Articles Comments

» أدب, مختارات » آسيا جبار – عن الصوت الخارق للصمت المتفق عليه

آسيا جبار – عن الصوت الخارق للصمت المتفق عليه

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



“الثمن باهظ جداً كلما تعلق الحال بمصير الأنثى وصوتها أو جسدها” آسيا جبار


لا يستثنى عمل واحد من مجموع أثر آسيا جبار الأدبي عن التلويح بهذا الصوت الآخر ـ المؤنث، الخارق للصمت المتفق عليه والمتحدي للصوت المهيمن اجتماعياً، بل لعل اختيارها للغة أجنبية «الفرنسية» مرتبط بهذا التحدي للمسكوت عنه! «غنيمة حرب»، تدعو الكاتبة لغتها الأجنبية الباقية من إرث كولونيالي طويل. لكنها في الوقت نفسه. غنيمة دفعت بها، مثل آلاف المغربيات في سنوات الخمسينات، خارج حمى الحريم كما تصرح.

بهذه اللغة الأجنبية انتقلت آسيا جبار إلى مستوى التعبير عن تاريخها كامرأة، في مجتمع يرزح، رغم ثورته، تحت ثقل علاقات أبوية، وصولاً إلى خبايا الجسد الأنثوي وصوته المندفع كأنين عبر حقب طويلة من التاريخ. رغم ذلك، تتسم كتابات آسيا جبار بالحداثة في الأسلوب والمضمون على الرغم من تمسكها بالتقاليد العريقة للمجتمع الذي تتحدر منه. في هذا الحوار، تلقي الضوء آسيا جبار على أهم ما جابهته ككاتبة من تحد:

كيف أصبحت كاتبة؟

ـ مما لا شك فيه، أنه لم يكن يُقدر لي أن أصبح كاتبة لولا مواصلة دراستي الثانوية. والفضل في هذا يعود إلى أبي الذي كان يعمل معلماً. وكان بطبعه رجل القطيعة والحداثة في وجه الامتثال أمام التقاليد الجامدة ولا أقول التقاليد الأصيلة. كنت متشبهة بالأولاد آنذاك. وكان أول فعل أقوم به هو حرية التنقل الذي كان صعباً على الفتيات وخاصة في الأماكن العامة.

أنت متعلقة بالجزائر من خلال إبداعاتك لماذا هجرت هذا العالم والتحقت بباريس؟

ـ لم أذهب إلى باريس إلا في عمر الأربعين، وقد درست فيها. ولكنني أحتفظ بمسافة من المجتمع الفرنسي الذي لا أمتلك منه سوى اللغة التي أصبحت أرضي الوحيدة في نهاية المطاف. وعلى الرغم من انني استخدم اللغة «الأجنبية» كما يقال إلا إنني طرحت من خلالها علاقتي بتاريخي وهويتي ومحظورات المجتمع الجزائري وغيرها من الأسئلة الساخنة. لقد دفعنا ثمناً غالياً من أجل الاستقلال الذي تحول إلى مجرد ذاكرة ووشم للثورة والمعارك.

كيف ينظر الفرنسيون لأدبكم الذي يطلقون عليه الفرانكوفونية؟

ـ لا يرى النقد الفرنسي في كتابات الأدباء «الذين استعمروا سابقاً» غير مفاتيح للتفسير السوسيولوجي المباشر. وكان علي وأنا أستغرق في سيرتي الذاتية أن أعبّر عن خصوصيتي الجزائرية وأعمل جاهدة على إخراج هذه اللغة من ظلالها الثقيلة وماضيها المثير في الجزائر. ولكني أعتبر أن مهمة الكاتب هي مهمة اللغة بالدرجة الأولى. هذه اللغة في الأربعين عاماً العنيفة التي أطلق عليها «حرب الجزائر الأولى» لم تتقدم إلا على طريق الدماء والمجازر والاغتصاب. والمجتمع الجزائري شأنه شأن جميع مجتمعات الجنوب والبحر الأبيض المتوسط يتميز بتقاليده الإسلامية وثقافته الأندلسية التي تمثل خليطاً من الثقافات. أما القرن التاسع عشر فكان قرناً تدميرياً في الجزائر لأنه شهد على حروبه. وعانى المجتمع الأمرين، أولاً باستعمار فرنسا للبلد وثانياً بقيام هذا المجتمع بنضييق الخناق على أبنائه وخاصة النساء اللاتي حجزهن في عزلة قاتلة داخل جدران البيوت. كانت النساء الجزائريات يعشن في الثلاثينات والأربعينات مثلما صورهن الرسام يوجين ديلاكروا في لوحاته الاستشراقية في البيوت المغلقة والأزمنة المؤجلة.عندما بدأت الذهاب إلى المدرسة الفرنسية عشت بين عالمين عالم المستعمر وعالم الانغلاق.

هل خصصت رواية لهذا الموضوع ؟

نعم في رواية «الحب والفانتازيا» وروايات أخرى.

هل أنت عربية أم بربرية؟

لقد تحدثت عن ذلك في روايتي «ما أوسع السجن» مؤكدة على أن اللغة البربرية في المغرب لها حضور أكثر قدماً من اللغة العربية لأن العربية دخلت مع القرآن والإسلام إلى مناطق البربر الجبلية. ولا تزال منطقة القبائل الكبيرة لا تتحدث إلا باللغة البربرية فقط.

في إحدى رواياتك تتحدثين عن أم تبحث عن ابنها السجين في فرنسا؟

نعم إنها رواية مستقاة من سيرة الذاتية وهذه الأم هي أمي. في البداية، كانت رواياتي متخيلة استخدمت فيها معرفتي للمجتمع ومعمار البيوت وأسلوب حياة الناس. وحاولت أن أعبّر عن الشباب الذين يحاولون خرق التقاليد المتزمتة.

توجهت إلى تصوير الأفلام السينمائية، هل كان الأدب قاصراً في التعبير عن عوالمك؟

كلا لم يكن الأدب قاصراً أبداً كما لن يكون. لكني عبر السينما وتصوير الريبورتاجات كنت أشعر بالحاجة إلى التواصل مع الفلاحين والقرويين المنحدرين من أصول متنوعة. وبعد أثنى عشر عاما على الاستقلال عدت إلى قبيلة الأم، الحاضنة الأولى لكل أفعالنا.

هل حاولت الكتابة باللغة العربية؟

كتبت أربع روايات خلال عشرة أعوام من عمر العشرين إلى الثلاثين. وكنت حينها روائية وجامعية. وفي تلك الفترة، تساءلت فيما لو كان من الممكن أن أكتب بالعربية لكنني وجدتها معقدة وتحتوي على لهجات متعددة على الرغم من أن كاتباً سودانياً يُمكن أن يُقرأ من قبل مغربي أو عراقي. وقد أثرت الأفلام المصرية في نسائنا، فهن في القرى الجزائرية يعرفن الرقص والغناء المصري. ويفهمن اللهجة المصرية كما لو عشن هناك. للأسف الشديد استعنت كثيراً باللغة اللاتينية واليونانية وكانت اللغة العربية بالنسبة لي لغة ميتة على الرغم من دراستي للقرآن.

فيلمك «نوبة النساء» حاز على جائزة النقد في مهرجان فيتنيسيا عام 1979؟

كانت لدي ثقافة سينمائية وكنت أتردد على صالات السينما كثيراً. وعندما عدت إلى فرنسا عام 1974 لم أكن أعرف ما أقوم به. وكانت الجامعة تريد مني أن أوقع على حقوق إعداد إحدى رواياتي للتقديم على الشاشة. فقلت لهم: إنني أريد شيئاً آخر وهو أن أخرج هذا الفيلم بنفسي. وبالفعل فقد أخذت معي سائقاً ومهندساً ومصوراً وقمت بتصوير 40 ساعة من المحادثات مع النساء.

هل يمكننا أن نتحدث عن مسعى للكاتبة في تحرير أصوات نسائها بل وأجسادهن وصولاً إلى تحرير الحاضر الأنثوي بعد تحرير الماضي؟

لكن الثمن باهظ جداً كلما تعلق الحال بمصير الأنثى وصوتها أو جسدها.

 

عن البيان الإماراتية

Filed under: أدب, مختارات

أضف تعليقاً

*