Articles Comments

» فكر, مختارات » العنـــف الرمـــزي عند بيير بورديو

العنـــف الرمـــزي عند بيير بورديو

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



 د. جميل حمداوي –

 

أغنى الباحث الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) (1903-2002) السوسيولوجيا المعاصرة بمجموعة من المصطلحات والمفاهيم الإجرائية التي لايمكن تجاوزها أثناء ممارسة البحث السوسيولوجي، أو مقاربة الظواهر المجتمعية والثقافية والتربوية نظرية وتطبيقا ورؤية، مثل: العنف الرمزي، وإعادة الإنتاج، والحقل الاجتماعي، والهابيتوس، والرأسمال  الثقافي، والبنيوية التكوينية، والمدى الحيوي، والتمايز، وسوق الخيرات الاجتماعية.

 

العنف الرمزي:

من المعلوم أن العنف نوعان : عنف فيزيائي يكون بإلحاق الضرر بالآخرين جسديا وماديا وعضويا، وعنف رمزي مهذب يكون بواسطة اللغة، والهيمنة، والإيديولوجيات السائدة، والأفكار المتداولة. ويكون أيضا عن طريق السب، والقذف، والشتم، والدين، والإعلام، والعنف الذهني. لذا، يعرفه بيير بورديو بقوله:” العنف الرمزي هو عبارة عن عنف لطيف وعذب، وغير محسوس، وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياه أنفسهم، وهو عنف يمارس عبر الطرائق والوسائل الرمزية الخالصة .أي: عبر التواصل، وتلقين المعرفة ، وعلى وجه الخصوص عبر عملية التعرف والاعتراف، أو على الحدود القصوى للمشاعر والحميميات.” [1]

 

وعليه، يرتبط العنف الرمزي بالسلطة والهيمنة والحقل المجتمعي. بمعنى أن الدولة تمارس، عبر مجموعة من المؤسسات الرسمية والشرعية ( الإعلام، والدين، والتربية، والفن، والصحافة… )، عنفا رمزيا ضد الأفراد والجماعات. ويعني هذا أن المجتمع الحاكم والمسيطر يمارس عنفا رمزيا (violence symbolique) ضد الأفراد. وهذا العنف أكثر خطورة من العنف المادي الجسدي. وفي هذا، يقول بيير بورديو:” يمكن أن يحقق العنف الرمزي نتائج أحسن قياسا إلى ما يحققه العنف السياسي والبوليسي،…إن أحد أكبر مظاهر النقص في الماركسية هو أنها لم تفرد مكانا لمثل هذه الأشكال اللطيفة من العنف التي هي فاعلة ومؤثرة حتى في المجال الاقتصادي…والعنف الرمزي هو ذلك الشكل من العنف الذي يمارس على فاعل اجتماعي ما بموافقته وتواطئه.ولهذه المسألة نتائج كبيرة على النقاش الفكري الدائر حول ما إذا كانت السلطة تنبثق من تحت، وحول ما إذا كان الشخص الخاضع للسيطرة يرغب في هذه الوضعية المفروضة عليه.وبصيغة أخرى، فإن الفاعلين الاجتماعيين يعرفون الإكراهات المسلطة عليهم، وهم- حتى في الحالات التي يكونون فيها خاضعين لحتميات- يساهمون في إنتاج المفعول الذي يمارس عليهم نوعا من التحديد والإكراه. ولعل مفعول الهيمنة إنما ينبثق من هذه التفاعلات والتوازنات بين المحددات الحتمية وكيفيات إدراكها.

هناك قدر من الإنكار في التعرف على العنف الذي يمارس على المرء مع عدم الاعتراف به كعنف…فانطلاقا من كوننا نولد في عالم اجتماعي، فإننا نتقبل عددا من البديهيات والمسلمات التي تفرض نفسها علينا بتلقائية وسهولة، ولا تكاد تتطلب تلقينا.ولذلك، فإن تحليل كيفيات تقبلنا التلقائي للآراء والمعتقدات المتداولة في عالمنا الاجتماعي، هو الأساس الحقيقي لنظرية واقعية حول السيطرة وحول السياسة.وذلك بسبب التوافق المباشر بين البنيات الموضوعية والبنيات الذهنية.إن من بين كل أشكال الإقناع الصامت والسري هي تلك التي تتم بكل بساطة بفعل النظام العادي للأشياء.” [2]

 

ويلاحظ أن العنف الرمزي أكثر خطورة من باقي أنواع العنف المادي والسلطوي؛ لأنه عنف عاد وبسيط ولاشعوري، ولايعترف به – مجتمعيا- على أنه عنف، بل تعود عليه الناس، وقبلوا به ماداموا خاضعين لمجموعة من الحتميات والجبريات المجتمعية التي تتحكم فيهم، ويعملون على تكريسها في واقع حياتهم. ومن ثم، لانرى لدى الناس أي رفض أو مقاومة لهذا العنف المعنوي والرمزي، بل يعتبرونه فعلا عاديا، على الرغم من خطورته وآثاره الخطيرة نفسيا ومجتمعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا. وأكثر من هذا لم يشر كارل ماركس إلى هذا النوع من العنف، بل اكتفى بالعنف الطبقي ، على الرغم من وجود هذا العنف على الصعيد الاقتصادي.

 

أضف إلى ذلك، فقد ركز بيير بورديو على التلفزيون باعتباره أداة إعلامية خطيرة تمارس العنف ضد المواطنين، إذ تقدم لهم ما تشتهيه السلطة المهيمنة التي تستغل وسائل الإعلام لتحقيق مصالحها وأهدافها وأرباحها. ومن ثم، يتلاعب التلفزيون بعقول الناس، وينشر بينهم إيديولوجية الدولة المهيمنة، وأفكار الطبقة الحاكمة. وهذا يهدد – فعلا- الثقافة والفن والديمقراطية الحقيقية [3]. وينطبق هذا الحكم نفسه على الصحافة التي صارت من الوسائل الخطيرة التي تشارك الفئات الحاكمة في ممارسة العنف الرمزي ضد الآخرين.

وفي الأخير، ينتج العنف الرمزي عن اختلاف أنماط الرأسمال لدى الفاعلين المجتمعيين باختلاف مواقعهم الاجتماعية ، ووجود طبقات اجتماعية مسيطرة ومسيطرة عليها، واختلاف مصالح الأفراد والجماعات من حقل إلى آخر، ووجود تفاوت اجتماعي وطبقي بين الجماعات.

[1] -Pierre Bourdieu, La domination masculine, p:88.

[2] -Pierre Bourdieu et Loïc Wacquant, Réponses : pour une anthropologie réflexive, Paris, Seuil,‎ 1992,pp:141-143.

[3]– Pierre Bourdieu, Sur la télévision suivi de L’emprise du journalisme, Paris, Liber, coll. « Raisons d’agir »,‎ 1996, 95 p

بتصرف عن أدب وفن – د. جميل حمداوي

Filed under: فكر, مختارات

اترك تعليقاً

*