Articles Comments

» فكر, مختارات » الدّين والأسطورة كنظامَين مُستقلّين وَمتقاطعَين ـــ فراس السوّاح (2/3)

الدّين والأسطورة كنظامَين مُستقلّين وَمتقاطعَين ـــ فراس السوّاح (2/3)

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



تتمتع الأسطورة بسلطة هائلة على عقول الأفراد ونفوسهم، ومؤيدات هذه السلطة تنبع من داخل الأسطورة لا من خارجها. وهي عندما تتصدى لمسألة من المسائل الشمولية، فإنها لا تطرح موضوعها على بساط البحث والتحليل، وإنما تتقدم بحقائق لا تقبل الجدال

ما هي الأسطورة:‏

1من حيث الشكل، الأسطورة هي قصة تحكمها مبادئ السرد القصصي، من حبكة وشخصيات وعقدة ورسالة يراد إيصالها، وهي تتمتع ببناء أدبي وصياغة رفيعة المستوى، وغالباً ما تثبت في قالب شعري يساعد على ترتيلها وتداولها، ويزودها بسلطان على القلوب يعمل في استقلال عن سلطان مضمونها ويتعاون معه.‏

2-وهي قصة تقليدية، بمعنى أنها تحافظ على ثبات نسبي، وتتناقلها الأجيال بنصها عبر فترة طويلة من الزمن، طالما حافظت على قوتها الإيحائية بالنسبة للجماعة. فأسطورة هبوط إنانا إلى العالم الأسفل، وهي أسطورة سومرية من الألف الثالث قبل الميلاد، قد استمرت في صورتها الأكادية حتى منتصف الألف الأول قبل الميلاد. وأسطورة هبوط أنكيدو إلى العالم الأسفل، وهي أسطورة سومرية مغرقة في القدم، نجدها بنصها الحرفي وقد أدمجت في ملحمة جلجامش البابلية وشكلت اللوح الثاني عشر من ألواحها، كما نستدل على ذلك من نسخة نينوى التي عثر عليها في مكتبة آشور بنيبال.‏

3-ليس للأسطورة زمن، فهي ذات طابع تكراري أو حضور دائم، وزمانها ماثل أبداً ومتداخل في الزمن الجاري. فالإله تموز الذي قتل في الأزمنة البدئية ثم بعث إلى الحياة، إنما يفعل ذلك في كل عام إذ يقتل في الصيف ثم يبعث في الربيع. والإله مردوخ الذي خلق الكون ونظمه في الأزمنة المقدسة الأولى، إنما يقوم في كل عام ومع بداية السنة الجديدة بإعادة خلق الكون وتحديده، وقيام الإله بعل بقتل الحية لوتان ذات الرؤوس السبعة، هو صراع دائم بين قوى الخير وقوى الشر. وعندما لا يكون للأسطورة طابع تكراري واضح فإنها تقوم للتعبير عن حقيقة أزلية لا يطالها تغيير، فأسطورة خلق الإنسان من تربة الأرض ممزوجة بدم إله قتيل، هي تأسيس لفكرة الطبيعة المزدوجة للإنسان، وتكوينه من عنصر مادي وآخر روحاني. وحتى عندما يكون للأسطورة زمن معين وتاريخ محدد واضح، فإن مراميها البعيدة تكمن خارج الزمن وتتخذ صفة الحضور الدائم، فأسطورة الطوفان السومرية والبابلية، رغم وقوع أحداثها في زمن محدد معروف، بل رغم أنها اتخذت نقطة ثابتة في التاريخ الذي انقسم إلى ما قبل وما بعد الطوفان، فإن رسالتها ليست زمنية على الإطلاق فالطوفان الذي دمر الأرض مرة هو نذير دائم بسطوة القدر، وتذكير حاضر أبداً بعدم الاطمئنان إلى استمرارية وثبات الشرط الإنساني والطبيعي وتحذير من الغضب الإلهي البعيد عن فهم البشر.‏

إن ما يميز الحدث الأسطوري عن الحدث العادي هو ذلك الحضور الدائم للحدث الأسطوري أو لمراميه الحقيقية، وتعبيره عن استمرارية قائمة لا تنقطع.‏

4-يذهب الآلهة وأنصاف الآلهة الأدوار الرئيسة في الأسطورة، فإذا ظهر الإنسان على مسرح الأحداث كان دوره مكملاً لا رئيساً. وفي بعض الأساطير التي لا نعثر فيها للآلهة على دور رئيس، فإن الحضور الإلهي يتمثل في قوة قاهرة تتحكم في حياة البشر، مثل قوة القدر.‏

ففي أسطورة أوديب اليونانية، لا نكاد نتلمس للآلهة دوراً مباشراً في مسار الأحداث، ولكن القدرة الإلهية حاضرة بقوة في هذه الأسطورة من خلال القدر الذي يرسم مسار حياة أشخاصها.‏

وهنا يجب ألا ننسى، إذا أردنا الاستفادة من دروس الميثولوجيا السومرية والبابلية، إن ألواح الأقدار يحملها كبير الآلهة. وإنها التي تعطيه مركزه المتميز وسلطانه المطلق، فإذا انتقلت من يده فقد قدرته على تسيير نظام الكون. ففي أسطورة طائر الزو الرافدية، يختل نظام المجمع الإلهي ويوشك العالم أن يعود إلى الفوضى البدئية عندما قام الطائر العملاق زو بسرقة ألواح الأقدار من إنليل.‏

5-تتميز موضوعات الأسطورة بالجدية والشمولية، وصلتها المباشرة بوجود الفرد والجماعة والعالم بأجزائه وكليته. فهي تدور حول مسائل خطيرة وأساسية مثل خلق الكون واستمراريته، خلق الإنسان ومصيره، أصول الظواهر الطبيعية وكيفية عملها، أصول النواميس الحضارية، الموت والعالم الآخر، أصل الملكية والسلطة، أصول الجماعة البشرية وتحدرها.. الخ.‏

6-لا يعرف للأسطورة مؤلف معين، وليست نتاج خيال فردي ما أو حكمة شخص بعينه، بل هي ظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى، تعبر عن مجمل تأملات الجماعة وحكمتها وتوجهاتها العامة، وذلك رغم ما يلعبه الأفراد من دور مهم في إعادة صياغة الحكايات الأسطورية وفق صنعة أدبية تتماشى وروح عصرهم.‏

7-تتمتع الأسطورة بسلطة هائلة على عقول الأفراد ونفوسهم، ومؤيدات هذه السلطة تنبع من داخل الأسطورة لا من خارجها. وهي عندما تتصدى لمسألة من المسائل الشمولية، فإنها لا تطرح موضوعها على بساط البحث والتحليل، وإنما تتقدم بحقائق لا تقبل الجدال.‏

إن السطوة التي تمتعت بها الأسطورة في الماضي، لا يدانيها سوى سلطة العلم في الزمن الحديث.‏

لقد رأى قلة منا عالم الجراثيم تحت المجهر، ولكننا جميعاً (نؤمن) بوجودها وقدرتها على إحداث الأمراض، لأن العلماء قد قالوا لنا ذلك.‏

كما أننا نؤمن بالطريقة نفسها بوجود الثقوب السوداء في الفضاء الكوني، وبالأشعة الكونية، وبطبقة الأوزون. وفي العالم القديم، لم ير الآلهة سوى قلة من الكهنة في أحلامهم، ولم يسمع كلماتهم سوى بعض المتنبئين في نوبات الوجد التي تعتري هذه الفئة من الوسطاء بين العالمين، ومع ذلك فقد آمن الإنسان القديم بوجود الآلهة، وآمن بالحقائق التي تقدمها الأساطير، وكان الكفر برسالة الأسطورة فقداناً لكل القيم التي تشد الفرد إلى جماعته، وفقداناً للتوجه السليم في الحياة.‏

8-تتمتع الأسطورة بقدسية خاصة لدى الفرد والجماعة. ولا نعني بالقدسية هنا تلك الصفة التي يتم إسباغها على كائنات وموضوعات دينية فقط، بل ذلك الإجلال والتعظيم الذي تستشيره الأسطورة بسبب وضعها المتميز بحق.‏

انطلاقاً من معايير التمييز التي أوردناها أعلاه، يمكننا التوصل إلى ما يشبه التعريف فنقول بأن الأسطورة هي “حكاية مقدسة مؤيدة بسلطان ذاتي”. ورغم أن شبه التعريف هذا لا يتضمن صراحة كل معاييرنا المعتمدة، إلا أنها ممثلة فيه بطريقة مباشرة أو ضمنية. ونحن نميل إلى القول بأن أي نص لا يقع في إطار هذا التعريف لا يدخل في زمرة الأساطير.‏

قد يصعب على إنسان العصر الحديث الذي يعيش في عالم فكري منظم تحكمه مناهج البحث النظري والعملي، ويجابه طبيعة نزعت عنها قدسيتها وأسرارها وتحولت إلى حقل للاختبار والتجريب، أن يتصور موقف الإنسان القديم في المراحل الأولى لمجابهته مع الطبيعة مجرداً من كل الأدوات المتاحة بين أيدينا اليوم.‏

كان عليه أن يستجيب بشكل ما لعالم موضوعي يطرح نفسه عليه ككل موحد متكامل، أن يتأمله ويفسره دون مقدرة على تحليله وإعادة تركيبه من جديد، فجاءت استجابته من خلال موقف كلي شمولي مقابل.‏

لم يكن يستطيع التمييز بين القوانين الحاكمة لحركة الريح والقوانين الحاكمة لحركة الأجرام السماوية، بين خصوبة الأرض وخصوبة الكائنات الحية، بين الظاهرة البيولوجية والظاهرة الفيزيائية. ومع ذلك كان عليه أن يجمع ذلك كله في كلٍّ مفهوم ويعبر عن ذلك الكل ويفسر موقفه منه ودوره فيه، فكانت تلك الحكايا المقدسة عن الآلهة وفعالياتها وعلاقاتها بمثابة “المنهج الفكري الأول”.‏

لم تكن الأسطورة علماً وفلسفة بالمعنى الذي نفهمه اليوم. ولكنها تنطلق بالتأكيد من الموقف نفسه والبواعث نفسها، وتهدف إلى النتيجة نفسها. ومضمون الأسطورة رغم بعده عن عالم الواقع التجريبي ومبادئ البرهان المنطقي الفلسفي، ورغم وقوفه عند حدود التمثيلات والصور، إلا أنه يبقى مضموناً مادياً بالدرجة الأولى يقصد إلى المعرفة، وذلك من خلال فعالية فكرية وفلسفية وروحية شاملة.‏

فكما يسعى العلم إلى خلق نظام من المبادئ والقوانين التي يعتمد بعضها على بعض، كذلك تسعى الأسطورة من خلال تمثيلاتها وصورها الحركية إلى صياغة صورة موحدة للعالم، وخلق نظام من الآلهة والقوى التي يعتمد بعضها على بعض في هرمية منسقة للأسباب والنتائج.‏

ولكن، بينما يسعى الفكر التجريبي إلى إيجاد علاقة محددة وصارمة بين أسباب معينة ونتائج معينة، فإن الفكر الأسطوري يجد نفسه حراً في اختيار سبب معين من بين مجموعة أسباب متاحة، ذلك أن علاقة السببية هنا لا تنتمي إلى منظور شامل وشبكة من الشروط العامة الكونية بل هي نتاج لإرادة حرة ما. فالأسطورة تعمل على أنسنة الكون الموضوعي حين تبث فيه عنصر الإرادات الفعالة والعواطف المختلفة، فكل ظاهرة موضوعية، هي حصيلة إرادة ما أو عاطفة ما، وحركة الكون ليست ميكانيكية قائمة على مبادئ مادية تسري في جميع مكوناته، بل جملة احتمالية قائمة على إرادات وعواطف تتبدى في شكل حركي هي إرادات وعواطف القوى الإلهية أو الشيطانية.‏

إلى جانب هذا الموقف الكلي من العالم، والذي ندعوه اليوم بمسائل الطبيعة، وما بعد الطبيعة، تلعب الأسطورة دوراً هاماً على المستوى الاجتماعي. فهي نظراً لقدسيتها ومؤيداتها الذاتية، كانت مركبة للتواصل بين الجماعة ذاتها وبين الأجيال المتعاقبة، خصوصاً قبل شيوع الكتابة والاعتماد عليها في الاتصال. فكان نقل الأسطورة من الكبار إلى الصغار ومن جيل إلى جيل، هو الوسيلة الفعالة لحفظ الثقافة واستمرارها. كما كانت الوسيلة الأجدى لترسيخ القيم الاجتماعية والأخلاقية، وذاكرة تحفظ بشكل ما ودون نظام جوانب مهمة من تاريخ الجماعة. وفوق ذلك كله، فقد قدمت الأسطورة للدين جانبه الاعتقادي النظري الذي يدعم ويبرر جانبه الانفعالي الأصلي. وهنا ترتبط الأسطورة الدينية بالطقس ارتباطاً لا فكاك منه، وتدخل في صلب العبادات التي تمارسها الجماعة. فالتدين الذي وجد تعبيره الانفعالي الجمعي من خلال الطقوس المشتركة التي تلتقي عندها الانفعالات الفردية في مظهر موحد، يجد الآن سنده الموضوعي في الأسطورة.‏

من هنا، يمكن القول بوجود أسطورة دينية وأخرى لا دينية. وكلا الزمرتين يتمتع بالقداسة نفسها، وتبوئه الجماعة مركزاً عالياً لا يقل عن الآخر إجلالاً وتعظيماً. فالديني وغير الديني في تقسيمنا هنا، لا يتطابق مع التقسيم إلى ديني ودنيوي، لأن المسائل الدنيوية إنما يتم التعامل معها من خلال أدبيات أخرى لا علاقة لها بالأسطورة.‏

ولمزيد من الإيضاح نقول، بأن الأسطورة الدينية هي الأسطورة التي ترتبط بنظام ديني ما وتدخل في صلب الطقوس والعبادات الخاصة بهذا الدين أو ذاك، أما الأسطورة غير الدينية فتعمل خارج النظام الديني، وتظهر كنتاج لموقف استقلالي إنساني، وفكر يعمل في معزل عن الحالة الانفعالية الدينية، رغم حضور الآلهة في نسيجها وقيامهم بدور المحرك الرئيس للحدث الميثولوجي. هذا الفارق الدقيق بين الزمرتين قد قاد كثيراً من دارسي الميثولوجيا إلى المزج بينهما، بل إلى إرجاع الأسطورة برمتها إلى الدين. ونجد مثل هذا الموقف في أكثر المراجع الحديثة رصانة، كما هو الحال في موسوعة كامبردج للتاريخ القديم، حيث أظهر محرر فصل ديانة وأساطير الإغريق، في المجلد الثاني من الموسوعة، رأيه الواضح في هذه المسألة، من خلال معالجته للميثولوجية الإغريقية كوجه من أوجه الديانة الإغريقية5. وفي الحقيقة، فإن أمثال هؤلاء الباحثين المحدثين إنما ينسجون على منوال تقاليد قديمة أرسيت أسسها منذ نهايات القرن التاسع عشر في أوروبا، على يد بعض رواد الدراسات الميثولوجية من أمثال جيمس فريزر الذي كرس في كتابه الشهير الغصن الذهبي” نظرية تبعية الأسطورة للطقس ونشوئها عنه، وتبعته في ذلك جين هاريسون في كتابها المعروف عن ديانة الإغريق وكتابها الآخر ثيمس6.‏

ولكي لا يبقى تحليلنا هذا في حيز التشريع النظري، لا بد لنا من تدعيمه بأمثلة عملية توضح ما ذهبنا إليه، وتبين كيفية تباعد وتقاطع النظام الديني والنظام الميثولوجي في الحياة الفكرية والروحية للإنسان.‏

3-الأسطورة والأسطورة الدينية:‏

عرض وتحليل:‏

أسطورة آدابا:‏

أسطورة آدابا: هي أسطورة سومرية مغرقة في القدم، وربما تعود في أصولها إلى مرحلة ما قبل الكتابة، رغم أن نصها المكتوب قد جاءنا من العصر البابلي. تجري أحداث الأسطورة في مدينة إريدو التي كانت أهم مركز من مراكز الحضارة العبيدية السابقة على الحضارة السومرية، ومقر عبادة الإله أنكي إله الماء والحكمة، والمعبود الأول لتلك الحضارة الرائدة في جنوب وادي الرافدين، ففي الأزمان الأولى، قام الإله أيا (أنكي) بخلق الإنسان الأول آدابا، وجعله قيماً على هيكله في المدينة ليحفظ شعائره ويخبز الخبز ويصطاد السمك من أجل القربان المقدس لإلهه. ولقد وهبه الحكمة والفطنة.‏

ولكنه لم يمنحه نعمة الحياة الأبدية. وذات يوم، وبينما هو يصطاد السمك في عرض الخليج هبت ريح الجنوب وقلبت مركبته، فلعنها في ثورة غضبه ودعا أن تكسر منها الجناح. وما أن نطق آدابا بلعنته، حتى كسر جناح الريح وجثمت عاجزة عن الحركة. وبعد سبعة أيام لاحظ آنو إله السماء غياب ريح الجنوب، ولما سأل عن السبب قيل له أن آدابا ابن إيا قد كسر جناح الريح وأقعدها عن الحركة، فأمر آنو بأن يمثل آدابا بين يديه. وهنا علم إيا بالأمر قبل وصول تعليمات آنو، وهو المطلع على خبايا صدور الآلهة، فاستدعى آدابا وشرح له أسرار السماء ومعارجها، ثم زوده بتعليمات مفصلة عن كيفية سلوكه هناك، فكان عليه أن يطلق شعره ويضع عليه عباءة المأتم، فإذا وصل بوابة سماء آنو السابعة سيسأله حارساها تموز وننجيزيدا عن سبب ظهوره في هذه الهيئة، فيجيبهما وكأنه لا يعرفهما بأنه حزين على الإلهين تموز وننجيزيدا اللذين غابا عن الأرض، وبذلك يستميلهما إلى جانبه. كما حذره إيا ألا يقرب ما يقدم إليه من طعام وشراب في حضرة آنو، لأن ما سيقدم إليه هو طعام الموت وشراب الموت. ولقد سار كل شيء على ما يرام في معراج آدابا، فبعد استجواب قصير سانده فيه كل من تموز وننجيزيدا اللذين سرا من إجابته عند البوابة، قرر الإله آنو أن يعفو عن آدابا، ولكنه لم يكن راضياً عن قيام إيا بكشف أسرار السماء للإنسان الفاني، فالتفت إلى أهل السماء قائلاً:‏

لماذا كشف إيا لإنسان غير مقدس‏

مكنونات السماء والأرض‏

لقد جعله قوياً وجعل له اسماً‏

فما عسانا نصنع به الآن؟‏

وبعد تأمل يقرر آنو أن يسبغ على آدابا نعمة الخلود، فيطلب إليه طعام الحياة ليأكل منه ولكنه لا يقربه تنفيذاً لتعليمات إيا، ثم يطلب إليه ماء الحياة فيعف عنه. فيأمر آنو بإعادته إلى الأرض بعد مسحه بالزيت وإلباسه عباءة جديدة، فهبط منها وقد خسر الخلود، يحمل معه بذور الأمراض المهلكة له ولذريته من بعده.‏

ولكن السماء ترفقت بالإنسان فبعثت وراءه بآلهة الشفاء نن كارا لتخفف من شرور الأوبئة والأمراض.‏

تخلو هذه الأسطورة من الجو الديني، رغم أنها تدور حول مسألة مركزية تتعلق بخلق الإنسان ومصيره، ورغم امتلائها بالآلهة ومشاهد العوالم السماوية. فنحن هنا لسنا أمام مسألة الخلق ومسألة الموت بأبعادهما الدينية الطقسية، وإنما أمام تساؤل فلسفي عن أصل الموت والمرض، وأمام رغبة قلقة ودائمة في المعرفة تتجه نحو ربط الظواهر بأسبابها. والموت هنا ليس مصيراً ماثلاً يسعى الإنسان إلى التخفيف من وطأته أو أبعاد أجله أو تخطيه إلى عالم آخر، وإنما هو واقعة أصلية ماضية يحاول استجلاء أصلها وفصلها. وعلى عكس ما يمكن أن نتوقعه من الأسطورة الدينية، فإن الأسطورة التي بين أيدينا لا توحي بجو الرهبة والاحترام لعالم الآلهة.‏

فهم منقسمون على أنفسهم متعارضون في الرغبات والأهواء، وتنقصهم النظرة الموحدة في مسألة هامة، هي مسألة الإنسان. فبينما أعطاه أنكي الحكمة والمعرفة وأطلعه على أسرار السماء والأرض ثم حجب عنه نعمة الخلود. فإن آنو كان مستاء من وصول آدابا إلى درجة من المعرفة جعلته شبيهاً بالآلهة، فرغب في ضمه إلى زمرة الخالدين. ولكن آدابا خسر الخلود بسبب خداع الإله آنكي ومكره إذ أعطاه تعليمات خاطئة بخصوص طعام الحياة وماء الحياة الذي قدم له، وبذلك استطاع عرقلة خطط الإله آنو دون مجابهة مباشرة معه.‏

قبل أن نغادر هذه الأسطورة، نود التوقف قليلاً عند العلاقة البنوية الواضحة بينها وبين الرواية التوراتية عن خلق الإنسان. فالأحداث في كلا الحكايتين تتصاعد في اتجاه واحد حول بضعة موضوعات تتصارع بشأنها إرادتان وفق ما يلي:‏

1-خلق الإنسان‏

الرواية التوراتية الأسطورة التوراتية‏

يهوه يخلق الإنسان ليعمل في إيا يخلق آدابا لخدمة معبدة‏

جنته التي زرعها في عدن شرقاً في إريدو‏

2-حكمة الإنسان ومعرفته‏

يمنع يهوه عن الإنسان المعرفة يعطي إيا الإنسان حكمة ومعرفة‏

ولكن الحية تقدمها له عن طريق ويعلمه أسرار السماء والأرض‏

ثمار شجرة المعرفة ولكن آنو لا يريدها له‏

3-مطلب الخلود‏

يحجب يهوه عن آدم نعمة يحجب إيا عن آدابا الخلود‏

الخلود، ولكن شجرة الحياة ولكن آنو يرغب في منحه إياه‏

قائمة تغريه بثمارها بتقديمه له طعام وشراب الحياة‏

4-خسارة الخلود‏

يخسر آدم الخلود لأن يهوه يخسر آدابا لخلود لان إيا‏

قد حان بينه وبين الأكل قد حال بينه وبين طعام وشراب‏

من شجرة الحياة الحياة الذي قدمه له آنو‏

5-العودة إلى الأرض‏

يعاد آدم إلى الأرض التي يعاد آدابا إلى الأرض‏

جبل منها وقد كسب الموت وقد كسب الموت ثمناً للمعرفة‏

ثمناً للمعرفة. وقبل هبوطه وقبل هبوطه يلبسه آنو عباءة‏

يلبسه يهوه مع امرأته أقمطة ويمسحه بالزيت‏

من الجلد ‏

ايتانا والنسر:‏

مثالنا الثاني عن الأسطورة غير الدينية هو أسطورة ايتانا والنسر، التي نعرفها بنصها الكامل من نسخة مكتبة آشور بنيبال، ومن نسخة بابلية قديمة، ومن شذرة لوح من العصر الآشوري الوسيط. إضافة إلى عدد من الأختام الأسطوانية التي اتخذت من هذه الأسطورة موضوعاً لها، وبعضها يعود إلى أواخر الألف الثالث قبل الميلاد.‏

كان ايتانا أول ملك نصبته الآلهة على البشر، وكان حاكماً صالحاً، ولكنه لم يرزق بولد يخلفه على العرش، فكان دائم الصلاة إلى الإله شمش ليرفع عنه لعنة العقم ويهبه ذرية.‏

وقد استجاب شمش لدعواته ودله على نسر حبيس في بئر عميقة يستطيع الطيران به، إذا قام بتحريره من أسره، إلى السموات العلا حيث توجد نبتة سحرية تزرع الخصوبة الجنسية في من يأكل منها. أما عن قصة النسر الحبيس، فتحدثنا الأسطورة في قسمها الأول الذي يبدو للوهلة الأولى أشبه بحكاية شعبية تمت حياكتها في نسيج الأسطورة، ولكننا نرى فيه عنصراً على غاية من الأهمية لفهم المستويات السرية للنص، كما سنوضح لاحقاً. فلقد اتفق النسر والحية على مشاطرة السكن في شجرة واحدة، يشغل النسر وصغاره قمتها، والحية وصغارها أسفلها وتعاهدا على العيش بسلام دون أن يعتدي أحدهما على الآخر. ولكن النسر نقض بعد مدة عهد الحية، واستغل فرصة غيابها عن جحرها فهبط والتهم صغارها. ولما عادت الحية وعرفت الفاعل، رفعت دعواتها إلى الإله شمش لينتقم لها من النسر، فاستجاب لها شمش وهيأ لها ثوراً برياً قتلته واختبأت في بطنه. وعندما هبطت طيور السماء لتأكل من الجثة، جاء معها النسر، فقفزت إليه الحية ومزقت جناحه وكسرت مخالبه، ثم ألقته في بئر عميقة مهجورة لكي يموت من الجوع والعطش. ولما جاء ايتانا بعرضه إلى النسر لشفائه و تحريره مقابل الطيران به إلى السماوات بحثاً عن نبتة الخصوبة، وافق النسر لتوه، وامتطى ايتانا ظهره وانطلقا يشقان طريقهما صعدا عبر الطبقات العليا حتى غابت الأرض عن أنظار ايتانا، وحتى اجتازا السماء السابعة مقر الإله آنو. وهنا تحصل فجوة في الرقيم الفخاري تقطع تسلسل النص، ثم نراهما بعد ذلك يهويان بسرعة نحو الأرض، ثم ينكسر الرقيم دون أن نعرف ما الذي حل بهما، وهل عاد ايتانا بالنبتة المنشودة أم لا.‏

وأغلب الظن أن ايتانا قد أفلح في مسعاه وعاد إلى الأرض بنبتة الخصوبة لينجب خلفاً له.‏

ودليلنا على ذلك لا نستمده من رقيم هذه الأسطورة، بل من رقيم آخر ذي طابع تاريخي، معروف لدى الباحثين بلائحة ملوك سومر وفيه يظهر ايتانا كأول ملك على مدينة كيش السومرية عقب الطوفان الكبير.‏

تقع هذه الأسطورة في زمرة الأساطير المعنية بترسيخ المؤسسات الاجتماعية القائمة وتبرير أصولها وبداياتها. فالملكية هنا قد هبطت من السماء، وهي مؤسسة راسخة وقديمة قدم الإنسان، وكذلك نظام وراثة السلطة التي يأخذها الابن عن أبيه. فأول وريث ملكي وفق هذه الأسطورة قد ولد بشكل معجز وبوساطة نبتة تم الحصول عليها من السماء، وبمعونة الإرادة الإلهية التي لم ترد أن ينقطع نسل ايتانا.‏

لأن نظام الملك قائم باستمرار النسل وبمؤسسة السلطة الوراثية.‏

إضافة إلى هذا المستوى الأساسي لفهم نص ايتانا والنسر، هناك مستويان آخران الأول تاريخي والثاني رمزي سراني يكمن تحت المستويات الظاهرة. فيما يتعلق بالمستوى التاريخي، تقدم لنا الأسطورة واقعة تاريخية تتعلق بحكم الملك ايتانا وتأسيسه لأسرة حاكمة في إحدى المدن السومرية. وقد استطعنا التثبت من هذه الواقعة استناداً إلى لائحة ملوك سومر التي تعتبر بمثابة سند تاريخي موثق لدى الباحثين. ورغم أن الأسطورة قد قدمت ايتانا باعتباره أول ملك للناس على الأرض، بينما قدمته لائحة ملوك سومر كأول ملك لمدينة كيش بعد الطوفان، فإن هذا الفارق بين المصدرين لا يؤبه له كثيراً، لأن الأسطورة قد عادت بذاكرتها إلى أول ملك يمكن للسومريين تذكره، ذلك أن ملوك ما قبل الطوفان كانوا بمثابة الأسلاف المبجلين الذين يشار إليهم عادة مجتمعين تحت لقب الحكماء السبعة، أما التاريخ الحقيقي للمدن السومرية فيبدأ من أوائل عصر ما بعد الطوفان.‏

أما عن المستوى الرمزي السراني لفهم هذا النص، فهو الذي يساعدنا في العبور من مقدمته المتعلقة بحكاية النسر والحية إلى متنه الذي يدور حول دور النسر في تحصيل نبتة الإخصاب ويوضح لنا العلاقة التي غمضت على مفسري هذه الأسطورة، بين الجزء الأول الذي ظنوه قصة منفصلة مقحمة والجزء الثاني الذي اعتبروه بمثابة النص الحقيقي للأسطورة. ولأن المجال هنا لا يسمح لنا بالغوص، كما نريد، إلى أعماق هذا الفهم السراني لنصنا، فإننا نكتفي بالإشارة إلى مفاتيحه العامة. فالشجرة هي الحياة بقطبيها السالب والموجب، المؤنث والمذكر، في قطبها الأعلى يستقر المبدأ الذكري الذي يجسد رمزه الأسطوري في النسر وفي قطبها السفلي يستقر المبدأ الأنثوي الذي يجد رمزه الأسطوري بالحية، ولكن النسر، بما تهيئه له الأسطورة من دور مقبل في جلب نبتة الإخصاب والمساهمة فعلياً في إزالة لعنة العقم عن الملك الأول للإنسان السومري، لا يستطيع اكتساب قوى الخصوبة التي هي وقف على الأنوثة إلا باقتناصها بغياً وعدواناً، وذلك بأكله لفراخ الحية التي تزوده بقبس من المبدأ الأنثوي، فيغدو مهيئاً لأداء مهمة تتصل في صميمها بوظيفة الإخصاب. فنحن نعرف استناداً إلى بعض الممارسات الطقسية القديمة، أن الكائن يستطيع التزود بخصائص وقوى كائن آخر إذا هو أكل جزءاً منه. وفي الحقيقة، فإن جزءاً لا بأس به من هذا المعتقد الأسطوري ما زال سارياً في حياتنا الحديثة.‏

فالبعض يعتقد مثلاً أن أكل لحم الخنزير سيفقده الغيرة على نسائه كما هو شأن ذكر الخنزير، وتوصي النساء الحوامل بعدم أكل لحم الجمل لأن أنثى الجمل تحمل جنينها مدة طويلة تصل إلى أحد عشر شهراً. ويتعدى هذا الاعتقاد بانتقال القوى والخصائص من الكائنات الحية إلى الجمادات، فهناك اعتقاد شائع في سورية بأن ماء مدينة دمشق ذو طبيعة أنثوية ولذلك يعطي شاربه ليونة ورقة، أما ماء مدينة حلب فذو طبيعة ذكرية ولذلك يعطي شاربه الخشونة والصلابة.‏

 

الدّين والأسطورة كنظامَين مُستقلّين وَمتقاطعَين ـــ فراس السوّاح (1/3)

Filed under: فكر, مختارات

اترك تعليقاً

*