“وداعاً للغة” – حفريات غودار بين الصفر والمالانهاية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

Godard Laghooما الذي يريده جان لوك غودار من العالَم؟. السينمائي الفرنسي، صاحب الأربعة وثمانين عاما، لم يوفر جهدا طيلة حياته الفنية الطويلة في الحفر في الحالة الإنسانية بكافة تعقيداتها. الحفر بأدوات جديدة، ولأعماق مجهولة. أحد رواد مدرسة “الموجة الجديدة La Nouvelle Vague” في السينما الفرنسية، تحدى غودار من خلال أعماله العديدة النمط السينمائي الهوليوودي، واعتماد السينما الأوروبية والعالمية على التقليد والتراكم بدلا من الخلق والتجريب.

يتميز غودار عن زملائه من السينمائيين المرموقين في أنه مغرم بدور الفيلسوف، ويرى السينما “كأداة معرفية، ومجهر على العالم”. في فيلمه الأخير “وداعا للغة”، يحفر غودار في أشد الحالات الإنسانية استعصاءا على الوصف والتعريف. شخصيات الفيلم تشمل كلبا ضالا، وامرأة متزوجة على علاقة مع أعزب. تسجل كاميرا غودار تفاصيل لقاء المرأة المتزوجة بالرجل الأعزب؛ تفاصيل حميمة مثل ممارسة الجنس، عانة المرأة الكثيفة، وجسديهما العاريين طوال الفيلم. يسجل غودار تفاصيل أخرى جافة مثل الكلام عن الحرب والسياسة، وتفاصيل حياتية لا تحمل جماليات تقليدية مثل ضراط الأعزب في الحمام، بصحبة المرأة؛ التي تفتح رجليها أمام عينيه أثناء جلوسه على المرحاض، فيقول لها “أين ذهبت الغابة؟”.

في ذات الوقت، يقوم كلب ضال “روكسي” بالركض بين نقطتين معماريتين؛ الأولى بلدة مأهولة والثانية غابة فيها بعض الآثار الآدمية المتناثرة. يعطي غودار الكلب روكسي دورا مركزيا في الفيلم، الأمر الذي لا يستطيع المشاهد أن يقرره حتى نقطة متأخرة. النقطة التي تتحدث عن رواية العالم “ماذا يقول روكسي عن الحرب، الإنسان، الحياة؟”. أو “كيف بالإمكان رواية العالم في ظل وجود فكرة مسبقة ومسيطرة؟”.

هناك بساطة شديدة في فيلم “وداعا للغة” تحمل على التفكير أن الفيلم تمت صناعته على يد مخرج مبتدئ. البساطة تتجلى في محدودية الشخصيات (كلب، إمرأة، رجل) ، والأماكن (بلدة وغابة) ، والمشاهد (شجر، بحيرة، بيت، شارع). بساطة تشي بالضعف البنائي أو عدم القدرة على التعبير بكثافة عن حالة ما أو قصة بحالات. هل هي كذلك؟. بإمكان من يجهل تجربة غودار السينمائية (والفلسفية أيضا) أن يدعي ذلك، بإمكانه أن يأتي بأدلة على ذلك أيضا. غير أنه لا يمكن مشاهدة فيلم “وداعا للغة” دون التفكير بأسئلة غودار الوجودية طيلة حياته الفنية، دون استرجاع بول ومادلين في “مذكر مؤنث”، وبييرو وماريان في “بييرو الأحمق”. فيلم “وداعا للغة” هو قصة حب بأسئلة؛ حب كوني تحديدا، الكل يلعب هناك، واللغة تريد اللعب أيضا باسترجاعتها الخاصة: القواميس والفلسفات والمجازات. لكن الكلب روكسي له رأي آخر؛ روكسي يحدد المعنى بخطواته التائهة بين البلدة والغابة.

أللغة، المبنية على أسئلة وجودية لا تنتهي ومرجعيات فلسفية، هي مُرَكَّب عصي في الفيلم. هناك اقتباسات فلسفية كثيرة، هناك شعر، هناك غموض جارف: أقفال مع ظلال مفاتيح. موسيقى تشايكوفسكي الهائلة “Slavonic March” تذهب وتجيء بأجواء جنائزية على مدار الفيلم، مع موسيقى أخرى قريبة من أجواء هيتشكوك بما يوحي بجريمة تقترب من الحدوث. “االعالم، الذي يعني الغابة بلغة إحدى قبائل الهنود الحمر، خائف هذه الأيام” هكذا تقول المرأة التي تنزل الدرج وعانتها تملأ الشاشة. الحلم هناك بجانب الحقيقة. هناك الكلب روكسي على جانب البحيرة، له أسئلته الخاصة. وهناك صوت في الخلفية يقول “لن أقول كلمة، أبحث عن الفقر في اللغة”.

هناك احتكاك جدلي كبير بين اللغة والصورة، هناك إدارة حاذقة للغموض، ويبدو أن اختيار غودار لتقنية 3D له مبرر في ذاك الإحتكاك. هناك مقاطع في الفيلم استخدم فيها غودار التشويش البصري عامدا لتوصيف الإحتكاك الوجودي القلق بين الكلمة والصورة. المشاهدون والنقاد في مهرجان كان لم يستطيعوا منع أنفسهم من التصفيق الحار في منتصف الفيلم. الفيلم الذي حاز أمس (4/1/2015)على جائزة النقاد الأمريكيين “يشبه حقن الدماغ بالأدرنالين” كما قال أحد النقاد السينمائيين.

 

أشرف الزغل

 

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً