Articles Comments

» ملف العدد » الهوية الجنسية : مثلية المرأة

الهوية الجنسية : مثلية المرأة

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on TumblrEmail this to someoneShare on LinkedInShare on Reddit



عبد الصمد الديالمي

هل تولد المرأة امرأة ؟ تجيب سيمون دو بوفوار بقولتها الشهيرة “لا تولد المرأة امرأة وإنما تصبح امرأة”. وتعني من هنا أن المرأة تولد أنثى، أي كائنا مختلفا عن الذكر، ثم تصبح امرأة، أي كائنا دونيا يحتل مرتبة اجتماعية أدني من مرتبة الرجل. بتعبير آخر، لا يجب اعتبار دونية المرأة نتيجة حتمية لأنوثتها البيولوجية، بل قرارا اجتماعيا يحوّل الأنوثة إلى دونية. انطلاقا من هنا، تم التمييز تدريجيا بين الجنس (الذكورة أو الأنوثة) وبين النوع الاجتماعي (الرجل/المرأة). والملاحظ هنا أنّ اللغة العربية لا تمكن من هذا التمييز بين ما هو بيولوجي وما هو اجتماعي إلا في حالة واحدة، في حالة التقابل بين الذكورة (البيولوجية، mâlitude) والرجولة (الاجتماعية، masculinité). أمّا في الحالة الثانية، فإنّ الأنوثة (féminité) تشكل في الوقت ذاته مقابلا للذكورة وللرجولة معا. ماذا يعني غياب مفهوم عربي يقابل الرجولة ويحيل على دور المرأة ومكانتها في المجتمع؟ هل يعني ذلك أن العقل العربي لا يقبل سوى فكرة الارتقاء من الذكورة (المعطاة بيولوجيا) إلى الرجولة (المكتسبة اجتماعيا)، من مرتبة حيوانية إلى مرتبة ثقافية فاضلة؟ وهل في “الانتقال” من الأنوثة (البيولوجية) إلى الأنوثة (الاجتماعية) إقرار بأنه لا فرق بين الأنثى والمرأة، وأن المرأة ما هي إلا أنثى في نهاية المطاف وأن وظائفها الأساسية هي الوظائف البيولوجية بالأساس؟ هل يعني هذا الغياب مجرد فقر لغوي؟ أم إنه غياب بنيانيّ في العقل العربي الذي لا يقبل فكرة بناء الهوية الجنسية إلا بالنسبة للرجل، بحيث أن الذكورة لا تكفي الفرد لكي يكون رجلا، فهي شرط ضروري لكنه غير كاف لوحده للارتقاء إلى مرتبة الرجولة. وعليه، لا مجال، عربيا على صعيد اللغة، لأطروحة دو بوفوار: المرأة تولد أنثى وتظل أنثى، فهي الكائن الناقص، والدونيّ بالتالي، والذي سيظل دونيّا في المجتمع بالنظر إلى نقصه البيولوجي (غياب القضيب). ويعني هذا الطرح أن للذكر امتيازا بيولوجيا يتحول إلى سلط وامتيازات اجتماعية، وأن تفوق الرجل يتأسس ويتمأسس على ذكورته. إلى أيّ حدّ يستطيع الرجل العربي المعاصر التخلص من هذا الطرح؟ إلى أي درجة يتقبل فكرة بناء الهويات الجنسيّة؟ إلى أيّ حدّ هو مستعدّ لبناء هويات جنسية جديدة لا تجعل من الاختلاف الجنسي ذريعة للتمييز الاجتماعي بين الجنسين ولإقرار تفوق الرجل؟ وبتعبير أعمّ ، ما مدى انغراس النظرية البنائية للهويات الجنسية في العقل العربي المعاصر؟

لكن ما يثير الانتباه حقا هو أن اللغة العربية لا تشكو لوحدها من غياب مقابل مؤنث للرجولة. فاللغة الفرنسية بدورها لا تتوفّر إلا على كلمة “féminité” للتعبير عن الأنوثة البيولوجية والاجتماعية معا. وهي مثلها في ذلك مثل اللغة العربية تميّز بين الذكر (mâle) والأنثى (femelle)، وبين الرجل (homme) والمرأة (femme). ورغم اجتهاد الحركة النسائية الفرنسية في وضع كلمة جديدة هي “féminitude”، فإنّ هذه المفردة لا تقابل “féminité”، بمعنى أنّها لا تحيل على البناء الاجتماعي للمرأة. فمدلولها مختلف، نضالي، هدفه التغني بالأنوثة كاختلاف والدفاع عن حقوقها في المساواة. ومن الراجح أن غياب مقابل مؤنث للرجولة في اللغة سمة تشترك فيها كل الأنظمة الاجتماعية الأبيسية على مر العصور. لكن الحذر العلمي يفرض التأكد من هذه الفرضية تجريبيا، وذلك من خلال دراسات مختلف القواميس في كل اللغات.

النظرية البنائية

انطلاقا من أعمال سطولير (R. Stoller) في الستينات من القرن العشرين، وضعت أعمال النسائيات الأنكلو- سكسونيات (مثل أوكلي Oakley) تمييزا بين الجنس (sexe) والنوع الاجتماعي (genre/gender). ويعني مفهوم النوع الاجتماعي، وهو المكسب المحوري للنظرية البنائية، نسقا من المعتقدات ومن الصفات النفسية ومن الأنشطة والأدوار ومن المراتب الاجتماعية المرتبطة ثقافيا بالجنس. من هنا، يتجلى أن الجنس (البيولوجي) هو أساس البناء الثقافي والاجتماعي للنوع، لكن الجنس لا يحدّد النوع بشكل حتميّ وأحاديّ. بتعبير آخر، لا يمكن الوقوف عند الاختلاف البيولوجيّ بين الذكر والأنثى لتفسير العلاقات الاجتماعية بين الرجال والنساء وفهمها. فإذا كان الجنس يعني الاختلاف، فإنّ النوع يرمز إلى التمييز الاجتماعي بين الجنسين. وتبعا لهذا الطرح، تصبح الرجولة بناء إيديولوجيا يبرر سيطرة الهوية الرجولية (identité masculine). في كلمة واحدة، تقرّ البنائية بعجز مفهوم الجنس في تفسير التمييز الاجتماعي بين الجنسين لتكشف عن دور مفهومي السيطرة والسلطة في تأسيس العلاقات الاجتماعية بينهما.

وتنقسم النظرية البنائية إلى تيارين، أحدهما تعادلي والآخر جذري حسب فريسك1 (Frisque) . مفاد التيار الأول أنّ الجنس الاجتماعي ينبني على الجنس البيولوجيّ بمعنى أن الاختلاف البيو- جنسي يحوُّل إلى علاقة تراتب وسيطرة لصالح الرجال. وهو التحول الذي يتم بفضل تنشئة اجتماعية (تعلم) تجعل من الذكورة تفوقا اجتماعيا ومن الأنوثة مرتبة اجتماعية منحطة. رغم اعتراف هذا التيار بأن الاختلاف البيولوجي أمر لا مفرّ منه، فإنه يناضل ضد تحويل الاختلاف الجنسيّ إلى تراتبية تلعب لصالح الهيمنة الرجولية. وبالتالي يناضل من أجل المساواة في الحقوق بين الجنسين. أما التيّار الثاني، الجذريّ، فيرى أن المقولات الجنسية (ذكورة/أنوثة) ليست معطيات بيولوجية محضة، فهي مبنية اجتماعيا في إطار علاقات اجتماعية تتميز بسيطرة الرجولة. في هذا المعنى، يقر بورديو بأن “الأجساد تتشكل بفضل التجسيد التدريجي للعلاقات الأساسية المؤسّسة للنظام الاجتماعي” 2.

إن النوع الاجتماعي (الجندر)، باعتباره علاقة سلطة، هو الذي يبني جسد المرأة ككينونة سلبية ناقصة، تنقصها خصائص الذكورة، على رأسها القضيب. وبالتالي، يتم فرض إدراك جسد المرأة كجسد له قيمة أقل، كجسد عليه أن يستجيب لهموم القضيب-المرجع، وهي هموم الانتصاب والقذف والإخصاب. وبالتالي يقع اختزال الجسد الأنثوي في الجمال والأمومة ولا يؤخذ بعين الاعتبار إلا بفضل هاتين “الخاصيّتين”. في الاتجاهين البنائيين معا، التعادلي والجذري، يتم التركيز على بناء الهوية الجنسانية كهوية اجتماعية علائقية، وهو البناء الذي يحول القضيب إلى مقياس تمييز وترتيب. فالإنسان لا يولد رجلا أو امرأة، وإنما يولد ذكرا أو أنثى، ثم يتم تحويل جنسه إلى نوع مسيطر أو مسيطر عليه.

 

1- Cégolène Frisque (Ministère de l’Emploi et de la Solidarité) : L’objet femme, Paris, , La Documentation Française, 1997.

2- P. Bourdieu : « La domination masculine », in Actes de la Recherche en Sciences Sociales, n° 84, septembre 1990, p. 8.

عن الأوان

 

Filed under: ملف العدد

اترك تعليقاً

*