Articles Comments

» نقد » “فساد الأمكنة”.. تصدعات الحكمة، واستفحال المأساة

“فساد الأمكنة”.. تصدعات الحكمة، واستفحال المأساة

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



– محمود حسني

 

“فما فائدة الرحيل يا نيكولا ما دمت تحمل داخلك معك أينما حللت!”

هكذا، يتسائل صبري موسى (1932 – 2018) على لسان نيكولا، الشخصية الرئيسة، بعمله الأهم “فساد الأمكنة” (1973). وهو العمل الذي يمكن أن يكون مغريا بأن يتخلى المرء عن قرار ألا يقيم أي عمل بأحكام واضحة قاطعة. وأن يكتفي فقط بقول ما يشعر به، ما يفكر فيه ناحية النص دون حسم ما، وليكن كل تلقي للتعليق عائدًا لقراءة المهتم.

لكن هذا القرار يقشعر بدرجة رهيفة أمام بداية خلابة للعمل. ثلث أول يجعلك تفكر كيف يمكن لكائن ما أن يكتب شيئا بهذا الصفاء والإيغال في الحركة ناحية الذات. هذا التبصّر، والإمساك بالحكمة من مسار الخطيئة! ومع أن العمل في ثلثه الأوسط تدخله عدة شخوص ومسارات فرعية تصيب النص ببعض الترهل السردي، ومن ثم تعكّر قليلا هذا الصفاء، إلا أنه وكلما كان يعود صبري موسى إلى نيكولا ومأساته من جديد كلما تجده يتفادى هذا الترهل، ويعود النص “الروائي” متوترًا “شعريًا” كما هي طبيعته، حتى يصل القارئ إلى الثلث الأخير من العمل، ليعود شيئ من الصفاء ممتزجًا بوقع أكبر للمأساة. وتجلّي للتأثر بالتراجيديا اليونانية، أوديب تحديدا، ولو نجدها هنا ليست مأساة رجل مع أمه، بل رجل مع ابنته، وإن كانت مأساة متوهّمة 

كم هي موجعة تفاصيل المأساة. فها هو نيكولا الذي يأتي من البلاد الباردة والسقيع، تاركًا وراءه إيليا، المرأة التي قابلها على إحدى شواطئ إيطاليا، وأعطته نفسها، وأرادت أن تثبّت وتده في المكان إلى جوارها فأنجبت من بذرته ابنتها، التي اسمتها إيليا أيضا، ها هو نيكولا يصل إلى جنوب صحراء مصر الشرقية لينقب عن المعادن في قلب جبل الدرهيب، بين السكان الأصليين للمنطقة المنعزلة.

يدخل نيكولا الصحراء داهشا كطفل. يجد في الشاب إيسا، من سكان الجبل، شريكا روحيا، ما أن يسكن إليه حتى يختطفه الموت. يعثر على الذهب في بطن الجبل، ثم يزهد فيه حين يتهم كذبًا بسرقته. ويتأرجح نيكولا، في الصحراء، وينغمس أكثر في بطن الجبل، وحده. بعدما يتوهم اغتصاب ابنته، ويستولدها ابنا، يظن أنه هو حفيده وابنه. توهم يأتي بعدما يضاجع الملك إيليا الصغرى، ويضع فيها بذرته!
يرمي نيكولا نفسه للقروش لتنهي حياته، وحين ينجو، يظل في أوهامه، هذياناته، وإثمه بمضاجعة ابنته. فيقتل حفيده خطأ، وتنهار الصخور مغلقة جوف الدرهيب على ابنته، فيتركها هاربًا، سامعًا صوتها وهي تصرخ وتجرح جسدها بأظافرها حتى تموت منحبسة. ويظل نيكولا منذ حينها معلقا على صليبه ومأساته دون خلاص.

يظل الشيء الثاقب، الشيء الذي يأتينا من عمق العمل، والذي تبدأ بذرته من الثلث الأوسط للعمل – يا للمفارقة! – هو أن كل مأساة تبدأ حين يبدأ المرء في “الهوس بالتحرك ناحية الآخرين”. فحين بدأ نيكولا في البحث عن توسعة التجارة فيما يستخرجه من قلب الجبل، وحين تبدأ بقية المناجم في السماع عما يقوم به، يتوافد عليه البشوات، والهوانم، ويأتيه ملك مصر في زيارة. حينها يخرج نيكولا عن ذاته، يفرِّط في امتزاجه بملكوته، في الجبل أو الصحراء أو البحر، ويتحرك المرء ناحية الآخرين، يضعهم نصب أعينه، يضعهم هدفا للمنافسة أو الوصول إلى المال بمفهومهم أو النجاح بطريقتهم، فتبدأ المأساة الحقة، ويبدأ تداعي العالم، لأن الذات بدأت في التداعي حين انشغلت بما هو خارجها.

ها هي يا صبري موسى، من خلال نص روائي شعري متعدد المستويات على نحو مرعب في شساعتها. ربما ستبقى مأساة نيكولا داخل المرء طويلا، تنضج في إناء من الفخار يحتمل اللهب الصحراوي، ويعيد فيه المرء تشكيل ذاته ووعيه بالأشياء. أو على الأقل، إن كان قد وجد الطريق الذي تشير إليه أنت، قبل أن يقابلك، فهاهو يتأكد من سلامة الدرب الذي مالت إليه نفسه، وامتزجت به.

فسلاما إلى روحك، التي تشبه صخرة الأجداد المقدّسة. لعلك الآن في مكان أفضل مما نحن فيه.

Filed under: نقد