاطم من

الضياء الصباحي الذي غمر المطبخ والصالة والشرفة الذي

لا أحبه. أخبرتني بأنها رافقتك يا عليّ إلى المدرسة وانها تأخرتْ كالعادة عن العمل، وطمأنتني بأن الطابور هو مجموعة من الأزواج الخائنين الذين ينتظرون ادوارهم عند أعتاب زانيات شارع يافا.
– شو بهمني لتحكيلي هالكلام ع الصبح؟
– لأنو في ناس شافتك واقف في الطابور الساعة ثلاثة وجه الصبح في شارع يافا؟
بقيتُ أنكر حتى أرتني زوجتي بعد ذلك بشهور كثيرة فيلماً عن شخص يشبهني تماماً يمشي في الليل خارج البيت. كانت تلك سرنمة، يا. علي، لا غير. ووقوفي في طابور الملهى أمر محير جداً. طبعاً ليس للفيلم علاقة بالطابور، ولا بالزانيات أو غيره؛ لا تسمح لعقلك أن يشطح.
لكن هل يستحق الأمر أن نتطلق.
نعم، صحيح، أنا مسرنم. لي حياتان، لي وجهان، لي ذاتان، ولا استطيع أن أجسر بينهما أو أتخلص من واحدة منهما. كانت حياتي مع زوجتي نهار ويقظة، وثمة حياة أخرى عشتها ليلاً لا أعلم عنها شيئاً. صدقني لا أعلم عما أفعله في سرنمتي أبداً. فيما مضى لم أكن أحلم في الليل، ولا تعتريني حتى الكوابيس. ربما كان علينا ان ننفصل، بل نتطلق. ربما كان ذلك الأفضل. لها أفضل. للكتابة أفضل. للمجد أفضل. عليّ، كنتَ كل شيء بالنسبة لي، فقد يئست من كسب تعاطف تلك المرأة وحبها. وبينما أروِّحك من المدرسة إلى بيت جدك لأمك، تبقى صامتاً كالعادة، وضحكتك لم أر أو أسمع أجمل منها، وأبتزها منك ابتزازاً فأنا مدمن عليها. ضحكتك تشبه ضحكة جدك لأمك، وربما أنت لا تعرف انني وحماي صديقان، ما نزال نلعب الشيش بيش والورق وجدك يرتاح وهو يروي لي قصص البلد وأرتوي منها. حتى صرت يا ابني تتحرَّج من مرافقتي لك من المدرسة إلى بيت جدك، ولم انتبه إلى انك كبرت وصرتَ مراهقاً.
حدجتني وعاتبتني ذات يوم: متى سأعود لأعيش في ظلك؟
فاجأتني. كم أسعدتني.
– تعال، البيت بيتك، بأي وقت..
– صحيح انك مجنون؟
صدمني سؤالك. شلَّني، لا أعلم كيف توصلتَ لهذه النتيجة.
– بتقدر تقول اني مجنون.
سألتني: هل تذكر سمكتي الحمراء التي ماتت في الحوض يا أبي؟
هززتُ له رأسي.
قال: شعرت وأنا صغير انها ما راحت لأمها البحر مثل ما قلت لي، حسيت أنك رميتها في المجاري.
سألته: كل السمك اللي ربيناه مات، وخفنا عليك وأنت صغير، شو اللي ذكرك بالسمكة؟
قال: كتابك أمبارح ذكرني فيها…
“إنَّ سمكتي الذهبية التي سرعان ما تتعود على حوض السمك وتموت بعد ايام هي قلمي. كيف بوسعي أن أجفف حبري وأين أنشر كلماتي المبللة في حوض عرقي!؟ طبعاً، من المؤكد انكم تعلمون الآن انني ككاتب مجرد حوض سمك لا غير، استقبل قصصاً وأودِّع قصصاً، قصصي سمك، قصصي سمك نافق، قصصي أناس نافقون يطفون على سطح حوض مائي…”
ونحن، أنا وأمي كنا سمكاً في حوض حياتك وبيتك، ولا أنا غلطان!؟
لم أقل كلمة واحدة، حتى وهو يلقي عليَّ بلائحة الاتهام ضدي: تهمة انني لم أساهم بتربيته أبداً ولا نشأته، تهمة انني لم أعطه محبتي ولا عشت طفولته معه، تهمة انني لم أكن معه في كل المحن ولا المرض ولم أكسر جدران خوفه من الناس، تهمة انني لم أحبه، تهمة انني لم أسهر ليلة واحدة بجانب سريره في حياته كلها، بل كنتُ أعيش حياة الليل والكتب والوجود وحياة الفرد المستوحد الذي جعل مني كاتباً له اسم ثقيل في البلد.
– ذات يوم أشعر انني سأصبح أباً عظيماً مثلك.
يا إلهي، ذلك لسان طليقتي.
أحسستُ انه هو الذي يرافقني إلى البيت، لا أنا الذي يرافقه.
– أمي تقول لي اني أشبهك، وتصرفاتي مثل تصرفاتك.
سألته متى سينتقل للعيش معي في بيت جده الذي يحمل اسمه الشخصي أيضاً.
– حضِّر البيرة وشوية مازة، اليوم صعب وبكرة كمان.. بس بحلم في يوم أعطيك الكتاب وتكتبلي توقيعك باسمك، بس أرجوك ما تكتبلي كلمة أبوك في توقيعك، ما بقدر اتحمل خفتها، آسف مش بإيدي..
منذ تحدثنا معاً يا علي، بدأت أحلم بك. ولم أعد أتسرنم. أنام كالجثة الهامدة، منقوعاً بالعتمة. انا اعاني من مرض لم انجح في يوم في تشخيصه، كما قلت لك، هل تراك تفهمني؟ أحلم ماشياً، وأنام واقفاً. ومهما قلت لك انني أفكر فيك، ستظل لا تطيقني ولا تطيق فكرة أبوتي لك. ستحاول جاهداً ألا تكون مثلي. ستحاول جاهداً ألا تكون نفسك. ستجبر نفسك على أهمية الدراسة والعمل وكسب المال والاهتمام بالمنصب الاجتماعي والوطني. أود أن تكون راضياً عن نفسك، لكن همك سيكون ان يكون المجتمع راضياً عنك. وسينتهي بك الأمر ان يكون لك بيت وزوجة وطفلان وعمل وسيارة جديدة ودين كثير تدين به لمصرف كبير يستقبلك فيه موظفون انيقون بكل الاحترام ويقدمون لك فنجاناً من القهوة السريعة وحبة شوكولاطة، ويقولون لك سيدي.
كل ليلة، كل فجر وكل يوم انتظرك، أفتح باب البيت وأتمنى أن لا أراك على بابي شخصية أكتبها في كتبي، تنتظر مع كل هؤلاء الناس الذين ينتظرون بصبر وطول بال أن أكتبهم وأكتب قصصهم المملة. أتمنى أن أراك عائداً لنعيش معاً بعض العمر ولأعوضك، لندردش ونتناقش ونختلف، ربما نلعب الورق أو الزهر، ربما نتكلم عن النساء والحياة، الجمال، الله والذوق. لكني افتح الباب وأراك تنتظر في طابور الناس، كأنَّك غريب عني ليس من لحمي. أتابع كل أخبارك مع جدك ومع الجيران والأقارب، أكاد أفهم غضبك وشعورك بالظلم. وأنا لستُ ملاكاً يا علي، وعليّ أن أكون مهنياً وعملياً فلا توآخذني أني طردتك من حياتي، طردتك وطردتُ الناس الذين ينتظرون كل يوم على باب بيتي، ليس بوسعي أن أكتب الجميع، ليس بوسعي أن أمجد مشاعرهم النبيلة: أحزانهم، أفراحهم، همومهم، ولا أخبارهم التافهة أو المهمة ولا أفكارهم المملة أو العادية. أنتظرك على باب بيتي كل يوم، لكنك تأتي ولا تدخل. أنتظرك هنا، ولا أحلم ولا أتسرنم، لكن هذا الطابور على باب بيتي يطول أكثر فأكثر مع مرور الوقت. وأنا أؤجِّل قصتك مرة إثر مرة، علَّك تصحو، عساك تصبح ذاتك، وألون مجدك بنهاية مرضية إن لم تكن سعيدة.

كل صباح، كل فجر، كل ظهيرة، كلما استيقظتُ من نومي وشرَّعتُ نوافذي للحياة وبابي للقصص والروايات، أراك في الطابور تنتظر دورك لتأخذ رقماً ومقعداً خالياً في صالة الانتظار قبل الدخول إلى مكتبي، بأية فكرة مقدسة سأعجنك يا عليّ وأخلِّدك يا أجمل وأغلى خيباتي!؟ الناس لا تعرف أن تتكلم كلاماً معسولاً، وعليَّ أن أحوِّل ترهاتهم إلى مجد، فماذا سأفعل معك يا علي؟ وهذا الطابور، الذي يزداد طوله يومياً وتقف فيه أنت وزوجتك وأطفالك مع الناس الغرباء عند عتبة بيتي، كيف سهل عليك أن تنظمه وترتبه وتحشده ضدي!؟ ماذا بوسعي أن أفعل معك وأنت توغر قلبي بقصصك وعتابك وغضبك ولؤمك وصمتك ومؤامراتك الصغيرة؟ يكفيني انك تتعمد الانتظار في الطابور عند عتبة بيتي ولا تدخل، بل تتعمَّد ألا تدخل بيتي ولا صالة انتظار الكومبارس ولا مكتبي، متعمِّداً أن تبيتَ ذروةَ قصةٍ مؤجَّلةً، طعنة خنجر، أو لفظة شتيمة توشك أن تنفجر بآلهتي أو شجرة عائلتي أو بخميرة اسمي. لم أعد أحلم لا في الليل ولا في النهار، لم أعد أتسرنم أبداً بعد أن تحدثنا معاً آخر مرة، فأنا جثة هامدة لا تقوى على تقديم شكوى بمقتلها. حتى شريط ڤيديو كاميرات مراقبة سرنمتي أحضرها من فينة لأخرى ولم أعد أجد دليلاً على سرنمتي أبداً.
ستبقى عاداتي كحالها، ومزاجي كما هو. أرجو ألا تغضب وتعتبرها إهانة شخصية كلما أراك تنتظرني وتنتظر أن أسمع قصصك وأكتبك ولكني اتجاهلك. لا تؤاخذني حين أفتح مكتبي، وأبحث في الناس الذين ينتظرونني أن أكتب حياة مَنْ هو أشد جاذبية منك وأكثر إثارة وأعظم إمتاعاً من حياتك. لا تنزعج مني ولا تعتبر طردي لك أمراً شخصياً. ولا تنسَ أن تأتي لي بملف جديد من المعلومات بعنوان جديد تماماً. ملفك الأصفر الباهت المعنون بـ الذكريات لا يهمني، وملفك الأحمر المعنون بـ السيرة أكرهه وأكره أن أراك تحمله لأنني أعلم انه فرية كبيرة. لا تؤاخذني حين اضطر الى طرد الأفكار من حولي، وأنت معها، أتخيلك أحياناً وقد جلبتَ أمك معك تنتظر دورها في الطابور لتسرد عليَّ بصوتها العالي قصصي لأكتبها، (يا للوقاحة!): قصتي وأنا صاحٍ وكذلك قصتي وأنا مسرنم. لا تؤاخذني يا عليّ، سافتح باب البيت وأطردك واطرد أمك وكل مَن في الطابور معك واخبط الباب في وجوهكم. كم آمل أن تسمعني لكنك لا تسمع، كالعادة. آمل أن أراك غداً، في الصباح سأفتح الباب، وأنتظر أن تَخرج جثتي الهامدة في بحر الضوء لأسمع أخباراً جديدة عنك وعني تدعو للتفاؤل…

 

28/6/2014
جمال القواسمي

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً