عَن مَوتِهِم / كريم شعلان

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

kareem shalan laghooالذي تَدحرَجَ قُبالَتي لَم يكُنْ رأسَ وَلدٍ تُبكيه إمرأةٌ في بغدادَ . الذي تَدَحرجَ وصارَ بعيدا لاأميّزهُ ، رُبما هو صراخُ المرأةِ ، أو ربما هيَ بغداد تبحثُ عن جسدِ الولدِ ، أو لَعَلّني نَسيتُ الفِكرةَ و تدحرجَ رأسيَ تابِعا خَيطَ الدَمِ على رَصيفِ يَمتّدُ الى جنوبٍ سَحيق .

يَسقطُونَ مثلَ خَشبٍ عَتيقٍ ، يَحترقونَ ، ويَصعدُ دُخانُهم كأفاعٍ تَتراقصُ على صوتِ سَحرٍ لاإسمَ لَه ، نَحنُ جاهزونَ ، نَصنعُ لَهم ماشاءوا مِن سِلاحٍ وتوابيتَ وأطفالٍ يَهزجونَ . وَننحتُ وجوها لإمهاتٍ كالِحاتٍ ، يَتَفنّنَ بطبخِ التُرابِ بِماءِ العُيونِ . الذي تّدحرجَ جهازُ ( التلفاز ) وانسكبتُ خَلفهُ ضارِباً سَواحلَ البيوتِ بسوائلَ حزنيَ ، ضاقَ بيَ سَكنةُ (برادفورد )* وشاركونيَ البُكاءَ . يعذرونَني وأنا مازلتُ اكرّرُ المأساةَ وأجلبُ لهمُ الموتَى حيثُ أبوابَهُم المُزيّنة بالنسيانِ . اتدحرجُ بينَ اقدامِ المحطّاتِ ، وأعود مُحمّلاً بمآتمَ وصُورٍ لموتى يَضحكونَ ويلوّحون . يسألُني جاري بِلغةِ الرَطينِ ، عَن سببِ تَجمهرِ الموتى على بابِ داري وفوقَ أهدابيَ ، فاهربُ مِنهُ مُتذرعاً بالسكتةِ القلبيّةِ .. يسقطُ موتُهُم عَنيفاً من مرآةِ سيارتي أو من فتحةٍ في سياجِ الحديقةِ أومن نافذةٍ وهميّةٍ في غُرفةِ نومي . يَموتونَ قُربيَ ، لاهمَّ لَهُم غيرَ ذلك ، يَموتونَ في بغدادَ الجديدةِ ، بانفجارٍ سابقٍ رسمتهُ الجريدةُ الرسميّةُ أو يموتونَ في مُدنٍ أخرى جاءتْ بها الخارطةُ سهوا ، يموتونَ لإن البلادَ والموتَ تؤمان ، يموتونَ لإن غرفَ نومِهم في خطوطِ التَماسِ ونحنُ اهلُهم نحبُّ البُكاءَ ، وهُم طيّبون لاروحَ لَهُم .. يموتونَ في كلِّ حيّزٍ ، ويحرجونَني أنا ، أنا الهاربُ مِن غبارِ الحروبِ يبكي مَعي الآخرونَ ، اطفالي وأمرأتي وكلّ المرايا في بيتنا وسَكنةُ ( برادفورد ) .
مرِّ زمنٌ طويلٌ وأنا أغرقُ بالاخبار ، واكررُ أخطائيَ بِرمي الدموعِ في غيرِ محلِّها ..
مرَّ زمنٌ نَحيلٌ وجيرانيَ كُلّ يومٍ يضعون الزهورِ على بابي ، لَقد تأكّدَ سكنةُ ( برادفورد) أن بيتنا قبرٌ يسكنهُ الموتى واشباحُهم ، ومازلتُ احاولُ تَبريرَ موتي ،،،، دونَ جدوى.

 

* برادفورد : مدينة شمال تورونتو

كريم شعلان
٢٦ ـ ٤ ـ ٢٠١٥

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً