الرجل لا تكفيه سيجارة واحدة / غادة الحجاجي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كنت في طريق العودة من عملي، مرهقة، أحرك دماغي على مضض، أتمنى يوما واحدا أمضيه دون أن يعبث عقلي بي…ستظل أمنية.
بجانب محل لبيع المثلجات فتح حديثا لمحتهما، شابان ما زالا يتأرجحان بتعب على حافة طفولة ثملة، يتشاركان أنفاس سيجارة عقيمة متهالكة كانعكاس العالم في حدقتي عينيهما. لم أحدق كثيرا لكنني حدقت بما يكفي كي تشعل ذاكرتي سيجارتك و تجلس في مقابلتي واضعة رجلا على رجل نافثة دخانها في عيني مباشرة. ذاكرتي مستفزة بشكل مؤلم. حدقت في الشابين بمقدار ما يسمح لي برسم ملامح وجهك دون الإخلال بالمدة المسموحة لتحديق امرأة برجل. لا زال لمسام وجهك عبق دخان السجائر و لا زال ليدك عطرك الأول، إن عطرك أكثر إخلاصاً منكَ!.
كنت تكره المدخنين بحجة أن التدخين حرام، لم أناقشك كثيرا في هذا الأمر… كيف أقنعك أنك على خطأ إن لم تكن تستطيع استشعار كل الدخان و الرماد الذي تغرق فيه روحك؟.
كان حبنا شائكا جدّاً! أكتشف هذه الحقيقة عندما أجلس في غرفتي ليلاً محاطة بكل الكتب و الرفوف الخشبية العامرة و مكتبي الخشبي الصغير. أنا لا أحتاج إلى بهرجة الكراكيب لكنني أحتاج إلى بهرجة الذكريات؛ أحتاج ذكريات أضخم مني تتحدى نومي و قفزة فرحي و صمتي و كل حدودي الفيزيائية، و امرأة ما عادت صناديقها الخشبية تسع لذكرياتها لا تحتاج رجلاً في حياتها، تحتاج قلم “باركر” الذي يقاوم في انزلاقه على أرض الورقة الثلجية ببياضها كل الإغراءات، أستطيع الآن أن أخلق من قصة حبي الأولى آلاف الرجال و آلاف النساء، أخلق النظرة و الابتسامة و الدمعة و الشهقة… أتعلم؟ يخيل لي أحياناً أنه لو لم أكن امرأة تكتب لاستمريت بحبك بضع شهور بعد أو بضع سنوات بعد، لكن قلمي علمني الفرق بين بريق أصلي و بريق رخيص كما يتعلم المحترف بممارسة الحب الفرق بين رعشة نشوة حقيقية و رعشة نشوة هدفها الحفاظ على كبرياء رجل، و نحن لم تكن رعشتنا حقيقية، أو على الأقل – مواساةً لنفسي- في عمر حبنا الأخير…
Ghada Hajjaji Laghooكان حبنا حادّاً، أسأل نفسي أية حانة سكرنا فيها و أي نوع من المشروب أخذنا ليلتها كي نقرر الحب و مصير الحب؟ يصفعني حلمي الطفولي و نذالتك المقصودة أو غير المقصودة و يؤلمني أنني لم أعد أملك لك في قلبي لوم الأحبة و العاشقين و أنني شاركت جسدك مع ألف رواية و قصة، لم تعد ملكي لأنه لم تكن ملكي يوما (ربما)، بل صرت ملك كل الكتب التي شاركتك حياتك و عطرك و ألمك و جبنك و أنفاسك حتى!
أما زلت تذكر أول مرة دخَّنتَ فيها؟..
كان يوم عطلة و كنا كلانا نحتاج عطلة أيضا، عطلة من العالم. أمضينا الأمسية نطبخ فيها طعاما نعلم كلانا أننا لن نأكله و نجمل الطاولة بغطاء نعلم أننا لن نذكر حتى لونه و ورود على سرير غرفة النوم نعلم أننا اقتلعناها و قتلناها في سبيل حب… سيمضي.
أيقظتني أشعة الشمس التي حرقت حدقتي عيني و حدقت بوجهك بهدوء دون أن يفارق وجهي صدرك، أتكتف مشدوهة بحزن كلما رأيت وجهك نائما، يباغتني برجل لم ألتقه بعد، رجل حقيقي يعيش بداخلك و لم أستطع استفزازه أو إغراءه كي يلاقيني، رجل يحدق بي في هدوء نومك غارقاً في ظلمة كل ترهات زمانك!… أغير من رائحة كل أولئك القذرات اللواتي لوثن و عبثن بمصير و سبيل حبي، لم أخبرك يوماً أن رائحتهن تقرفني، تجعلني أعيفك أحياناً؛ خيانة غير معلنة… خيانة الذكرى.. لا تهمني خيانة الأجساد لكن تهمني خيانة الذكريات و “ذكرياتك” كانت متنوعة جدّاً! أشعر بهذا و لو بذلت عمرك إثباتاً للعكس…
استيقظتَ فوجدتني أبتسم لك، سألتني متفاجئا و سعيداً:
– “استيقظتِ؟”
(دون أن أتكلم أومأت برأسي موافقة)
اعتدلت قليلاً في وضعية جلوسك و حضنتني و وجهك يتجه نحوي : ” لم تبتسمين؟”
هل كان الوقت مناسباً كي أخبرك ما أردت إخبارك به فعلا؟ الحقيقة أنني لم أرد إخبارك شيئا و لو أن الكلمات كانت تصطف على لساني جنوداً أوفياء في مواجهة خط العدو، المشكلة أنني لم أعلم من هم أعدائي، هل أنتَ عدُوّي الأول و الأخير؟ لم أنت بجانبي إذن؟ هل الزمن هو عدوي؟… كان لقاءً بعد فراق، كانت زجاجة Jack Daniels أنيقة تحمل تحت اسمها عبارة old time اشتهيناها كسرناها و لعقناها من على جسدينا و من على اسفلت الأرض بشراهة… في نخب the good old daysو صارت بقايا قطع الزجاج تدمينا كلما تحركنا في أركان المنزل..
أحطتني بيدك و جذبتني نحوك حتى لاصق جسدانا بعضهما… بعنف خائف، بعنف الطفل الذي تحاول أنامله الصغيرة الطرية جر لعبة من صديق يحاول أخذها منه، و يعلم أنه سيأخذها منه، لقد كنت أنا اللعبة و كان الزمن هو الصديق الجشع، كان الأمر أنا أو الزمان… أما زلت تحتاج لمزيد من الجر لتعلم من سيفوز أخيراً؟
أشعلت سيجارتك الأولى و رفعت رأسي بهدوء متفاجئة :
“ ماذا حدث للحرام يا عم الشيخ؟ ”
ضحكت كثيراً حينها! اشتقت كثيراً لضحكتك القوية تلك التي تأتي على حين غرة! كانت ضحكة مؤلمة جدّاً، ضحكة من يبكي نفسه، بدوت و كأنك تسخر من طيفك السابق… و ارتبكت أنا… ألم أقل لك كان حبنا شائكاً؟؛ كان احتفاءً بالألم، كل منا حمل جرح معركة قديم، خسرنا المعركة و خسرنا الحرب…
“إن أفضل لحظة للتعارف في رأيي. اللحظة التي تسبق الفراق”
فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي – الإخوة كارامازوف

تحمل لك كتاباتي الكثير من الغفران و الحب، قلمي يخبرني حرجا مستسلماً :”إنه حبك الأصدق و الوحيد و الأوحد و الواحد” بينما ينتزعني قلبي من طيفك بقسوة. تحمل لك كتاباتي الكثير من المودة و اللجوء غير المعلنين رغم بشاعتك و وحشيتك. كنت و لطوال حياتي على استعداد لتكذيب نفسي و تصديق كل ما يمليه علي قلمي، لكن ماذا أفعل حين يعيدني هذه المرة إلى ألمي؟…
“هل سنمضي يومنا أكمله بالسرير؟”
-هل لديك مانع؟
الحقيقة أن المانع الوحيد كان هو مقاومة تيار الماضي يجذب رجلي نحوك، رائحتك عاريا ممتزجة مع دخان سجائرك تذكرني بالكثير، و أنا أرهقتني الذاكرة و أرهقتني دقتها و زخمها..
“لا أبداً…”
حضنت صدرك و التصقت له التصاق اليتيم بذكرى حزنه؛ أليس مثيرا للحسرة أن يجمع سرير حبنا يتيمين؟ أنت يتيم الأم و أنا يتيمة الأب؟ إلا أنه علي أن أعترف… وسط كل الكذب الذي مارسته على نفسي كي أتمكن من العيش دون أن تخنقني الحقيقة، تمدُّدنا نحن الإثنين عاريين وحيدين محتضنين هو من أصدق لحظات حياتي على الإطلاق. إنه الألم الخام، الألم الذي ما زال محافظاً على بنيته الفيزيائية الأساسية، إنه خوفنا نحن الإثنين، خوفنا أن نطلع خارج حدود هذا السرير الأبيض فيتبدد كل شيء، حتى دخانك!
-أخبريني يا صابرة… أما زلت تحبينني؟
يتعبني أنني ما استطعت حمل إثم الصبر على كتفي بعد اليوم، يخونني انعكاس وجهي المتورم حزناً على المرآة كلما تذكرت إسمي، أشعر و كأنه اسم استوطنني و استوطن حياتي خطأ و سهواً، إنه شعور مستمر و متعب و ممل بأنني أحيا و أحيي عالماً لا يخصني، إنه العبور المتكرر و الرؤية المربكة داخل غرفة المرايا كمنام متكرر يستجديك الخلاص لكنك أكثر جهلا من إدراك معناه، إنه الخوف و التردد و السؤال العذري في قسوته و براءته… هل قصدت أن تحبني منذ البداية؟ أليس من الممكن أن سهم حبك أخطأ الهدف كما جاء إسمي خطأ؟ أليس ممكناً؟
صنعت من إصبعي قدمين يتسلقان صدرك بهدوء و أجبتك:” ألم أخبرك يا عزيزي أنني لا أحب الأسئلة المفخخة؟”
انفجرت ضحكاً حتى قذفت شفتاك دخان سجائرك خارجاً فامتلأت مسامي بأمل وارتياح منعشين؛ جملة “الأسئلة المفخخة” جملة لها مكانة عزيزة علينا نحن الإثنين، هدية منحتها لنا آلهة الحب في عصر سابق.
“جيد! إذن ما زلت تذكر!”
عدت تستنشق سيجارتك مبتسما غارقا في الذكرى، لكن كيف أجيبك على سؤالك؟ هل ما زلت أحبك؟ لا أعلم، صدقني لا أعلم، أقسم أنها ليست مكابرة أدبية أو برودة متعمدة لامرأة لسعتَها و أبكيتها كثيراً، لكنني فعلاً لا أعلم، أعلم أننا أنا و أنت نقبع في نفس الصندوق الأسود، أعلم أنه ما زال علينا الافتراق، أعلم أن روحي تستدل بك ونيسا في طريقها نحو حزنها الكبير و يتمها الأكبر، أعلم أننا نجحنا في أن نتشارك ملوحة الدمعة وعذوبة القبلة و طراوة اللمسة وهمسة اللحظة، لكننا فشلنا في أن نتشارك نفس تكة الساعة و طاولة الإفطار و أيام الرزمانات وشوارع المدينة، أعلم أن ذاكرتي أعند من أن تلفظك وأنني أضعف من العقلانية، أعلم الكثير من الأمور و لكن لا أعلم لِما لم ينتهي بنا المطاف معاً…
أمسكتُ بسيجارتك و احتضناها معاً و شاهدنا الدخان المتمايل في فراغ الفضاء و فراغ اللحظة، دوختني جمالية الخطوط المتعالية تتراقص بأناقة بالغة، تنسيك انزعاجك من الرائحة… ثم خطفت السيجارة لنفسي و رفعتها أمام وجهي متأملة إياها في صمت انتهى بدمعة حارة و لعقة شفة، لا أعلم لم لدي هذه العادة، بمجرد أن تدمع عيناي ألعق شفتاي، سلمتك السيجارة في هدوء توديعي و نمت على صدرك من جديد متكومة متنهدة متعبة:
“لقد طرحت السؤال الخطأ..”
-و ما هو السؤال الأصح يا ترى؟
السؤال “الأصح”… أمضيت حياتي بأكملها منذ فترة مراهقتي و أنا أغمس نفسي في الفلسفة علَّني أتعلم أصول طرح الأسئلة لأني كنت أعلم أن امرأة مثلي ستواجه أسئلة صعبة جدّاً، أمضيت العمر بأكمله أتدرب على طرح الأسئلة و فن طرح الأسئلة، لربما اكتشفت سبيلاً أنأى به عن معارك لا فائدة منها، أكتسب بصيرة تعتقني من ألم بلا فائدة أو ليلة بيضاء مجانية، لم أنجح بشيء من هذا، لم يكن سؤالك خاطئاً، كان سؤالك فقط… أقل عمقاً… أقل إيلاماً.
“الإنسان يحب نفسه أكثر في الوحدة، أدركت أني لست سوى نفسي. وحدي أراني في مرآة نفسي، العالم يبدو لي مرآة كبرى مكسرة و صدئة أرى فيها وجهي”
) محمد شكري)
لو أنك تعلم ثقل الأسئلة على امرأة مثلي لفكرت مليون مرة قبل طرحها، لو تعلم النيران و الدموع المخنوقة و الوجه المكابر و الشفة المتوترة و الأصابع المتشنجة التي تستيقظ في وجه عفوية و بداهة أسئلتك لما كنت طرحتها. إنني أستلقي فوق جسد أعلم أن صكوك ملكيته لم تكن لي و لن تكون لي أبدا، و أستنشق عبيره و عبير من سبقوني و من سيأتون بعدي أيا كان ما أعنيه بذلك، حاولت منذ البداية أن أسابق ظلالك السوداء نحو أرض أجمل و أوسع حيث النفس يكون شامخا… نفس خال من الندم و الضعف و التمني المقموع واقعا و حلما…
نستلقي كلانا في اشتهاء مهزوم، أرسم بأناملي على ملامحك و حدودك كي لا أنساك، إن أكثر ما يثير فزعي هو أن أنساك، أن ألمحك بعد عمر طويل و لا أتعرف على تلك النظرة العميقة التي تحملها عينك أو على قهقهتك الخفيفة تلك أو على نبرة صوتك الحادة بكبريائها و أنت تنادي أحد أصدقائك و صوتك الحاني حين تحدثني، و أنت تتبع منعرجاتي علَّك تتعرف على المرأة التي أحبتك سابقا، علك ترصد أملا أو أثرا لروح ما زالت تتوق لك في براءة و إغداق و كثرة حب الصغار الأبرياء بجهلهم…
لا تفهم لم أصر على تحطيم أي مسافة هوائية بين جسدينا أنت لا تفهم أي شيء! و تتعبني بداهتك أمام كثرة تفاصيلي و يخيل لي أحيانا أنك تتأمل نوبات غضبي و حزني كطفل يجلس القرفصاء و يحدق بي مبتسما، أنت لا تفهم أنه و لكي تستطيع النجاة بنفسك من الجنون أو الانهيار التام، يجب أن تتعلم كيف تفصل أسلاكك عن كل ما سواك، عن أحبائك حتى، و يجب أن ترفض كل أشكال التفاعل الحاصل خارج حدود جسدك، لأن وجودك بحد ذاته و ملامسة جسدك للهواء على مدار الساعة هو شيء مؤلم…
يصبح وجودك عاقرا، عديم الجدوى، لا أنت تعيش ماضيك و لا أنت قادر على لمس حاضرك و تحسسه و لا أنت قادر على النظر للمستقبل وجها لوجه، أنت تعيش بين الحدود، و حتى نفسك تصبح عبارة عن مجموعة أراضي تفصل بينها حدود تراها للمرة الأولى.
يجب أن تعزل نفسك عن العالم، و أن تلعن هذا الأخير كثيرا، لا حاجة لك به صدقني، أنت كائن متخم من فرط العيش! لا ينقصك صوت آخر أو أي شيء آخر عدا نفسك! قل لي… كيف ستحكم السراج على عوالم غيرك إن كان عالمك الخاص يصيبك بالدوار و الغثيان؟
أنت تعلم أن كل الأشياء التي أدرت عنها وجهك هي أبعد ما تكون عن الاختفاء، أنت تعلم أن جنونك يقبع بداخلك مهما حاولت الهروب منه و مهما حاولت تجاهله، تارة يشفق عليك كما نشفق على النملة المسكينة و نحن نحاصرها، تارة يسخر منك مقهقها بأعلى صوته كأنك عرض مسرحي فكاهي لا يفقد لذته مهما أعيد و مهما تكرر، أنت تعلم أيضا أن كل غنائمك و لحظات الفرح و الانتصار التي ظننت أنك حصلت عليها ب”عرق جبينك” ما هي سوى تثبيت لساعتك الداخلية حتى تسمح لك بالسرقة قبل أن تنطلق للعمل من جديد… أنت تعلم أن ظلالك السوداء ستظل هناك مهما فعلت… فاسع في الأرض جاريا و هاربا، لا أحد يتقن الهروب من نفسه، سوى بالموت.
يبدو العالم فوق صدرك شديد الوضوح، يبدو أننا أحببنا بعضنا فعلاً لكن توقيتنا كان متأخرا أو مبكرا، لم تفهم أبدا ما أعنيه بالوقت المتأخر و الوقت المبكر فيما يتعلق بمصير علاقتنا… (انتبهتَ إلى أنني أزيد تكوما و سرحانا و هدوء فوق صدرك حاولت رفع وجهي بأطراف أصابعك حتى أنظر إليك لكنني قاومت و غرست وجهي بين أضلعك بقوة أكبر، فسألتني في نبرة خائفة متوجسة…) :
-فيما سرحت الآن…؟ هل أنت بخير؟ هل يوجعك شيء؟
“هل يوجعني شيء؟”، قلت لك كان حبنا شائكا، أنت وجعي الأكبر رغم أنك أتيت متأخرا عن كل أوجاعي السابقة لكنك تفوقت عليها، كيف أخبرك أنك وجعي و أنك الجرح الذي ما زال يلكزني رغم السنوات؟ كيف أخبرك أنك وجعي بعد ممارستنا الحب؟ أهناك ألم أقوى وخيبة أعمق من أن تلعق اللذة من على جسد لم يتطوع للعق دمعة واحدة قبل أن تبلغ شفتيك؟
– لا أبداً، إنني بخير…
– صابرة… ؟
– نعم..
اعتدلت في جلستك، فعرفت حينها أننا سندخل واحدة من نقاشاتنا التي نظل نتحسس خلالها الحائط المؤدي إلى بر الأمان، كي لا نسقط من على الحافة و لكي لا نجلس بنفور و تنهد و تعب نسأل نفسنا ذلك السؤال… لم افترقنا؟… إن كانت كل الطرق تؤدي إلى روما، ففي حالتنا كل الأسئلة تؤدي إلى النكسة.
– ماذا كنت تعنين بالوقت المناسب حين كنت أطلب منك قراءة كتاباتك؟ دائما ما توقعينني في فخ مسألة الوقت هذه.. أ تعلمين كم من الأشياء تدينين لي بها بسبب عبارة ” مش وقته”؟
-إنني أقيس زمن حبنا بمدى حميمية كلماتنا، أتذكر تلك القصيدة التي شاركتني إياها عبر السكايب في ليلة من الليالي خلال عام علاقتنا الأول؟ كانت قصيدة عن الأم، قرأتها و كدت أتذوق في حنجرتي الدموع التي حجزتَها مكابرة أمام نفسك، أتذكر اللهفة التي كنت تعبث بها بين أوراق مسوداتك كي تسمعني آخر قصائدك؟ حينها كان حبنا بريئا و واضحا، كان بلوريا، كل الألم نعيد صنعه كلمة نكتبها كي نستدل بها على بعضينا خلال ظلمة الظروف، كانت علاقتنا تغرق في الظلمة الحالكة لكننا أنا و أنت كنا فراشتين لا تشعان إلا من خلال الظلمة، كنت أحفظ ملامح روحك غيبا و أنت تحفظ ملامح روحي غيبا… ثم… ( خرجت من صدري تنهيدة من يتوسل روحه البقاء بضع دقائق فقط).. ثم لا أعلم ما الذي حدث بالضبط…(ابتلعت ريقي و معها حزمة أوراق كان يجب أن أكتبها حتى أجيبك بكل صراحة و شفافية، لكنك لم تكن تستحق الشفافية لحظتها فأكملت ساخرة…) أنا أدين لك و أنت تدين لي.. على الأقل نحن متعادلان الآن في الدين…
لم يكن ديننا متعادلا أبدا، لكنك تدخلني في دوامة غرقت فيها كثيرا بينما كنت أنت تعبث في غفلتك، و حين انتهيت أنا من السباحة ضد التيار و قررت تجفيف ملابسي جئت أنت طالبا الأجوبة. كان توقيتك أنانيا بينما أنا كان توقيتي… حريصا عليك أكثر من اللازم، كلماتي هي بوصلتي الروحانية، أنت تستدل على طريقك بصلاتك و دعائك أما أنا أستدل على موقعي على أرض معاركي عبر الكلمة، أنت تعامل كلمتي كمتطفل يحاول التلصص على مدى غلياني أو برودي، سخطي أو رضاي، حبي أو كرهي، غفراني لك أو كفري بك، أما أنا فأعامل كلماتي كعضو من أعضاء جسدي، يجب إظهار الاحترام و العناية اللازمين له، و كما كتبت سابقاً : “من لا يحترم كلماتي لن يحترم صاحبتها أيضا ً”.
استطعتَ تحسس اللوم القابع وراء كل العطف الذي منحته و ما زلت أمنحه لك فاستنشقت نفسا عميقا من سيجارتك، كلماتك التي لم تقلها ستقتلك يوما ما، و لا أصعب علي من رؤيتي حلمي ممددا أمامي مقتولا بكلمة لم تقل، أو الأسوأ! كلمة قيلت في وقت “غير مناسب”…
لملمتَ ملامح وجهك التي سكنها التعب عميقا و حدقتُ بك طويلا بوجه مشفق، أشفق على نفسي و أشفق عليك و أشفق أننا كنا حلم الكثيرين و لم نتقن أن نظل حلمنا نحن… فقط أنا و أنت.
– أعلم أنك تلومينني على الكثير و أنني لم أكن بمستوى توقعاتك، أعلم أنني أبكيتك و جرحتك فوق قدرتك على الغفران و فوق قدرتي أنا على الإقرار و الإعتراف، و رغم كل ما قيل فإنني أحبك! تبدو كلمة الحب متعبة الآن و مجروحة و غير ملائمة ربما، و مشوشة و هاربة بنفسها نحو أرض أجمل من أرضنا و شفتين أطرى و أقوى و أصلب تتحملان عبء نطقها، لكنني أحبك، لا تخلطي بين الألفة و الحب يا عزيزتي، أنت لست حيوانا أليفا كي أحبك ألفة، ( ابتسمت نصف ابتسامة حين تذكرتُ مناداتك لي بالسلحفاة مما منحك -على ما يبدو- مساحة راحة أكبر كي تتحدث) إنني أحبك حب لجوء و حب فقدان، وحده الحب سيسمح لي بالرجوع لامرأة بقدر النعيم الذي كان بين أحضانها و فوق تضاريس صدرها الدافئ بعيدا عن حروبي و خيباتي، بقدر قوة السوط الذي جلدتني به لحظات السخط الأكبر. لقد كنت و ما زلت تمتلكين أصغر مفاتيحي و أبسطها إلى أكبرها، سمحت لنفسك عنوة ثم سمحت لك استسلاما أن تتغلغلي داخل مسامي، و أنت التي تحبين التغلغل العميق في نفس من تحبين لا تدركين كم مرعب أن تتوقعي كل حركاتي، أن تعنوني رزمانة أيامي كما تريدين أنت، لا تعرفين كم هو مخيف لرجل مثلي أن تستوطنني امرأة مثلك هكذا، أنا الذي أمضيت حياتي أصَعدُّ جسوري قوة و علوا كي تليق بقوة و علو أمواج حزني، و لا تعلمين يُتْم رجل أحب و تعوَّد على يدك التي طبطبت عليه حين ضعف و حين انكسر و التي صفعته أيضا…
لم أرد أن أوقفك، كانت لحظة أشتم فيها عطر الرجل الحقيقي الذي أحببته منذ سنوات و الذي غاب عني عطره بعد سنة حبنا الأولى، لا أعرف هل أتنفس كلماتك جوعا و حرمانا منها و أقتنصها، أو أرحمك مع علمي الكامل بألمك و أنت تُشَرِّح لي نفسك هكذا…
احتضنت بطنك بذراعي في تعب و سألتك:
– متى كانت أول مرة دخنت فيها؟
– حين اكتشفت أن السبيل الوحيد للتخلص من أحزاني يكون بحرقها و حرق نفسي معها لأنها استفحلت بي، أتعلمين؟ ( سحبت نفسا من سيجارتك، كأنك تحتاج أنسة حزنك و أنت تتكلم عنه) خلال أول سنة من دراساتي العليا كان علي الانتقال إلى مدينة أخرى و العمل بجانب دراستي، خانتني الشوارع و الوجوه الجديدة و اكتنفتني الوحدة كابن لها، كانت وحدتي قاتلة يا صابرة، كنت محقة حين أخبرتني أن أكثر ما تخافين علي منه هو الوحدة… حينها اكتشفت خوفا من نوع آخر و صارت مشاعري هائجة جدا… لا أعرف كيف أصف لك الأمر… لم أكن أبدا جيدا بالتعبير عن مشاعري كما تعلمين… لكن يبدو أنني فقدت ملكية نفسي في وقت من الأوقات و صارت تياراتي الداخلية تتقاذفني داخل نفسي بغض النظر عن مدى محاولاتي المضادة (أخذتَ وقتا لتصمت قليلا) و اشتقت إليكِ كثيرا! (نطقتها كمن يلهث استجداء لنفس قبل أن يموت، أو كمن لا ثقة له بنفس و لسان قد يخذلانه في أية لحظة) أو الأصح أنني افتقدتك، كنت محتاجا لك، افتقدت قدرتك على قراءتي، لا تعلمين مدى أهمية ما كنت تفعلينه من أجلي و لا حتى أنا كنت أفعل، لا تعلمين كم من الثقل كنت تزيحين عني… عن رجل تضيع نفسه أمام الكلمة… مما يجعلني أتفهم حرمانك لي منه، كنت طفلا، و ما زلت طفلا، طفلا يشيخ حين تبتعدين عنه، أعلم أنني أعبث بقلبك كثيرا بما لا يليق بك و بتضحياتك من أجلي، ما ذنبي أنا إن جاء زمن طفولتي متأخرا؟… ( علمت أن نوبة يُتْم قد راودتك حين تزحلقت برأسك فوق فخدي و تكومت كالجنين و اعتدلت أنا في جلستي ألاعب شعرك المبلل، تماما كما أحببتك… وتماما كما أحبك، و بدأت ترسم فوق رجلي دوائر و أشكال وحدك تعلمها… ثم أكملت)… كنت أكره الليل كثيرا، لأنه يحاصرني من كل ناحية، و أتذكر يوم كنت أنام على وقع صوتك خلال عامنا الأول، في الليل لا أتقن مراوغة شيء، لا غيابك، و لا ماضي و لا طفولتي و لا تعبي الذي يسكنني حتى الملل و الكلل ولا خوفي و لا صوت معدتي الذي يدوي جوعا و لا مستقبلي الذي ألاحقه بكل ما أملك و لا يبدو إلا أنه يزداد بعداً وتمنعاً.. . و حين قبضت راتبي الأول قررت أن أتجه نحو أول كشك سجائر لأشتري أول سيجارة لي…( رن الهاتف الأرضي فجذبتَ سلك الهاتف حتى سقط، و عدت متكوما بجانبي بينما ما زالت يدي جامدة في وضعية ملاعبة شعرك، تمزق وجهي بين دهشة و بين ابتسامة خفية، تذكرت هذيانك الأول حين سكبت مخزون روحك بإسهاب من أول ليلة… و دمعت عيني رغما عني لحظنا العاثر) أتعلمين لحظة أمسكت الولاعة لأشعل أول سيجارة بدا لي وكأنني عدت بالزمن سنوات.. أشعل النار بأشخاص خذلوني و بجدران شهدت ضعفي دون إذن مني و رغما عن أنفي و بصور و كل ما كان سببا في تمزيقي! و حين استنشقت دخانها الذي استفحل داخل مسام روحي كالنار في الهشيم أدركت أنني مادة قابلة للاشتعال بالفطرة، ومنذ ذلك الحين و أنا أحرق أحزاني مع كل سيجارة أدخنها، لم أملك سبيلا آخر، كنتِ أنت مطفأتي حين كنا معا و لعنت القدر الذي اختار لعلاقتنا هذا الديكور السخيف و البذيء، و حين ترحلين أظل أبحث عن مطفأة أخرى تعوضك فلا أجد، و أخيب و يتصاعد دخاني بداخلي لأنني لم أجد مطفأة لائقة، أما الآن أملك مطفأة حقيقية ( ضحكتَ مكابرا و رفعتها أمامي ثم خبطتها على السرير… سريرنا. رفعتَ رأسك نحوي فوجدت ملامحي مستسلمة لك، فابتسمت، كنت خرساء، من فرط حبي لك أصبحت خرساء، خرساء أصفعك حتى تدمي! ثم أجري أحتضنك إن أبكاك قدرك.. قدرنا… إن هاجمك طيف ماض قبيح شرير، لا أخاف عليك من سخطي بل أخاف عليك من سخط الآخرين، و أنت تعلم أنه بقدر كراهيتي لك ألما فإنني أخبئ لك في قلبي ملجأ.. للطوارئ) بعد ذلك صارت أحزاني سجائر أحرقها بعدد تلك الأخيرة… لقد أحببنا بعضينا فوق قدرة التحمل يا صابرة، فوق قدرة زماننا العاقر على التحمل، حبنا كان أضخم من رحمه، كان حبنا زهرة وردية اللون محصنة نفسها بالأشواك، بقدر بداعة لونها بقدر إيلام أشواكها، و إنني رجل لم يتقن اللعب خارج أراضيك و لا أراضي نفسه قط، فتَعلَّمَ كيف يحرق نفسه و اكتشف أن رجلا من هذا النوع، هو رجل لا تكفيه سيجارة واحدة…

1+
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً