Articles Comments

» مختارات, نقد » في رحيل جهاد هديب / أنس العيلة

في رحيل جهاد هديب / أنس العيلة

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



Jihad Hudaib Laghoo Anas Alailiانتهى العام المنصرم برحيل الشاعر جهاد هديب عن عالمنا، رحل بعد أن أصيب بمرض فتّاك ظن لبرهة أنه تخلص منه. يجب أن أحتمل من الآن فصاعدا طعما مرا سيصيب الحلق كلما وقعت على قصيدة له. وكلما رأيت صورة له في جريدة أو على صفحة الفيسبوك. وكلما مررت من عمان عائدا الى فلسطين، وكلما خطر في بالي أو قفزت ذكرى أمامي.
في غياب جهاد، ما أخسره بالتحديد هو تلك الألفة والمناكفة الحميمة التي لا تتوقف. وأخسر أيضا تلك المتعة المشتركة في إحصاء الخسائر والسخرية من الذات ومن حماقات الحاضر والأمس. وأخسر صوته المهزوز، الا إذا ضحك أو غضب، نظرته المتأملة وصمته المتوثب. أخسر كل هذا الآن بلا أيّ مماطلة.
أخسر تلك الحميمية التي نشعر عند فقدانها بالبرد، وذلك الشعور بهبوط داخلي كأن شيئا ما عزيزا يسقط في الأعماق إلى الأبد.
لم ألتق بجهاد منذ أربع أو خمس سنين مضت، وفي كل مرة حاولنا الإلتقاء كنا نفشل بذلك. لم أستطع أن أزوره في عمان العام الماضي نتيجة هبوط الثلج الغزير وتعطّل الطرق. ولم يستطع أن يأتي الى باريس للمشاركة في الأمسيات الشعرية بسبب مرضه الأخير، فقد صار يفقد صوته شيئا فشيئا… الى أن كتب لي : “أنا بلا صوت أبدا، فلا حشرجة أو حتى همهمة، وأتفاهم مع من هم حولي كتابيا. ولا أعرف متى سأغادر هذا الشرك الذي اسمه السرطان أم أنني لن أغادره أبد” !
لم ننجح في اللقاء، وكي أراه الآن، علي أن أذهب إلى ضريحه !
حينما جاء للمشاركة في مهرجان “سيت” للشعر، في جنوب فرنسا، في العام الماضي، اتصلت به هاتفيا. فجأة انبعثت تلك الألفة من جديد، كأنها استئناف دائم في كل محادثة. لم أذهب للقائه، لم أكن أعرف أنها كانت فرصتي الأخيرة لرؤيته. كنت واهما بالاعتقاد أن الزمن ما زال يدخر وقتا كافيا للقاء صغير.
تعود ذكرى جهاد في مواقف كثيرة توحي بحدّة إحساسه وبتلك الهشاشة الانسانية التي تعبر عنها قصائده بلغة جزلة ومعجم غني بمفارقاته وانزياحاته اللغوية. أحد المرات لم أستطع قراءة رسالة إلكترونية أرسلها لي بالعربية. قلت له : نصك غير مقروء، ومليء بالحروف العبريّة. فأجابني ساخرا: ” بيطلعوا لنا حتى في أخطائنا اللغوية”.
لم أستطع لأيام طويلة بعد رحيله من قراءة قصائده التي أحتفظ بها في مكتبتي، كان يلزمني ما يكفي من الوقت للإعتياد على هذا الغياب القسري. وكنت أخشى أن تذكرني قصائده بتلك الألفة المفقودة التي صار عليّ أن أعتاد على غيابها. فتمهلت كثيرا قبل أن أعود الى كلماته. يقول في إحدى قصائده الأخيرة “بورتريه شخصي” :

سواء عليها،
أغسلها مطرٌ أم كنسَتْها الريحُ
سوف تفترق الخطوة عن العتبة.
ولا لزام على الشجرة
أنْ تمسك بظلّها إلى الأبد،
كذلك الفراغ من الشكل.
في آخر الأمرِ
ينسى المرء اسمه
إنْ ما كفّ عنه.

سنخسر بغياب جهاد هديب قامة شعرية فريدة. قصيدته تتفرد بانعطافات لغوية حادة ومفاجئة، وتتميز بتشظي الموضوع الشعري الواحد، والإحالة الى عالم غني من العلاقات اللغوية. عبارته الشعرية مثقلة بصور وايقاع وتشابك لغوي يشعرك بالدهشة أمام هذا التآلف. اتفق مع الشاعر وليد الشيخ بأن علينا إعادة قراءة جهاد من جديد. فقصيدته مساهمة أساسية في الشعر الفلسطيني المعاصر.
عزيزي جهاد،
أحمل صوتك بين يديّ
وقرب بيتك القديم
في قريتك المهجورة
سأنتظر يقظة الفجر…
حين تستعيد العناصر ألوانها
وتبين حدود الأفق اللانهائية…
ليخفق صوتك بجناحيه
في هذا المدى الأزلي
الذي صار منزلك الدائم !

 

باريس

Filed under: مختارات, نقد

أضف تعليقاً

*