فلاسفة الشتاء / تشارلز سيميك

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

simic charles laghoo“كل من يفكر بائس” يقول سيرغي ديفلاتوف في واحدة من قصصه. بعض الغربان تنعق طول اليوم، وبعضها لا يقول شيئا. أشاهد واحدا منها يخطو إلى الأمام وإلى الخلف في حديقتي، تماما كما رأيت هاملت يخطو على خشبة المسرح. يبدو أن الذي يقلقه غير قابل للحل، قلق أكبر من أن يحمله رأس غراب واحد. لكن، لا ضير في المحاولة، كما أعتقد، فعلى الرغم من الجلبة التي يحدثها أقرباء الغراب وهم يذهبون يمنة ويسرة،فأن الشارع الذي يستشرفون غير مغطى فقط بالأوراق المتساقطة وبقع الجليد، ولكن بالجثث الطازجة.

****

والدي الراحل الذي كان لديه ما يقوله بخصوص كل شيء، كان يواسي الذين يشكون من البرد القارس بتذكيرهم بمتعة الحساء الساخن وشراب قوي كان مسموحا به في تلك الظروف غير العادية. بالإضافة إلى ذلك، كان يدعي أن البرد يسمح للعقل بالتركيز. في اللحظة التي نخرج فيها من البيت، نفعل ما علينا فعله بذكاء غير شائع ونهرول، بخلاف من باستطاعتهم الجلوس في الظل على ساحل المتوسط أو البحر الكاريبي. عندما نستلقي أو نجلس بسلام، يتوقف الزمن وبإمكاننا أن نستغرق في التأمل للأبد، كما يعتقد إيميل سيوران. يقول سيوران أن التاريخ هو ناتج الأفراد الذين يقفون وينشغلون بشيء ما. ماذا بإمكان حالم أو أحمق أن يفعل في القطب الشمالي؟. كانت لوالدي شكوك حيال ذلك. كيف لموسيقى برليوز أو شومان أن تسمع تحت درجة حرارة -40 مئوية. لم يأبه والدي لإجابة أسئلة من هذا القبيل.

****

ماذا لو كان على أفلاطون وسقراط أن يمسحا الجليد عن نوافذ سيارتيهما وأن يقوما بإصلاح البطاريات الميتة كما نفعل هنا في شتاء نيوهمبشاير الطويل. لكننا لم ننتج فيلسوفا واحدا ذا أهمية بالرغم من ذكائنا العالي. لذلك فإن الشعور الذي ينتابني حين أقوم في منتصف الليل وأمشي على أرضية المطبخ الباردة، ثم أنظر إلى ميزان الحرارة، ذلك الشعور أنني أمتلك حدسا خارقا من طينة حدس الفيلسوف الفرنسي باسكال هو هراء في هراء. لكن، ليس تماما، الذي يمتلك عقلا صافيا يشعر بحريته، وبسيادته على مصيره. من الذي قال أن الفلسفة غير متوافقة مع العمل الجاد؟. عندما أجرف الجليد عن السطح أشعر بإعجاب ما اتجاه نفسي، كما لو أنني سوبرمان نيتشه.

****

لا أزال أشعر أنني محاط بفلاسفة عميقين : البقرة الشابة الواقفة في حقل مغطى بثلج أول الشتاء؛ الكلب المهجن الذي أدعوه شوبنهاور يتنهد وهو مربوط بسلسلة ثقيلة، والكلب الآخر الذي أدعوه كارل ماركس والذي رأيته يعوي على سيارة الشرطة التي سارت بجانب البيت. حتى البحيرة التي تتجهز للتجمد تبدو كأنها خرساء لا تستطيع أن تتخذ قرارا وضائعة بالتفكير. وبخصوص القطط، فلا بد أن هناك مجموعة من الفيتغنشتاينات (فيتغنشتاين: فيلسوف نمساوي) تتسلل خلف أروقة البيت، وهناك قط كبير وأسود يحك جسده بساقي من حين لآخر، ذلك القط أسميته بويثياس؛ صاحب كتاب (عزاء الفلسفة) الذي كان من أكثر الكتب شعبية في أوروبا العصور الوسطى.

****

“ليس باستطاعة الفيلسوف أن يغير سلوك شارع يعيش فيه” قال فولتير. لا أعتقد ذلك. مع الشتاء الطويل والجو الذي يزيد برودة، حتى الحطب الذي ينفث دخانا في مدفأة الجيران يتفلسف. أراه يحرك شفتيه وهو يصعد، يروي للسماء غير المكترثة عن عزلتنا، عن قلقنا، وعن رغباتنا التي نكتمها في صدورنا كي لا يسمعها أحد، عن الدهشة والألم المصاحبين لفضائلنا، وأيضا عن اختفاءنا المنتظر عن سطح الأرض. إنه صمت كنسي عميق ذلك الذي يحدث قبل سقوط الثلج. بامكانك النظر إلى الشجر العاري، ضوء النهار الرمادي ينسحب بهدوء من الحقول الخالية، واسترجاع قصيدة إيميلي ديكنسون التي تتحدث عن “ظهيرة شتوية باردة وبلا ريح، عندما يسقط ضوء من عالم آخر والظلال تقبض أنفاسها” وعن الألم الذي يحدث لكن بلا ندوب، نظرة عميقة في دواخلنا تفصح عن جملة من المعاني ومن الأسئلة التي ليست لها إجابات.

 

The New York Review of Books

ترجمة : أشرف الزغل

 

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً