مجهولات موديانو : “أما أنا، فأتمنى أن أبقى هكذا للأبد”

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

” … لم أكن أريد العودة ثانية إلى الأعلى، أردت الخروج من المطعم خفية والسير وحيدة في الشوارع .. فتشت عن مخرج طوارئ، كما قال الجزائري، ما زلت فتاة شقراء مجهولة الهوية … غالبا ما يطلقون على الفتيات اللاتي يتم انتشالهن من مياه “الساون” أو “السين” صفة مجهولات الهوية، أو غير المعروفات … أما أنا، فأتمنى أن أبقى هكذا للأبد …”

Modiano Laghoo 2هكذا عبرت إحدى مجهولات الروائي الفرنسي باتريك موديانو (الحائز على جائزة نوبل للآداب لعام 2014) عن أزمتها الوجودية في رواية “مجهولات Des inconnues” الصادرة عن دار غاليمار للنشر عام 1999. النسخة العربية للرواية صدرت عام 2006 عن دار ميريت في القاهرة، وتقول المترجمة رنا حايك في مقدمتها:

 

هن نساء من غير قصة حقيقية، مجهولات بالنسبة للآخرين وبالنسبة لأنفسهن أيضا. يحاولن جاهدات خلال عبورهن من مرحلة الطفولة إلى عالم الراشدين، الفرار من عالم ممل إلى مستقبل غير أكيد. الثلاثة ضحايا أسر متفككة وعلاقات إنسانية مبتورة، والثلاثة يفتشن عن معنى لحياتهن الخالية منها.
هؤلاء هن بطلات الروائي “باتريك موديانو”، الذي ولد عام 1945 في فرنسا، في ظل حكومة فيشي التي خلقت الجو المناسب لتذكية إحساسه بهوية تائهة ورثها عن أبيه اليهودي. هو قضى طفولته كمعظم أبطال رواياته، في ملاجئ وشوارع ومحطات أوتوبيس فرنسية. هو، كمعظم شخصياته ذهب ضحية والدين دائمي الترحال.
وهو، مثلهم تماما، قضى حياته مسكونا بهاجس الفقدان، يحاول لم أشلاء ماضيه وانتمائه من خلال كتابة مشاهد من حياته الخاصة وأسماء شوارع مر بها، وملاجئ، وشخصيات سكنته حد الألم.
باتريك موديانو ليس كاتبا موغلا في المحلية كما قد يبدو أول وهلة لقارئه. شخصياته وحبكث ليست ابنة العالم الباريسي، بل هي ابنة عالمنا المعولم. ضياع أبطاله ليس خاصا بهم، بل هو ضياع الفرد بشكل عام في عصر يتفنن بالازدواجية والمكر وأكاذيب الأسطورة البطل، وأوهام الأحلام المنهارة والقناعات الواهمة.
رحلة هؤلاء البطلات هي رحلة كل منا، إحباطاتهن هي إحباطاتنا، تخوفهن من الآخر، انطوائهن وعزلتهن في هذا العالم المشغول بالمكائد والحروب، افتقارهن إلى علامات الإرشاد في ظل إنهيار صورة الأب والمعلم والحاكم، إحساسهن بالدونية وهن مأخوذات تحت عجلات المدينة الصاخبة، توقهن إلى الوصول لكن إلى أين؟.
هكذا هن المجهولات وهكذا هو كل منا.

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً