العالم لم يصنع للقرى الصغيرة / انطونيو سكارميتا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!
فصل من رواية ( أب بعيد) للروائي التشيلي :لانطونيو سكارميتا.
ترجمة : مأمون الزائدي

 

9
skarmeta-laghoo-2على الرغم من حلول الليل فعلاً ، لا زلت بحاجة الى تحضير حصتي يوم الاثنين – في التاريخ، كان من المفترض أن أغطي موضوعا كبيرا جدا، ألا وهو الحرب الأهلية الإسبانية ومقتل فيديريكو غارسيا لوركا – نهضت عن الشراشف الخشنة التي تغسلها ماما حتى تصير طاهرة تلك التى يغضنها الطقس ويبردها حتى تجعلني أرتعش.
توجهت الى الطاحونة.
تظاهر كريستيان بعدم تفاجئه لرؤيتي وسأل إن كان لدي سجائر. قدمت له واحدة، وفي المقابل أزال فلينة زجاجة من النبيذ الاحمر. و ملأ كأسي حليب تحملان ربع لتر لكل منهما وأوعز لي بشرب كأسي في نفس واحدة. حالما فرغت الكؤوس ، احسست اني صاروخ يستكشف ظلام الفضاء.
وفقا للطحان ، نحن أبطال،انا و هو .الحقيقة البسيطة في كوننا لم نغادر القرية هي شيء ملحمي.
” انا أعطي الخبز للأطفال، وانت توفر لهم التعليم”، يقول لي، ويبصق بعض التبغ على مريوله . ” العالم لم يصنع للقرى الصغيرة. ولكن وجودنا يجعلها كبيرة. ذات يوم من هذه الأيام، سيقوم مسؤول حكومي رفيع بمنحنا تشريفاً . سيكون هناك سرادق في الساحة يحمل اسمك . كان والدك رجلا متحضراً ، وكباريسي، لابد ان يكون قد أحبك حقا ليقبل بدفن نفسه في هذا المكان لخمسة سنوات. قضينا ساعات طويلة نلعب الورق معا “.
“هل سبق لك أن دخلت بيت الدعارة في انغول، يا كريستيان؟” اطلقت السؤال في وجهه بشكل متهور، وثمل، وغبي .
ملأ كأسه بالنبيذ. غطيت كأسي مثل تابوت كي لا يسكب لي المزيد .
بلفتة من المفترض أن تكون مهيبة ، نهضت على قدمي وانا أنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم. يلف عقلي أسرع وأبعد من الكون.
“غدا السبت، يا جاك. انت لاتعطي حصصاً ، وأنا لا اصنع خبزا. القطار إلى انغول يذهب ظهرا. ولكن العمل لا يبدأ حتى حلول الظلام “.
“لا يهم”، قلت تحت وابل من النيازك. “إذا ذهبنا أثناء النهار، سيكون لدى الوقت لشراء هدية عيد ميلاد لغوتييريز”.
“شقيق الأخوات الصغير ؟”
” يقيم حفل عيد ميلاد يوم الجمعة المقبل. أخواته تنظران الي وتضحكان عندما نكون في الساحة “.
“الأصغر فيهما تميل اليك .”
” تميل لي؟ كيف يمكن أن يكون ذلك ، يا كريستيان؟ ”
” كلتاهما مهتمتان بالرجال ا لفرنسيين”.
“لكني تشيلي، و فقير ايضاً .”
“لكنك شاب . و لديك مهنة، لم تهيأ لحلب الأبقار. ذات يوم سترسلك وزارة التعليم الى انغول. أو حتى إلى سانتياغو “.
“يزعجني أن أسمعك تقول ذلك.”
“لماذا؟”
“اذا ذهبنا الى العاهرات اليوم ثم حصلت على وظيفة في مدرسة أخرى و اعلن شخص ما انه رآني في ذلك البيت ، ماذا سيحدث لمسيرتي المهنية؟”
“إن مدير المدرسة الثانوية يزور الفتيات أيضا.”
“لا تقل لي ذلك!”
“مهما كان ماتقوم به، سيكون هناك دائما من يحاول فرض قيوده عليك. فلا تبحث عنهم لوحدك. ما الذي ترغب في إعطائه لغوتييريز؟ ”
“زوجا من قفازات الملاكمة. رأيته يمارس الملاكمة خفية في ملعب كرة السلة “.
“عمره خمسة عشر عاما فقط وبدأيحصل على شارب”.
” الولد سر أبيه . هل سمعت شيئا من والدي؟ ”
“لا شيء يابني “.
“قلت هذا بشكل مضحك. هل هو ميت؟”
” كلا لم يمت”.
“حسنا، قلت انك لم تسمع عنه، لذا كيف يمكنك أن تعرف انه لم يمت؟”
سكب كريستيان لنفسه كأسا آخر من النبيذ،وأفرغ الزجاجة.
رقدت على الأرض.
“ماذا حصل لك ، يا صديقي ؟”
” لقد ثملت .”
“لا بأس. لاداعي للدراماتيكية. ما الذي يزعجك؟”
“أخت غوتييريز.”
“الأصغر سنا أو الكبيرة ؟”
“الأصغر، يا كريستيان. النهدين الذين لها ، تجعلاني ارغب في عصرهما حتى تثب حلمتاهما اللتان مثل العنب. أسنانها تضيء في الليل. أتخيل نفسي أعض شفتيها، ثم تداعبني … ”
“كيف؟”
لا أريد الإجابة. انا واقف في هذا الكون انتصب كعمود وحيد. أنا كلب يصفعه ضوء القمر. لماذا تركتنا يا والدي ؟
“الفتاة الشابة خيار جيد. اما الكبيرة … ”
“ماذا عنها، يا كريستيان؟ ماذا عن الكبيرة ؟ ”
“انها ناضجة جدا. قد تسبب لك المشاكل “.
“أية مشاكل؟”
“سأجلب زجاجة أخرى.”
“أجب على سؤالي أولا”.
“أشياء غريبة تحصل في حياة تلك الفتاة. هل تذكر عندما ذهبت بعيدا في عطلة في يناير كانون الثاني ولم تعد حتى أغسطس آب ؟ ”
“ماذا تقول؟”
“لا شى. أنا فقط اجد ذلك غريبا، هذا كل شيء “.
“انا غادرت القرية أيضا. ذهبت إلى الكلية في سانتياغو “.
“صحيح ،أنت قضيت عامين. وهي قضت تسعة أشهر “.
“وخلال ذلك الوقت اعتادت الصغيرة التجول في الساحة مع رجل اطفاء، متعلقة بذراعه”.
“وبعدها ، كليهما في وقت واحد ، اخذتا تخففان من ملابسهما. كان ذلك كما لو أنهما ليستا من هنا بعد الآن . ألم تلاحظ ذلك أبداً ؟ ”
“تلك الفتاة تزعجني. اذا ذهبت الى الحفلة يوم الجمعة ورقصت معها، فربما أقول لها أني أحبها “.
أخذ كريستيان سيجارتين من علبتي ووضع واحدة في فمي. واشعلهما من نفس عود الثقاب .
“رحلتنا إلى انغول سوف تساعدك على تجنب القيام بذلك.”
“على أي حال، ليس لدي الكثير من المال. يمكنني بالكاد تحمل تكلفة السجائر “.
“سوف أدفع للفتيات. يمكنك تعويضي في وقت لاحق “.
“حسنا، كريستيان. سأشتري تذاكر القطار “.
حدقت في القمر. وشعرت اني اتدحرج على الأرض .

0
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail
‫0 تعليق

اترك تعليقاً