Articles Comments

» نقد » شبه-المونولوج في المسرح المعاصر ياسمنا رزا Yasmina Reza نموذجا / يوسف الريحاني

شبه-المونولوج في المسرح المعاصر ياسمنا رزا Yasmina Reza نموذجا / يوسف الريحاني

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit




Yasmina-Reza Laghoo

  • 1. شبه – المونولوج

نحدد نظرتنا التقليدية إلى الحوار في المسرح الكلاسيكي باعتباره يتراوح ما بين الداخل/ المونولوج Monologue والخارج/ الديالوجDialogue . وترى آن أوبرسفيلد Anne Ubersfeld أن المسرح المعاصر يختص بنوع ثالث من الحوار كاشف لسمة العزلة La solitude التي تسم عصرنا الحديث، حيث يبدو المتحاورون فيه أشباه عميان أو صم، إذ لا أحد ينتبه لوجود محاوره أو يستمع إلى ما يقوله.

لا أحد من المتحاورين عندما يتكلم يخاطب أحدا آخرا إلى جواره. الحوار هنا يصير مجرد رجع صدى..

تنعت أوبرسفليد Ubersfeld هذا النوع من الحوار ب: «Quasi – monologue» ويترجمها الدكتور حمادة إبراهيم، ب: « شبه – المونولوج». ويقوم تعريفها لهذا المصطلح على أنه شكل من المناجاة Soliloque، التي تحتوي على تساؤلات مبهمة يوجهها شخص حاضر إلى مستمع أصم غير مبال به.

انطلاقا من ذلك، فهذا النوع الثالث من الحوار يفترض تراكيب لغوية متتالية لا – تبادلية بين أولائك الذين يتلفظون بها: كل يسترسل في كلامه دون أن يهتم بالرد على الآخرين لأنه لا يهتم بوجودهم أصلا. وبذلك، فشبه – المونولوج حساسية فنية تسم المسرح المعاصر، وتعرية لواقع العزلة التي هي العلامة الكبرى للبشرية. لنستمع إلى أحد أقطاب المسرح المعاصر برنار ماري كولتيس Bernard Marie Koltès، وهو يقول: « العزلة ليست مجرد مشكلة، بل هي شيء أساسي، فكل الناس يعيشون العزلة والإنسانية برمتها وحيدة تماما. المرء يولد وحيدا ويموت وحيدا»

لعل هذا هو القاسم المشترك بين أقطاب المسرح المعاصر: سارة كين Sarah Kane، كولتيس Koltès، ميشيل فينافير Michel Vinaver، دافيد ماميت David Mamet، هاينر موللر Heiner Muller، فالير نوفارينا Valère Novarina، والعبقري صامويل بكيت Samuel Beckett، وغيرهم من كل أصقاع العالم الذين لم يصلنا مسرحهم. ما يجمع كل هؤلاء رفضهم لحياة اثنين معا. كولتيس Koltès كان لا يفتأ صائحا: : « وجود اثنين معا ينتهي دائما بفاجعة»، تمام مثل المشلول وصديقه في رائعة بكيت Beckett « مسودة للمسرح1» Rough for theatre 1، اللذين يعتقدان في صداقتهما وفي أن وجود أحدهما ضروري لاستمرار الآخرلأن كل منهما يكمل غيره. لكنهما ينتهيان بعد وقت قصير إلى الشجار والقطيعة، ليكتشفا أن عزلة أحدهما عن الآخر ربما كانت أفضل مادام ليس هناك علاج أو دواء.

شبه – المونولوج في المسرح المعاصر تقنية تفرضها العزلة كحقيقة وجودية وليست شخصية أو خاصة بالغرب دون الشرق كما قد نعتقد. العزلة حقيقة إنسانية كونية. في مناجاة طويلة لشخصية المرأة داخل مقطورة قطار تجمعها ورجل غريب قي مسرحية « رجل المصادفة » لياسمينا رزا Yasmina Reza سنجد تلخيصا دقيقا ومركزا لطبيعة شبه – المونولوج، وذلك عندما تخاطب روحها في حضرة رجل لا يستمع إليها: وهي تقول:

« المرأة.

   في الموضع الذي يوجد فيه شخصان ينظران إلى بعضهما البعض، وفي الحقيقة يجهل كل

منهما الآخر. لا أحد منهما يهتم بهذا التلاقي مع الآخر. لا أحد منهما يرى الآخر أو يستمع

إليه. إلى ماذا ينظر كل منهما؟ إلى الحركة العادية للوقت الذي يمر.. لا يوجد سبب في التركيز

أو الاستماع إلى الآخر »

 

 

  • 2. ياسمينا رزا Yasmina Reza

    من المؤلفات اللاتي ولجن مهنة المسرح وفي نيتهن تجاوز عقدة المسرح النسوي. ليس هناك في رأيها مسرح خاص بالرجل أو آخر بالمرأة لوحدها..هذا وهم يكرس التفرقة ويعمقها. المسرح خط هروب نحو الإنسان. ياسمينا رزا كاتبة مسرح فرنسية من أصول مجرية وإيرانية. تلقت تكوينا جامعيا في مادة علم اجتماع المسرح بجامعة السوربون، كما حصلت على دبلوم التدريب كممثلة محترفة من مدرسة جاك لوكوك Jacques Lecoq الشهيرة. ولجت التأليف للمسرح من باب التمثيل والنقد، وسرعان ما أصبحت ظاهرة فريدة في المسرح المعاصر. فازت مرتين بجائزة موليير Molière: عام 1987 ثم في 1995، وهي حالة ناذرة الوقوع. تعد مسرحياتها الأكثر رواجا حيث قدمت بعد اللغة الفرنسية بخمس وثلاثين لغة. من أشهر أعمالها: « محادثات بعد الدفن» Conversations après un enterrement، « اجتياز الشتاء» La traversée de l’hiver، « فن» Art، « رجل المصادفة» L’homme du hasard. والنصوص الأربعة صدرت مترجمة باللغة العربية ضمن منشورات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الخامسة عشر لسنة 2003، بترجمة للباحثة داليا المغازي وتحت إشراف الدكتورة منى صفوت. إن هذه النصوص الأربعة لم تكن فقط وراء شهرة هذه الكاتبة، وإنما أيضا كانت وراء بزوغ اسم باتريك كيربرا Patrick Kerbrat الذي يعد اليوم واحدا من أعلام الإخراج المسرحي بفرنسا.

جربت ياسمينا رزا نفسها في كتابة الرواية حينما ألفت سنة 1999 « كآبة» Une désolation، ثم في السينما عندما صاغت بشكل ناجح سيناريوهات بعض الأفلام البارزة في السينما الفرنسية الجديدة. وربما يرجع السر في تألق هذه المؤلفة الشابة والنجاح الذي أصابته منذ أول ظهور لها في عام 1987 وحتى الآن إلى تأثرها من جهة بعمق التجربة الإبداعية لناتالي ساروت Nathalie Sarraute، ومن جهة أخرى بنهج أنطون تشيكوف Antoine Tchekhov بحعلها الحياة في المسرح محسوسة في بساطتها وفي تفاهتها.

  • « رجل المصادفة» L’homme du hasard

  • آثمة من مونولوجات أو ديالوجات في هذه المسرحية؟

لا شيء البتة سوى استيهامات، هذيانات أو بعبارة أدق: مناجاة ولا شيء سوى المناجاة التي تحتويها مقطورة قطار تجمع رجلا وامرأة غريبين عن بعضهما البعض. كل أواصر التواصل الخارجي ميتة بينهما.

  • أليس ثمة من حكاية؟

بلى، ولكن الكاتبة تمارس على حكيها نوعا من التخسيس والتكثيف المذهلين حتى يصير في تضاؤل مستمر، فاسحة المجال لشبه – المونولوج كسمة مهيمنة تتغيا التشدير لإعادة التكوين من جديد تماما كلعبة البيزل Puzzle. التراكيب اللغوية للشخصيتين معا هي تراكيب ذاتية – هكذا تبدو من أول وهلة – وكأن كليهما يدرك جيدا بأن شرعية وجوده لا تتأتى إلا عبر ما يسميه ليوطار Léotard بالممارسة اللغوية الذاتية. الشخصيتان بذلك حاملان لمضمون وعيهما، ومقطورة القطار تصبح نوعا من الاعتراف الذي يتراوح في درجة حدته وجرأته. ومن ثم، فإن شبه – المونولوج يرتبط في مسرحية « رجل المصادفة» يما ينعته جان بيير راينارت Jean Pierre Ryngaert بتقاليد الثرثرة.

  • ماهي الحكاية؟

لا توجد حكاية ذات أحداث متسلسلة. هناك فقط مشهد واحد لرجل يقابل امرأة في مقطورة قطار يعبر الطريق من باريس إلى فرانكفورت. على طول هذا السفر يبدو كلا من الشخصيتين مشغول بنفسه. فالمقاطع الحوارية الطويلة تتوالى وتتشابك: يتكلم الرجل لفترة طويلة ويصمت، وتبدأ المرأة في الكلام بدورها دون أن يبدو كلام كل منهما موجها إلى الآخر أو ردا عليه. كل يتكلم وكأنه في عالمه الخاص. ومع توالي صفحات طويلة يتضح لنا أن هذا الرجل كاتب مشهور، بل إنه مؤلف الكتاب الموجود مع المرأة كتاب (رجل المصادفة). يتعلق الأمر إذن بحكاية كاتب مشهور يلتقي صدفة في قطار بإحدى قارئاته التي انتهت للتو من قراءة آخر أعماله، وبحكاية قارئة عادية التقت صدفة بكاتبها الأثير. كل منهما يعرف الآخر منذ البداية لكنه يفضل سياسة التجاهل.

هذه الحكاية البسيطة التي لا يحدث فيها أي شيء غير متوقع تتمدد عبر أشباه مونولوجات تشمل الأفكار الداخلية العميقة، تنكمش وتنكمش لتصير مونولوجات داخلية يضيع المتلقي في خضم آراء أصحابها في الحياة الميتة.

  • أيكون سبه – المونولوج هو الوافد الجديد للمسرح المعاصر؟

ذاك حكم قبل أوانه، مادام باتريس بافيس Patrice Pavis يؤكد بأن أي حصر لشكل المسرح المعاصر إنما هو محاولة سابقة لأوانها. محاولة بافيس Pavis نفسه لتشخيص التحولات في المسرح المعاصر إنما كانت مجرد إغلاق مؤقت لداعي القيام بجرد خاص لمنجزات هذا المسرح مع نهاية القرن العشرين.

ولعله محق في ذلك إلى أبعد الحدود، ذلك أن لا أحد بإمكانه حصر هذه التحولات والحكم عليها مادامت لا تزال مشرعة على تحولات أخرى لا تعرف التوقف. لا يزال المسرح المعاصر يمارس علينا ذلك التضليل والخداع اللذين دشنهما بكيت Beckett في منتصف القرن الماضي، والكاشفين عما نعتته سيجلد بوجوميل Sieghild Bougmil ب: « خفة العدم»، أو الحياة المفتقدة. إن المرأة في « رجل المصادفة» تشعر بالحنين أي نعم، لكنه الحنين إلى حياة مفقودة لم تكن يوما ما / حنين لما لم يجر على الإطلاق

شبه – المونولوج هو الاعتراف والإدانة في آن واحد: اعتراف بعذابنا الروحي بالقواعد التي حبسنا فيها أنفسنا، وإدانة للتقاليد الرأسمالية التي قولبتنا وفق قالب وحيد انمحت معه الحياة.« الحياة غائبة لأنها نخنوقة بالقواعد التي تنظمها. لقد فقدنا حتى القدرة على التفكير». هذا بالضبط ما عبرت عنه المرأة بقولها:

« المرأة.

             من يستطيع أن يقول شيئا مترابطا أي كان عن حياة ما؟ أو أيضا كل هؤلاء الحمقى الذين أخفوا كما هائلا من المعاني عن كل شيء ولم يذكروا ما يعبر عن أن كل شيء قد أفلت من بين أيدينا وأنه ليست لدينا أية قدرة أو سلطة على الأشياء»

فلأن الحياة مفتقدة ومغيبة فلا مجال لوجود أحداث متسلسلة. بل إن وجود مثل هذه الأحداث المنتظمة غير مقبول او مبرر أصلا.

  • لكن، أيمكن أن يوجد مسرح بلا أحداث؟

ليس هذا بجديد. لقد أثبت بكيت Beckett وبنجاح منقطع النظير، أنه بالإمكان إنتاج وإبداع مسرح بلا أحداث ولا شخصيات ولا حتى لغة منطوقة/ مجردا من الزمان والمكان. وأعمال من قبيل: فصل بلا كلام 2، لست أنا، أكواد Squad..شاهدة على ذلك. إن كل ما تفرزه مسرحية معاصرة من قبيل « رجل المصادفة» هو مجرد ترتيلات ذاتية تصير معها الذات هي المركز الحقيقي للعالم.. ثرثرات لا جدوى من القبض على معانيها لأن الفهم يصير بلا جدوى ما دامت الحياة كلها تصير غير ذي معنى. القطار نفسه وكأنه يسير نحو مشارف النهاية وهي هنا محطة الوصول إلى فرانكفورت. تقول ياسمينا رزا: « عندما نصل، ننتهي..»، ومن ثم تنتهي المسرحية دون أن يصل القطار إلى أية محطة.

  • « لعبة البيزل» Puzzle

في شبه المونولوج تتدفق الحياة La vie- لا نقصد المعيش Le vécu- الدفق الحيوي، ما وراء عنف المعنى.

  • كيف يتسنى لشبه المونولوج أن يعبر عن الكثافات والصيرورات؟

       عبر ما ينكم نعته بالتشييد البارد للمواضيع. لا مجال للتعبير إلا عبر التحرر من الجوانيات المفترضة للمعاني، ومن نسقية الأسلوب. تكتب ياسمينا رزا بلغة ملغزو وصيغ هشة.. تعوض معرفة اللغة باللغة – المعرفة ككينونة متعددة مفتوحة. لغتها لا سقف ناظم لها.. إنها تجرب على اللغة والمفردات، والتجريب هنا هو ما لا يستطيع الطاعن في اللغة تخيله أو قوله، لأنه يظل أسيرا لما هو معيش لا للحياة. والأهم في الحياة هو فاعلية التجريب. يقول دولوز Deleuze: « لن نكف عن التجريب ختى في مواجهة الموت»

شبه المونولوج يستدعي فينا الانخراط الواعي، ينادينا كمصير ينضج في جوانيتنا.. منذ ما قبل الولادة. إنه يستدعي فينا لترحيل نحو عوالم لم تتشكل بعد، ونسيان هذا المعيش الذي نظنه حياة. لم نولد أحياء ولكننا نصير كذلك. عن طريق شبه المونولوج، تصير الشخصيات حية، تحرر الحياة في دواخلها. إنه زخم رغبوي – تعبيري في نفس الآن، وحدة مركبة Unité complexe للحياة والفكر. جمالية تأرجح Esthétique de l’oscillation بينهما.

تختار ياسمينا رزا شبه المونولوج كلغة للمنفى من خلالها يكون الشاهد الذي لا أحد يشهد له. خطاب بلغة لمنفى تفقد فيه الشخصيات الاستيطان في التراب العام والارتحل في متاهات أتربة خاصة. إنه استراتيجية غفل وانبناء للمجهول: انفلات من أية وصاية.

——————————————–

د. يوسف الريحاني :  ناقد مسرحي من المغرب

 

ملحوظة:

للإطلاع على ترجمات نصوص ياسمينا رزا، يمكن الرجوع إلى كتاب: (نصوص من المسرح الفرنسي: رجل المصادفة – اجتياز الشتاء – محادثات بعد جنازة – “فن”)تأليف: ياسمينا رزا، ترجمة: داليا المغازي / مركز اللغات والترجمة – أكاديمية الفنون. إصدارات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته 15- القاهرة 2003

Filed under: نقد

اترك تعليقاً

*