Articles Comments

» ملف العدد » نقد الفكر الديني – مأساة ابليس 3

نقد الفكر الديني – مأساة ابليس 3

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



القسم الثالث

 

لنعد الآن إلى محنة إبليس الناتجة عن تناقض الأمر والمشيئة، عبّر الحلاج عن محنة إبليس بإيجاز رائع بقوله:
“لما قيل لإبليس “أسجد لآدم”، خاطب الحق:”أرفع شرف السجود عن سري إلا لك حتى أسجد له؟ إن كنت أمرتني قد نهيتني”(17).

وحدد الإمام المقدسي طبيعة التناقض بين الأمر والإرادة الإلهية بالكلمات التالية: “فإني نظرت بعين اليقين دائرة الشقاوة والسعادة: تدور على خط الأمر، ومراكز الإرادة، وبينهما تدقيق يدق عن التحقيق، ومضيق يفتقر سالكه إلى رفيق للتوفيق. فالآمر يهب والإرادة تنهب، فما وهبه الآمر، نهبته الإرادة. الآمر يقول إفعل والإرادة تقول لا تفعل”(18).

يبدو أن الإمام المقدسي أدرك الكثير عن أهمية العناصر الدرامية والمأساوية التي تنطوي عليها محنة إبليس. لذلك نراه يشدد على عنصر التناقض الذي واجهه إبليس، وعلى عجزه عن أن يجد مخرجاً لائقاً لنفسه، مما جعل الاختيار الذي كان عليه أن يقوم به اختياراً مصيرياً تتوقف عليه شقاوته الأبدية أو سعادته الأبدية، فإما أن يخضع لمتطلبات المشيئة وينسجم مع واجبه المطلق فيسعد في نهاية المطاف، وإما أن ينزلق في الإذعان للأمر والخضوع لواجبات الطاعة الجزئية فيفشل في الامتحان ويشقى إلى الأبد. أي أن أمر السجود وضع كيان إبليس وحياته وسعادته الأبدية في الميزان لأن “الآمر يهب، والإرادة تنهب”، و”الآمر يقول إفعل والإرادة تقول لا تفعل”. بالاضافة إلى ذلك تبين الفقرة التي استشهدنا بها من كتاب الإمام المقدسي أن الذين يقعون في مثل هذه المحنة لا يرون طريقهم واضحة ناصعة ولا يتاح لهم أن يميزوا بسهولة بين الاختيار الصائب والاختيار الفاسد، لأن “بينهما تدقيقا يدق عن التحقيق”. كما أن الذين يتورطون في مثل هذا المأزق يجدون أنفسهم في وحدة تامة لا ينفعهم فيها لا نصح صديق، ولا معونة رفيق، عليهم أن يختاروا وحدهم وأن يتحملوا نتائج اختيارهم، لأن الطريق التي كتب عليهم أن يسلكوها “مضيق يفتقر سالكه إلى رفيق للتوفيق”، على حد قول الإمام المقدسي.

في الصفحات التالية سأحاول أن أحدد عناصر المأساة في محنة إبليس، وأن أبرز نواحيها المتعددة، بقدر ما يسمح به الموضوع من الدقة والوضوح. لذلك سأعتمد مرجعين رئيسيين هما: مسرح سوفوكليس من التراث الأدبي اليوناني الغربي، وقصة النبي إبراهيم من التراث الديني السامي، ولا حاجة لي أن أطيل الكلام في إعادة قصة إبراهيم إلى أذهانكم. أمر إبراهيم أن يذبح ولده إسحاق (أو إسماعيل) ولما هم بذلك فداه الله (بذبح عظيم)(19). وهنا أقف برهة لأشير إلى دراسة كيركجورد الشهيرة لقصة إبراهيم في كتابه “الخوف والقشعريرة” لأبين أني اعتمدت في هذا القسم من بحثي الخطوط العريضة لتأويله لتجربة إبراهيم. لكن هذا لا يمنع وجود بعض الخلافات الأساسية بين الآراء التي سأوردها حول هذا الموضوع وبين نظرة كيركجور الخاصة إلى شخصية إبراهيم.

مما لا ريب فيه أن قصة إبراهيم تحتوي على إمكانات مأساوية عنيفة، وتتضمن كثيراً من المقومات الرئيسية للتراجيديا، ولكنه لا يحق لنا، في أية حال من الأحوال، أن نعتبرها مأساة حقيقية، لأنها تنتهي نهاية سعيدة متفائلة يرتاح لها الجميع. فالشعور الذي تخلفه فينا قصة إبراهيم يختلف اختلافاً تاماً ونوعياً عن الشعور الذي تخلفه فينا قصة الملك أوديب مثلاً.(20).

توجد اعتبارات عديدة تجعل من محنة إبليس مأساة حقيقة، وسأوجه إليها الانتباه واحدة تلو الأخرى:
1- كثيرا ما تقع الماساة في ساعة الأزمات الكبرى والهزات العنيفة التي تقلب الأوضاع السائدة وتزلزل أركان الأنظمة القائمة وتهز القيم المسيطرة فيشعر الذين يمرون بالتجربة بان كيانهم السابق ونمط وجودهم المألوف قد وضعتا موضع التساؤل، وأن العالم الذي يحيط بهم أصبح على وشك الانهيار بمقوماته المادية والروحية والأخلاقية. أنعم الله على إبراهيم “بغلام حليم” “فلما بلغ معه السعي”، قال له “يا بني إني أرى في المنام اني أذبحك”، أمر إبراهيم بذبح ولده، تقدمة منه إلى الله، فقلب هذا المر المعايير والمقاييس، وصدع القيم، وأضاع الملامح وخلط القسمات إذ على الأب الرحوم العطوف أن يقتل ولده أشنع قتلة عن سابق تصميم وتدبير، وبكل هدوء وخشوع. كان إبليس للملائكة معلما، وعلى الكروبيين مقدما، كان كما يقول المقدسي، ساكن البال مستقيم الحال، صالح الفعال، ولكن بينما هو في حضرة الشهود، أتى الله بآدم إلى الوجود، وأمر له بالسجود (21)، فاهتز نظام الملأ الأعلى وانقلبت المعايير والموازين مرة أخرى إذ على الجبين الذي لم يسجد إلا للأحد، أن يذل بالسجود لبشر، وعلى معلم الملائكة في التوحيد أن يجحد التقديس والتسبيح، وعلى النار أن أخضع للصلصال. ولكن إبليس رفض السجود، فلعن إلى يوم الدين. بعبارة أخرى تعرض علينا القصة جحود إبليس وطرده وهو في قمة عزه، ومن ثم ترينا إياه في حضيض بؤسه وشقاوته شأنه في ذلك شأن القصة اليونانية القديمة التي تعرض علينا الملك أوديب في ذروة مجده وسلطانه، ومن ثم ترينا إياه ضالا في متاهات اليأس والعذاب والألم. لقد أضحى كل منهما منبوذا مشوها مكروها، بعد أن هوى إلى أدنى مهاوي الشقاء فأصبح كل من كان عونا لهما عوناً عليهما.
2- إذا رجعنا إلى مسرحية أنتيجونا، نجد أن المأساة التي انتهت إليها البطلة ناتجة عن التناقض الجوهري القائم بين ما تمثله انتيجونا من ناحية، وما يمثله كريون ملك ثيبة من ناحية أخرى. كانت أنتيجونا مصممة تصميما مطلقاً أن تدفن جثمان أخيها القتيل مهما كلفها الأمر، وكان دافعها إلى ذلك حبها العظيم لأخيها وإيمانها الذي لا يتزعزع بضرورة تنفيذ مشيئة السماء القاضية بدفن الموتى. تقول أنتيجونا لأختها أسمينا: “أما أنا فموارية أخي، فإذا أديت هذا الواجب فما أجمل بي أن أموت، ولئن مت فإنما أنا صديقة لحقت بصديقها. سأؤدي واجبا عدلا ملؤه التقوى، لأن الوقت الذي سأروق فيه إلى الموتى أطول من الوقت الذي سأروق فيه إلى الأحياء، فسأكون قرينته أبد الدهر”(22). ومن ناحية أخرى نجد أن الملك كريون كان مدفوعا بعاطفة نبيلة ووطنية لما أمر بإنزال العقاب بالأخ الذي حمل السلاح ضد مدينته وقتل على أبوابها. كما أنه كان صادقاً في محاولته لإحلال حكم القانون وإعادة النظام إلى مدينة ثيبة بعد الفوضى التي عصفت بها. لذلك كان لزاماً عليه أن يتمسك بالحزم ويتسلح بالشدة ويصر على تنفيذ أوامره وإرشاداته بحذافيرها، وبكل تفاصيلها وأن يتوعد كل من تسول له نفسه مخالفة النظام بأشد انواع العقاب. وجميع هذه الاجراءات أمور طبيعية وضرورية في مدينة عانت من ويلات الحرب والوباء والفوضى ما عانته ثيبة عندما تسلم كربون مقاليد حكمها وكانت النتيجة ذلك الصدام المفجع بين متطلبات السلطة الزمنية وضروراتها، متمثلة في شخصية كريون، وبين متطلبات السماء وأوامر الآلهة متمثلة في شخصية أنتيجونا وحصد الجميع الموت واليأس والمأساة. عندما يسأل كريون انتيجونا:”وكيف جرؤت على مخالفة هذا الأمر؟” أجابت:” ذلك لأنه لم يصدر عن “ذوس” ولا عن “العدل”.. ولا عن غيرهما من الآلهة الذين يشرعون للناس قوانينهم، وما أرى أن أمورك قد بلغت من القوة بحيث تجعل القوانين التي تصدر عن رجل أحق بالطاعة والاذعان، من القوانين التي تصدر عن الآلهة الخالدين، تلك القوانين التي لم تكتب، والتي ليس إلى محوها من سبيل… ألم يكن من الحق عليّ إذن أن أذعن لأمر الآلهة من غير أن أخشى أحداً من الناس؟ وقد كنت أعلم أني ميتة وهل كان يمكن أن أجهل ذلك حتى لو لم تنطق به؟ لئن كان موتي سابقا لأوانه فما أرى في ذلك إلا خيرا …”(23).

إذا نظرنا إلى قصة إبراهيم من هذه الزاوية تبين لنا أنها تحتوي على تناقض شبيه بالتناقض الذي صوره سوفوكليس في مسرحيته المذكورة. لا بد أن إبراهيم عانى الأمرين من التناقض بين احترامه لمتطلبات الأبوة العاطفية وواجباتها الأخلاقية من جهة، وبين ضرورة الاذعان للأمر الإلهي القاضي بذبح إسحق من جهة أخرى. كان إبراهيم يحب ولده أكثر مما يحب نفسه، وكان يقوم بواجبات الأبوة خير قيام، ولكن عساه أن يفعل إذا تعارض هذا الحب وتعارضت واجبات الأبوة مع متطلبات الطاعة التامة لأوامر الإله مع واجباته الدينية المطلقة تجاه ربه؟ الحق يقال أن محنة إبراهيم مشحونة بعناصر المأساة وببوادر توترها إلى درجة أعظم من مسرحية أنتيجونا لأن التناقض الأساسي في مسرحية سوفوكليس كان بين السلطة الزمنية وبين أوامر السماء الأزلية. ولكل واحد من طرفي هذا التناقض يعودان في نهاية الأمر إلى مصدر واحد هو الله. عندما خضعت أنتيجونا لأوامر السماء خالفت بذلك أوامر السلطات الزمنية، بينما حين خضع إبراهيم لأمر ربه ووضع المدية على عنق ولده خالف بذلك القواعد الاخلاقية المطلقة التي أنزلها الله على عباده عن كيفية معاملة الآباء للأبناء، والأبناء للآباء. بعبارة أخرى لما أطاع إبراهيم ربه من الناحية الدينية اضطر لأن يعصيه من الناحية الاخلاقية.

ولا تختلف محنة إبليس، من حيث النوعية، عن محنة كل من انتيجونا وإبراهيم. كان أمامه الأمر الإلهي المباشر بأن يقع ساجداً لآدم، وفي الحين ذاته كانت أمامه متطلبات المشيئة الالهية الداعية للتوحيد والتقديس والتسبيح والتي لا تسمح بالسجود لأحد سوى للذات الصمدية. فأذعن إبليس لمتطلبات المشيئة وعصى بذلك أمر السجود فطرد ولعن، وكتب عليه اليأس المطلق من العودة إلى الجنة. لكن مأساة إبليس كانت أعظم وأفجع من محنة إبراهيم، ولا نقول مأساة إبراهيم بسبب ذلك الكبش الذي ذبحه عوضاً عن إسحق، لأن التناقض الذي واجهه إبليس لم يكن بين واجبات الطاعة الدينية وبين واجبات الطاعة الاخلاقية، بل كان بين واجبات الطاعة للأوامر الالهية فحسب. بعبارة أخرى واجه إبليس الرب وهو يناقض نفسه بصورة مباشرة ومفضوحة فذهب ضحية هذا التناقض وضحية الموقف الذي اختاره ووقفه.

من ينظر إلى شخصية أنتيجونا بشئ من الدقة والعمق، لا يمكن أن يرى فيها مجرد البطلة التقليدية التي تمثل كل ما يوصف بالخير والحق والجمال، بينما يمثل خصمها نقيض هذه الخصال. كما أن من يفهم قصة إبراهيم بأبعادها الانسانية لا يمكنه أن يرى محاولته ذبح ولده مجرد جريمة نكراء تتنافى مع أبسط بديهيات الانسانية والأخلاق. وكذلك الأمر بالنسبة لإبليس لأن من يدقق النظر في محنته لن يرى في جحوده أمر السجود مجرد تجسيد للعصيان والشر والخطيئة. إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية معينة فإننا نشك بأن إبليس كان عاصياً وجاحداً، ولكن من ناحية أخرى يجب ألا ننسى أن جحوده كان أعظم تقديس للذات الالهية وأكبر مثال على التمسك بحقيقة التوحيد. وقع إبليس في الاثم عندما جادل ربه ولكن الله هو الذي سمح له بذلك، وأصغى له عندما قال(أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). وهنا تتجلى شخصية إبليس المأساوية باعتبارها مزيجا من البراءة والاثم، من الجمال والقبح، من الحق والباطل، ومن الخير والشر. إنه يتصف بهذه الصفات مجتمعة، شأنه في ذلك شأن الابطال المأساويين الذين عرفناهم من خلال التراجيديات الكبرى في تاريخ الأدب، إذ كان على إبليس أن يرفض السجود تماما كما كان على “أوريستيز” أن يقتل أمه، وعلى هاملت أن يقتل عمه، وكان عليه أن يتحمل مثلهم البلاء والألم واليأس الناتج عن فعله. وجميع هؤلاء الابطال وجدوا أنفسهم بين شقي الرحى. فهم محقون من ناحية وغير محقين من ناحية أخرى، ولا يتحمل هذا التوتر المأساوي إلا أشدهم بأساً وأصلبهم عوداً، أي لا يتحمله سوى من كان معدنهم من معدن الابطال.

3- ستتضح لنا الأمور بصورة أفضل لو ميزنا بين نوعين من المأساة:”مأساة الغربة” (Tragedy of Alienation )، و”مأساة المصير أو القدر” (Tragedy of Fate). وموضوع الذنب أريد أن أطرحه الآن هو: أن محنة إبليس تمثل بكل جلاء كلا النوعين من المأساة. ينتج البلاء في مأساة الغربة بسبب الانفصال عن “وضع معين”، كان البطل يشارك فيه قبلا ولكنه يجد نفسه غريبا عنه الآن. وتعطينا أعمال ميلتون ودوستويفسكي وكافكا وكتاب كامو “الغريب” أمثلة واضحة عن مأساة الغربة. أما بالنسبة لغربة إبليس فقد قال الحلاج، على لسان إبليس، وفي وصفها ووصف ويلاتها ما يلي:” أَفْردَنَى ، أوجدَني ، حيرني طردنى لئلا أختلط مع المخلصين ، مانَعنَي عن الأَغيار لغَيْرتي ، غَيّرني لِحيْرتِي ، حَيَّرَني لِغُربْتِي [-] حَرَّمَني ، لصُحبَتِي ، قَبَحَنِي لِمِدْحَتِي ، أَحْرَمَنِي لِهَجرتَي، هجرني لِمكُاَشَفَتي ، كَشَفَنِي لِوَصْلَتي”(24).

وكتب الامام المقدسي على لسان إبليس الأسطر التالية في وصف غربته وشقائه: “ثم لكمال شقوتي سألت الأنظار، فصرت أضحوكة للحضار، أذوب إذا سمعت الذاكرين، وأتمزق إذا رأيت الشاكرين، واحد أفر من ظله. وواحد أهرب من زكي فعله. وواحد تحرني أنفاسه. وواحد يعجزني مراسه.. إذا تاب التائب قصم ظهري. وإذا رجع الآيب نقص عمري، كلما بنيته مع العاصي في سنة، تهدمه التوبة في سنة، فأنا في ويل لا يزول. وحرب لا تحول، وحزن شرحه يطول”(25).

أما إذا رجعنا إلى الوصف الرائع الذي تركه لنا أبو الحيان التوحيدي لحال الغربة فإننا نجده ينطبق كل الانطباق على حال إبليس، قال أبو حيان:
“يا هذا .. الغريب من غربت شمس جماله، واغترب عن حبيبه وعذاله، وأغرب في أقواله وأفعاله.. الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، ودل عنوانه على الفتنة عقيب الفتنة، وبانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة.. يا رحمتاه للغريب .. طال سفره من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب، واشتد ضرره من غير تقصير، وعظم عناؤه من غير جدوى”(26).

تعتبر مسرحية “الملك أوديب” ومسرحية “روميو وجولييت” لشكسبير من أروع ما كتب حول مأساة المصير. وكل من قرأ مسرحية سوفوكليس المذكورة يعرف كيف أخذ القدر مجراه المحتوم وصدقت جميع النبوءات، وكيف فشلت جميع المساعي التي قام بها أوديب وجوكاستا ليفلتا من مصيرهما المظلم. إذا نظرنا إلى محنة إبليس من هذه الزاوية تبين لنا أنه كان مسيرا في جميع خطواته وفقا للقدر الذي كتبه الله عليه شأنه في ذلك شأن كل ما هو كائن في ملكه بدليل الحديث القدسي القائل:
“إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال مقادير كل شئ حتى تقوم الساعة من مات على غير هذا فليس مني”(27).

وعبر الحلاج عن هذه الحقيقة بانشاده عن إبليس:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ***** إياك إياك أن تبتل بالماء

بعبارة أخرى كان إبليس خاضعا في أحواله واختياره وطرده ولعنته وتشويهه إلى أحكام الإرادة الإلهية ولأمر قضائه الذي لا يرد، كان مجبوراً بحكمته ومقهورا بمشيئته بدليل قوله تعالى: (إنا كل شئ خلقناه بقدر). وكتب الحلاج الكلمات التالية حول خضوع إبليس لقضائه وقدره:
“قال الحق سبحانه لإبليس:”الاختيار لي لا لك”، فأجاب إبليس:”الاختيارات كلها واختياري لك، قد اخترت لي يا بديع وإن منعتني فأنت المنيع، وإن أخطأت في المقال فأنت السميع، وإن أردت أن أسجد له فأنا المطيع، لا أعرف في العارفين أعرف بك مني، لا تلمني فاللوم مني بعيد، وأجر سيدي فإني وحيد”(28).

هنا يجب ان نلفت النظر إلى أنه ليس كل من جار عليه القدر وسحقه المصير المحتوم يصبح بذلك شخصية مأساوية. لأن المرء يتوقف إلى حد كبير على نوعية الرد الفعل الذي يبديه الانسان تجاه محنته، وطبيعة الاستجابة التي يبديها نحو مصيره. وعلى سبيل المثال كانت شقيقة أنتيجونا واعية كل الوعي للتناقض الذي دفع باختها إلى نهايتها المفجعة غير أنه لا يجوز لنا بأية حال من الأحوال أن نعتبر أسمينا شخصية ماساوية لأنها ظلت سلبية في استجابتها لهذا التناقض واستسلمت لمجرى الاحداث، لذلك نراها تنصح بالتعقل والتحفظ وتثير الشكوك وتبدي المخاوف مما يبين أن معدنها لم يكن من معدن الأبطال. والاعتبار نفسه ينطبق على الملائكة (وسيماهم على وجوههم من أثر السجود). ومن الطريف أن نقارن بين موقف إبليس وموقف آدم من هذه الناحية. عصى آدم ربه شأنه في ذلك شأن إبليس ولو شاء ربك لآدم ألا يعصي لما عصى، ولما عاتبه الله على معصيته لم يبد آدم أي رد فعل إيجابي بل قال: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). أما البطل المأساوي الذي يصارع مصيره كما صارعه الملك اوديب فلا يقول(إني ظلمت نفسي)، لأنه يعلم حق العلم أن قدره المحتوم هو الذي ظلمه. أما إبليس فإنه استجاب بصورة إيجابية لعتاب ربه فقال (بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض) فنفى بذلك أن يكون قد ظلم نفسه أو أن يكون مسؤولا عن مصيره ومآله. ومرة أخرى ينطبق على إبليس وصف أبي حيان التوحيدي للغريب :”لا عذر له فيعذر، ولا ذنب فيغفر، ولا عيب عنده فيستر”(29). أي خاف آدم من الاعتراف بهذه الحقيقة لما عاتبه ربه بينما ناقشه إبليس وحاول أن يدافع عن فعله وأن يبرر اختياره بالغرم من علمه أنه لا مفر له مما قدره الله عليه مثله في ذلك كمثل أدويب وجوكاستا في محاولاتهما الافلات من مصيرهما المشؤوم مع العلم بأن فشلهما كان محتوما ومتوقعا. وحتى بعد أن نزلت اللعنة بإبليس ظل إيجابيا في موافقه وأفعاله بدليل قوله (لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين…) نرى إذن أن إبليس هو المعدن الذي صنع منه أبطال الأعمال التراجيدية الكبرى في الأدب العالمي وصورت شخصياتها المأساوية على صورته. ولا عجب إذن أن نجد بأن هؤلاء الأبطال كانوا إما على اتصال مباشر بالشيطان أو كانوا يتصفون بصفات شيطانية واضحة. كما أنه ليس من باب الصدفة أن تكون الشخصيات المأساوية الكبرى مستمدة في معظم الأحيان من بين جموع الشاذين والمخربين والعاصين والكافرين والجاحدين والقتلة، ولذلك وردت المحاكمات القانونية بكثرة في عدد كبير من الأعمال التراجيدية المشهورة. ويكفينا أن نذكر على سبيل المثال أسكيلوس، وكافكا، والأخوة كارامازوف، ورواية “الغريب” لكامو. وبامكاننا أن ننظر إلى الجدل الذي دار بين إبليس وربه على أنه نوع من المحاكمة العرفية السريعة حيث أتيحت لإبليس فرصة ليدافع عن نفسه قبل أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

4- من العسير على الباحث في طبيعة المأساة ألا يتطرق إلى موضوع عاطفة الكبرياء وإلى الدور الذي تلعبه في حياة الشخصيات المأساوية. ويكتسب موضوع الكبرياء أهمية خاصة بالنسبة لنا بسبب الرأي الذي يعزو رفض إبليس السجود إلى دافع الكبرياء والفخار. قال الحق لإبليس لما طرده من الجنة “فاهبط منها فما لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين”. ولندرك كبرياء إبليس على حقيقتها يجب أن نميز بين الكبرياء بمعنى العجرفة وبين “الكبرياء المأساوية” التي اتصفت بها الشخصيات المأساوية الكبرى، علما بأن هذا لا يمنع أن يكون البطل المأساوي متعجرفا. غير أن هذه الخصلة الذميمة تبقى عرضية وطارئة بالنسبة لبطولته ومأساته. فالتعجرف والكبرياء والدونكيشوتية لا يجلبان لصاحبهما سوى الشفقة والسخرية، أما الكبرياء المأساوية فإنها تفرض علينا موقفا جديا تجاه البطل فيه الكثير من الاعجاب والتقدير حتى لو كان موقفه مخالفا لكافة مبادئنا ومواقفنا الخاصة. لذلك كانت الكبرياء دوما من أهم الدوافع التي حركت الشخصيات المأساوية من الملك أوديب إلى إيفان كارامازوف.

يتكون جوهر الكبرياء الماساوية من رفض البطل لأن يبقى سلبيا في وجه ما يعتبره تحديا لواجبه وكرامته حتى لو كان يعلم أن هذا التحدي هو جزء من مصيره وأن كبرياءه ستنتهي به إلى الدمار واليأس والموت. هكذا انتهى أوديب وهكذا انتهت أنتيجونا وهكذا انتهى إبليس. أما آدم فلم يعرف هذا النوع من الكبرياء على الاطلاق ولو كان مقدرا له ان يكون شخصية ماساوية لما قال (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). نستنتج إذن أن كبرياء إبليس لم تكن ناتجة عن عجرفة فارغة ولا عن تطاول على معبوده بل كانت كبرياء ماساوية دفعته لأن يلجا إلى الله من قضاء الله عليه. ولم يغير إبليس موقفه من ربه حتى بعد أن أصبح طريدا ولعينا، وظل يعترف بسلطانه وقوته ويخاف منه ولا يقرّ لنفسه بمعبود سواه بدليل قوله تعالى (كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين). وبدليل جواب إبليس عندما أقسم أمام الله (بعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) – سورة ص 83, 84. أي أنه بيّن أن لا شئ أعز عنده من عزة ربه، حتى بعد أن نزلت به اللعنة، واستثنى عباده المخلصين من قسمه وكأنه يريد أن يبين حسن ثنائه وصدق ولائه لرب العالمين، حتى بعد اللعنة والطرد. لم يكن إبليس غريبا فحسب بل كان في غربته غريبا على حد تعبير أبي حيان. يصف الحلاج موقف إبليس من ربه بعد أن نزلت عليه اللعنة الابدية في محادثته التي تخيلها بين موسى وإبليس:
“فقال موسى “الآن تَذْكُرُهُ؟” – فقال يا موسى الفِكْرَةُ لا تذكر ، أنا مذكور وهو مذكور ، ذِكْرُهُ ذِكرى ، وذِكْرِى ذِكْرُهُ ، هَلْ يكون الذاكرون إلا مَعاً ؟ خِدْمتِى الآن أَصْفَى ، ووقَتْى أَخْلى ، وذِكْرى أَجْلى ، لأَنى كنْتُ أخدِمُهُ فى القِدَم لحظِى ، والآن أخدمُهُ لحظَّه”ِ.

ونظر الإمام المقدسي إلى مصير إبليس وكبريائه نظرة غير مألوفة متأثرا في ذلك برأي الحلاج فقال:
“قال لي أسجد لغيري قلت لا غير، قال عليك لعنتي قلت لا ضير، إن أدنيتني فأنت أنت، قال تفعل ذلك استكبارا وفخارا، فقلت سيدي من عرفك في عمره لحظة، أو خلا بك في دهره غمضة، أو صحبك في طريق محبتك ساعة، حق له أن يفتخر، كيف بمن قد قطع الأعمار. وعمر بحبك الآثار. كم قد رقمت من صحائف توحيدك في الليل والنهار. كم قد درست من دروس تقديسك وتمجيدك في الإعلان والإسرار، والآثار تشهد لي، والديار تعرف بحقي، والليل والنهار يصدقني.. فأين كان آدم وأنا أمام صفوف الملائكة، وخطيب جميع الكروبيين، وقادة وفد المقربين فلي معك سابق عبادة، ولك معي سابق إرادة، فلما ظهرت أعلام الإرادة، انطمست رسوم العبادة، فأخطأ المجتهد اجتهاده، وزال السيد عن رتب السيادة، وأصابه سهم القضا فما أخطى فءاده. فسواء أسجد أو لم أسجد. وعبدت أم لم أعبد، فلا بد من الرجوع إلى سابقة الأقدار. فإنك خلقتني من نار، فلا بد من العود إلى النار. منها خلقناكم وفيها نعيدكم”(31).

 

 

Filed under: ملف العدد

اترك تعليقاً

*