Articles Comments

» ملف العدد » خمسون شاقلا

خمسون شاقلا

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



راجي بطحيش

 

1

نزل الرجال الثلاثة الى تل أبيب بطريق وعرة. فلسطينيان وأردني أو فلسطيني بجنسية أردنية كما تقتضي أحيانا قوانين الدقة الوصفية.

– 50 شاقلاً.

– كحد أدنى.

– إذا رغب أحدهم بأن تلجه فإطلع “علاوي” بمعنى أكثر من مئة شاقل.

– وإذا أراد ولوجي؟

– لا تكن غبيًا… نحن رجال لدى هؤلاء خيالات عنا.. أننا لا نحبّه وأنا عصيّون على عالم القضبان الذكورية وملذاتها…

– حاول جهدك أن يمصوا لك فقط بخمسين شاقلا… وإياك أن تقذف كي لا ينهكوك بعد “نمرتيْن”… واقبض مقدمًا كي لا يتركوك ويهربوا…

– إذا قلنا 10 زبائن في ساعة…

– صدقني عملت هنا 5 سنوات وأعرف هؤلاء الخواجات لا يشبعون… ويعشقون الخيول العربية… باستطاعتك عمل أكثر من عشرة!… صدقني.

تأمل الأردني الذي يدعى جهاد كفة يده التي تملأها الأوردة وقال:

– أنتم متأكدون؟ ماذا عن الشرطة؟ أخشى أنكم قد ورطتموني…

(يسلك المرء طريقا ترابية متعرّجة كي يتجاوز أول حاجز من دون أن يتعرض للمساءلة، ثم نهرًا هادرًا عظيمًا وطويلا من فيروز ورذاذ ذهبيّ كي لا يتعرّض… للفناء)

2

قرّر عوني أن يأخذ هذا اليوم كإجازة على حسابه يقضي فيها اليوم كله في تل أبيب… تلك المدينة التي لا يربطه فيها سوى ما تقترحه من لقاءات جسدية مع رجال عابرين غالبًا ما يكونون أصحابَ ملامح شمال-شرق أوروبية.. ارتطامات جسدية لا تترك سوى دغدغة خفيفة تسري في الجّسد لأسبوع على أقصى حدّ من دون مجهود خرافيّ، ويحمل في طياته مخاطرة ما… أو فضيحة عمومية تستتر في أحد أحراج الناصرة أو زواياها المظلمة من حيث لا نعلم…

كذب عوني اليوم على الجميع؛ فهو أخذ يوم إجازة غير مُبرّرة في يوم عاديّ لا يميّزه أيّ شيء خاصّ ولا تصبغه حتى مناسبة وطنية أو دينية في بلاد الواق واق… فقال لزوجته إنه في يوم استكمال مهنيّ حول “صحة الطفل النفسية في المجتمع الحديث”. قال لوالدته التي يسكن فوقها وهي تستجوبه مستغربة أنه في الطريق إلى مؤتمر هام حول “العولمة”. كما قال لصديقه الوحيد والأكثر من عزيز، عزيز، إنه يسعى للتقديم على تأشيرة عمل في السّفارة البريطانية في تل أبيب… مع أنّ عزيزًا هذا شكّ في الأمر والتهمته الغيرة فورًا…

هذا الكذب اللذيذ وما يرسله من نسمات تلاطف تجويفة العنق…

اِنطلقت سيارة السّرفيس من موقف الكراجات في وسط الناصرة وقذفت بعوني في منطقة أورلوزوروف أو القطار، وسط الغابة المدينية التي كان يزورها مرة كلّ فصل، وغالبا لنفس الهدف: الرجال.

“…نسيمك عنبر وأرضك سكر وإني أحبك آه أكثر يداك خمائل ولكنني لا أغني ككل البلابل فإن السلاسل تعلمني أن أقاتل…”

هذا كل ما تذكّر عوني ترديده في رأسه وهو يخترق شارع جابوتنسكي نحو الغرب… “أغنية أميمة الخليل… ذاك الحبّ بين ممرات هضاب عمان القديمة المعتمة في آن والطرية في آن. لو كنا نعطي الأشياء أن تعيش قليلا بعد بلوغ جذوتها لما كنت الآن أسير في هذا السبيل المخضب بالاغتراب… “مؤنس الشبل”.. أي اسم قد أحوله الآن ذهبا في إحدى هذه الصرافات الآلية المبعثرة في أوردتي”…

“غنائي خناجر ورد… وصمتي طفولة رعد… وأنت الثرى والسماء وقلبك أخضر.”

– لو سمحت؟ كيف يصلون من هنا إلى التقاء شارع ديزينغوف مع فريشمان؟

” قلبك أخضر… كيف إذًا لا أحبك أكثر؟”

3

معظم الناس يخرجون في الصباح من البيت ويذهبون إلى العمل ثم يعودون في المساء (وفقا لطبيعة العمل)، ويجلسون أمام التلفزيون وهكذا… حياة محفوظة في مرطبان للمُخللات تزيّنها أحيانا بعض الأمور كالأموال مثلا أو الزوج أو الزوجة أو الأولاد أو الهوايات الغريبة أو النزعات المُتطرفة…

ولكن أن يتجاوز رجل “مهيوب” بشارب كلّ هذا ويصل الى مدينة لا يعرفها أو بالأحرى لا يعرف عنها سوى شرورها، كي يعاشر رجالها –بما أنّ ذلك أسهل من نسائها بمكان- ويتلقى مقابل متعته هذه مبلغًا لا بأس فيه إذا أخذنا بعين الاعتبار الفجوة المعيشية الرهيبة بين الأماكن المتلاصقة حتى الموت إسرائيل-فلسطين-الأردن…

رجل “مهيوب” بشارب وعينين خضراوين و/أو عسليتين تميزان الكثيرين من الريفيين من أبناء فلسطين التاريخية واللا تاريخية… وبدلة رسمية متهالكة قليلا تخفي جسدًا فتيًا على الرغم من الأربعينية المتقدّمة الظاهرة في بياض الخصلات الكثيفة.. وحذاء يلمع مع أنّ أغبرة الطريق لم تُبقِ من هذا اللمعان سوى ذكراه.. كان الرجل وكأنه جاء يعقد صفقة مستحضرات تجميل رخيصة، لا ليؤرجح نصف رجال تل أبيب على ذكره العنيد…

اخترق الثلاثة شوارع المدينة بالفطرة نحو الغرب سالكين محور “كابلان”…

– متأكد أنك تعرف العنوان؟

-قلت لك يا رجل إنني أعرف تل أبيب أكثر من أهلها.. أكثر من براك حتى… أنظر، سنسلك هذه الطريق..

أخذ الرجل الثالث يتأمل البنايات الشاهقة التي تحيط بمبنى وزارة الأمن ومركز قيادة الجيش ويدندن أغنية أصالة، المطربة السورية الشهيرة: “لو تعرفوا منحبكم ونعزكم كدا قد إيه.. تا تا تا.. لتقدّروا حتى التراب اللي منمشيلكم عليه.”

اِقترب الثلاثة نحو انعطافة “إيفن جفيرول” والتي تشكل قلبا حقيقيا للمدينة…

– عندما يتم تشغيل القطار السفلي قريباً جدا سوف يصبح كل شيء أسهل بكثير…

– قطار سفلي؟ لكنني لا أرى محطات أو أحدًا يحفر شيئاً من أصله.

– ما أفهمك أنت؟ إنهم كالألمان يعملون في الليل فقط والناس نيام.. لا يشعر بهم أحد…

خرج الصامت الثالث عن وصلة دندنته:

– الحقيقة يا أبا خليل أنك بأيرك قد تحفر لهم عشرة خطوط مترو سويةً وبليلة واحدة…

قهقه الثلاثة بصوت عالٍ وبعُهر الفاتحين، وقال أبو خليل صاحب العينين الخضراوين والشارب:

– منتصبا أم نائمًا حسب ظنك؟

توالت القهقهات حافرة شارعًا أنيقًا/ هشًا يكتظّ برُواد المقاهي الأوروبية. دندن الثلاثة سوياً لازمة أغنية أصالة: “متصحوناش على حبكم لأنوا دايما في قلبنا وقد ما بهمكم أكثر كمان بهمنا.”

فجأة صرخ الدليل بصوت مخنوق:

– تواروا بين الأشجار… شرطة!

4

“يظهر القمر في الصباح كالشمس من الشرق الى حافة الموجة الأخيرة حيث تتكسّر وتتحوّل الى طائر يحلق نحو محرك طائرة تغادر أرض المواعيد المؤجلة أو تلك التي قد تنتهي بموت غامض… يشرق القمر من هناك ويتأرجح على ظلّ غيمة… فتتحوّل جلسة السّمر والمجون في الفندق اليافيّ القديم الى بركة من الدم النقي الصافي.”

5

عوني: لا يعقل أن أسافر كلّ هذه المسافة وأكذب كل هذا الكذب وأخسر يوم إجازة من رصيدي كالأبله، من دون أن يؤشر لي أحدهم أو حتى يلتفت إليّ… حتى هذا العجوز صاحب القضيب المتهدّل الكبير لم ينتبه للغة عيني المتعبة والتي بدأت تستجيب لعقلي وتسقط من حساباتها أولئك الرجال الذين يبدو أنه أصبح لا يمكن الحصول عليهم سوى بالأحلام الرطبة… عقلي يسقط فئة بعد الأخرى ولم يبق سوى المسنين وأصحاب العاهات الخلقية والمريبين وهؤلاء الذين يتصرفون كالغواني السوقيات وهم أكثر ما أكره.

“يا ربي كل هذا بسبب الكرش الصغير المتدلي؟”

اِقترب عوني من كائن ما قبيح وكأنه يستجدي المحاولة الأخيرة كي تنجح قبل أن يموت يأسًا…

– مساء الخير.

– آسف، لا أعرف العبرية. (بالإنجليزية المكسرة)

– من أين انت؟

– من رومانيا.

وفاحت من فمه رائحة بيرة مخلوطة بطحينة مخلوطة بفودكا.. مخلوطة ومخلوطة. وبيأس شديد:

– هل معني فيّ؟….

-لديّ دوار… ربما لاحقا…

كان هذا في نادي السّاونا الشهير للمثليين على جميع أشكالهم وأنواعهم وطبقاتهم وتقاطعات هوياتهم في وسط تل أبيب…

6

وفي النادي نفسه توزع الرجال الثلاثة مقسمين أدوارهم بالفطرة؛ فالدليل يقف خارج حجرات الراحة السرية حيث المحطة الأخيرة للدّنس ويدعو اليائسين الذين لم يلتفت إليهم أحد حتى الآن، بالعبرية الهامسة التي يدركها بالكاد، للدخول وتذوّق ما لم يعهدوه من قبل طارحًا التسعيرة بنبرة لا تشجع أبداً على الفصال.

استلقى الصامت مضطربا في حجرة وأبو خليل كالطاووس في حجرة مقابلة… وكأنّ مسافة مفرغة المعنى بين ماهية المكان والوظيفة والدافع وتلك الابتسامة الماجنة التي ألقى بها رسام فاشل تحت شارب أبي الخليل الرمادي الكثيف…

7

ينسحب هؤلاء الفتية عن إحداثيات وقوفي مخترقين حدود اللقطة السينمائية الطويلة… كذلك تنسحب أيامي وساعاتي… ويوميات شفتيّ.. وأتعرّق… وأتعرّق…

8

دخل عوني حجرة الرجل المدعو أبو خليل بعد أن وافق يائسًا على جميع شروط التسعيرة المهينة… كان أبو خليل يستلقي كالقط المتربّص لصاحبه حتى ينهي طعامه…

– do you like Arabic dicks?

– لا حاجة لأن أحبّها بهذه الدراماتيكية الإثنية فأنا عربي.

– صحيح لا يبان عليك.

– سأخرجك من هنا راضيًا تمامًا… ومن أي بلد أنت ؟

– الناصرة.

– من أي عائلة؟

– إذا سمحت لا تتجاوز حدودك.

– لي أقارب كثيرين في الناصرة.

– أي عائلة؟

– قل لي من أي عائلة أنت وبعدها سأقول لك.

– من تعرف هناك؟

– هل تعرف بيت “خلف”؟

– أنا من بيت خلف.

– إبن من

– قاسم!

كان قاسم خلف هو الأخ غير الشقيق لأبي خليل وقد كانت الخلافات العائلية التاريخية المتراكمة والحواجز السياسة قد أنست كليهما ذلك الأمر الحيوي الهام…

 

(عن كتاب: “ملح كثير، أرض أقل”- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت- 2009)

عن قديتا

 

Filed under: ملف العدد

أضف تعليقاً

*