عن مشكلات قصيدة النثر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

رشيد يحياوي (ناقد أدبي من المغرب)

Prose poetryلم يتخلص أنسي الحاج في حديثه عن ماهية قصيدة النثر من مقترحات سوزان برنار في الموضوع، وما كان له هو وأدونيس الخروج عن تلك الدائرة في تلك المرحلة لسببين (قاهرين )، أولهما غياب تراكم نقدي عربي في الموضوع، وثانيهما غياب تراكم إبداعي عربي لتلك القصيدة يهيئ أرضا للملاحظة والاستنتاج.
يقول الحاج: (يحتاج توضيح ماهية قصيدة النثر إلى مجال ليس متوافرا، وإنني أستعير بتلخيص كلي هذا التحديد من أحدث كتاب في الموضوع بعنوان: قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا للكاتبة الفرنسية سوزان برنار).( 21) ثم يضيف هامشا لهذه الفقرة يذكر فيه أن أدونيس كان أول من تناول هذا الموضوع بالعربية في مجلة (شعر) بالعدد 14/1960.
وليست قصيدة النثر في تلك الماهية قطعة نثر فنية أو مشعرنة،
بل قصيدة بفضل شروطها الضرورية الثلاثة:

أ – الإيجاز
ب – التوهج
ج – المجانية

ولكي تتحقق لها هذه الشروط في عادتها النثرية، لابد لها من أن تكون موطن صراع بين نزعتين متعارضتين هما: الهدم والفوضى من جهة، والتنظيم من جهة أخرى، وستطل هذه الشروط الماهوية موطن تجاذب بين التجارب الشعرية العربية في قصيدة النثر، وسيتحول بعضها مثل مفزع (الفوضى) إلى شعار لدى بعض شعراء الأجيال الجديدة، لكن وضعها موضع التطبيق لم يكن – فيما يبدو- هدفا مباشرا للشعراء، بدليل أن أنسي الحاج نفسه لم يخضع لها، قد يكون تمثلها نسبيا في شرطيها عن المجانية والفوضى المنظمة، لكنه ظل أبعد عنها من حيث شروط التوهج والإيجاز قياسا إلى الفهم الذي قدمه لهذين الشرطين.

وإذا كانت هذه الماهية في ظاهرها ماهية نصية، فإن خاصيتها هذه، لا تقطع جذورها مع المرجعية الذاتية للتجربة ومع شرطها الخارجي حيث يوجد الشاعر في مقابل العالم، إنها- بتعبير أنسي الحاج – (الإطار أو الخطوط العامة للأعمق والأساسي، موهبة الشاعر، تجربته الداخلية، وموقفه من العالم والإنسان ).(22) ولقد كان على أنسي الحاج أن يقدم هذا التوضيح لكي يحتفظ بخيط ضمني يربط قصيدة النثر بالمفهوم الشائع وقتها للشعر والذي يمكن اختزاله في شروط الموهبة والتجربة الداخلية والموقف.
إنه المفهوم الذي احتضنته قصيدة التفعيلة بصفة خاصة دون أن يتنكر له شعراء مجددون من خارج تلك الحركة، موضع الخلاف بالذات، هو في ربط الماهية من حيث هي مرجعية خارجية وسياقية بالماهية من حيث هي معطى لنوء ونصي، فالمستمد، الثاني للماهية هو الذي يجعل قصيدة النثر تنفصل في (هويتها) الإبداعية ليس عن مبدأ التجديد الشعري عامة فحسب، بل أيضا عن مبدأ التجديد الشعري الخاص بقصيدة التفعيلة.

وكون شروط قصيدة النثر متعلقة بلغة التعبير وليس بماهيته، جعل الشاعر في مواجهة مباشرة مع النص، فموضوعه لم يعد محصورا في تسجيل الصدق العاطفي وتثبيت لحظة المعيش الاجتماعي والسياسي، أصبح موضوعه هو إشكالية التمظهر اللغوي والنصي للتعبير، وخاصة أن قصيدة النثر سعت للتخلي عن ذخيرة الأدوات التعبيرية القديمة، يقول أنسي الحاج في هذا الباب عن قصيدة النثر: (لقد خذلت كل ما لا يعني الشاعر، واستغنت عن المظاهر والانهماكات الثانوية والسطحية والمضيعة لقوة القصيدة، رفضت ما يحول الشاعر عن شعره، لتضع الشاعر أمام تجربته، مسؤولا وحده كل المسؤولية عن عطائه، فلم يبق في وسعه التذرع بقساوة النظم وتحكم القافية واستبدادها، ولا بأي حجة برانية مفروضة عليه، ومن هنا ما ندعوه القانون الحر لقصيدة النثر).(23)
ويتمثل القانون الحر في ثلاثية الإيجاز والتوهج والمجانية، المؤطرة بتنازع قوى الفوضوية والتنظيم من جهة، وبمرجع الموهبة والتجربة والموقف من جهة ثانية، وينحل ذلك القانون في تمظهرين تعبيريين موازيين يمثلان نظامه السطحي، وهما اللغة والوحدة، ولكل منهما لوازمه ومصاحباته:

أ – اللغة:

الإلحاح على تجديد اللغة وربطها بمبدأ التطور الحتمي، مثل مطلبا أساسيا في الخطاب الأنسي، فمادام الموقف يتغير، فمن البديهي أن ينشد الإنسان لفة تناسب رغبته في التعبير عن جدة الموقف، والمطلوب في اللغة الأنسية الجديدة أن تكون قادرة بدورها على الاختصار ومطاوعة الشاعر في (وثبه الخلاق ) لفة قابلة للخلق الدائم مادامت القاعدة الأنسية هي أنه (في كل شاعر مخترع لغة).

ب – الوحدة:

مطلب الوحدة في القصيدة مطلب قديم، لكن راهنه في قصيدة النثر يقترن بباقي شروطها، وبخاصة منها شرطي القصر والتماسك، وهما شرطان يرتدان لصفتي الإيجاز والتوهج، إذ لكي تكون قصيدة النثر موجزة متوهجة لابد لها حسب برنار والحاج من القصر والوحدة والتماسك.

ويتجه هدف هذه الوحدة للتلقي، بإحداث تأثير كلي مخالف لذلك الذي يحدث جزئيا في القصائد الطويلة، قصيدة النثر القصيرة، في المرجع البر ناري المتبنى في الخطاب الأنسي، قادرة وحدها، على إحداث التوهج الفجائي المنبعث في شكل شحنة كلية قوية التأثير في متلقيها، يقول أنسي الحاج في ذلك: (التأثير الذي تبحث عنه ينتظرك عندما تكتمل فيك القصيدة، فهي وحدة، ووحدة متماسكة لا شقوق بين أضلاعها، وتأثيرها يقع ككل، لا كأجزاء، لا كأبيات وألفاظ).(24)

قبل قصيدة النثر، كان موضوع التأثير في المتلقي موكولا في المقام الأول لموسيقى الوزن والقافية، وحتى في السجال الذي نشأ حول قصيدة النثر، أثار فيه خصومها هذا الموضوع، ناعتين إياها بعدم القدرة على التأثير في متلقيها بسبب ما وصفوه فيها من غياب للموسيقى، لذلك نعد ما ذكره أنسي الحاج في موضع التأثير الكلي والموهبة والتجربة، بمثابة رد، بل تفنيد ضمني للحجج المضادة لتلك القصيدة.

لم يعبأ أنسي الحاج، كما فعل غير واحد من اللاحقين، بفك (عقدة) الموسيقى في قصيدة النثر بالإقرار مثلا، بوجود (موسيقى الخلية) خاصة بها، كان أنسي الحاج صريحا في خطابه التهميشي لمقولة الموسيقى والإيقاع في قصيدة النثر، وكان مبدأه في ذلك هو أن الشعر (لا يعرف بالوزن والقافية)، ولم يتردد في نعت موسيقى الوزن والقافية بكونها (موسيقى خارجية) استهلكت وأصبحت (أدوات جاهزة وبالية).

وانسجاما مع هذا الأفق لم يقدم أنسي الحاج في محفل الإيقاع، اقتراحات كتلك التي قدمها في محفلي وحدة القصيدة وتأثيرها، لقد مثل الإيقاع عنده دورا هامشيا لم يرد اعتماده إلا عرضيا وضمنيا، ضمن واحد من أنواعه المقترحة لقصيدة النثر، نقصد (قصيدة النثر الغنائية ) التي لها أصل في النثر الموقع، كما ذهب إلى ذلك صاحب (المقدمة).
وفي مقابل هذا النوع الفرعي، يتراجع الإيقاع في قصيدة النثر (الحكائية =) ليهيمن بدله السرد، أما في الصنف الثالث من أصنافه لقصيدة النثر، صنف قصائد النثر (العادية) التي (بلا إيقاع). فيشتغل شعريا بواسطة التأثير الكلي أو ما سماه أنسي الحاج: (الكيان الواحد المغلق).

– النهائية والبديل الحقيقي:

أن يكون لقصيدة النثر كيان مغلق، هل يفيد أن لها دورة مغلقة ووضعا نهائيا لا تحول بعده؟ ثم أي دور لقصيدة النثر في دورة التحولات الأدبية التي من طبيعتها التطور والتحرر ومعاداة التحجر على حد ما ذهب إلى ذلك صاحب (المقدمة ) نفسه؟
بالنسبة للسؤال الأول، رأينا أن أنسي الحاج يجاور بين تخصيص قصيدة النثر بقوانين كلية تمنحها وضعا شبه نهائي، وبين تحميلها إمكانيات للانفتاح على متغيرات محتملة، على أن تبقى مشمولة بالنسق المهيمن بالنموذج القبلي.
أما بالنسبة للسؤال الثاني، فإجابة الحاج عنه كانت من أسباب تغذية الصراع النقدي حول قصيدة النثر، وفضلا عن ذلك مازال هذا السؤال يطرح دون حل موضوعي، فحلوله الذاتية تنطبع بوجهات النظر المناوئة أو المناصرة لقصيدة النثر، ذلك أن التساؤل عن موقع قصيدة النثر، هو تساؤل عن البديل الإبداعي وعن المجيب الحقيقي عن الحاجة الجمالية الواهنة للقول الشعري، فما الأقدر على الإجابة عن تلك الحاجة، قصيدة النثر، أم قصيدة الوزن؟
جاء جواب أنسي الحاج لفائدة قصيدة النثر بحجة أن هذه القصيدة معطى حداثي عالمي وليس عربيا فحسب (حيث تمثل أقوى
وجه للثورة الشعرية التي انفجرت منذ قرن)، أما بالنسبة للسياق الزمني العربي فيقول الحاج: (قصيدة النثر خليقة هذا الزمان، حليفته ومصيره).
لكن موضع الشاهد النقدي ليسر في مجرد وضع قصيدة النثر في سياق الإبداع العربي وإيجاد شرعية لها بين باقي أنماط التعبير، كان طموح أنسي الحاج يتعدى هذا الحد، قصيدة النثر عنده هي البديل الحقيقي لكل إبداع شعري، وهي نهاية ما وصل إليه التحرر الإبداعي، إنها تجاوز حتى لقصيدة التفعيلة حديثة العهد بدورها، والتي كانت وقتها وما زالت في مرحلة تأصيل الاختيار وتثبيت الجذور وفرض الذات بوصفها البديل الحقيقي.
ولم يقتنع الحاج بأسلوب المهادنة، وخاصة مهادنة رفاقه من المجددين التفعيليين، لم يكن سوى (جنون ) و(لعنة) أن يعن الحاج في ذلك الوقت بديل قصيدة النثر بقوله المتحدي: (إنها أرحب ما توصل إليه توق الشاعر الحديث على صعيد التكنيك وعلى صعيد الفحوى في أن واحد).(25)
إنه إعلان هدد، ليسر شعر الوزن عامة فحسب، بل بالتحديد، شعر التفعيلة، ولهذا السبب سيقف أغلب شعراء التفعيلة، موقف المتحفظ من قصيدة النثر، ليس في الجيل الستيني فحسب، بل منذ ذلك التاريخ إلى غاية التسعينات أيضا، فقد أعلنت قصيدة النثر عن نفسها منافسة لهم، مهددة لتصميم تجربتهم، في شعاراتها حول التحديث والتجديد بالذات.
والآن، ونحز على عتبة نهاية العقد الرابع من الإبداع الشعري الذي تلا تاريخ المقدمة، وبعد أن بدا جليا أن قصيدة التفعيلة تواجه مشاكل إبداعية حقيقية، باعتراف شعرائها، وبعد أن أصبحت قصيدة النثر بمختلف أصنافها وروافدها، أكثر شيوعا في التعبير الشعري العربي الحديث، هل نقول إذن، إن (نبوءة ) أنسي الحاج وجدت أخيرا وبلا منازع مصداقيتها؟!.

– بعد المقدمة:

قد تخطئ المقارنة هدفها إذا تغيت المطابقة بين مقدمة أنسي الحاج وشعره، فالمقدمة سابقة لديوانه (لن) طباعيا لا زمنيا، فهي وإن مثلت الوعي النظري لأنسي الحاج بماهية الشعر وأدواته، فليسر من المفروض أن تمثل مطابقة الوعي للإبداع، إذ توجد دائما مسافة ما بين المعطى النظري والمنجز النصي، وفي هذه المسافة توجد امتدادات وقطائع بين طرفيها، وأهم ما في تلك الإمتدادات في حالتنا هذه، مواجهة الشاعر للغة وأنسي الحاج لم يخضع لصدمة (جدار اللغة)، كما حدث لزميله يوسف الخال، لقد ظل أنسي الحاج (لن) و(الرأس المقطوع)، شاعرا صداميا تجاه جدار اللغة، ممتثلا لمبدئه في كون الشاعر (خالق لغة). وبعد ربع قرن من ذلك التاريخ، نرى أنسي الحاج يكشف عن مصدره السريالي في مواجهة ذلك الجدار: التمرد، العبثية، الفوضى، مع تأكيد أن تجربة (لن )، (واجهت
الصنمين: صنم اللغة المحنطة وصنم الوزن التقليدي).(26)
وقد كانت خالدة سعيد من أوائل من أكد على خصوصية التجربة اللغوية (لن) في وقوعها موقع صراع (بين اللغة واللالغة) تقول: (هذا ما شحن شعر أنسي الحاج بالنزق والتمزق والتوتر، وكان من نتيجة هذا الصراع ما سميته منذ عشر سنوات، يوم صدور (لن) باللعثمة، هذه (اللعثمة) التي حجبت شعره السابق هن عامة القراء الذين اعتادوا الفكر المقولب المكبسل المنمق التفسيري، هي نفسها جعلت له في نظر قرائه جاذبية خاصة).(27)
وفي مسعى قريب مما ذهبت إليه خالدة سعيد يقدم سامي سويدان دراسة تحليلية لديوان (لن) يتتبع فيها مظاهر تمرد وثورة أنسي الحاج على جدار اللغة.
(28) ومن أبرزها ما يلي:

أ – تحطيم قواعد اللغة العربية في نحوها وصرفها.
ب – مزج العامي بالفصيح.
ج – قلب المألوف وإعادة تأليفه.
د – اشتقاق ألفاظ جديدة على أمس غير معهودة في العربية.
هـ- الإكثار من الصور المكثفة المتوترة.
و – تداخل الأصوات المتكلمة.

وتغدو القصيدة بتضافر هذه الاختيارات الأسلوبية، ضربا من العبثية أو المجانية التي لا يحيل مستواها السطحي سوء على اللعب اللغوي، أو ما سمته خالدة سعيد (ما يشبا الكتابة الأوتوماتيكية أو الهذيان لتيار الكلمات ذات التوالد الذاتي).(29)
بيد أن الدراسة المتأنية للنص تكشف من نسقية تماسكه، فخلف تلك العبثية تكمن دلالات أساسية ترفد بشعريتها تجربة أنسي الحاج، وقد وقف سامي سويدان عند هذه الخاصية من خلال نماذج بذاتها، حيث أكد مثلا تشغيل الحاج لمهيمنات موضوعاتية، في مقدمتها الدين والجنس والوطن، ومن أمثلتها النصية، ما سجله سويدان بخصوص قصيدة (هوية ) التي خلص بعد تحليل (عبثيتها) السطحية إلى القول: (وتظهر هذه الأخيرة وكأنها لا تسمح فقه بقرا،ات متعددة، بل إنها أيضا تستدعيها، وإذا بالنص يفضي إلى أبعاد دينية وما ورائية تتناول إشكالية الإيمان في مواجهة الوجود والعدم والعلاقة التي تنضح عز ذك بين الإنسان والله أو عزرائيل.. كما يفضي إلى أبعاد اجتماعية تطرح إشكالية التمرد والانتفاض على يباب السائد، وجميعها تتمازج في أصداء متداخلة تعلن وحدة القصيدة الكلية ).( 30)
ولم يكن أمام أنسي الحاج من سبيل مس ى خلق لفة جديدة عارية من منطق العلاقات البرهانية الظاهرة، وبخاصة أنه يرفض الخضوع للقيم السائدة في محتويات التعبير، وكيف يحافظ للغة بجدارها في نص مثل قصيدته (شارولوت ) مثلا حيث يقرن بين القصيدة والجنس السري؟ يقول سويدان عن هذه القصيدة بالذات: (وإذا كانت قصيدة (شارولوت ) هذه تتعرض لموضوع جنسي حميم نادرا جدا- كيلا نقول أبدا- ما تطرق إليه شاعر عربي قبل أنسي الحاج، فإنها تشكل في موضوعها بحد ذاتها، مروقا في الشعر ).(31)
ونقدم مثالا آخر من لم لن) هو قصيدته (مجيد النقاب) التي يقول في مقطعها الأول:
(جادت الصورة؟ لماذا تتأخر كلا لم تجيء لم تجيء؟ وكيف أتجنب النظر؟ من ينقذني من آلام الرحلة أ أين؟ وراء في الوراء في وراء وراء الصوت، الليفة، اللب، الصلب، هل أتخلى؟ متأخر، أرفع الجلسة، أؤجل،لم الصوت، الليفة، اللب، الصلب، هل أتخلى؟ متأخر، أرفع الجلسة، أؤجل،لم أكلف، لم أنا، فليدفعوا. فلأطمح للصورة (32)
اللغة في هذا المقطع غير محتكمة لأي مواصفات متعارف عليها، إنها أشبه بهذيان مجنون غير قادر حتى على إكمال جملة، ناهيك بربطها بباقي الجمل، تصبح اللفة موضوعا للهدم من طرف ذات تختلط عندها المواضعات المحيطة به تقوى على تحديد موقعها ضمنها، فيتحول خطابها إلى ضرب من اللغة المجانية العبثية التي لا تهدف لقول شيء، لغة تنقال ولا تقول.
بيد أنه في هذه المجانية الظاهرية، نستطيع أن نلتقط خيوطا لتماسك وغائية ضمنية، وخاصة حين نقارن بين وضعين فعليين:

أ – مجيء النقاب.
ب – مجيء الصورة.

بهذا التوازن تتحول الصورة إلى حجاب وتفقد إضاءتها وإشراقها يصبح الطموح محملا بإشكال نفيها وهدمها:
بين هذين الفعلين، أي بين الانتظار والترقب، تتوالد اللفة المتداعية للمقطع في متوالية من الأسئلة المعبرة عن القلق والتردد وعدم الاستقرار، إنها لفة بركانية تنقذف مفرداتها كشظايا الحمم دون قيد وضبط وهذا ما قاله أنسي الحاج نفسه بعد ربع قرن من ذلك التاريخ: (ما فعلته كان انفجار براكين تكونت في مست الأيام وانفجرت في صمت الكتابة).(33)
وإذا كانت (المقدمة) هي الإطار الذي رسم الخطوط الكبرى لانفجارات اللغة (البركانية لم، وإذا كانت القصائد تمثلت اللغة نسبيا، فإنها لم تكن بالتالي نسخة مطابقة لها، وأنسي الحاج ذاته انتبه لذلك بقوله: (المواصفات التي حددتها في المقدمة، سارعت أنا نفسي وخرجت عليها في قصائد الكتاب نفسه).(34)
وقد كان من الصعب على أنسي الحاج أن يحقق شعريته على أنقاض هدمها، وفي مقدمتها المادة التراثية والمنطق التواصلي للغة، ولم يكن من الضروري تقنين قصيدة النثر في نموذج بعينه، وبخاصة أنه نموذج تم إمداده قبل أن تنجزه الممارسة النصية، وربما كان أدونيس أكثر عمقا من هذه الزاوية، حين وضع قصيدة النثر ضمن إطار الكتابة الجديدة عامة
دون تمجيدها وترسيمها بشروط بالغة التقنين والحصر، ذلك أن قصيدة النثر، في زمنيتها ولا زمنيتها، في إيجازها وطولها، تتسع تعبيريا للاشتغال بطاقات أخرى كامنة في اللغة والتراث مثلا.
وكان أنسي الحاج قد انزاح في لفته الشعرية عن تجربة (لن ) و(الرأس المقطوع ) في ديوانه (ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة؟ فضلا على أن الديوانين الأولين، لا يخلوان من بذور الغنائية التي رسخها ديوانه (ماذا صنعت بالذهب…).
كما أن أنسي الحاج سيكتب نصا طويلا بعنوان (الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع لم يستثمر فيه مادة تراثية مسيحية لغة وإحالات، غارفا من الجماليات الرومانسية والغنائية، فاتحا للذاتي الحميم مجالا أوسع للتعبير.
وقد أشارت خالدة سعيد إلى هذا الخرق الذي مارسه أنسي الحاج على ذخيرته الشعرية الشخصية. ولتصل الباحثة إلى هذه النتيجة، قامت برفد تجربة (لن ) و(الرأس المقطوع ) و(ماضي الأيام الآتية ) بمعطيات استمدتها من التحليل النفسي، حيث لاحظت أن الديوانين يفصحان عن صراع بين غريزتي الموت والحياة، من حيث لجوء أنسي الحاج إلى الجنسي والأيروسي بواسطة تعبير اندفاعي استنباطي مقاوم للصمت والسكون.
أما في ديوان (ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة؟) فلاحظت أن تخلي أنسي الحاج عن لغة دواوينه السابقه، مثل نوعا من (الاغتراب ) لدرجة أن شعرية الديران أصبحت غير مقنعة في رأيها، لذلك حصرتها في كونها مجرد (لحظة استراحة تنتقم من صمت السنين ). أما اللغة التمثيلية النمو نجية عند أنسي الحاج من وجهة نظر الباحثه، فهي لغة دواوينه الأولى، وفي ذلك تقول مستحضرة مثال الديوان الرابع: (أول ما يلفت قارئ أنسي الحاج في هذه المجموعة، غنائيتها ونزعة الإفصاح فيها. بها يخاطب الشاعر المرأة في مكاشفة واثقة وإن كانت عنيفة تقل فيها البارات المخنوقة باللوعة وتغلب عليها الطلاقة، بل العذوبة، هنا يبرز سؤال: هل يضيع ذلك الشعر؟ الجواب طي ذك نسبي ولا أريد أن أخضع شعر أنسي الحاج لمقياس غير المقياس الذي رسخه شعره فيما سبق من مجموعاته، وانطلاقا من هذا المقياس، أقول إنه يضيع شعر أنسي الحاج خاصة، كما انه يبدو اغترابا من مداره، إن شاعرية أنسي الحاج قائمة أصلا على درجة من التوتر معينة، وعلى موقف أساسي من عملية الكلام وبالتالي من عملية الشعر، إنه من الذين قرنوا الشعر بالجنون واللعنة ).(35)
لم تنصت خالدة سعيد لتجربة أنسي الحاج في متغيرها، لقد وقعت في أسر أفق انتظار أقامه أنسي الحاج في (المقدمة لم وتمثله جزئيا في دواوين لاحقة بها، كما أن تأثير مجلة (شعر لم يبدو واضحا في توجيه التلقي النقدي لخالدة سعيد وهي تواجه تجربة ديوان لم يتعمد الجهر بتمرده اللغوي،

لذلك تولد ممن المقارنة بين اللاحق والسابق سبب سلبي تمثل في حجب (درجة من التوتر معينة ) و(موقف أساسي من عملية الكلام ) ليسر في الدواوين – المقياس، بل هذا الديوان أيضا.
لكن خالدة سعيد لم تكن في الواقع مقتنعة بأن شعر أنسي الحاج قدم إضافة حقيقية مستجيبة لمفهومها للشعر ولشروطه، ذلك أنها لا ترى حتى في الدواوين الثلاثة الأولى التي عدتها مقياسا، تجربة مكتملة، إنها في رأيها (بداية، مشروع، مد قاطع، يحرم القارئ نشوة المضي في الشوط حتى النهاية ).(36) وقبل عشر سنوات من تاريخ هذا الحكم، كان لخالدة سعيد حكم مماثل، حيث كتبت وقتها لأدونيس تقول: (سيكون لأنسي شأن يا أدونيس إنه صوت غريب )(37) وكان حكمها هذا دليلا على أنها رأت في (لن ) مجرد بداية مبشرة وواعدة بما سيأتي.
لم يكن أدونيس نفسه بعيدا عن هذه الدائرة التقويمية، ففي رسالته التي كتبها لأنسي الحاج سنة 1961 فقرتان لا تخلوان من دلالة، يقول في الأولى: (في مجموعتك صراخ يفتح باب الرعب، (يسرطن العافية ). صحيح أن الصراخ قلما يكون وسيلة للشعر، لكنه هذه اللحظة من تاريخنا، قدر نفسي يحكمنا، ومن يوقظ النيام المخدرين قد لا يكفيه الصراخ وحده ). أما
في الفقرة الثانية فيقول: (معك يصير شعرنا حركة طلقة، فعلا حرا، تناقضا مدهشا، أعني يقترب شعرنا معك، أن يكون شعرا). (38)

ويستفاد من الفقرتين، أن أدونيس وإن قبل بالمنطلقات التحررية والهجومية لأنسي الحاج، وشجعه عليها، فان تقييمه لأدائه الشعري، لم ير فيه سوى أثر لحظي عابر، أي انه حصر أهميته في الإثارة والتنبيه، بواسطة الصراخ بالتحديد. فمقدمته وشعره صراخ، بما في الصراخ من انفعال وتمرد ومواجهة، لكن ذلك ليس كافيا في رأي أدونيس، لا لإيقاظ النيام، ولا لجعل الشعر شعرا.
لكن ما قدمه أنسي الحاج لم يكن صراخا بهذا الفهم الأدونيسي، لقد كان تفكيرا بصوت مرتفع، تفكيرا عكسه الموقف المقدماتي المعزز بتمرده وحججه، وتفكيرا بالشعر المعزز بالتجريب وهوس المختلف والمغاير الشعري. ولا أدل على ذلك من تنوع الإضافات الشعرية التي قدمها أنسي الحاج في مجمل أعماله الشعرية، وإذا كان أنسي الحاج لم يحظ في الدراسات النقدية بمكانة مماثلة لتلك التي حظي بها أدونيس، فلسبب رئيسي، هو أن الدراسات النقدية العربية لم تجد طريقا بعد، ليس لقصيدة أنسي الحاج فحسب، بل لقصيدة النثر عامة.

 

الهوامش:

(21) مقدمة (لن ) ص 18.
(22) المرجع السابق ص 21.
(23) المرجع نفسه ص 21.
(24) نفسه ص 16.
(25) نفسه ص 20.
(26) أنسي الحاج (حوار معه )جريدة القدس العربي اللندنية – 29 مارس 1995.
(27) خالدة سعيد: الهوية المتحركة، مجلة مواقف، العدد 17/18)- 1971ص 131.
(28) سامي سويدان: بحث في لغة شعرية (لن ): مجلة الفكر العربي المعاصر لبنان العدد 25/1983،ص131.
(29) خالدة سعيد، مرجح مذكور ص 132.
(30) سامي سويدان، مرجح مذكور ص 134.
(31) المرجع السابق ص 136.
(32) ديوان (لن) ص55.
(33) جريدة القدس العربي اللندنية – عدد مذكور.
(34) المرجع السابق.
(35) مجلة مواقف عدد مذكور ص 133.
(36) المرجع السابق ص 132.
(37) ضمن كتاب أدونيس زمن الشعر ط. دار العودة، بيروت 1983، ص 225.
(38) أدونيس: زمن الشعر ص (226، 221)

1+
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً