كل تاريخ الزئبق / جمال القواسمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

Mercury Jamal Qawasmi-1
سألتني العرّافة: ما هذا الطابق الذي نحن فيه؟
قلت: هو الحاضر بكل غيابه.
سألتني العرّافة: من فوقنا؟
قلت: هو المستقبل بكل توحُّشه. هو المستقبل بكل ماضيه.
سألتني العرّافة: من تحتنا؟
قلت: الماضي بكل جهنمه. هو الماضي بكل حاضره.
سألتني العرّافة: ما الآن؟
قلت: الآن هو المرآة التي نغيب فيها، زئبقاً.

2-
من الصوت الذي يتسلل إليَّ من فوق، كنت أحفظ كل سيرة جيراني في الطابق العلوي. بأصواتهم كنتُ أرسمهم في مخيلتي، بأصوات نعالهم، نحنحاتهم، صرير أبوابهم ، نقرات أصابعهم على الأبواب، كنت أغسل وحدتي بطشطشة مياه دوشهم في منتصف الليل وعند شقشقة الفجر. كنت أشهد كل شيء بأذني أرقي وآكل البشارَ بلذةٍ وأنا في سريري طوال الليل. فوق كلُّ الحب، كلُّ الشهوات، كلُّ الايروتيكا. فوق سيرة حفيف الأقدام، سيرة خبطات الجسد وارتطاماته. فوق هو المخيلة بكل صفحاتها الثلجية. فوق هو الغيب.

3-
هم تحتي جميعاً موتى غائبون. دفنتهم جميعاً في الطابق السفلي. صرخات معتَّقة، مثل قنينة صودا مخضوضة تبرز أصواتهم وزعيقهم ومناداتهم، يتراكضون كأحلام مستعجلة، يقيمون تحت قدمي ككوابيس مقيمة. تحت كلُّ العويل. تحت كلُّ الندم، كلُّ الألم، سيرةُ العصا على الجسد: المعلمون، النظراء، الجنود، الآباء ورجال الدين، وكلُّ من اشتروك واشتروني بالحب. تحت كلُّ صفحات الكتب التي مزقتها في طفولتي ومراهقتي ورجولتي. تحت هو البئر.

6/9/2015

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً